الفصل 17 | من 52 فصل

رواية عازف بنيران قلبي الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
29
كلمة
7,235
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

خرج متحركا وخطواته تأكل الأرض كالنيران التي تلتهم سنابل القمح. توقف نوح أمامه الذي وصل للتو. -راكان إيه اللي حصل؟ لسة عارف من يونس. سحب نفسًا طويلًا ثم طرده، يمسح على وجهه بغضب. -تعبت امبارح مع نزيف وجبتها وجيت بقالنا حوالي عشر ساعات والحمد لله يونس والدكتورة طمنوني. شعر بمشاعر مقيتة داخله حينما تذكر ما قاله الطبيب منذ قليل، جعلت دقات قلبه تتقاذف بين ضلوعه تحرقها. فأطبق على جفنيه قائلاً:

-الدكتور بيقول فيه حاجة اخدتها سببت النزيف، وكان ممكن نخسرها أو نخسر البيبي. كان يناظر نوح بهدوء يتنافى مع ضجيج قلبه. ماذا عليه أن يفعل؟ قاطعه كلمات نوح: -ناوي على إيه؟ استند على الجدار خلفه يعقد ذراعيه. -أنا مخصص لها واحدة لأكلها وشربها يانوح، واحدة واثق فيها مليون المية، دي معلهاش غبار. أنا كنت هحط كاميرا في أوضتها لكن حستها مش كويسة، دي مهما كانت لسة غريبة عليا. أظلمت عيناه وارتسم بها نظرة قاسية.

-لو اتأكدت ان هي اللي حاولت تقتل الولد صدقني وقتها حبي ليها هحوله لجحيم. هز نوح رأسه رافضًا حديثه. -لا مستحيل ليلى تعمل كدا! متظلمهاش. اتجه ينظر إلى الفراغ بعينان تقطران ألماً وملامح يكسوها الحزن الذي تغلغل لقلبه، فأردف: -هي قالتلي قبل كدا تتمنى تموت ولا تتحوزني يانوح، انت عارف معناه إيه؟ يارب المرادي تخيب ظني. اقترب نوح يربت على كتفيه. -دا كلام ياراكان، ليلى بتحبك. تحدث من بين أسنانه قائلاً:

-كان يانوح، دي مش طيقاني، وكل شوية ابعد كأني عدوها. -راكان ليلى مش نورسين ولا غيرها عشان تاخدك بالأحضان، وانت عارف تربية ليلى غير البنات اللي نعرفهم، وعندها دينها أهم حاجة. معتقدش هتخليك تقرب منها حتى لو بتموت فيك. يارب تفهم كلامي. أنا ابن خالتها وبيكون في حدود بينا، تخيل كدا انت بقى هيكون إيه. تحرك متجهاً لغرفتها.

-روح وبعدين نتكلم، كدا كدا إحنا هنمشي، لازم أعرف مين اللي بيحاول يموت الولد. لولا عارف تعلق جدي بالولد كنت قولت هو، دا مستني الولد قبل امي نفسها. اوقفه نوح قائلاً: -أسما عندها. أومأ رأسه وتحرك للغرفة. عند ليلى قبل قليل. وصلت سيلين إليها، فتحت الباب وهي تنظر بالداخل. -ممكن ادخل يا ام الولد؟ ابتسمت ليلى لها وهي تشير بيديها بتعب. -تعالي ياعمتو. دلفات للداخل تطالعها بنظرات تقيمية. -لا دا لولا قمر والله ياناس.

ثم رفعت الهاتف. -مامي ليلى كويسة وافتحي الفيديو ياحبيبتي عشان تكلميها. تناولت الهاتف من سيلين ثم تحدثت: -ماما زينب أنا كويسة وهجي بعد شوية متخافيش حفيدك كويس. على الجانب الآخر بكت زينب بنشيج أم ملكومة. -صحيح ياليلى، يعني الولد كويس ياحبيبتي، يعني هشوف سليم الصغير. انزلقت عبرة على وجنتيها وأجابتها: -متخافيش مستعدة افقد حياتي عشان ابنه يجي لوش الدنيا ياماما، مستحيل اخليكي تحزني مرتين. ادعيلي انت بس ياست الكل.

دلفت أسما وهي تتحدث مع زينب، وبعد إغلاقها، توجهت إليها. -ليلى ألف سلامة عليكي يا حبيبتي كدا مش تعرفيني. ابتسمت بهدوء وهي تضع كفيها على أحشائها. -الحمد لله كله عدى ياأسما. ساعدتها سيلين في تغيير ثيابها بعد دخولها للمرحاض، مع وضع حجابها. نظرت ليلى لها. -مالك ياسيلي؟ فيه حاجة مزعلاكي؟ وزعت نظرها بينها وبين أسما. -ماما من وقت ماعرفت وهي مش مبطلة عياط، أنا خايفة عليها قوي. سحبتها ليلى وأجلستها بجوارها.

-عايزة أقولك أنا كنت هموت عليه، ابني دلوقتي أغلى من حياتي، صدقيني ياسيلين لو خيروني بينه وبين حياتي هختاره هو. أزدرق ريقها بصعوبة تستجمع الكلمات التي جفت على طرف لسانها. -بتمنى يكون شبه سليم. اتجهت أسما تجلس بمحاذتها وتدقق النظر في مقلتيها قائلة: -ربنا يباركلك فيه حبيبتي ويقر عينك بيه، والمهم يكون ذرية كويسة تفتخر بيه. أومأت رأسها دون حديث واتجهوا بنظراتهما إلى سيلين التي وقفت تنظر في هاتفها بذهول. تسائلت ليلى:

-مالك ياسيلي؟ إيه اللي شوفتيه مخليك متصنمة كدا؟ قطبت جبينها وتحدثت ومازالت تحت الصدمة. -هو مش المفروض انتِ وابيه راكان هتتجوزوا؟ طيب إزاي نورسين منزلة خبر خطبتها منه لا وكمان متصورة بخاتم الخطوبة؟ إزاي أبيه راكان يعمل حاجة زي كدا؟ شعرت بالدوار يضرب رأسها بالإضافة إلى تهدل ذراعيها بعدما رأت صورتهما التي أنزلتها نورسين بمشاركة راكان. نهضت أسما تجذب الهاتف من نورسين، عندما وجدت تبدل ملامح ليلى وشحوبها.

-تلاقي نورسين بتقول أي كلام. هنا تذكرت حديثه. -لا الكلام حقيقي، اخوكي قالي انه هيتجوزها، أنا وهو مستحيل يكون بينا جواز حقيقي. رفعت نظرها إلى سيلين بعينيها المترقرقة بالدموع. -متزعليش مني، بس راكان دا مش الإنسان اللي آمن له على حياتي، وعايزاكي تتأكدي. هو لو هيتجوزني هيكون بالغصب عني، ومضطرة أوافق عشان ابني. انزلقت دموعها بالعجز وأكملت. -الشخص دا اكتر واحد كرهته في حياتي، وكل ما أتخيل ان هيربطني بيه حاجة بتمنى الموت.

شهقات خرجت من فمها كلما تذكرت صورته مع تلك النورسين وأكملت ماشطر قلبه لنصفين وهو بالخارج. -لو بأيدي كنت قتلته واتخلصت منه على جبروته، ماهو مش معقول بعد ما اكون مرات الباشمهندس سليم، اسمي يرتبط بواحد زي راكان دا. ولو بأيدي أخلص عليه عشان مربطنيش بيه حاجة. قالتها بأنّين حطم قلبها وعبراتها تنسدل بقوة عبر وجنتيها حتى تمنت الموت. قبل قليل وصل ترك نوح قائلاً:

-هعرف مين عايز يموت ابن سليم، لو مش ليلى ليها يد يبقى مفيش غيرها مرات عمي بتنتقم، لازم أتأكد، وهعرف وقتها. قالها متحركاً متجهاً إليها. رفع يديه للطرق على باب الغرفة ولكنه استمع ماشطر قلبه نصفين من حديثها. لحظات بل دقائق معدودة. ابتلع غصة مريرة ونبرة تقطر وجعاً. -ليه ياليلى؟ ليه شايفني وحش كدا؟ تراجع للخلف بهدوء حينما شعر بفقدان وعيه من كلماتها التي اخترقت روحه، شعر بانقباض ضلوعه داخل صدره، بل نيران تحرقه بالكامل.

تحرك سريعا قبل أن يراه أحد. ظل يتحرك بسرعة جنونية ورغم خطواته السريعة إلا أنها متعثرة. لم يعلم أين يسير وأين يتجه. طابق فوق الآخر حتى وصل إلى سطح المشفى، وهو لم يشعر بكم الطوابق التي صعدها. كتم صرخة مهتاجة بآلامه شقت صدره. هو يملس على صدره حينما شعر بكم آلامه.

وقف بأنفاسا متسارعة كمتسابق لماراثون من الكيلومترات. دمعة خائنة انزلقت بجوار جفنيه بعدما حاول السيطرة على نفسه ألا يضعف مرة أخرى، ولكن شعوره بضعف قلبه وانهياره جعله يشعر بضعف الدنيا أمامه. سقط كمن تلقى ضربة موجعة اخترقت صميم قلبه حتى شعر بتوقف نبضه. آآآهة صرخة خرجت من أعماق روحه قائلاً لنفسه بعتاب من قلبه الذي تمادى على شخصيته. -انت تستاهل، اللي يخلي واحدة ست تعمل فيك كدا، غبي وضعيف، حب ايه اللي يعمل كدا.

دقائق وهو بتلك الحالة حتى استمع إلى رنين هاتفه. نظر للهاتف محاولا السيطرة على نفسه. -أيوه يايونس. على الجانب الآخر تسائل يونس. -راكان إنت فين؟ أنا روحت أوضة ليلى وانت مش موجود. أطبق على جفنيه بألم يعتصر عيناه قائلاً. -نزلوها تحت وأنا كنت في مشوار، شوية وجاية، هستناكم تحت. قطب يونس جبينه متسائلاً. -راكان انت كويس؟ صوتك بيقول فيه حاجة. راكان عرفت مين حاول ينزل الولد. -لا لسة معرفتش. ياله انا مستنيكم تحت.

نظر يونس إلى نوح بإندهاش قائلاً: -دا بيقول نزلوها تحت، تفتكر صدق إنها هي اللي حاولت تنزل الولد؟ هز نوح رأسه رافضاً حديثه. -لا مش معقول دا يبقى اتجنن رسمي. هو لسة قالي هتاكد منها، واللي عرفته انه مجاش عندها. لا فيه حاجة تانية حصلت معاه توصله انه ميجيش ينزلها، لدرجة يقولك هاتها. مش راكان. دلف نوح إليهم يوزع نظراته. -متاكدين راكان مجاش هنا؟ -لا ياآبيه هو قابلني برة، ومن وقتها مشفتوش.

نظر إلى ليلى التي تنظر في شرود، وعيناها الذابلة. -ليلى هتقدري تمشي؟ ياله عشان نوصلك. رفعت نظرها إليه بحزن، وتسائلت بعينها. -أين هو؟ اقترب نوح يساعدها على الوقوف بمساعدة أسما هامساً لها. -هو تحت، مستنيك. نهضت ثم جلست على المقعد المتحرك للخروج بها. وصلت للأسفل. في أثناء هبوطه من مبنى المشفى، استقل السيارة دون التوجه إليها بنظره. فتح يونس الباب الأمامي حتى تركب ولكن قاطعه راكان. -ركبها ورا عشان تاخد راحتها.

قالها وهو ينظر أمامه. ذهل يونس من جموده الذي ظهر على وجهه، وعيناه التي أخفاها بنظارته السوداء. رفعت ليلى نظرها إلى نوح. -نوح وصلني، شكلي تقلت على حضرة النايب، بس عايزة أقوله، أنا مكنتش هركب جنبه. كانت النيران مازالت مشتعلة بصدره حتى أصبحت عيناه بلون نيرانه فتحدث. -خلاص اقفل يايونس، وخلي نوح يجبها، أنا هسبقكم. قالها وهو يتحرك بسيارته دون حديث آخر. صدمة أصابت الجميع مما فعله. نظرت أسما إلى نوح بصدمة قائلة: -هو فيه إيه؟

جلس نوح أمام ليلى التي بكت بنشيج من أفعاله. "ليلى متزعليش منه، انت متعرفيش إيه اللي حصل. راكان مفكرك إنك اللي حاولتي تجهدي نفسك، بعد ماعرفوا الإجهاد بفعل فاعل." هزة عنيفة أصابت جسدها وشعرت بإنهيار عالمها. لم تستمع لباقي حديث نوح إلا من كلماته: "شاكك فيا يعني ممكن توصل بيه أنه يفكرني مجرمة واقتل ابني؟ لم تشعر باحدا حولها. تساقطت دموعها بشهقات مرتفعة. حتى ضمتها ليلى تنظر بحزن إلى نوح.

"ودا معقول انها عايزة تقتل إبنها برضو؟ دقق نوح النظر إليها. "مش إنت اللي قولتي له، بتمنى اموت وابني يموت ولا اتجوز واحد ذيك." تجمدت بجلوسها وشعرت للحظة برغبتها في التلاشي. فلم تعد تتحمل كلمة أخرى يكفيها ماعانته منذ معرفته. بعد قليل وصلوا إلى قصر المحجوب. ترجلت ببطئ، كانت تنتظرهم زينب بمقعدها المتحرك على أعتاب الباب الداخلي للقصر. وصلت ليلى إليها بمساندة أسما وسيلين. طالعتها زينب بعيناها المغروقتين بالدموع.

"عاملة إيه ياحبيبتي؟ والجنين عامل إيه؟ أومأت برأسها حينما شعرت بعدم قدرتها على الحديث. فأجابتها سيلين: "ماما ليلى كويسة، ممكن تسبيها ترتاح وبعد كدا نتكلم." دلف إلى المصعد جسد بلا روح حتى وصلت غرفتها. *** مساءا اليوم بمزرعة نوح. دلف للداخل يبحث بعينيه عليها. وجدها تقوم بإعداد مائدة الطعام. وضع أمامهم صندوق كبير وبجواره علبة صغيرة. رفعت نظرها إليه وتسائلت: "إيه دا ياحبيبي؟ اقترب، ثم طبع قبلة على جبينها قائلا:

"افتحيه وانت تعرفي." قامت بفتح وإذ بها تضع كفيها على فمها من الذهول. "فستان فرح!! إحنا هنعمل فرح؟ اقترب، حاوط خصرها رافعا ذقنها. "أنا آسف حبيبتي، كان لازم أعملك فرح. جهزي نفسك هنعمل حفلة صغيرة. ولو عايزة تعرفي مامتك واختك معنديش مانع." احتضنت كفيه ورفعت عينيها المترقرقة بعبراتها. "نوح أنا بحبك قوي." ضمها لأحضانه وطبع قبلة على خصلاتها. "وأنا بعشقك ياقلب نوح." بفيلا خالد البنداري.

استيقظ يونس بعد عدة ساعات استغرقها بالنوم، بسبب سهره بمشفاه الخاصة ليلة أمس. هبط للأسفل بعد روتينه اليومي. قابله أخته سلمى. "أخيرا صحيت. إحنا فكرناك مغمي عليك." تحرك للخارج ولكنه توقف عندما تسائلت: "يونس هو حمزة معدش بيجي عندنا ليه؟ استدار مضيقا عيناه. "وانت يخصك في إيه؟ رجع إليها بخطوة ووقف أمامها. "سلمى حبيبتي انسي حمزة هو خلاص لقي البنت اللي هيكمل معاها حياته." جحظت عيناها ودمعاتها التي انسدلت

على وجنتيها فجأة فهمست: "بتقول ايه؟ خطب حمزة خطب غيري." احتضن وجهها وأردف: "حبيبتي ليه جاية تندمي دلوقتي!! مش دا حمزة اللي قولت مبشوفش غير انه أخ." وضعت كفيها على فمها لتمنع شهقاتها وتحركت سريعا من أمامه. صدمة أصابته. وقف ينظر إلى تحركها بذهول. "إيه اللي حصل ياسلمى؟ ياترى ليه دلوقتي حمزة عجبك؟ الموضوع دا مش مريحني." تنهد بألم متجها لقصر عمه الذي بجوارهم. قابله درة تدلف من البوابة الرئيسية. "مساء الخير يادكتور."

أومأ رأسه بأبتسامة. "عاملة ايه باشمهندسة؟ نظرت للأسفل واجابته: "الحمد لله. بعد أذنك رايحة أشوف ليلى." أومأ برأسه. فتحركت من أمامه. وقف وقام بإشعال سيجاره. ينفثه ينظر لمكان تحركها. "تستاهل ياحمزة. صبرت ونولت ياصاحبي." جز على شفتيه ورفع هاتفه بابتسامة تسلية. "عامل إيه يانص متر؟ على الجانب الآخر. "اهلا بدكتور الستات." قهقه يونس بعدما جلس على الاريكة في الحديقة. "عقبالك لما انثاك توقع تحت ايدي." "ولا...

اتجننت ولا إيه هو أنا اهبل عشان اخلي مراتي تروح لواحد فاشل زيك. دا إنت اخرك تضرب سرنجة عضل." رفع إحدى حاجبه وتحدث: "لا والله انا فاشل. غيرك قالي قبل كدا. وامبارح كان هيتجنن وأول واحد فكر فيه العبد لله." قطب حمزة مابين حاجبيه متسائلا: "قصدك راكان؟ ليه إيه اللي حصل؟ وضع ساقا فوق الأخرى وهو يقهقه: "كان نفسي اصوره وابعتهولك. شوفت المجنون اللي هرب من مستشفى المجانين." نهض حمزة وصاح فيه بغضب:

"انت واحد مجنون يابني. وليلى حصلها حاجة." توقف يونس متجها لسلين الذي ترجلت من سيارتها. "كويسة وروحت. وحبيبة القلب هنا. جاية تزور اختها." زفر حمزة بغضب قائلا: "عارف قالتلي رايحة اشوف ليلى. لكن مقالتش انها تعبانة." أغلق يونس واتجه سريعا إلى سيلين بعد قال له: "تمام تعالى وصلها يابغل بدل ماتروح لوحدها." دلف سريعا خلف سيلين ثم جذبها بقوة حتى أصبحت بأحضانه. "ميت مرة اقولك بلاش تبقى قليل ادب كدا. مش مشكلتي إنك هلاس."

دفعته بقوة وصاحت بغضب. خرج راكان من مكتبه على صوت صرخات أخته. وقف يوزع نظراته بينهما. فهو في حالة لا تنم الا على الغضب. دفعها يونس اتجاه راكان. ودلف يجذبها لداخل المكتب. وهو يصيح بغضب أمام راكان: "البت دي كانت فين؟ هي معندهاش جامعة النهاردة." جلس راكان على مكتبه واضعا رأسه بين كفيه. عندما اسرعت سيلين تلكمه بقوة كقطة شرسة: "اوعى تفكر عشان اكبر مني بكام سنة. هكون ملزومة منك. أنا ملزومة من اخويا وابويا. انت مالكش دعوة."

جذبها من خصلاتها ودفعها يلكمها بقوة بالحائط: "لمي نفسك يابت. هو عشان انا ساكت هتسوقي فيها وحياة ربي ادفنك في سابع أرض." نظرت إلى راكان بعيناها الباكية من عنف يونس إليها. ولكنه كان مازال واضعا رأسه بين كفيه. فهمست بصوت مفعم بالبكاء: "سايبه يهين فيا وانت قاعد. طيب لما بيعمل كدا وانت موجود. هيعمل ايه وانت مش موجود." رفع نظره إلى يونس وتحدث بهدوء رغم نيران قلبه المشتعلة: "يونس. سبها." ثم اتجه بنظره لأخته:

"اطلعي اوضتك. بعدين نتكلم." تركها يونس وهو يرمقها بنظرات جحيميه بعدما اقترب يهمس لها بصوت كفحيح أفعى. "هموتك لو شوفتك قريبة من اي جنس مذكور انه ذكر. حبيبتي الجميلة." تحركت سريعاً من أمامه وشهقاتها بالأرتفاع. اتجه يونس إلى راكان يدقق النظر بملامحه: "مالك ياراكان؟ من وقت ماعرفت نتيجة التحليل. وانت متغير. هو انت عرفت مين عمل كدا." فتح الكاميرا التي أمامه ووجهها إلى يونس: "محدش طلعلها غير والدتك." هب فزعا كالملدوغ.

"اتجننت ياراكان. انت عارف بتقول ايه. ماما مستحيل تعمل كدا." نهض راكان متجها للنافذة ينظر بالخارج وكأن الأكسجين انسحب من غرفته. "كله هيتحاسب يايونس. اتأكد الاول. هعرف انا لسة متكلمتش مع الباشمهندسة." اتجه يقف بجواره يرمقه متسائلا: "باشمهندسة؟ إنت حكايتك إيه يابني. مرة تقولي امي. ومرة تشك في ليلى." "أمشي دلوقتي يايونس مش عايز اتكلم مع حد." استدار له بجسده فتحدث:

"عايز افحص ليلى. وأطمن عليها. كان المفروض اكون شوفتها من ساعة. بس نمت من التعب." تحرك معه للأعلى مرتديا نظارته الشمسية. توقف يونس أمامه: "بعد مااطمن عليها لازم تحكي لي كل حاجة." تحرك دون حديث. صعد للأعلى دلفا بعد الطرق. كانت تخرج من مرحاضها بمساعدة اختها. تعثرت بخطواتها حينما وجدته بغرفتها. لولا أيدي يونس الذي تلقفها ودرة من جانب آخر. "مدام ليلى خلي بالك." نزلت ببصرها بعيدا عنه تهز رأسها وتحركت للمخدعها.

"شكرا لحضرتك." قالتها بألم حينما توجه راكان للشرفة. "خلص كشف يايونس. معاك الباشمهندسة درة لو محتاج حاجة." اطبقت على جفنيها. وتسطحت بمساعدة أختها. "أنا هكشف مبدئي ضغط. ونبض. لكن طبعا بكرة لازم تروحي تراجعي سونار." بعد قليل انتهى من كشفه قائلا: "عال العال. نسيت أسألك ناوية تسمي زعبولة ايه؟ تسائلت درة بإبتسامة: "هي هتجيب ولد." هز رأسه بابتسامته الخلابة ونظر بالخارج إلى راكان الذي ينفث تبغه بغضب.

"ايوة هتجيب ولد. واتمنى مايكونش نرفوز زي عمه." اتجهت بنظهرها سريعا إلى يونس: "وهو يطلع شبه عمه ليه؟ وصل راكان على حديثها فابتسم بسخرية وأجابها: "لا طبعا لازم يطلع محترم لأبوه. معقول بعد سليم الباشمهندس المحترم هيطلع لعمه الحقير بتاع الستات." اقترب يرمقها بنظرات لو تقتل لأوقعتها صريعة قائلا:

"صدقيني لا إنت ولا ابنك حتى تهموني. وخليكي فاكرة ان وقوفي معاكي ومع ابنك عشان خاطر أخويا وأمي. أما لو عليا مش هبص في وشك. مش عشان الجميلة معجبتنيش لا عشان تفضلي ليلى هانم المحترمة اللي مبتعرفش غير المحترمين. أما أنا واحد حقير وزي ماقولتي كل حياتي باطل في باطل يامدام." اقترب يونس حينما وجده خرج عن سيطرته: "راكان اهدى. إحنا بنهزر." دفع يونس بعيدا عنه قائلا بصوت جهوري حتى وصلت والدته على أثره: "إيه شايفني مجنون؟

أنا برد على المدام مش اكتر. متحاولش تقرب مني ولا ليها دعوة بحياتي. بدل حياتي هتفضحها." .قطع حديثه على صوت والدته: "راكان... صاحت بها زينب. تحرك متجها لوالدته وجلس بمقابلتها ثم رفع كفيها يقبله: " ماما عاملة." نظرت إليه بتقييم. ثم رفعت نظرها إلى ليلى. "بتزعق ليه مع ليلى... توقف يضع يديه بجيب بنطاله قائلاً بهدوء:

-آسف يا ست الكل، مش هقدر أحقق لك رغبتك وأتجوز أرملة أخويا. شوفي حد تاني. يونس مش غريب عن العيلة. وحتى لو يونس موافقش، متخافيش محدش يقدر يقرب من حفيدك ويحرمك منه. لكن أنا هتجوز واحدة تانية. قالها ثم نهض سريعاً متجهاً للخارج. صاحت زينب تناديه، ولكنه اختفى. -الحق ابن عمك يا حبيبي، معرفش إيه اللي حصل معاه. أما هي، فشعرت وكأن روحها خرجت من جسدها بسبب ما قاله. وتذكرت ما قالته إلى سيلين، فهمست لنفسها: -معقول سمعنا؟

أطبقت على جفنيها بقوة. اقتربت زينب منها تطالعها متسائلة: -راكان طيب يا بنتي، بلاش تقسي عليه بالكلام. ميغركيش قسوته، لكن جواه طفل محتاج الاحتواء. زعلتيني يا ليلى، آه انت غالية عليا، بس مش أغلى منه. قالتها وخرجت متجهة لغرفتها بمساعدة الممرضة. ارتفعت دقات قلبها وارتجف جسدها عندما تحدثت درة قائلة: -حبيبتي راكان واتجوزتي سليم، ودلوقتي إيه اللي بيحصل؟ هو انت مين؟ أنا معرفكيش.

فرت دمعة من عينيها تسيل فوق وجنتيها ببطء. فوضعت كفيها المرتعش تزيلها. -أنا أكتر واحدة ظلمت نفسي، أنا اللي كسرت قلبي وقلب واحد مالوش ذنب، ومات ومفكرني زعلانة منه. شهقة خرجت من جوفها. ثم رفعت نظرها إلى أختها. -أنا ضعت يا درة، ومش لاقية نفسي. ليلى القوية ضاعت. تفتكري دا ذنب سليم عشان اتجوزته وقلبي مع حد تاني؟ انتفض جسدها وازداد احمرار وجهها من البكاء.

-والله ما كان قصدي أوجع حد، حتى لما قولت لراكان عشان أوجع قلبك كان مجرد كلام. ماهو مفيش حد بيتمنى لحبيبه الوجع. قالتها بصوت مفعم بالبكاء. جلست أمامها درة تنظر إليها بذهول. فجذبتها لأحضانها عندما ارتفع صوت بكائها. -ليلى حبيبتي اهدي، أنا مش هلومك على اللي عملتيه، لكن ليه راكان بيقول هيتجوز واحدة تانية؟ وهو فعلاً بيحبك ولا إيه؟ مش فاهمة حاجة.

-درة ممكن تنامي جنبي أنا محتاجة أشعر بالراحة وللأسف مش لاقياها. للأسف قلبي وجعني على الشخص الغلط. مسحت درة على خصلاتها وتسطحت بجوارها، وظلت تمسح على خصلاتها حتى غفت. ثم توقفت وتحركت للشرفة وقامت بمهاتفة والدتها. -ماما ليلى تعبانة للأسف، ونفسيتها مش تمام. هقعد معاها للبليل، وهكلمك تبعتي آسر ياخدني. -أختك تعبانة قوي يا درة، أنا مش عارفة أسيب باباكي تعبان وأجي أشوفها. أخذت عدة أنفاس لعلها تهدأ من حالة والدتها المرتابة.

-لا يا ماما، هي كويسة حبيبتي وكمان الدكتور يونس بيقول هجيلك حفيد زي القمر. وآه يا ست ماما متنسيش إن درة هتتجوز، يعني بلاش الحب كله لسيادة حفيدك. بعد فترة أنهت اتصالها، واجابت على حمزة الذي هاتفها عدة مرات. -حمزة. قالتها بصوتها الهادي. كان جالساً على مكتبه يتابع قضية له، ولكنه أغلق ملفه وتحدث: -عرفت الأخبار عندك مش تمام. شعرت بوجع حاد في كامل جسدها والألم الذي بصدرها. فأجابته:

-جداً يا حمزة، راكان صرخ في ليلى ومعرفش ليه، وكمان قال كلام مفهمتوش، انه هيتجوز واحدة تانية. نهض حمزة من مكانه يجمع أشيائه. -هعرف كل حاجة حبيبي وأقولك، أنا رايح لعنده النيابة، هضطر أقفل دلوقتي ومتمشيش لما أعدي عليكي أوصلك. هزت رأسها رافضة. -لا آسر هيعدي عليا، أنا قولت لماما. قاطعها حمزة بصوت صاخب.

-قولت هعدي عليكي، واعملي حسابك بعد كدا، لا آسر ولا غيره له حكم عليكي، وأنا هتكلم مع باباكي ونشوف هنعمل إيه. سلام بهدوء دلوقتي يا درة، مش عايز أتعصب عليكي. باليوم التالي، ذهبت أسما لزيارة ليلى. قصت لها ليلى ما صار. جلست ليلى بمحاذتها. -يبقى كلام نورسين مش صح، وأي راجل طبعاً هيسمع الكلام ده هيعمل أكتر من كده. قفلت جفونها بشدة تحاول أن تستوعب كلمات أسما، فهمست لها: -هو قالي هيتجوز نورسين، يعني حقيقة يا أسما.

-وهتسيبيه يتجوزها؟ فتحت عيناها تطالع أسما بصمت. -عايزة مني أعمل إيه؟ أنا واحدة لسه جوزها ميت من كام شهر، وعمال يضغطوا عليها عشان تتجوز أخوه، اللي معرفش أصلاً نيته إيه، وأنا عند رأيي لو هو آخر راجل مستحيل أوافق عليه. أنا عايزة ابني وبس. -ليلى لازم تتكلمي مع راكان، لازم تعرفي آخر اللي انتوا فيه ده إيه. قاطع حديثهما طرقات على باب الغرفة. دلفت العاملة. -غداكي يا هانم، وحضرة المستشار بيقولك اجهزي عشان هتروحي تكشفي.

أومأت برأسها بابتسامة هادئة. -تمام يا هدى، ممكن تحضريلي الحمام. أومأت العاملة برأسها متجهة لمرحاضها. ابتسمت أسما على صديقتها بسخرية. -أيوه فعلاً باين إنك مش طايقاه، ولو آخر راجل مش هتوافقي. توقفت أسما وسحبت طاولة الطعام. -اتغذي حلو حبيبتي عشان متقعيش من طولك وتضطري التنين الوحش اللي مش طايقة تشوفيه، واللي مش هتموتي وتشوفي. ربتت على كتفها بسخرية رافعة حاجبها.

-يابت ده وشك ردت فيه الدموية مجرد ما عرفتي إنه هياخدك للدكتور، اومال لو اتجوزك هتعملي إيه؟ شردت بكلمات أسما. نعم أسبوع بعيداً عنها لم تلمحه وكأنها جسد بلا روح. ولكن كيف تغفر له ما فعله معها؟ كيف تفعل لرجل مثلها تعشقه تريده ولا تريده؟ كان شعوراً متقلباً لا تعلم ماذا عليه فعله.

رجل رغم صلابته إلا أنه متهاون في بعض المواقف. ينهزم أمامه أعتى الرجال. ذكاء يكلله بعض الدهاء. تذكرت ما صار بينهما في المشفى. فابتسمت بغرور وتوقفت متجهة لمرحاضها. كانت أسما تراقبها، فتحدثت متسائلة: -الضحكة دي وراها حاجة؟ ناوية على إيه؟ بس قبل أي حاجة عايزة أقولك الكلام اللي قولته يوم فرحك كان كله كذب. بالعكس راكان جه المزرعة وشرب كتير ليلتها، وكان حالته صعبة جداً، لدرجة ضرب نوح. اقتربت منها.

-أنا معرفش ليه عايز يتجوز نورسين، بس اللي متأكدة منه، إنه مجروح ومكسور من جوه يا ليلى. واوعي تفكري إني غبية ومعرفش نظرة الحب بتكون إزاي. ممكن هو عايز ياخد حق قلبه اللي كسرتيه، فبكذا يقرب من نورسين، ويعيش يومين انتقام لكرامته مش أكتر. كانت الغيرة تتشعب بداخلها، كالنيران التي تلتهم أحشاءها. فابتسمت بمكر قائلة: -تمام يا أسما. ضيقت أسما عينيها متسائلة: -ناوية على إيه؟! -مش حضرة المستشار خطب؟ مش الواجب أبركله؟

ولازم هدية كمان. أطلقت أسما ضحكة مرتفعة. -أيوه يا واد يا جامد! أيوه كده! مش عايزة ليلى الضعيفة محبتهاش، خدي حقك يا قلبي. وحياة ربنا يا ليلى راكان بيحبك. بعد قليل هبطت للأسفل بمساعدة أسما، تبحث عن سيلين. -سيلين لسه مرجعتش من الجامعة؟! تساءلت بها أسما للعاملة. قاطعهما وصول زينب. -الله وأكبر يا حبيبتي انت شكلك كويس. أومأت لها بابتسامة: -أيوه الحمد لله خلاص يا ماما دخلت في التامن اهو، ربنا يعدي الشهرين دول بسرعة.

خرج من مكتبه وهو يتحدث بهاتفه. -قدامي ساعتين تلاتة كدا، مش عايزاه يبعد عن عينك. بغضب لون ملامحه وامتزج صوته الفظ. -لا متعملش حاجة بغباء، قول لجاسر وهو هيتصرف. تحرك أمامها بعدما رمقها بنظرة متجاهلاً وجودها، فأشار للعاملة. -هاتي للمدام شال على كتفها، لتتعب وطبعاً التعب يؤثر على الولد، عايزين الولد يجي بصحة كويسة، مش كده يا ماما. تشعب الغضب بجوفها فأجابته: -محدش هيخاف على ابني أكتر مني. تحرك للخارج وهو يبتسم بسخرية.

-أيوه طبعاً، ماهو من ريحة الغالي، حياته بتساوي حياتك. -امشي يا محمود، وكلم رئيس الحرس ياخدوا بالهم. وضعت رأسها على النافذة وهي تضع يديها على أحشائها وتنظر للذي بجوارها. ولكنه كان مشغولاً بما يفعله. مرت عدة دقائق على الطريق، إلا أن أوقفه اصطدام سيارة الأمن أمامه وإطلاق النيران بعشوائية حولهم. أغلق جهازه سريعاً يتساءل: -إيه اللي بيحصل يا محمود؟ استدار محمود يتحدث في سماعته. -تمام أنا هحاول أحمي الباشا، وانتوا اتعاملوا.

صرخ راكان عندما وجد تلك المنكمشة بجواره تناظره بخوف. -فيه إيه يا بني؟! حرك السيارة بالإتجاه المعاكس قائلاً: -سطو علينا يا باشا، متخافش حضرتك، إحنا بنحاول نتعامل معاهم. طلقات عشوائية حولهم بكل مكان، وتساقط جرحى وموتى بين الفريقين، وتوقف السيارات على الطريق. لم يشعر بنفسه وهو يجذبها لأحضانه وهو يصرخ: -اتحرك بسرعة. مسح على وجهها الغارق بالدموع. -ليلى اهدي، متخافيش أنا معاكي. دفنت رأسها بأحضانه وهمست وهي تمسك أحشائها:

-راكان مين الناس دي أنا خايفة. انتفض ذعراً عندما شعر بجسدها يرتعش بين يديه. همس بجوار أذنيها: -ليلى اهدي، خلاص بعدنا عنهم. لم يكمل حديثه، إذ وجد طلقات تخترق زجاج السيارة. فضمها بكامل جسده حتى اخترقت رصاصة كتفه وأصيب السائق بطلق ناري بصدره. أما الضابط المسؤول عن حمايته، فتحكم بالسيارة التي بدأت تخترق السرعات.

مرت دقائق صعبة عليهم حتى تحكم فريق أمنه بالسيطرة، وتحكم الضابط بالسيارة وإيقافها. ينظر للسائق الذي تم قتله بدم بارد من الخارجين عن القانون. ثم اتجه إلى راكان. -حضرتك كويس؟ كان يطالع التي تضمه ببكاء وتنظر إليه بخوف. فهمس إليها وهو يبحث بعينيه عن شيئاً أصابها. -ليلى إنت كويسة فيه حاجة بتوجعك؟ كانت تناظره فقط. كان قريباً منها جداً حتى شعرت باختلاط أنفاسهما. فانسدلت عبراتها. هز رأسه حتى لا يشعرها بالذعر قائلاً:

-أنا كويس. اعتدل واستند بظهره للخلف. -راكان أنت كويس مش كده؟ شعر بآلام بكتفه فهز رأسه. -أنا كويس. نظر لبطنها. -الولد، حاسة بحاجة؟ قالها وهو يغمض عيناه بألم، فهمس وهو يحتضن كفيها: -أنا كويس طول ما إنت كويسة. قالها ثم غاب عن الوعي. جحظت عيناها من حالته، فصرخت بمحمود: -ده اتصاب. ودي المستشفى بسرعة. *** بعد قليل، كانت تجلس أمام غرفة العمليات بجوار نوح ويونس، الذي قامت بالاتصال عليهما.

نهضت متحركة، وآلام جسدها تخترق عظامها بقوة، ودموعها التي تنسدل بقوة. ضمتها أسما: -بطلي عياط يابنتي، عشان اللي في بطنك. وبعدين ما يونس دخل وقال ده مضروب في كتفه، يعني بسيطة إن شاء الله. خرج الطبيب، فهب نوح متجهاً بجواره يونس: -إيه الأخبار؟ أجابهم الطبيب بعملية: -الحمد لله خرجنا الرصاصة. هي مكانها مش خطير، حمدلله على سلامته. تحركت بخطى بطيئة مردفة: -ممكن أشوفه؟ ابتسم الطبيب وأشار له أثناء خروجه:

-أكيد، هو هيتنقل على أوضته، ممكن تشوفوه هناك. بمكان آخر، دلف إلى مكتبه وأمسكه من عنقه: -انت تحاول تقتل حفيدي، قتلت واحد وجاي تخلص على التاني. لا فوق ده أدْفِنك مكانك. دفعه بقوة وأشار بيديه: -أنا بحذرك ياقاسم، تقرب من راكان، هفعصك تحت رجلي. وضع قاسم يديه على عنقه محاولاً أخذ أنفاسه. ثم نظر إلى توفيق بغضب قائلاً:

-أنا هعتبر ده من زعلك على حفيدك، ومش هعاقبك ياتوفيق. ومتنساش إن حفيدك اللي بدأ. ابني يخرج بكرة من السجن، بلاش آخد عزاه ياتوفيق. خرج توفيق بعدما أرسل إليه نظرات جحيمية. تحرك متجهاً إلى المشفى. بمكتب حمزة، دلف إليه أحد الأشخاص وخلفه رجل ذو هيبة. صاحت بهم السكرتيرة: -لو سمحت، مينفعش اللي بتعمله. توقف حمزة يشير بيديه عندما علم بهويته.

جذب مقعد وجلس أمامه يطالعه، ثم أخرج تبغه الغالي ينفث. رجع حمزة بمقعده يستند للخلف ويطالعه بنظرات هادئة رغم نيران جسده الداخلية من فعلته، فأردف: -خير؟ محدش يعمل كدا غير الحيوانات. قالها وهو يطالعه بغضب. وضع الرجل ساقاً فوق أخرى قائلاً: -أكيد عارف أنا مين. دنا الرجل منه. -لو حاولت تقرب من ابني تاني، هموتك، ودا مش تهديد يامتر. وبعدين البنت البيئة دي متلزمناش. لو كنت جتلي كنت حليت الموضوع. أما شغل المباحث دا مش بحبه.

قالها ثم توقف وهو يرمق حمزة بسخرية: -مش ابن عز الدين اللي يترفض. وعرف بنت الحواري دي ازاي ابني الدكتور هيعرف ياخد حقه. قالها ثم خرج وخلفه أمنه الذي يحوطونه من كافة الاتجاهات. ظل جالساً بمكانه ينظر بشرود خلفهم حتى قاطعه رنين هاتفه: -حمزة راكان انضرب بالنار واحنا بالمستشفى. هب فزعاً متجهاً للمشفى، دون حديث آخر. بالمشفى، دلفت إليه بجوار أسما تنظر إلى تسطحه على الفراش. انزلقت عبرة غائرة عبر وجنتيها، تضع كفيها على فمها:

-هو عامل كدا ليه ياأسما؟ هو هيموت وبيضحكوا عليا؟ ضمتها أسما لأحضانها: -حبيبتي، هو كويس أهو. هو نايم بس وهيفوق كمان شوية. هزت رأسها رافضة حديثها، تقترب منه. جلست بجواره تنظر إليه بدموعها المنسدلة: -حقيقي معرفش انت بالنسبالي إيه، بقت معرفش. بحبك ولا بكرهك ولا إيه بالظبط. لكن كل اللي اعرفه بخاف عليك، ومت رعب عليك. فوق ياراكان عشان خاطري، ووعد مني مش هزعلك بكلامي تاني. بعد أسبوعين.

تجلس بحديقة المنزل بجوار حمام السباحة تتناول الفواكه، وبجوارها سيلين تقرأ رواية. -بقولك ياسيلي، الجو حر أوي، هو ممكن أخلع الحجاب... مفيش حد بيدخل الحديقة هنا عند البيسين صح. قطعت سيلين قراءتها وتحدثت: -لا ياقلبي، خدي راحتك. مفيش غيرنا بس اللي بيدخل هنا. راكان عامل حصار على البيسين بالذات، علشان أنا على طول بنزله فبيخاف عليا جداً وخصوصاً الحرس ملين المكان. رفعت حاجبها متزامناً مع شفتيه وتحدثت مستنكرة كلمات سيلين:

-والله. اللي يسمعك كدا مايقولش إنه ماشي مع نص بنات مصر. بجد مع إني مبحبش نورسين دي، بس الصراحة صعبانة عليا. دا واحد مستحيل واحدة تتحمله. أغلقت سيلين كتابها واستدارت لها. دققت النظرات في ملامح وجهها، فبعدما تحدث يونس إليها بحقيقة مشاعر راكان لليلى وهي تحاول التقرب بينهما، وخاصة حالة الزعر التي انتابتها بعد إصابته، وكذلك هو عندما أفاق وهو يردد باسمها. فلاش باك. دَلفت سيلين إليه سريعاً، يحاوطها يونس بذراعيه:

-سيلين اهدي، راكان كويس. بكت بشهقات وهي تردف: -قولتلي كدا في سليم، عايزة أشوف أخويا يايونس، ولا مستني يودوه التلاجة. خرجت ليلى على صوت بكائها، أسرعت إليها: -قولي راكان كويس وماتش ياليلى. قولي أخويا الوحيد عايش. هزت ليلى رأسها: -هو كويس. ادخلي شوفيه. قالتها وهي تجلس على المقعد، وجسدها يرتعش، وتضم جسدها بيديها بعيون زائغة. -هيكون كويس، هو وعدني بكدا. مش معقول هيخلف بوعده. وصلت جميع العائلة. أمسكها توفيق بعنف:

-من وقت مادخلتي البيت دا ووشك شؤم. موتي واحد، والتاني هيموت كمان. هزت رأسها تصرخ من آلامها عندما ضغط على ذراعها بقوة. حررها نوح صارخاً: -ودي ذنبها إيه؟ حضرتك ناسي إن حفيدك وكيل نيابة والمعظم عايز يتخلص منه. وأولهم شريكك. انكمشت ليلى في أحضان نوح تمسك أحشائها وهي تبكي: -نوح أنا ماليش دعوة يانوح. والله. ربت على ظهرها وأجلسها بجوار أسما: -خلي بالك منها. لما أشوف توفيق رايح للدكتور عشان إيه. بالداخل عند سيلين.

وصلت إلى أخيها، واحتضنت كفيه تقبله بدموع عيناها: -حبيبي، راكان افتح عيونك. أوى تسبني. راكان أنا يتمية وانتوا عزوتي حبيبي. استمعت إلى همسه: -"ليلى". ابتسمت وهي تستمع لندائه لليلى. مسدت على خصلاته: -ليلى كويسة حبيبي. فوق انت بس. فتح جفونه بتثاقل وهمس مرة أخرى باسمها: -ليلى برة. هروح أناديها. هز رأسه رافضاً. ونظر إليها: -بتعيطي ليه حبيبتي. وضعت رأسها بأحضانه وشهقات مرتفعة. -خفت عليك ياحبيبي. خفت أتيم ياراكان. رفع

ذراعه السليم يمسد عليها: -متخافيش حبيبتي، لسة في العمر بقية ومش هموت غير لما أجوزك يابت. قالها بصوت متقطع متعب. رفعت رأسها مبتسمة: -واشوفك وانت كمان أحلى عريس مع لولة اللي هتموت عليك برة. ياله قوم بسرعة، والله منهارة برة ومفيش غير راكان، راكان. ابتسم لها وتذكر قبل إغمائه وقربها منه: -راكان انت كويس. رفعت ذراعيها تبحث بجسده عن إصابته: -انت اتصبت فين؟ خرج من شروده عندما دلف توفيق ويونس. *** نهاية الفلاش. نظرت سيلين

إليها فغمزت بعينيها قائلة: -غلطانة يالولة، راكان مفيش أحن منه. وبعدين ياحبيبتي مش كل اللي تشوفيه وتسمعيه بيكون حقيقة. ثم اقتربت وهمست لها: -أنا لو دعيت عليه هدعي عليه إن يبعد عن نورسين، ويتم جوازكم على خير بعد ما يشرف الأستاذ اللي هموت وأشيله. اتسعت عيني ليلى واردفت بخفوت: -ليه بتفكريني بس ياسلين. فيه حاجة بحاول أتلاشاها. على فكرة ياسيلي، مستحيل أنا وأخوكي يجمعنا رابط واحد أبداً. ثم ملست على بطنها المنتفخ:

-الجواز دا غصب عني وأنا مش راضية بيه. وهو استغل ضعفي. اغرورقت عيناها بالدموع وتحدثت، عندما تذكرت خطبته بنورسين، ونيران غيرتها المشتعلة: -رايح خاطب واحدة، وجاي فترد ذراعه عليها. سحبت نفساً وأردفت بصوت مرتعش: -أنا بكرهه قوي ومش عايزة أتزوجه وهو استغل مكانته وهددني بابني. رفعت نظرها وتطايرت خصلاتها حولها وأكملت: -لو بأيدي صدقيني كنت هربت بابني. بس برجع أشوف والدتك بزعل عليها.

كان يقف بالقرب منهما واستمع إلى حديثها المبكي والمدمي للقلب مرة أخرى. تنهدت سيلين بحزن، ووقفت فجأة: -هروح حمام السباحة. ثم اتجهت لداخل غرفة صغيرة بجوار حمام السباحة: -أنا هنزل أعوم شوية وانت خليكي كل الفروالة دي. واظلمي أخويا ياختي. بس ياريت متندميش تاني يالولة. قالتها متحركة سريعاً عندما رأت قدوم راكان إليهما. أرجعت برأسها واستندت على الجدار خلفها: -ياريت أكون بظلمه ياسيلين. رفعت نظرها للسماء:

-يارب ارحمني بعطفك. وانظر لي نظرة رضاو رحمة. فجأة شعرت بوجود أحداً بجوارها. جلس بجوارها يطالعها بغضب: -لمي شعرك اللي فرحانة بيه دا. شهقت عندما وجدته بجوارها، وأسرعت ترفع حجابها فوق خصلاتها: -انت إزاي تقعد جنبي كدا من غير دستور. نظر لها من تحت نظراته: -والمفروض أخبط على الباب يعني. وأومال لو مش قاعدة في جنينة وفارد شعرك اللي هولع فيه دا. رفعت سبابتها له وصاحت بغضب: -ماتتخطاش حدودك معايا سمعت ولا لا. اتكأ بمنكبه السليم

على الوسادة الموضوعة: -لا ماسمعتش. عايزة أشوف آخرك. حرمي المصون. صرخت بوجهه: -أنا مش مرات حد سمعتني. وبعدين مش انت قولت مش هتجوزني. رجعت في كلامك ليه. رفع نظره إلى والدته التي تجلس بشرفتها وتنظر إليهم مبتسمة. تنهد بألم وتذكر حديثها قبل إصابته بيوم. دَلفت بمقعدها إلى غرفته، يبدو عليها الحزن وكأنها كانت تبكي: -ممكن أمك تتكلم معاك. لو بتعتبرني أمك زي مابتقول. نهض من فوق فراشه، واتجه يسحب مقعدها إلى الشرفة.

جلس بمقابلتها: -لدرجة دي شايفة إنك متستهليش تكوني أمي. رفعت كفيها على وجهه وانسدلت عبراتها: -لدرجة دي عايز تحرمني منك ياراكان!! جحظت عيناه بذهول، فأردف حزينًا: -إيه اللي بتقوليه حضرتك دا؟ من إمتى وأنا بعيد عنك؟ نظرت إلى الحديقة أمامها وأردفت بصوتها المفعم بالبكاء: -من يوم ما سليم مات، بقيت أشوفك واحد تاني. اتجهت بأنظارها إليه وأكملت: -يمكن عشان بتهرب مني، وخايف أعاتبك. هب واقفا مستندًا على سور الشرفة ينظر إليها

بحزن وألم في آن واحد: -ليه بتقولي كدا؟ حضرتك عارفة غلاوتك عندي. بكت بصوت مرتفع قائلة: -ليه مش عايز تريحني، وتريح نفسك ياحبيبي؟ استدار للجهة الأخرى وأردف: -ماما أنا مش هتجوز ليلى، ودا آخر كلام عندي. وبعيد عن أي حاجة، أكيد عارفة غلاوتك عندي. استدارت بمقعدها متجهة للخارج قائلة: -خلاص يابني مش هغصبك على حاجة، وأنا هتصرف. أسرع خلفها وتوقف أمامها، وجد دموعها تغرق وجهها. جلس أمامها يزيل عبراتها: -طيب ليه الدموع دي؟

والله ياماما لو أقدر مش هتأخر. وبعدين ماهي قالتلك هتفضل قاعدة معاكي ومش هتحرمك من ابنك. -أنا مش ظالمة يابني، ليلى لسة صغيرة وحلوة ومن حقها تتجوز. ماهي مش معقولة هتفضل من غير جواز. دي ما قعدتش مع جوزها غير شهرين بس. تنهد متألماً، فكلما تذكر حديثها يشعر بنيران تحرق قلبه: -يرضيكي ابنك يتجوز واحدة غصب عنها؟ كل اللي شيفاه أنه بتاع ستات وبس. ابتسمت على كلماته من بين دموعها: -ويعني هي قالت حاجة غريبة؟

ماهو إنت كدا يا أستاذ راكي، نسيت ولا إيه. جحظت عيناه: -حتى إنتِ يا ماما!! -ولد انت هتستهبل؟ ما انت كل ليلة مع واحدة شكل، ولا إحنا بنوهمك بكدا. صمتت للحظات وأردفت: -راكان حياتك كلها غلط ياحبيبي، ومتفكرش هتفضل طول عمرك وأنت كدا. أعمل لأخرتك يابني، وبلاها نورسين يا حضرة النايب اللي رحت اتفقت معاها من ورا أمك. معرفش البت المعصعصة دي عجباك فيها إيه. نهض من أمامه ثم أجابها: -اهي واحدة والسلامة يا ماما. هزت

رأسها وهي تدقق النظر به: -طيب اللي عايز ينسى واحدة بواحدة، يجيب أحسن منها. قالتها وهي تتحرك للخارج. توقفت لدى الباب قائلة: -نصيحة من أمك، عشان تفرس واحدة، لازم تجيب اللي يغيظها، بس تكون أدب وأخلاق. وأنا عارفة خطوبتك من بنت النمساوي ماهي إلا فرقعة تثبت لنفسك إنك ممكن تعيش عادي بعيد عنها. غلطان يابن زينب، مش هتاخد غير وجع قلبك ولو هي بتحبك هتجلطها. اصبر على ليلى كلامها كله من غيرتها ياحضرة النايب.

ولو على سليم فهو ربنا يرحمه ياحبيبي، عيش حياتك. ودا مش نقص من رجولتك بالعكس، الرجولة إنك تحتوي اللي بتحبه يابني، مش اللي تجبره وتضغط عليه يعني من الآخر. الحب مفهوش كبرياء، لو انت اتنازلت شوية وهي اتنازلت هتلاقوا الدنيا بينكم حلوة. خرج من شروده على وصول نورسين، وهي تجلس بجواره تقبله على خديه: -عامل إيه ياحبيبي؟ -أهلا يانور، عاملة إيه؟

قالها وهو ينظر لتلك التي جلست تنظر إلى سيلين وتتناول حبة الفراولة تلوكها بهدوء. حتى ثبت نظراته على شفتيها التي تلونت بحمرة الفراولة، وبدأ يتمنى تذوق تلك الفراولة. ولم يستمع إلى نورسين عندما قالت: -هنزل البيسين شوية مع نورسين، شوية وتعالى. أومأ دون حديث. أقترب من جلوسها، رفع يديها التي بها ثمرة الفراولة فجأة ووضعها بفمه كأنها تطعمه. تلونت وجنتيها بحمرة الخجل، وشعرت بدقات عنيفة حتى زعمت أنه استمع إليها فهمست بتقطع:

-بتعمل إيه؟ اتجننت!! اغمض عيناه متلذذا بطعمها ثم نطق بخفوت: -جوزك مصاب زي ما أنت شايفة، مش المفروض تأكليه؟ ولا تاكلي لوحدك؟ غمز بعينيه عندما ارتجفت شفتيها من فعلته، وتورد وجهها بالكامل فتحدث قائلاً: -طعمها يجنن بس بحبها طبيعية مش صناعية. جحظت عيناها من بروده واستفزازه لها: -جوز مين إن شاء الله؟ جوز حمام ولا فراخ؟ ابعد عني، وروح لعروسة المولد تبعك.

نظر لعيناها الغاضبة، وشفتيها المنتفخة فرفع جسده إليها، فجذب منها أخرى وفعل مثل الأول قائلاً: -أنا باكل فراولة صناعية على فكرة مش طبيعية. قالها وهو ينظر لشفتيها المنفرجتين أمامه. ثم أكمل ومازالت نظراته تحاصرها: -ظلماني بس اوعدك هدوق الطبيعي. عارف ومتأكد طعمه محصلش. رعشة اصابت جسدها عندما رفع يديها مرة أخرى ويضع باقي حبة الفراولة:

-اكلي جوزك ياحبيبتي، متخليش نفسه في حاجة. وخصوصا عريس بعد كام شهر، ولازم تهتمي بيه. ضرتك غبية مالهاش غير في المكياج. ابتعدت عنه بعض الشئ وهي ترمقه بنظرات لو تحرق لأحرقته فهمست: -جنازة تاخدك يامستفز. رفع كفيه يلوح لنورسين: -اوعي تغرقي يانور شوية وجايلك حبيبي عشان اعلمك العوم صح. قالها وهو يرمق التي بجواره عبارة عن كرة ملتهبة. فنهض من مكانه:

-تسلم ايدك الفراولة تحفة. هقوم أهو عشان متزقيش هتاكليني بدل الفراولة. هروح أعلم خطيبتي السباحة. نظر لبطنها ورسم ابتسامة سخرية: -خليكي انتِ مع البطيخة بتاعتك أكليه فراولة. حاسس في الآخر هتولدي سحلية شبهك. اتجهت بنظرها سريعا إلى نورسين التي ترتدي مايوه قطعة واحدة وهو ما يعرف بالبيكيني. فاستدارت بنظرها إليه: -أوعى تقولي أنك هتنزل تعوم معاها وهي بالشكل دا. لا دا كدا حرام. هي مش مراتك عشان تشوفها بالشكل المقرف دا.

-ود ا أسميه إيه؟ غيرة ولا حاجة تانية، يامراتي المستقبلية. ابتعدت بنظرها عنه قائلة: -أنا واحدة أرملة عايشة لابني وبس. ثم تحدثت ببابانة: -ولو على انك غصبتني على الموافقة بجوازك، فالجواز هنا باطل. يعني اعمل اللي انت عايزه. أنا بنصحك مش أكتر. رفع انامل وامسك خصلاتها المتمردة واضعا اياها خلف اذنها بعدما سقط حجابها بفعل الهواء: -وايه كمان يالولة قولي.. اشجي قلب جوزك ياحبيبي.

رغم أنه اردف بها ليضيقها، إلا انها اخترقت قلبها وتسارعات نبضاته. ناظراته بليلها الدامس وتمنت ان يقوم بخلع نظارته. للحظة شعرت باشياقها للنظر لعيناه. كانه شعر بها. فقام برفع نظراته على خصلاته: -لو شايفة جوازك مني غصب... اوعي توافقي عليه. ومتخافيش من جدي، مش هيقدر يعملك حاجة. أنا صعبان عليا ماما، فخلينا متفقين.

-نظرتك ليا انا مش حاببها خالص. فبقولك لو جوازك مني هيتعبك، كلمي ماما وفهميها. وصدقيني هكون مع قرارك. بلاش أنا اللي أوجع قلبها. لكن متأكد من قرار امي، فهي دلوقتي شايفاكي مراتي. فخليها تشوفنا كدا، عشان منزعلش من بعض. ووعد مني مش هقرب منك وكأنك مش موجودة. بدل بينا الاحترام. كلماته اخترقت روحهها حتى شعرت بالصدمة. فخرج الكلام منها متقطع: -انت عايز ايه؟ مرة احسك طيب ومرة. توقفت. فرفعت بصرها تدقق النظر في مقلتيه.

أكمل حديثها: -طول ما انت كدا عمرنا ماهنتقابل. فرد جسده بجوارها ونظر إلى نورسين وأكمل: -أنا مش هغصبك على حاجة عيشي حياتك. وزي ما انت شايفة، أنا ونورسين هنتجوز. أصل عمرها ما قالتلي اني بتاع ستات، ولا بتكرهني. اعتدل مستنداً على ذراعيه السليم، يدقق بملامحها الجميلة فأردف: -نورسين حلوة صح. وتحسيها فهماني من نظراتي.

قالها وهو ينظر إلى نورسين. ثم تنهد بعمق في محاولة لأستجماع رباطة جأشه. فرفع نظره إليها وجدها مغمضة العينين، حتى لا تبكي من حديثه. ولكنها فتحت عيناها عندما استمعت إليه: -مقولتيش رأيك في ضرتك يامراتي المستقبلية. -زي الزفت على دماغك ودماغها. قالتها بتحقير وغضب ونظرات نارية موجهة له. -لا لا زوجتي المصونة بتغلطي في ضرتك. ظلت تضغط على يديها واعصابها بقوة. ودون وعي لكمته بصدره وهو متسطح بجوارها:

-انا مش مرات حد افهم بقى. ولو كنت اخر راجل في الدنيا. جذبها بقوة حتى اختلت جلستها واضعة يديها على صدره. فكالعادة كلماتها تحرقه. اقترب منها ونظراته نارية. -طيب أنا بحاول أكون متعاطف معاكي، دا مش ضعف أبداً مني، دا رأفة بحالك. إنتِ في حكم مراتي دلوقتي، مش لسه باخد رأيك. وصلت نورسين إليهما، جلست بجواره تتناول من الفواكه.

استندت على الجدار خلفها، فرمقتها مستهزئة، تنظر لثيابها التي عبارة عن بيكيني من قطعة واحدة وهي تقف أمامهما. -بقولك ياعروسة المولد، وسّعي كدا ياحبيبتي، قطعتي عني الهوا. كفاية حزلئوم بتاعك، واه خدي طبق الفراولة، كرهتها. كتم ضحكة بداخله وهو يجذب نورسين حتى اقتربت منه. -ماتأكليني يانور، دا حتى أم البطيخة بتقولي خلي حبيبتك تأكلك.

حاولت النهوض عندما شعرت بنيران تكوي قلبها دون رحمة من إقترابهما بشكل مؤذي لقلبها، ولكن ثقلها لم يساعدها، فتحدث. -إيه، أجيبلك ونش يرفعك يا أم سحلول. أمسكت الصحن الذي أمامها وألقته عليه، حتى تفداه بصعوبة. ثم اتجهت إلى نورسين قائلة: -قولي لحزلئوم بتاعك يبعد عني، ولا عروسة المولد مش مالية عنيه. تحدثت نورسين: -وهو ينشغل بيكي ليه؟ على فكرة راكي قالي كل حاجة، يعني جوازكم صوري، فبلاش حركاتك دي.

نظر إليها بحزن دفين، فعشقه لها يوازي كبرياءه اللعين. ولتجاوزه كبرياءه، عليه أن يجعلها تصل إليه وهي ترتمي بأحضانها لتنعم بعشقه دون أن يجرح كبريائه. فاتجه إلى نور. -سيلين خرجت من البسين، روحي وأنا هلحقك. وقفت ترمق ليلى بنظراتها، فتحدثت: -متتأخرش عليا ياحبيبي، عايزين نرجع أيام زمان، فاكر لما كنت بتعوم وانت شايلني. قوس فمه بسخرية عندما وجد نظراتها إلى ليلى، فأردف: -وماله ياحبيبي، نعوم منعمش ليه. تحركت وهي تشير بيديها.

-متتأخرش. انزلقت دمعة من عيني ليلى. كان يتأمل ملامح وجهها الحزين، ببؤس مزق روحه المحترقة. -ليلى، متزعليش من نورسين، كان لازم أعرفها إن جوازنا هيكون صوري. ثم رفع نظره إلى نورسين التي تسبح. -أما الجواز الحقيقي هيكون معاها هي، هنام في حضنها هي، هي. فجأة توقف عندما وجد دموعها تتساقط بغزارة على وجنتيها. رعشة أصابت قلبه من حالتها، وحاول استجماع شجاعته الواهية، فأخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول بنبرة مرتعشة:

-ما يرضينيش إنك ترتبط بواحد ذبالة، واحد بتكرهيه ومحول حياتك لجحيم. كان لازم أكدلك، بعمل كدا عشان ماما وبس. أمسك كفيها مردفاً: -إنتِ صح، أخر الست عندي السرير، يعني ممكن بعد جوازنا أغير رأيي و... نزعت يديها بعنف، فأطبق على جفنيه. -إنت إيه؟ مستحيل تكون بني آدم وعندك إحساس. ليه دايماً تأكدلي أهم حاجة عندك توجعني وخلاص؟ ليه ياراكان دايماً بتحسسني إني رخيصة؟

نهضت تحاول السيطرة على نفسها حتى لا تضعف أمامه. نظرت إليه قبل تحركها. -ربنا يوجع قلبك زي ما وجعت قلبي. فتح عيناه وكأنها صفعته بقوة على وجهه. فنهض يجذبها من رسغها ونظر إليها شرزاً. -هيكون أكتر من كدا وجع، بس ماتخافيش. هيشفى، نورسين هتطبطب عليه وبلمستها هيشفى. -الله ياخدك ياراكان، ربنا ينتقم منك. قالتها وهي تلكمه بقوة. تركها عندما ساءت حالتها بالبكاء.

وأرجع بجسده عنها مغلقاً عيناه، ساباً نفسه بأبشع السباب من حالتها التي أوجعت قلبه. -ليلى بهزر معاكي، صدقيني، إنتِ غبية أصلاً، متعرفيش إنتِ بالنسبالي إيه. حاوطها بذراعيه. -ليلى اهدي، مش هتكلم تاني. شهقات متتالية وهي تبكي. -أنا غبية فعلاً عشان حبيت واحد بتاع ستات، واحد أهم حاجة عنده... قطعت حديثها عندما وجدت نظراته التي اخترقتها. -حبيتي الراجل اللي إيه؟

قولي وسمعيني كدا تاني، قولي إني مسمعتش غلط. قالها وهو يجذبها لأحضان. حاولت دفعه ولكن قوتها انهارت وتلاشت حينما تسربت آلامها بكامل جسدها. همس لها: -وإنتِ متعرفيش إني حبيتك بجنون يامجنونة. والله العظيم مفيش حاجة من اللي في دماغك. وصلت نورسين عندما وجدتها بأحضان. فصاحت: -إيه اللي بيحصل دا ياراكان؟

كانت تضغط على كف راكان الذي كان يحتضنها به. لم يشعر بشيء سوى أنها بأحضان لأول مرة بإرادتها. وكأنه لم يرى ولم يسمع كلمات نورسين. هي فقط همسها، رائحتها التي أسكرته حتى همس بجانب أذنها. -ليلى، تأكدي مش عايز غيرك، تأكدي من حبي ليكي. كانت لا تشعر بكلماته ولا به، كل ما تشعر به آلامها التي أصبحت تخترق جسدها كاملاً، فصرخت. -أنا تعبانة، شكلي هولد. أخرجها من حضنه. -خدي نفس، مفيش ولادة ولا حاجة، لسة بدري.

جذبته من قميصه بيديها من شدة الألم الذي اجتاحها. -راكان هولد، اتصل بيونس، أنا تعبانة، هموت. صرخت بقوة به. -بقولك هموت. احتضن وجهها ينظر لمقلتيها وأردف. -اهدي حبيبتي. أغرقت وجنتيها بالدموع، تضع يديها أسفل بطنها وصرخة مليئة بآلامها. وقف كالملدوغ عندما وجد المياه تخرج منها. قام بحملها سريعاً متجهاً لسيارته. -ليلى هنروح المستشفى، حاولي تهدي. صرخت صرخات متتالية. وصلت سيلين على صرخات ليلى، واستقلت سيارتها سريعاً.

ركب راكان بالخلف وهو يصيح بسيلين. -مستشفى يونس بسرعة ياسيلين وكلميه. أومأت برأسها وصرخات ليلى تصم آذانهما. -هموت ياراكان، آه. قالتها ودموعها تنسدل بقوة. ضمها بقوة لأحضانه. -بعد الشر عليكي ياحبيبتي، لا هتولدي وتقومي بالسلامة. ضم وجهها بين يديه. -ليلى حاولي تتماسكي عشان خاطري. نزل بجبينه إليها. -ليلى عايزك متخافيش، أنا جنبك، واعرفي إنك أهم شخص بحياتي. ضغطت على كفيه من شدة آلامها. وصلوا بعد دقائق للمستشفى.

قاموا بتحضيرها للعمليات. امسك يد يونس. -مش المفروض باقي شهر، إيه الولادة البدري دي؟ ابتسم يونس رافعاً حاجبه بسخرية. -متخافش ياعم المغرم، اومال كنت عامل دراكولا ليه من يومين. امسكه من تلابيبه. -روح ولدها مش ناقص برودك دا، وطمني. هدأ يونس حينما وجد حالته فتحدث. -دا بيحصل كتير، ولادة مبكرة. خرجت على الفراش وهي لا حول لها ولا قوة. اقترب مقبلاً جبينها وأردف بصوتاً حزين.

-ليلى هستناكي هنا، عايزك تخرجيلي بسرعة، المهم اخرجي بالسلامة. لامس خديها بإصبعه. -أهم حاجة عندي إنتِ، أهم حتى من الولد. امسكت يديه واردفت بصوتاً منهك من كثر الصرخات. -راكان متسبنيش لوحدي. رفع نظره إلى يونس ورغم خوفه الشديد إلا أنه قال. -يونس معاكي، متخافيش. -سامحني، قالتها بألم. قبل جبينها. -مسامحك، مقدرش مسمحكيش. قالها ونظراته تمشط وجهها بالكامل. وأكمل بعيون عاشقة. -وبحبك مولاتي.

-راكان، أردفت بها بخفوت. جرتها الممرضة تدلف للغرفة، وهي تتمتم باسمه. "راكان أنا بحبك." دلف إليها بعد ولادتها ليطمئن عليها. جلس ينتظر إفاقتها. وجد الممرضة تدلف عليه بالطفل بجوار يونس. -مبروك يافندم، يتربى في عزك. حمله راكان بقلب يرتعش. نظر إليه بإبتسامة. ثم رفع نظره إلى يونس. -الولد شبهي مش كدا؟ قهقه يونس عليه. -أيوه ملاحظ، واخد الرخامة كلها، الولد مبطلش عياط من وقت مانزل. طبع قبلة على جبينه ثم أردف.

-دا هيكون أمير العيلة. فاقت ليلى وهي تهمس: ابني، فين ابني؟ خرج يونس وهو يسحب سيلين حتى يترك لهما مساحة. -ابني فين؟ ابني عايش. أقترب وهو يحمل الولد. -خدي السحلية اللي قرفاني بيه أهو، يعني بدل ماتفوقي وإنتِ بتقولي راكان، بتقولي ابني. ابتسمت بألم وتحدثت بصوت متألم. -إنتوا الاتنين، متزعلش. دنا منها يطالع ملامحها المتعبة. -لا طبعاً، أنا مبحبش الشريك، أنا عايز أكون لوحدي بس. أغمضت عيناها مرة أخرى وذهبت بنومها.

بعد شهر، كانت ترتدي فستان زفافها. تنظر إلى نفسها بالمرآة. وضعت يديها على صدرها حينما شعرت بألم بصدرها. استمعت بإشعار رسالة إلى هاتفها. -شوفي حبيبك أهو في حضني، ماهو ميقدرش يبعد عني. مش أنا اللي اترفض ياحلوة، وياريت تنسي إنه هيرجعلك تاني. وبلاش أقولك حبيبك كان عامل إزاي معايا. إنتِ حب لرغباته فقط. ترقرق الدمع بعينيها، تهز رأسها بغضب وتصرخ بصرخات حتى أوشكت على انقطاع أحبالها الشوكية. فسقطت مغشياً عليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...