الثالث والثلاثون اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك كان بعدك... كنزع الروح عن الجسد... وقساوتك كقلب من حجر... وكأنه انتقام من أشد عدو.... كان كل شيء فيه... مؤلم وجمر... يتبعه ثورة لهب... فياهذا لاتترك قلبي ينصهر أجابها بعين عاشق حد الجنون طويتكِ في قلبي فاطمئني. ولاتخشي مفاجأة الدواهي. جريتِ مع العروق وصرتِ مني. وذوبنا في الهوى حد التناهي. أكاد أبوح باسمكِ، غير أني أغار عليكِ من همس الشفاه. ***
قبل شهر، خاصة يوم زفاف حمزة ودرة. أنهى نوح عمليته واتجه إلى مكتبه بالمشفى الخاصة به وهو يدون بعض الأشياء المتعلقة بالمريض. قاطع اندماجه بعمله رنين هاتفه. زفر باختناق وأجاب على الهاتف. "نعم.." على الجانب الآخر أجابه والد راندا. "محتاجين نقعد مع بعض يا دكتور.." سحب نفسًا ثم زفره قائلًا بهدوء: "قبل أي كلام حضرتك، مفيش بينا حاجة نتكلم فيها. بنتك طلقتها وبعت ورقة طلقها وحقوقها بالكامل وصلتلها."
نهض المدعو راجح البحيري وهو يتحدث بفظاظة غليظة مغلفة بالتهديد. "مفيش طلاق، والبنت حامل. إيه يا دكتور مش عارف أمور دينك؟ رجع نوح بجسده وهو يمسح على وجهه قائلًا برزانة: "حضرتك شكل الباشمهندسة مش معرفاك إننا اتطلقنا من قبل ما أعرف بالحمل. ورغم كدا خليتها في بيت بابا واتعاملت أحسن معاملة لحد الولادة." صرخ راجح قائلًا:
"مش بنتي اللي تتطلق من جوزها في أول شهور جوازها. لا وبعدها تكون حامل يا دكتور. أنا ماكنتش أعرف بموضوع الطلاق دا. ودلوقتي هترجعها لعصمتك لحد ما أنا اللي أقولك هتطلقها إمتى." "بنتك طلقتها بالتلاتة يا راجح باشا. مش عايز أسمع كلمة تاني." قالها ثم أغلق هاتفه يلقيه على مكتبه بغضب. "غلطة وهفضل أتحاسب عليها طول عمري. إزاي نزلت للمستوى الزفت دا." بمدينة لوس أنجلوس. سحبهما إحدى الرجال وتحدث بلكنته الإنجليزية.
"سيدي، لقد أحضرت لك الفتيات." استدار ينفث تبغه وهو يشير بيديه للخروج. ثم اتجه لشاشته ينظر لتلك التي تصرخ بأحد رجاله. "سأمزقك بأسناني أيها الغبي. أغرب عن وجهي." تراجع بجسده وظل يراقبها بصمت قائلًا لنفسه: "أبله وأحمق أيها الرجل. منذ متى وتقف بوجهك أنثى تتدلى عليك مثل تلك الشرقية التي تتفعم بطاقتها الحيوية." نفث تبغه ونظراته الثابتة عليها لم تتوانى عنها لحظة. دقائق يراقبها بنظراته الثاقبة. بالغرفة.
كانت تجول ذهابًا وإيابًا وتحطم ما يقابلها. "كفى حبيبتي اهدئي. الآن سنعرف من الذي فعل ذلك." جذبت خصلاتها الشقراء بعنف. "كيف لي أن أهدأ وذاك الجبان مختبئ ولا نعلم لماذا نحن هنا." نظرت حولها فوجدت بعض الكاميرات توضع بالغرفة. أشارت بسبابتها. "من أنت أيها الغبي الجبان. ولما نحن هنا؟ عند راكان وليلى. جلس بجوارها يمسد على خصلاتها. استمع لصوتها بين النوم واليقظة. "بحبك."
ابتسم وكأنها لأول مرة تنطقها. شعور مفعم بالعشق. استند يدمغ جبينها بقبلة مطولة هامسًا بجوار أذنها. "وأنا أعشقك يا مولاتي." مسح على وجنتيها يتذكر ما مر به منذ أن رآها لليوم. ثلاثة أعوام أنهك قلبه المعذب بعشقها النادر. وهجرها كهجر النجوم للسماء بليل الشتاء. وضع رأسه ومازال يملس على وجنتيها بعيون سعيدة همس لنفسه قبلها.
"أوعد نفسي وقلبي قبلك أن حياتنا الجاية تكون هادية وسعيدة. هحاول بكل جهدي أعوض أيام الحزن والوجع اللي دفعنا فاتورتها غالية أوي." أطبق جفنيه يسحب عطر أنفاسها لامسًا شفتيها. ود لو فتحت ليلها ليقر قلبه الملتاع بقربها. أيقظه من أحلامه رنين هاتفه. أمسكه متجهًا للخارج بعدما دثرها جيدًا. "أيوة يا زفت متصل ليه." ولكنه صمت عندما استمع لشهقات أسما. "فيه ناس ضربوا نوح وهو في المستشفى حالته خطيرة. حالته خطيرة."
قالتها بصوت باكي متقطع. حتى سقط الهاتف من يديه هامسًا "نوح". شل جسده وكأنه لم يعلم كيف يكون السير. وتاهت نظراته بالمكان كأنه شخص غريب يعيش بصحراء قاحلة. فقد بها كل شيء. دقائق مرت عليه كالدهر. حتى ثنى جسده وعقله يرسم أشياء خطيرة. أمسك هاتفه وبأصابع مرتعشة. وقلب ينتفض خوفًا. "يونس." قالها بتقطع وأنفاس سحبت من رئتيه هامسًا. "نو..ح..ن..و..ح. فين يا..يو.نس." على الجانب الآخر كان يقود السيارة بسرعة جنونية يتحدث.
"أنا كنت عنده وحصل مشكلة مع سيلين، لازم أسافر حالا. أنت خلي بالك من نوح. لازم أقفل دلوقتي." جحظت عيناه من حديثه الصادم. حاول الاتصال به. ولكنه أغلق هاتفه. واتجه للخارج. استقل سيارته متوجهًا للمشفى سريعا. وصل خلال دقائق معدودة. ترجل سريعا من سيارته ودلف للداخل. وجد أسما تقف أمام غرفة العمليات وبجوارها كريم أخو ليلى. "إيه اللي حصل؟ ومين ضربه؟ ابتلع كريم غصة مريرة وأجابه. "ما نعرفش. هو بقاله نص ساعة جوا."
اتجه لمدير المستشفى ليعرف آخر الأخبار التي وصلت إليه. *** عند يونس. قبل صعوده للطائرة، قام بالاتصال بوالده. "بابا أنا هركب الطيارة وأكون عندك في أمريكا. قابلني على السفارة المصرية بعد ما أوصل هناك." أجابه خالد قائلًا: "أنا مع السفير دلوقتي يا يونس. وعملنا بلاغ وبندور يابني متخافش." أغلق هاتفه بعدما تحدث. "تمام يا بابا. حاول توصل لحاجة. مش هقولك حالتي إزاي." بعد فترة وصل راكان إلى منزله. صعد للأعلى.
اتجه بنظره لغرفة زوجته فخطى للداخل بخطوات متعثرة وكأنه يسير على نيرانه تحرقه دون رحمة. دلف للداخل بهدوء وجدها تتقلب بفراشها. شعرت به. ابتسمت له. "متى تيجي تنام بدل ما أنت مراقبني كدا. صدقني لو قادرة أقوم أقعد معاك كنت قمت." قالتها وهي تغمض عيناها بين النوم واليقظة. توقف ينظر إليها بهدوء. لا يعلم كيف يخبرها بما حدث. اتجه إليها وقام بحملها دون حديث. فتحت عيناها تضع رأسها بحنايا عنقه.
"راكان صدقني مش قادرة خالص. معرفش عايزة أنام على طول بطريقة غبية." اتجه للخارج دون حديث. ثم وضعها بالسيارة. هنا توسعت عيناها وهي تنظر حولها بإستفهام. "إحنا رايحين فين حبيبي." استقل السيارة بجوارها وجذبها لأحضانه. "هنروح القصر. المكان هنا مبقاش آمان. بس مش عايز حد يعرف بحملك حتى ماما نفسها." توقف عن الحديث متسائلًا. "عرفتي حد بالحمل؟ هزت رأسها بالنفي. "إزاي هعرفهم قبل ما أقولك يا حبيبي."
طبع قبلة على جبينها ثم قام بتشغيل المحرك. محاولًا السيطرة على آلامه وحزنه. "حافظي على علاقتنا قدامهم مش عايز حد يشك إننا رجعنا لبعض. الدنيا كلها فوق دماغي. فلو سمحتي حبيبتي بلاش أنتِ كمان." قالها وملامح الحزن تكسو وجهه. متنهدًا بألم والخوف على صديق عمره يشق صدره. كان يقود السيارة بصمت استغربته ليلى. أدارت وجهه "مالك يا راكان إيه اللي حصل وبعدين مش المفروض نروح عند بابا ليه هنروح على القصر؟
سحب نفسًا قاطعه رنين هاتفه أجابه سريعا. "إيه وصلت لحاجة." أجابه الرجل. "ماوصلناش لحاجة يافندم. بس والله هي رفضت." جز على أسنانه صارخًا به. "حسابكم معايا بعدين." هز رأسه وهو يضغط بكفيه على المقود. "روح السفارة بلغهم لحد ما أشوف هعرف أجيلكم امتى." قالها وأغلق هاتفه دون حديث آخر. ارتفعت دقاتها بخوفًا وهي ترى تبدل حالاته. فأردفت بتقطع. "را..كان فيه إيه؟ اتجه بأنظاره إليها وحاول التحدث بهدوء رغم حزنه الكامن.
-سيلين اتخطفت. معرفش مين اللي خطفها. ونوح فيه حد ضاربه وفي المستشفى بين الحياة والموت. شهقة خرجت من فمها وهي تصرخ. -يالهوي إمتى حصل دا كله. أطبق على جفنيه محاولا السيطرة حتى لا يفقد اتزانه أمامها ويخوفها، فهو يشعر بأن هناك حجر ثقيل يطبق على صدره. جذبها وهو يوزع نظراته بين الطريق وبينها.
-حبيبي لازم نتماسك قدام ماما. أكيد حمزة هيأجل الفرح. ماهو مش معقول نوح يكون حالته خطيرة وهو يكمل فرحه. المشكلة تليفونه مقفول مش عارف أوصله. أنا هوديكي القصر بس خلي بالك مش عايز ماما وبابا يعرفوا حاجة، وخاصة بابا قلبه مش هيتحمل. آخر مرة الدكتور قالي حالته في النازل يعني ممكن لا قدر الله يموت فيها. رفعت كفيها على وجهه وترقرق الدمع بعينيها. -متخافش. كله هيكون تمام. أهم حاجة عندي إنك تكون بخير. بعدها كله هيكون كويس.
طبع قبلة مطولة على كفيها. -ربنا يخليكي ليا ياروح قلبي. حافظي على نفسك عشان البيبي. ومش هقولك أكتر من اللي قولته، أهم حاجة تحافظي على هدوئك لو حاولت عايدة أو نورسين يضايقوكي. مش هقولك انت عايشة في بيت جوزك دلوقتي. انت عايشة في بيت ابنك. فهماني يا ليلى. أومأت برأسها ونظرت للخارج وهي تضغط على ثيابها. زفر مختنقاً عندما شعر بها فتحدث.
-ليلى نورسين عندها معلومات مهمة. هي مش عندها. هي عند باباها. عايز أعرف مين اللي قتل سليم. أو بمعنى أصح مين بيحاول يقتلني. وآخر محاولة خطف أمير وتهديدك. مين دول مش عارف أوصل لحاجة. عقلي عاجز وخصوصاً بعد حالة جدي المتأخرة. أدار وجهها إليه.
-مش عايز أضعف بيك. عايزك تكوني قوتي. أهم حاجة خافي على ولادنا. ممنوع حد يعرف ارتباطنا حتى في الشركة. أنا دلوقتي بقيت أشك في الكل. إنهم يوصلوا لسيلين. دا كسرني في وقت حادثة نوح. دول محترفين فاهمة حبيبتي. وضعت رأسها في أحضانه. -راكان أنا بحبك أوي. وبموت لما نورسين دي تقرب منك. بحس إحساس بشع. انسدلت دمعاتها حتى شعر بها راكان. توقف بجانب الطريق ثم أخرجها من أحضانها.
-آسف حبيبتي. بس وعد هحاول على قد ما أقدر مخليهمش يقربوا. تقابلت نظراتهما الولهة لبعض اللحظات حتى أنه نسي ما يدور حوله. فنزل برأسها يعزف لحنه الأثير على أوتار خاصتها. رفعت كفيها تعانقه. لما لا طالما كانت القبلة بلاغة أفصح من حروف الأبجدية أجمع تخبر عن عشق يسكن ويتغلغل بداخل قلبيهما.
ظل ينهل من عسلها متناسياً حالة الحزن التي سيطرت على كليهما. من فراق سيدوم لبعض الوقت. فصل قبلته عندما شعر بإختناقها. بدأت تسحب أنفاسها بصعوبة تضع رأسها بأحضان صدره. وهو يقوم بتشغيل محرك السيارة دون حديث. فكفى وجودها ورائحتها التي تملأ روحه وحياته بل جلبت السعادة. وصل بعد قليل إلى القصر. أخرجها من أحضانه مبتسماً. -نمتي ولا إيه. وجد آثار الدموع بعينيها. مسح دموعها بأنامله.
-مش عايز الدموع دي تاني. عايز ليلى القوية اللي شفتها أول مرة وخطفت قلبي وخلتني قديس لها. ابتسمت من بين دموعها واستدارت. -خايفة على نوح أوي. وكمان زمان أسما منهارة. هز رأسه وأجابها. -إن شاء الله يقوم بالسلامة. فترة وهتعدي زي غيرها. قالها وهو ينظر للبعيد. ربتت على كفيه وتحدثت. -طيب جاهز يا حضرة التنين عشان المسرحية اللي هنعملها دلوقتي.
أسبل عيونه وأشار لها بالنزول. تحركت بساقين مرتعشة تخطو بجواره وهي تحتضن جسدها بذراعيها وهي تهمس. -بابا هيزعل مني على فكرة. وممكن يقطعني. ارتدى نظارته قائلاً. -عامل حسابي. ادخلي عند ماما ولو سألتك اخترعي أي حاجة. مش هتغلبي. ما أنا شرير الرواية. -اسكت عشان مضحكش. قالتها وهي تخطو للداخل. أمسك ذراعها ونظر لمقلتيها. -مش هتروحي لأسما. أشارت لثيابها. -هروح بالترنج وبشعري اللي حضرتك جبتني بيهم.
وصلت زينب بعدما استمعت لحديثهما. -ليلى إيه اللي جابك. سحبت ذراعها وهي تتجه بنظرها إليها. -ابن حضرتك اللي جابني غصب. وشوفتي جايبني إزاي. تحرك للأعلى وهو يردف. -اجهزي بسرعة لحد ما أغير. هنزل لو مالقتكيش جاهزة همشي. كانت تراقب تحركه بابتسامة باهتة ورغم بهتانها. إلا أن عيونها العاشقة له فضحتها أمام زينب. فجذبتها زينب لأحضانها تربت على ظهرها.
-والله هو كمان بيحبك وبيـموت فيكِ. ومعرفش ليه عايز يتجوز نورسين. يمكن زي ما قالي إنك بتضعفيه. شهقت بشهقات مرتفعة عندما فقدت السيطرة على نفسها. -مش قادرة يا ماما. مش قادرة حاسة إني بموت وبختنق وأنا بشوفه ملك لغيري. بحاول أدوس على قلبي بس بضعف ومبقدرش. ابنك أخد كل قوتي بقيت ليلى الضعيفة الهشة. أخرجتها من أحضانها تحتضن وجهها وتتعمق بنظراتها. -تعرفي يا ليلى لو واحدة غيري سمعت منك كده كان ممكن تكرهك أوي. انسدلت
دموع زينب رغم عنها قائلة: -انت كنتِ مرات ابني وحبيبته. وبقيتي ملك لواحد غيره وشوفت حبك له في عيونك عمري ما شفتهم لأبني. بس مقدرش مفرحش بكده. عشان الاتنين ولادي. عجزت يا بنتي إني أفرح لراكان اللي الدنيا مش رحماه من هو صغير وبين حزني ووجع قلبي على فقيدي اللي ماشافش الدنيا وكان كل أمنيته إنه يكون أسرة ويعيش حياة هادية وبس. أزالت ليلى دموعها قائلة بنبرة متقطعة.
-سليم كان غالي عندي يا ماما. وأيامه عمري ما هعوضها. دا أول راجل في حياتي. لكمتها زينب بهدوء مردفة. -بس راكان حبيبك مش كده. وضعت رأسها بأحضانها وأكملت. -بس مش لما كنت متجوزة سليم صدقيني. أنا حبيته بعد ما قربت منه ودلوقتي بتمنى لو يرجع بيا الزمن عشان ما أحبوش ويوجعني كده. مسحت على خصلاتها. -متزعليش أنا هشد لك عليه. وانت كمان متبقييش غبية كده. شغلي عقلك شوية واستخدمي حيلك الأنثوية. خرجت من أحضانها تمسح دموعها بكفيها.
-هروح أجهز عشان ميطلعش ذعابيبه عليا. قطبت زينب مابين حاجبيها متسائلة. -فين أمير؟ وازاي جابك كده من عند باباكي؟ هو مش المفروض الفرح النهاردة. -إيه يا ماما دي كلها أسئلة. قالها راكان الذي وصل ينظر إلى ليلى. -لسة واقفة. أنا لازم أروح المستشفى وانتِ بتدلعي. خلاص أنا همشي ويبقى تعالي براحتك. أسرعت إلى الدرج. -لا هلبس بسرعة أهو. متمشيش. جلس وامسك هاتفه يحاول الوصول إلى حمزة. -انت فين يا حمزة.
كان حمزة يخرج من مرحاضه وهو يقوم بتجفيف خصلاته. -إيه مستعجل عشان توجب مع العريس. سحب راكان نفساً يزفره على عدة دفعات قائلاً بحزن. -نوح في المستشفى. قابلني على هناك. حالته خطرة. أنا اتكلمت مع مدير المستشفى. هو لسة في العمليات. ربنا يستر. ترنح جسده للخلف. وهو يتساءل بحزن. -بتقول إيه. إزاي دا حصل. ومين اللي عمل كده؟ نهض راكان وهو يبتعد عن والدته التي جلست تستمع إليه بقلب منتفض.
-حمزة الغي الفرح. كلم الأستاذ عاصم فهمه الوضع. مش وقت فرح دلوقتي. أنا هسافر أمريكا بالليل. ومفيش غيرك هتكون مع نوح. قابلني على هناك عشان نعرف هنعمل إيه. نزلت ليلى متجهة إليه. -راكان أنا خلصت. توقفت والدته تنظر بعمق لعيناه. -انتوا مخبين إيه عليا. وفين أمير. إزاي تجيب ليلى وتسيب أمير. وليه نوح في المستشفى. وصل أسعد وهو يستمع لحديثهما. -عرفت اللي حصل لنوح ياراكان؟ جذب ليلى من كفيها. وأجاب والده.
-عرفت يابابا. ورايح دلوقتي أشوف إيه اللي حصل. تحرك بعض الخطوات. ثم توقف متسائلاً: -جدي مفيش أي جديد في حالته؟ مسح أسعد الذي جلس متنهداً. -للأسف مفيش. كنت عايزك تخلي سيلين تنزل. يمكن لما يشوفها قريبة منه يخف يابني. استدار راكان بكامل جسده. ينظر إلى والده ونار أشعلت صدره. -ودا في حكم مين إن شاء الله. ضغطت ليلى على كفيه عندما وجدت الغضب يتحكم فيه فهمست. -راكان لو سمحت اتأخرنا.
نظر أسعد إلى كفيهما المتشابكتين. فتحدث متهكماً. -هو انت رجعت مراتك تاني حتى من غير ما ترجع لنا. يعني وقت ما تحب تطلق تطلق. ووقت ما تحب تتجوز تتجوز. طيب نورسين اللي عمال تلف العالم كله تشتري فستان فرح. انت ناوي تتجوز الاتنين.
سحبت ليلى كفها سريعاً واختلج صدرها شعوراً متألماً جعل قلبها يتقاذف بدقات عنيفة. ويتمزق ما تبقي في رئتيها من أنفاس مبعثرة. رفعت نظرها إليه. ثم اتجهت إلى أسعد والدمع يترقرق كطبقة كرستالية زينت عيناها السوداء فتحدثت بصوت متألم. -إحنا مرجعناش لبعض. بس كالعادة ابن حضرتك المتجبر جابني هنا غصب عني. بعد ما فيه ناس معندهاش ضمير هجموا علينا وحاولوا يخطفوا أمير. شهقة خرجت من جوف زينب تصرخ به. -ابن أخوك فين يا حضرة المستشار؟
اتجهت ليلى تهزها بعنف. -فين ابنك؟ إزاي تسبيهم ياخدوه. ربتت ليلى وحاولت تهدئتها فجذبها راكان من رسغها متحركاً. -ماما الكلام ده من فترة. أمير مع جدته. هبعتهولك مع بهاء ممنوع تفارقه وداليا عينك عليها. ماما كفاية عليا كوين ليلى. مش يبقى انتِ وهي. تحرك سريعاً وهي تتحرك بجواره. فخطواته السريعة جعلتها تتعثر بخطواتها. -أهدى يا حضرة المستشار. هتقعني. توقف فجأة حتى اصطدمت بصدره. فتأوهت. -آه. يخربيت كده.
حاوط خصرها بذراعيه عندما اختل توازنها قائلاً من بين أسنانه. -غباء متواصل مولاتي. أنا معرفش بتكلم في إيه. ناقص آخدك بالحضن وأبوسك عشان الكل يشوفنا بنموت في بعض. أمشي يا ليلى بدل ما أديلك قلمين على وشك يمكن تتعدلي. دفعته بقوة مشيرة بسبابتها صارخة به. -احترم نفسك. أنا هنا حرة أعمل اللي عايزاه. ومتفكرش بتلوي دراعي. ضيق عيناه مستغرباً هجومها. فتح فاه للحديث ولكن أو قفته فريال.
-مالك يا راكان. رجعت ليلى ليه. كنا مرتاحين من خناقات توم وجيري!! دفعته بقوة متجهة لفريال كالقطة الشرسة. -مش ذنبي إن العيلة بتاعتكم دي عيلة مقرفة. عيلة عايزة جهنم وبئس المصير. وأولهم حضرة المستشار. مسح على وجهه كاد أن يشحذ جلده. -وحياة ربنا هموتك. مين دول اللي عايزين جهنم وبئس المصير. ياسلام عليك بتفكريني بالخنساء. ضربت فريال على كفيها. -وحياة ربنا البت جننت الراجل. بس يستاهل. بالهنا والشفا يازينب.
استمعت لصوت السيارة التي تحركت للخارج. فتوقفت متسائلة. -ودي بتعمل إيه هنا؟ النهاردة يوم فرح أختها. لا فيه حاجة غلط. استدارت إلى عايدة التي وصلت إليها. -ليلى رجعت ولا إيه يافريال. استدارت إليها تهز كتفها. -ولا أعرف حاجة. بس البت دي لسانها بينقط شهد. والله فرحانة في راكان. نظرت إليها. -إنتِ خارجة ولا إيه. أومأت برأسها تتحرك أمامها بخيلاء وعنجهية. -أيوه رايحة بيت أختي. عايزة أتغدى معاها النهاردة.
قالتها وتحركت لسيارتها. وقفت فريال تعقد ذراعها. -ياترى ناوية على إيه يا عايدة. ياخوفي منك. قالتها وتحركت متجهة لمنزل أسعد. *** بالمشفى وخاصة أمام غرفة العمليات. كانت تبكي بجسد مرتجف وتستجدي حضناً يحميها من ظلمة فراقه المميتة. فحديث الأطباء لا يبشر بالخير. استمعت إلى فتح باب الغرفة وخروج الممرضة سريعاً. توقفت أمامها تحادثها بصوتها المبحوح من كثرة بكائها. -لو سمحتِ طمنيني. هو ليه محدش بيتكلم.
طالعتها الممرضة بشفقة قائلة. -ادعيله. لو سمحتِ. لازم أجيب دم. محتاجين دم. قالتها وتحركت سريعاً. توقفت تنظر حولها كالتائه بجيبات الجب. احتضنت جسدها ودموعها كالشلال تندفع بقوة. توقفت تهاني والدة نوح. -تعالي ياحبيبتي اقعدي. الوقفة غلط عليكِ. استدارت تنظر إليها بحدقتين متسعتين كالذي فقدت صوابها. -هو مات ومخبين عليا ولا إيه. شهقة خرجت من بين شفتي والدته وهي تهز رأسها. -بعد الشر عليه. ليه بتفولي عليه.
وصل راكان وهو يحاوط ليلى. -ليلى حبيبتي متنسيش إنك حامل. تركت ذراعه وأسرعت تلقي نفسها بأحضانه خالتها. -خالتو نوح عامل إيه. ضمتها والدته وهي تشهق ببكاء. -محدش عارف حاجة. مفيش حد بيطمنا يابنتي. اتجه راكان إلى يحيى الجالس بصمت وتنهيدة متألمة خرجت قائلاً. -لسة مفيش جديد. رفع رأسه قائلاً. -عايز أعرف مين اللي عمل في ابني كدا ياراكان. مش انت وكيل نيابة. شوف شغلك ياحضرة الوكيل. ابتلع غصة مسننة جرحت حلقه فخرج صوته مرتعشاً.
-يقوم بالسلامة الأول ووعد أجيبلك اللي عمل كدا وأعمل فيه زي اللي عمله معاه. قالها بصوت فظ غليظ. بينما اتجهت ليلى لأسما التي تستند رأسها على الجدار. وتنزرف عبراتها بقوة تدعو من الله أن يقوم زوجها بكامل صحته. -أسما. همست بها ليلى بتقطع. استدارت إليها تطالعها بهدوء وظلت كما هي. ثم اتجهت بنظرها إلى راكان ورجعت تستند على باب الغرفة وهي تتحدث.
-نوح هيموت ويسيبني صح. ولا هو مات أصلاً وبيضحكوا عليا. هو فيه عملية تقعد الوقت دا كله. جذبتها ليلى لأحضانها وشعوراً بألم قوي يفتت عظام كلتاهما مصحوباً بضيق تنفس. اتجه راكان إليهما. -مش عايز حد يعيط. هو جوا لسة في العمليات. ادعوله بدل المحزنة اللي عملنها دي. دي والدته معملتش اللي بتعملوه. مسحت ليلى دموعها وسحبت أسما من كفيها المرتعش. -تعالي حبيبتي لازم ترتاحي. وأن شاء الله هيخرج بالسلامة.
قاطعهم خروج الطبيب. توقف راكان أمامه. -إيه الأخبار يادكتور. اتجه الطبيب ليحيى الصامت مردفاً. -الضرب كان شديد. مش هخبي عليك الوضع يادكتور يحيى. فيهم ضربة أثرت على عموده الفقري. وطبعاً حضرتك عارف النتيجة ممكن تكون إيه. صرخات وشهقات خرجت من الجميع حتى صرخ راكان بهم. -مش عايز أسمع صوت. المهم إنه عايش. وبعد كدا كله هيكون تمام. الحمدلله المهم يكون عايش. اتجه للطبيب. -حياته في خطر ولا إيه عايزين نعرف.
وضع الطبيب يديه بجيب معطفه الطبي. -طبعاً زي ما الدكتور يحيى كشف وعارف. كان فيه ضربة شديدة على الدماغ. ودي مش هنعرف نتيجتها إلا لما يفوق بالسلامة. جثت أسما على الأرضية بعدما تلاشت قواها وجلست تنظر حولها بضياع تتمتم. -كذب. بتضحكوا عليا. هو هيفوق ويقولي. -تعالي نربي ولادنا مع بعض. كتمت ليلى شهقاتها الباكية بشق الأنفس وهي ترى حالة أسما. رفعت نظرها لراكان وضعت نفسها مكانها انسدلت دموعها تغرق وجنتيها تحاول توقفها.
-أسما قومي معايا. نوح هيقوم بالسلامة. آهة صارخة من جوف عاشقة وهي تصيح بأسمه. -هموت ياليلى لو حصله حاجة. أنا راضية بكل حاجة. راضية حتى لو خرج عاجز بس أهم حاجة يحاوطني بحبه وبدفء حنيته. مقدرش أعيش من غيره. وضعت كفيها على صدرها وهي تبكي بنحيب وتصرخ منادية الواحد القهار. -يااااااارب. وقف راكان عاجزاً بعد تركه للطبيب بعدما سحبه من أمام الجميع متسائلاً. -متخبيش عني حاجة لو سمحت. حياته عن حالته.
أنزل الطبيب بنظره للأسفل بأسى. -للأسف الكام ساعة دول صعبين. الضرب كله مميت في أماكن حساسة. سلامته إن شاء الله. قالها وتحرك. انحبس النفس بصدره ونبضات قلبه التي ارتفعت بشكل عنيف. حتى شعر بتجلط دمه. وصل حمزة الذي وقف أمامه بقلب منتفض بخوف. -راكان نوح. نوح حصله حاجة. واقف كدا ليه. تراجع راكان بعض الخطوات يجلس على المقعد عندما شعر بتثاقل أنفاسه. -حالته خطيرة ياحمزة. نوح لو حصله حاجة مش هسامح نفسي أبداً.
استمع لصرخات ليلى على أسما التي تهاوى جسدها وسقطت مغشياً عليها. أسرع إليهما في حضور المسعف ونقلها لغرفة للمعاينة. *** ألقت ليلى نفسها بأحضانه تبكي وجسدها يرتجف. حاوطها بذراعيه. -ليلى اهدي. نوح هيقوم بالسلامة. تمتمت بصوتها الهامس. -راكان أنا بحبك أوي. بحبك أوي. ظلت تتمتم بها. أطبق على جفنيه متألماً من حالتها التي شعر بها. حاوطها متجهاً للمقعد ثم أجلسها يضمها لأحضانه.
-ليلى أنا كويس أهو قدامك. ممكن تبطلي عياط متنسيش إنك حامل. مكنتش عايز أجيبك معايا. ارتفعت شهقاتها كلما تذكرت ما أصاب نوح وحالة أسما التي تدهورت فتحدثت. -قتلوه. كانوا عايزين يقتلوه. زي ماكانوا عايزين يقتلوك. صح. هم مش هيبطلوا لما يقتلوك. وصلت والدتها ووالدها بجوار درة التي أسرعت إلى ليلى. -نوح حصله إيه ياليلى. رفع راكان نظره لحمزة. فجذبها حمزة قائلاً. -اهدي حبيبتي هو كويس. في العناية. توقف عاصم أمام يحيى.
-حمدلله على سلامته يايحيى. أومأ يحيى برأسه ثم توقف متجهاً للعناية. -إن شاء الله هيقوم بالسلامة. ابني هيقوم بالسلامة. قالها وهو يتحرك بتثاقل. احتضن عاصم ذراعه ينظر لزوجته. -شوفي أختك فين مش باينة. تحركت تبحث عنها حتى وجدت ليلى المنهارة بحضن زوجها فاتجهت إليها. -ليلى حبيبتي. جلست بجوارها تمسد على ظهرها تطالع راكان بصمت. -هو عامل إيه دلوقتي فيه أخبار عنه. نهض راكان وأجابها. -لحد دلوقتي كويس. أمير بهاء أخده القصر.
أومات برأسها. -أيوه أخده. اتصلت بليلى كتير مردتش. أشار عليها قائلاً. -خلي بالك منها. لازم أروح النيابة. وزي ماحضرتك شايفة منهارة. أمسكت كفيه تهز رأسها بالرفض. -متسبنيش. لو سمحت ياراكان متسبنيش. جلس بجوارها يحتضن وجهها. -حبيبي أنا جنبك أهو. مش هسيبك. هروح نص ساعة وارجع. انسدلت عبراتها بشهقات هامسة. -هيقتلوك زي نوح. -ليلى، عايز أشوف شغلي، لازم أعرف مين اللي عمل كدا. احتضنت ذراعه وبكت بصوت مرتفع.
-هيقتلوك، مش هقدر. ياراكان، لو سمحت بلاش ترحلهم. توسعت أعين سمية وهي تشير على ابنتها. -هي مالها يابني؟ ومين اللي عايز يقتلك؟ احتضن وجهها وقربها، يطبع قبلة على جبينها. -حبيبتي، دا مجرد حادث، مفيش قتل ولا حاجة. ممكن يكونوا حرامية. لازم أشوف شغلي. ضمته بقوة، تهز رأسها رافضة مغادرته. -لا، دول كانوا هيقتلوك. وسليم مات. مش هقدر أعيش لو بتحبني، متسبنيش. أنا خايفة ترجعلي زي نوح. سحب نفسًا، ينظر لوالدتها التي تساءلت.
-راكان، إيه اللي بيحصل يابني؟ طيب عرفت مسرحية الطلاق عشان تحميها؟ طيب من مين؟ ونوح ذنبه إيه؟ توقف، يجذب ليلى وأجابها. -طنط سمية، مش وقته. دلوقتي ليلى لازم ترتاح. هاخدها للدكتورة تديلها مهدئ. تحركت بجواره، تجر أقدامها بصعوبة. -أنا خايفة عليك بس، أنا مش تعبانة. حاوطها بذراعيه بقوة، كاد أن يشق صدره ويدخلها بين عظامه من حالتها التي وصلت إليه. -تعالي نشوف البيبي مع بعض، إيه رأيك؟ ونعرف هو ولد ولا بنت. حاوطت خصره بقوة.
-مش عايزة غيرك دلوقتي صدقني، بتقول كدا عشان تسبني وتمشي. رجفة عنيفة أصابت جسده وهزت كيانه من كلماتها. ماذا يحدث لها حتى تفعل ذلك؟ ضمها يهمس لها. -مش هسيبك وعد، بس لازم أطمن على ابني، مش من حقي. خرجت من أحضانه، تومئ رأسها وتحركت بجواره حتى وصلت لغرفة الطبيبة. بعد قليل. تسطحت على الفراش المعد للكشف بمساعدته، وقامت الطبيبة بتشغيل جهازها ووضعت السائل أسفل بطنها مع تحريكه ببطء، تنظر بشاشتها مبتسمة.
-الجنين وضعه ممتاز واحنا في نص التاني، كل حاجة مستقرة. نظر للشاشة ولتلك النقطة التي يراها أمامه، تحجرت الدموع بمقلتيه. رفعت ليلى نظرها له وضغطت على كفيه عندما شعرت بحالته، فنزل بأنظاره إليها.
الآن ودّ لو يحطم عظامها بين ذراعيه. لقد اخترق عشقها الجارف قواعده وانهارت حصونه، فنزل بجبينه على خاصتها متجاهلاً وجود الطبيبة، فتعثرت الكلمات على شفتيه. أطبق على جفنيه وأنفاسه ثقلت بصدره، فلم يعد التحمل ببعادها عنه. ودّ لو يخوض معها الآن معركة من معارك عشقه الجارف. سكت هنيهة يستجمع رباطة جأشه. فتحرر من صدرها نفسًا ناعمًا، مبتسمة من ردة فعله التي كانت تتيقن منها. -حبيبي، إحنا طردنا الدكتورة، شكلنا بقى وحش.
أخرج ضحكة خفيفة وقال ببحة رجولية عذبة. -مستعد أطرد العالم كله عشان نظرة الحب والحنان اللي بشوفها في عيون مولاتي. رفعت كفيها على وجهه. -ربنا يخليك ليا، وتشوف ابنك ولا بنتك بخير. أمسك كفيها يطبع قبلة عليه قائلاً. -لازم تخافي على نفسك عشان أقدر أواجه، أنا من غيرك ولا حاجة. أومأت برأسها عندما تذكرت ما صار لنوح، واعتدلت بعد مساعدته لها، متجهين إلى الطبيبة.
جلست الطبيبة تدون لها بعض الأدوية، جلست بمقابلتها وهو يحاوط مقعدها. -مفيش قلق من وضع البيبي. ابتسمت الطبيبة. -كله تمام بس المامي تهتم شوية بأكلها مع شوية الفيتامينات دي، طبعًا الزعل والتوتر مش كويس لأي حامل. اتجه بنظره إلى ليلى وتحدث. -قوليلها يادكتور، ولو ينفع مهدئ تاخده ياريت. قاطعته ليلى وهي تمسد على بطنها. -لا، أنا كويسة، خلاص مش هعيط تاني، صدقني مش عايزة حاجة تأثر على البيبي. خرجا بعد نصائح الطبيبة.
-هتقعدي مع ماما لحد ما أرجع تمام. أومأت وهي تنظر للأرض. -متتأخرش عليا. أمال يطبع قبلة على جبينها هامسًا لها. -باباكي عارف إني رديتك، بلاش نظرة الكسوف منه دي، أنا جوزك قدامهم كلهم، فمتخافيش. وضعت رأسها على صدره متسائلة. -نوح هيبقى كويس مش كدا؟ مسد على ظهرها محاولاً السيطرة حتى لا يضعف أمامها. -إن شاء الله، وهعرف مين عمل فيه كدا. سحبها متجها للخارج. عند درة وحمزة.
كان يجول الردهة ذهاباً وإياباً حتى توقف أمام الزجاج ينظر إليه وهو متسطح لا حول له ولا قوة. ظل يطالعه لبضع دقائق ودموعه محتجزة بمقلتيه، يتذكر تلك السنوات التي عاشوها معاً، كم مرت عليهم لحظات سعيدة وأخرى حزينة. وضع رأسه على النافذة. وآهة حارقة اندلعت بجوفه، أرادت أن تصل إليه حتى يشعر بكم الآلام التي تسكن روحه بما صار له. وصل راكان إليه ثم ضمه من أكتافه قائلاً.
-هيعيش ياحمزة، وهناخد حقه، وحياة وجع قلبي عليه لأحصرهم على حياتهم. دا مش وقت ضعف أبداً، لازم نتكاتف مع بعض. رفع حمزة نظراته الحزينة. -تفتكر مين اللي ورا اللي حصله دا؟ وانت عارف إنهم مستحيل يقربوا منه عشان أبوه. كور قبضته بعنف حتى ابيضت. -ماهو دا اللي مجنني، مين اللي عمل في نوح كدا؟ عقلي عاجز عن التفكير. المهم أنا لازم أسافر أمريكا، يونس مجنون وممكن عصبيته تضيعه. ربت حمزة على كتفه.
-متخافش أنا هنا سداد، المهم نطمن على سيلين، بس مين اللي ممكن عمل كدا؟ وليه بعتولك فيديو اختطافها؟ نظر للبعيد غارقًا بتفكيره بعقل محصور، حتى شعر بتوقف عقله فأردف. -هعرف، بس لازم أزور توفيق باشا، جه وقت المواجهة. أمسكه حمزة من مرفقيه. -راكان بلاش تهور، جدك ممكن يموت وتكون السبب ويشيلوك ذنب موته. أنزل ذراع حمزة.
-ما أنا شايل سبب اللي هو فيه، رغم الحال معكوس ياخي، دا حتى أمي شالتني ذنب موت سليم، وضرب سيلين وعارف لو عرفت بخطف سيلين هتقولي انت السبب. تفتكر ممكن الواحد يقول كلام موجوع في عز حزن اللي لما يكون بيفكر فيه، وهي بتفكر فيا كدا، حتى خلتني أبدأ أعيد حسابي إنها بتعاملني كابن درتها من وقت ما عرفت أنا وليلى بنحب بعض، حستها اتغيرت. خايف أفوق على كابوس منها. جحظت أعين حمزة رافضًا حديثه. -لا، متخليش شيطانك يتحكم فيك يابني.
هز رأسه وتحرك قائلاً. -هشوف هعمل إيه وأرد عليك.
مر يومان والحال مازال عليه، يونس الذي سافر ولم يعلم شيئاً عن سيلين، ونوح مازال غارقًا بغيبوبته بعدما توقف قلبه لعدة مرات حتى شيع خبر موته، مما أدى إلى انهيار أسما وتنوميها بعقاقير طبية، وتأجل سفر راكان بعد تدهور حالته حتى شعر بعجز كامل يعصف به، فأحس كأنه طائر مقصوص الأجنحة مربط الأرجل، ومحبوس بداخله قفصًا، فقد كل ما يشعره بالحياة. ولكن تواصله مع يونس والسفارة التي أكدت بأنها لم تخطف من قبل مجرمين جعله يظل بجوار نوح يومًا آخر.
يوم آخر والوقت يمر ثقيلاً عليه، وهو يبحث بكل ما يخص نوح عما حدث له حتى وصل لمكالمة هاتفية بينه وبين والد طليقته أثارت ريبته. فتحرك يبحث بناءً عليها، بعدما تم نقل يحيى للعناية بسبب سكتة قلبية. أتت ليلى ببعض الشطائر وجلست بجواره. -راكان، مأكلتش حاجة من امبارح، حاول تاكل حاجة عشان تقدر تقف على رجلك. هز رأسه رافضاً الطعام بعدما أشعل سيجاره.
-ماليش نفس صدقيني، أنا هروح أشوف الدكتور، يمكن يطمنا، لازم أسافر، اختي هناك معرفش عنها حاجة. قاطعه رنين هاتفه برقم خارجي. ضيق عيناه وأجاب. -أيوة. على الطرف الآخر. -مستر راكان البنداري، أهلاً بك، أعتذر لك عن طريقتي في الوصول إليك، ولكن ظننت إنك ستصل قريباً ولكنك تأخرت كثيراً، ولكن أعلم أنك مشغول بصديق لك، فهل صديقك أهم من حياة أختك؟ أو بنت عمك كما تقولون بالمصري؟
شعر بدوران يضرب رأسه فهوى على مقعده يسحب أنفاسًا حينما شعر بإنسحاب الأكسجين من حوله فتحدث بصوت جعله متزناً بعض الشيء. -مين معايا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!