كنت أظن أني أتمكن من العودة إلى حياتي مرة أخرى ولكني نسيت كيفية الحياة بطريقة طبيعية دون الحزن، وكنت أعتقد أنه يمكنني كتابة كلمات عن الفرح والسعادة ولكن عندما فعلتها أدرك أن شيئًا داخل قلبي انكسر. فلقد جعلتك فريضة كفرائضي الخمس وتمنيت أن لا أنقطع عن أدائها يوميا. *** بألمانيا وخاصة بالمشفى الذي يقوم والد ليلى بإجراء العملية.
تجلس سمية تتلو بعض آيات الذكر الحكيم، تقف درة بجوار حمزة أمام غرفة العمليات، بينما كريم الذي يجلس بجوار والدته ويدعو ربه تضرعًا أن يشفي والده، ضم والدته من أكتافها ليطمئن قلبها. "إن شاء الله هيخرج من العملية ويرجعنا زي الأول." رفعت نظرها إلى ولدها تربت على كتفه قائلة: "إن شاء الله حبيبي، إن شاء الله ربنا مش هيحرمنا منه. أسألك ربي حاجتي، ومنك أرجو نجاتي، وبيدك مفاتيح مسألتي." قالتها سمية وهي تضم مصحفها إلى صدرها.
عند راكان. أسرع إلى الداخل بعدما استمع إلى صيحات والدته، دفع باب المرحاض بقوة حينما طرقت زينب على الباب وانقطع صوت ليلى. دلف وجدها ملقية على الأرضية، حملها سريعًا متجهًا بها للأعلى، دفع باب غرفتها ووضعها على الفراش وحاول إفاقتها، تجمع الجميع بالخارج، وقام الأتصال بالطبيب. فتحت جفنيها بتثاقل وهي تهمس بإسمه، قام بإعتدالها لتجلس ووضع خلفها الوسادة. نظرت حولها لم يكن سواه بالغرفة، اعتدلت سريعًا. "انت بتعمل ايه هنا؟
" قالتها بصوت متعب. نصب عوده ووقف يضع يديه بجيب بنطاله قائلا: "مش جاي اتغزل بجمال الأميرة، ماما صعبت عليا من خوفها عليكي، كل شوية توقعي وتعميلنا قلق فقولت اريحهم واشيلك احطك في اوضتك، اقولك كفاية شغل الشو اللي قرفتيني بيه من الصبح." سحب نفسًا من تبغه ونفثه وهو يطالعها بسخرية: "مش هتصعبي عليا ولا هتحركي فيا شعراية واحدة يابرنسس ليلى."
"اطلع برة، أنا قولتلك وحذرتك قبل كدا، ولو شوفتني بعد كدا بموت يبقى دوس عليا وعدي ملكش دعوة." دلت زينب بجوار الطبيب، الدكتور وصل ياراكان. تجهمت ملامحها وتحدثت بغضب: "انا مطلبتش دكتور، وقولت لحضرتك ياماما، انا مش تعبانة دول شوية برد عشان كدا تعبانة وكل شوية يغمى عليا، دلوقتي هنام وهقوم كويسة." أشار راكان عليها ثم تحدث إلى الطبيب:
"آسفين يادكتور، المدام بتدلع فكل شوية يغمى عليها، ياريت لو ينفع تكتبلنا على حاجة يخليها تبطل حركاتها الهبلة دي." نزلت كلماته عليها كسكين بارد ينحر عنقها بطريقة مؤلمة لروحها، التقت عيناها بعيناه وارفت من بين ألامها: "آسفة مش هدلع عليك تاني ياحضرة المستشار." ثم اتجهت إلى زينب. "ماما زينب آسفة قلقتك من الصبح، أنا قلقانة على بابا فدا اللي موترني عشان كدا بيغمى عليا." جلست زينب بجوارها تدقق النظر بعيناها.
"يعني متأكدة انك مش محتاجة للدكتور، وتعبك دا من خوفك على والدك." أومأت برأسها دون حديث، خرج راكان وبجواره الطبيب معتذرًا. دلت أسما وهي تحمل أمير بجوارها سيلين. "ليلى حبيبتي عاملة إيه! " أومأت برأسها. "أنا كويسه حبيبتي مأكلتش من الصبح ودا عملي هبوط." خرجت سيلين بعد فترة مع والدتها، جلست أسما بجوارها، وقامت بتحرير خصلاتها وساعدتها بتغيير ثيابها. مسدت على خصلاتها.
"ليلى هتفضلي كدا لحد إمتى.." حبست أنفاسها داخل صدرها مانعة سقوط دموعها، اتجهت بأنظارها إلى أسما. "تفتكري اللي زي يعمل ايه؟ ابويا مش عارفة عنه حاجة، وجوزي هنا بيموت فيا، حتى مدنيش فرصة اتكلم." توقفت فجأة عن الحديث غير قادرة على البوح بما يعتري قلبها، وضعت كفيها على صدرها. "دا بيوجعني قوي ياأسما، حاسة إن قلبي هيوقف، نار جوايا بتحرقني." رفعت قبضتها تضرب على قلبها صارخة.
"دا لسة بيشفعله بعد خيانته ليا، دا لسة بيتأثر من قربه، وبيموت لما بيبعد، تقدري تقوليلي أعمل إيه." ضمتها أسما تربت على ظهرها. "بطلي عياط حبيبتي، بكرة راكان يعرف الحقيقة ويندم صدقيني." شهقات متتالية بنحيب خرجت من أعماق قلبها. "أنا بموت ياأسما، نار جوايا ومحدش حاسس بيا، الراجل الوحيد الي متمنتش غيره بيدبح فيا، بيعاقبني على حاجة غصب عني."
كان يقف بالخارج وقلبه يدق بعنف داخل صدره من كلماتها التي ادمت قلبه حتى كاد أن يتوقف عن نبضاته، فتحرك للأسفل حتى لا يضعف أمام أنهيارها. "ليلى اهدي حبيبتي بكرة كل حاجة هتكون كويسة، أنا معرفش ليه جدو بيعمل معاكي كدا، الراجل دا بجد شراني قوي." "اسما عايزة أنام، ممكن تطفي النور محتاجة أنام كتيير قوي." دثرتها بشرشف خفيف ومسدت على خصلاتها وظلت بجوارها إلى أن غفت تماما.
خرجت من الغرفة بهدوء، وقلبها يأن وجعًا عليها، وقفت على باب الغرفة تكبح غلالة دموع غيمت مقلتيها وهي تهمس لنفسها. "ليه ياراكان تعمل فيها كدا بس." تحركت متجهة للأسفل. وصلت حيث جلوسهم بالأسفل، نهضت سيلين التي تجلس بجوار والدتها متسائلة. "عاملة إيه دلوقتي؟! كان جالسا بجوار نورسين ونوح مدعيًا إنشغاله بالحديث معهما، ولكنه ينتظر إجابة سؤال سيلين بشق الأنفس. رفعت أسما انظارها إليه وتحدثت بمغذى.
"هي كويسة، ياريت لو حضرة المستشار يسمح لها تسافر تشوف باباها هتكون احسن من كدا." قاطعها نوح وهو يتجه بنظره إلى راكان. "أنا وماما هنسافر بكرة، ممكن ناخدها معانا ياراكان، ليلى طول ماباباها حالته صعبة هتفضل تعبانة كدا، من صغرها لما بتزعل بتتعب جدا، فياريت توافق تسافر معانا." كور على قبضته ضاغطا عليها حتى ابيضت مفاصله من فرط غضبه، فرمق نوح شرزا وتحدث بسخرية.
"ليه المدام مالهاش راجل ولا ايه، أنا كنت حاجز نسافر النهاردة، بس انشغلت شوية." نظر بساعة يديه وأردف بهدوء. "هنسافر على ستة الصبح." قاطعته نورسين قائلة بغضب. "مقولتش يعني إنك هتسافر؟! اشتعلت نظراته بشكل مخيف مما جعلها تصمت عن تكملة حديثها، فارتبكت قائلة. "مش قصدي، قصدي يعني انه.." نهض واقفًا. "متقصديش وفري قصدك لنفسك، ياله عشان أوصلك." نهض نوح هو الآخر يبسط يديه لأسما.
"ياله حبيبي قدامي سفر الصبح." تحركت بعدما ودعت زينب وسيلين. بعد فترة عاد راكان، جلس بحديقة القصر، وبدأ ينفث تبغه ويحرقه كإحتراق قلبه، وصل توفيق يجلس بجواره. "قاعد كدا ليه؟ مين مزعلك." سحب نفسًا من سيجاره ونظر للبعيد غير مكترث لحديثه..اقترب توفيق وتحدث. "فرحتني بعلاقاتك بنورسين، دي فعلا الي تليق براكان البنداري، كنت خايف أرملة اخوك تلف عليك زي مالفت على سليم، بس سليم معذور أصله طيب وعلى نياته وهي قدرت توقعه."
ظل راكان كما هو ولكن شعوره بالأختناق يعيق زفراته، فاق اخيرًا من ضغط أعصابه الذي حاول توفيق الضغط به. التوت زاوية فمه بعبث ونظر لجده. "هو مش المفروض تقعد تصلي وتدعي ربنا انه يخفف آلامك، ويشفيك، مع إني أشك انك بتتألم اصلا." دنى من جده ونظر لحدقيته. "بقول ايه ياتوفيق، اوعى تفكر دخل عليا موضوع مرضك، مع اني اتمناه." غمز لجده بطرف عيناه.
"اوعى تفهمني غلط، أنا قصدي ان المرض بيشيل ذنوب، فأنت الصراحة صعبان عليا قوي إزاي تقابل ربنا ببلاويك دي، فقولت إلهي يجيلك مرض يخفف ذنوبك، وتموت وانت مش عارف تحرق دمي." قالها راكان ثم نصب عوده وهو يرمق جده بتهككم قائلا. "اوعى تنسى دواك، عشان تعرف تنام يا..توفيق باشا.." تحرك راكان متجهًا للداخل ولم ينظر خلفه حينما صاح توفيق عليه. "راكان استنى.." وصل لباب قصره بعدة خطوات من كثرة تسارعه بخطواته حتى لا يعود ويقبض على عنقه.
وصل إلى غرفته، دلف للداخل، ينظر بحزن للغرفة التي تغير أساسها بالكامل، جلس بانفاس تهدر بعنف داخل صدره، رغبة جامحة من قلبه في إقتحام غرفتها وسحقها بأحضانه. هب متجهًا لغرفتها لاغيا عقله بالكامل، دفع الباب، كانت تغط بنوم عميق، خلع قميصه وتسطح بجوارها يضمها لأحضانه، شعرت به كأنه حلمًا، فابتسمت تهمس بإسمه ثم انزلقت عبراتها. "راكان" جذبها حتى أصبحت بأحضانه كاملًا.
"إشش، نامي شوية، عندنا سفر.." دنت تضع رأسها بعنقه تحاوطه بذراعها، ثم ذهبت بنوم عميق وهي تظن إنها تحلم به. مسد على خصلاتها، ثم طبع قبلة على خصلاتها وأغمض عيناه مستمتعًا بقربها. ظل لبعض الوقت ثم نهض متجهًا إلى غرفته، بعدما اشبع روحه بقربها، وخرج كأنه لم يكن، نظر بساعته، ثم اتجه لمرحاضه وخرج بعد دقائق، رفع هاتفه وهاتف والدته. "خلي ليلى تجهز هنتحرك بعد ربع ساعة، ولو اتأخرت مش هنسافر."
كان أسعد يجلس بجوارها يقرأ في كتابًا، خلع نظارته الطبية متسائلا. "فيه حاجة ولا إيه، ليه راكان بيتصل دلوقتي؟! نهضت ترتدي مأزرها وأجابته بهدوء رغم حزنها منه. -مسافر مع ليلى ألمانيا، باباها عمل عملية النهاردة ودخل غيبوبة وهي لسة متعرفش. راكان خبى عليها. تحركت حتى وصلت لدى الباب ولكنها توقفت حينما تحدث أسعد. -هتفضلي مخصماني يازينب؟ استدارت له. -هخاصمك ليه؟
أنا زعلانة مش مخصماك. لما تضرب ابني الراجل اللي لو فضلت مراته لحد دلوقتي معاه كان زمان ابنه شاب. يعني غلطت كتير ياأسعد وانت بعد العمر دا كله بتميد ايدك عليه. دنت خطوة وتقابلت بنظراته الحزينة. -للأسف ياأسعد الغلط مش في ابوك. الغلط في شخصيتك الضعيفة. اللي لحد دلوقتي بقول لحد إمتى هتفضل تداري على باباك. لحد مايموت حد فينا. طيب ماسليم مات بسببه ولسة إيه أكتر من كدا.
قالتها وتحركت ولم تنتظر حديثه. وصلت إلى غرفة ليلى. كانت ماتزال نائمة. دلفت بهدوء تمسد على خصلاتها. -ليلى قومي حبيبتي. فتحت جفنيها بتثاقل. وجدت زينب تجلس بجوارها. اعتدلت سريعًا. -أمير كويس. ربتت على ظهرها. -أيوة حبيبتي كويس. أنا جاية اقولك اجهزي عشان تسافري مع جوزك لباباكي. بدأت أنفاسها في الاضطراب. وخفقاته تتسارع في سباق شديد. حتى شعرت بتوقفه. فهبت فزعة. -بابا حصله إيه؟
أنا كلمت ماما وقالت لسة ماخرجش ونمت ومحستش بنفسي. طمنيني ياماما وقولي ان بابا عايش. ضمتها زينب لأحضانها تمسد على خصلاتها. -اهدي حبيبتي والله باباكي كويس. هو عمل العملية. والمفروض تطمني عليه مش كدا ولا إيه. أزالت عبراتها ونهضت سريعًا. -هجهز حالا ياماما. خلي داليا تجهز أمير. بغرفة راكان جلس أمام حاسوبه يبحث في بعض الأشياء ثم قام بإرسالها لأحدهم. أمسك هاتفه ينظر بساعته. -أيوة وصلت لأيه. على الجانب الآخر.
-زي ماحضرتك قولت. توفيق باشا زار مدام ليلى. قبل توقيعها على القضية. كان عندها الساعة أربعة عصرا وهي مضت أربعة وتلت تقريبا. وكمان فيه حاجة قبلها بساعتين كانت عنده في الشركة ودخلت بعد معركة بينها وبين السكرتيرة. -تمام. هذا ماقاله راكان. نهض متجها لشرفته وقام بإشعال تبغه ينظر بالحديقة. -يعني لعبتها صح ياتوفيق. وماله نلعب مع بعض. وحياة حرقة قلبي لأخليك تتمنى الموت انت وامجد الكلب.
تذكر قبل عدة ساعات بعدما استمع لحديثها مع أسما. وصل حيث جلوس نوح ونورسين. جلس يفكر بكلماتها. ورفعها بطلاقها. زفر متنهدًا وهو يكور على معصمه يحدث حاله. -غبية عرف يستغلك ويلعب بيكي. بس إزاي. لازم اعرف ايه اللي ماسكه عليك. عشان تعملي زي الهبلة الي هو عايزه. خرج من شروده بعدما استمع لطرقات على باب غرفته. -خد أمير أنا تعبانة ومش عايز يسكت ووالدته بتجهز. التقط الولد من والدته ينظر إليها بتقييم. -مالك ياماما اتصلك بدكتور.
هزت رأسها رافضة. -لا شوية صداع على إرهاق. على عمايلك السودة مع مراتك. غير تعبها. هتجلط بسببكم. شايفة عيال قدامي مش ناس عاقلة. اومأ متفهما دون حديث. -روحي نامي حبيبتي ومتشليش هم. اقتربت منه تطالعه بنظرات مستفهمة. -انت ليه بتعمل كدا ياحبيبي. راكان إيه اللي حصل بينك وبين ليلى. قبل رأسها وهو يحاول تهدئة أمير. -مفيش ياماما مشكلة بسيطة وهنحلها. دققت النظر على ملامحه قائلة.
-المشكلة البسيطة دي تخليك تتجوز نورسين. وتعمل حركاتك اللي تقهر مراتك. المشكله البسيطة دي اللي تخليك بعيد عن مراتك في يوم المفروض تكون قوتها ودعمها. قاطعها وهو يربت على كتفيها. -ماما الطيارة هتفوتنا. روحي ارتاحي ياله. أومأت برأسها متحركة للخارج. -مفيش فايدة فيك. اخذ نفسا طويلا ثم زفره واتجه إلى غرفتها للمواجهة. دفع الباب. كانت تقف بجسد واهن أمام المرآة تقوم بإرتداء حجابها. دلف ووقف يقيمها بنظراته. صمت برهة ثم تحدث.
-خلصتي. لم تعريه اهتمام وقامت بحمل إبنها متجهة للخارج. جذبها بعنف ونظر إليها نظرات نارية. -لما أكلمك تقفي تسمعي بقولك ايه. مش شغال عندك انا. نزعت يديها بعنف وطالعته بكبرياء. -انا مش الجارية بتاعتك. ومتنساش إحنا في حكم المطلقين. تحرك أمامها بعدما جذب الولد الذي ارتفعت صيحاته. ألم مفرط اجتاح كل خلية بجسده من هيئتها وعيونها الذابلة.
اتجهت للمصعد بعدما فقدت قدرتها على المشي. نظر خلفه وجدها اتجهت للمصعد. زفر بغضب من أفعالها التي تؤذي روحه. بفيلا خالد البنداري قبل قليل. دلف يونس إلى غرفته. وجد والدته تصيح بغضب عليه. استدار يزفر بغضب محاولا السيطرة على نفسه. فهي منذ الأمس بعدما فجر قنبلته وتعلقه بسيلين ونسبها لنفسه وهي كالنيران المستعيرة التي تريد التهامه. توقف مستديرًا إليها.
-لو لسه هتتكلمي عن موضوع سيلين هسبلك البيت. أنا راجل ومش صغير عشان اسمع نصايح من حد. سيلين خلاص مراتي عايزة تقنعي نفسك بكدا ولا لا. دي مش مشكلتي. وصل والده على صراخ فريال عندما صاحت بغضب. -والله ماهتتجوزها يايونس. ولو كانت آخر بنت في الدنيا دي كلها. وبدل مش هتتجوز سارة. يبقى مش هتتجوز. -فريال. صرخ بها خالد. مما جعلها ترتبك بوقفتها. -اتجننتي انت. عارفة نفسك بتقولي ايه. حياة ابنك وهو حر فيها.
الجمتها الصدمة من حديثه ولم تستطع النطق سوى بعد لحظات قائلة. -افهم من كدا إنك موافق على عمايل الدكتور. رايح يتجوز بنت من الشارع منعرفش أصلها ولا فصلها. تحرك يونس متجهًا لمرحاضه. -ميهمنيش المهم أنا بحبها. ثم استدار وأكمل. -انت ناسية ان سيلين تربية العيلة. أنا مليش دعوة بأهلها. هي متربية هنا وبس. تحركت والدته إلى أن وصلت إليه. -بس دي ممكن تكون حاملة دم فاسد وتكون جاية عن طريق زنا ياحضرة المحترم.
قلبه لم يطاوعه بما أردفت به والدته فصرخ بها حتى اهتز جسدها من صياحه. -سيلين دمها مش فاسد دي من عيلة البنداري. عارفة يعني ايه. وحتى لو زي مابتقولي هتجوزها واللي مش عاجبه يشرب من البحر. اخرص ياولد. صاح بها توفيق الذي وصل للتو. تحرك يتكأ على عصاه. اقترب منه. ودفعه بعصاه وهو يصيح بصوته. -كبرت ياحيوان وبتعلي صوتك علينا. وبتقول تتجوز مين. ماانت بقالك سنين مقضيها مع البنات ولا مفكر بلاويك مش عندي.
تورمت غصته واقترب من توفيق ولم يفصل بينهما انش واحدًا. -هتجوزها غصب عن الكل. وقبل ماتصرخ. آه كبرت ومحدش يقدر يمشي كلامه عليا. بدل ماشي في النور ومش خايف من حاجة. قالها ثم خرج سريعًا يأكل خطوايه الأرض كالنيران التي تلتهم سنابل القمح. اتجه توفيق لخالد. -شوفت آخرة دلعك ايه. أهو محدش قادره. وفضلت تقولي ابعد عن يونس خليه بجوار راكان لما بقى نسخة تانية منه. اصلي قدرت على واحد لما جايلي يونس هو كمان.
هز خالد رأسه رافض أسلوب والده. -يونس عنده خمسة وتلاتين سنة يابابا مش عيل عشان نمشيه على هوانا. وخليه يعيش مع اللي بيحبها. انت اكتر واحد عارف يعني ايه الراجل يعيش في حضن واحدة مش عايزها. قالها خالد وتحرك للخارج. هوت فريال على المقعد بنظرات تائهة. -لا انا كنت مفكرة بيقول كلام وخلاص. بس واضح انه هينفذ اللي عايزة. ربت توفيق على كتفها وتحدث بمغذى.
-لو مقدرناش على يونس. يبقى نقدر على بنت الحرام. اتصلي بعايدة وسارة وخليهم يجوا لعندي. عند نوح. خرج مرافقة أسما واستقلا سيارتهما. قام بتشغيل أغنية لكوكب الشرق ام كلثوم. ثم جذب رأسها لتضعها على كتفه. -حبيبي مالك! من وقت ماخرجنا من عند راكان وانت ساكتة. اطبقت على جفنيها متألمة لوضع ليلى. رفعت نظرها إليه. -شايف ليلى وراكان بيعملوا في بعض ايه. ابتسم نوح بسخريه وأجابها. -عشان شوية أغبية. مايعرفوش قيمة الحب.
أطلقت أسما ضحكتها الأنثوية وهي تردف. -شوف إزاي ملك الرومانسية. روح علمهم ياحبيبي. رفع ذقنها بأنامله ناظرًا إلى مقلتيها مرة وإلى الطريق مرة. -بتتريقي على حبيبك ياأسما!! نظرت إليه بأعين تفيض ولهًا. ثم رفعت كفيها تملس على وجنتيه قائلة بصوتها المبحوح. -حبيبي طبعًا ملك الرومانسية.
إحس بالحرارة تزحف إلى جسده. سكت هنيهة يحاول السيطرة على مشاعره التي بعثرتها جنيته بقبلتها بجانب شفتيه. وقربها المهلك ورقتها التي خطفت قلبه للمرة التي يعد قادرًا على حصرها. نزل برأسه ملتقطًا ثغرها بقبلة سريعة وهو يقود سيارته. أطلق ضحكة عندما وجد ذهولها من حركته وتحدث غامزًا. -حد قالك تلعبي معايا بالنار. وضعت رأسها على كتفه واغمضت عيناها تستلهم من وجوده جوارها وهي تشعر بالأمان والعشق يحاوطها.
وصلا بعد قليل لمزرعتهما. ترجلت سريعًا متجهة للداخل. اوقفها قائلا. -هروح أشوف المهرة. أسيا كانت بتقول ممكن تولد خلال يومين. أومأت دون حديث فحالتها الآن تغني عن أي حديث. دلفت غرفتها سريعًا ودقاتها بالأرتفاع حتى شعرت بتوقف قلبها حينما انتوت وسمحت لنفسها الأقتراب منه لتصبح زوجته قولا وفعلا. حبست أنفاسها داخل صدرها مانعة استماعها لعقلها. وقامت بتجهيز نفسها حتى تتهيأ لمقابلة روحيهما. دلف نوح بعد قليل يبحث عنها.
-أسما حبيبتي ممكن فنجان قهوة عندي صداع. ابتلعت ريقها وهي تنظر لهيئتها بالمرآة. وخيط من عبراتها يترقرق بجفنها. هل ستقدر على ماهو آت. أم للقدر رأي آخر. نادته بصوتها الرقيق المرتجف. -أنا هنا حبيبي تعالى. دلف بهدوء داخل غرفتهما. تسمر بوقفته بعدما وجدها بتلك الهيئة المميتة لقلبه الضعيف.
ترتدي منامة شفافة باللون الأبيض. تصل لفوق ركبتيها. تظهر جسدها بسخاء. رغم وجود مأذرها فوقها إلا أنها فاتنة. رفع نظره إليها. وران صمت هادئًا عليهما ورغم صمته إلا لم يخل من اختلاس النظرات وحبس الأنفاس. لا يعلم ماذا عليه فعله الآن. يأبى كتمان مشاعره التي أصبحت كفوهة بركانية. فإما البوح والأستكانه بأحضانها. وإما العذاب الأبدي. تحرك حينما فقد قدرته على الصمت بحضرة جمالها. وعشقه لها بكل جوارحه أصبح النيل منها ألذ مايروق له. فالبعد الآن أشبه بحياة الموت.
وصل أمامها ولم يفصل بينهما شيئا. فهمس بصوته المبحوح. -أسما. دنت منه حتى اختلطت انفاسهما فالآن يتمزق قلبها من بعده. فحبها له كمصاب القلب لم يعد له القدرة على النبض المنتظم. نعم حبه جعلها تركض نحوه لتعانقه حتى تشبع روحيها المفقوده من بعده. احتضنت وجهه تبحر بنظراتها على وجهه وتحدثت بصوتها الرقيق. -حبيبي حان الوقت لنكون أسرة. مش عيزاك تزعل مني. كان يتابعها بنظراته التي رسمت وجهها، مما جعلها لوحة مرسومة بأجمل صورة لعيناه.
"نوح" اردفت بها بنبرتها الرقيقة عندما وجدته صامتًا. حاوط خصرها وهو يستمع لتلك النبرة الشجية التي جعلته أشبه بشارب الخمر الحلال الذي يغيب روحه عن الدنيا. ولكن حالة سكره أشبه بالذي يصعد إلى نهر عسل مصفى ويهبط على أجنحة الملائكة. وهو يقتنص من عسلها المصفى ما يجعله كطائر يرفرف بجناحه من كثرة سعادته. فكما قال ابن الرومي: "لا يهدأ قلب العاشق حتى يبادله المحبوب وله" وآه على فترة نار شبت بعشقهما وتلاحمت أجسامهما.
أخيرًا، بعد فترة، آهة طويلة خرجت من أعماق روحه، كانت أبلغ رد لحالته التي شعر بها. فروحيهما تعانقت وقلبيهما تهلل مكتملين بجمال اللقاء، مهللين على أنغام عشقهما. فالقلب يهتز أو تاره لنبضاته. وأخيرًا انتهت معركة العشق التي غلفت الأجواء. بعدها شعرا بهدوء نبضاتهما واستكانت القلوب بعد رحلتهما المتعبة. تنهيدة مرتاحة خرجت من أعماق نوح وهو يجذبها لصدره لتستكين موضع نبض قلبه بسعادة تزهو داخله. "أخيرًا يا أسما، ياااه، أخيرًا."
مسد على خصلاتها الناعمة بنبض قلبه. فاليوم كتب له السعادة وأصبح أسعد الرجال على وجه الأرض. أنزل رأسه واضعًا قبلته على جبينها. "ألف مبروك يا حبيبة نوح." رفع ذقنها بأنامله. "أسما، إنت كويسة؟ لاحظ ارتجافها الطفيف إثر كلماته، فضغط ليعانقها مسندًا جسدها بالكامل عليه. "نوح، أنا كويسة حبيبي." همسها الضعيف باسمه جعله يرفع كفيها ليقبل باطنه بعمق قائلًا:
"حبيبتي دايما كويسة وأنت في حضني. أسما، شكرا على السعادة اللي ملكتيني بيها النهاردة." رفعت رأسها تنظر لعمق عيناه. "أنا بحبك قوي يا نوح، وآسفة إني ضايقتك في وقت من الأوقات." تخلل أنامله بخصلاتها مردفًا: "مش زعلان حبيبتي. أهم حاجة ندفن الماضي ومنرجعش نبعد عن بعض بعد كدا." مرغت وجهها بصدره وهي تهمس: "ربنا يخليك ليا حبيبي." أغمض عيناه متأهبًا للنوم براحة بعدما فقدها لفترة طويلة وأجابها: "بعشقك بجنون يا حب عمري."
-عند يونس، خرج من منزله متجهًا لمنزل عمه. قابله راكان وليلى وهما يستقلان السيارة للسفر. "يونس، مالك؟ فيه إيه؟ مسح يونس وجهه بعنف قائلًا: "انت رايح فين؟ أنا عايزك ضروري." تحركت ليلى تستقل السيارة وتركتهما يتحدثان. زفر يونس بغضب يرجع خصلاته للخلف، كاد أن يقتلعها. "جدك دا معنتش طايقه ياخي. أنا بقيت أشك إنه جدنا والله." زم راكان شفتيه وتساءل: "هبب إيه توفيق باشا كمان؟ نظر إلى ساعته وتحدث:
"قدامي ربع ساعة لازم أوصل المطار. هكلمك بعد ما أوصل." ضيق يونس عيناه متسائلًا: "انت مسافر فين؟ دنى من يونس وهو يضم أمير. "أبو ليلى دخل غيبوبة بعد العملية. هي متعرفش، لازم نروح نطمن عليه." قطب يونس حاجبيه متذكرًا ما صار. "هو انت ناوي على إيه؟ وايه موضوع نورسين دا كمان؟ تحولت نظراته إلى الكره الواضح واشتعلت عيناه كجمرتين من اللهب الحارق. "جدك والحقيرة بيلعبوا بحياتي. وحياة ربي لأندمهم أشد الندم، وكله بالقانون."
"المهم، سيبك من توفيق." "ماتغطش على سيلين، وإياك تقولها حاجة قبل ما أتكلم معاها. عارف لو اتكلمت هزعلك وهقلب عليك." قالها وتحرك للسيارة. كانت تجلس تضع رأسها على نافذة السيارة ولا تشعر بنظراته التي يرمقها بها. قطع صمتها: "هوديكي المستشفى وهروح أخلص شوية شغل ما كملوش لما كنت هناك." ظلت كما هي وكأنه لم يقل شيئًا. أطلق آهة من أعماق قلبه المتألم. لا يعلم ماذا عليه فعله. أيعاقبها على فعلتها أم يجذبها لأحضانه؟
أطبق على جفنيه عندما فقد قدرته في التحكم. وصلت السيارة واتجهوا إلى الطائرة التي تقتلع بهما إلى برلين. جلست بجواره بعد قليل بالطائرة. تنظر من النافذة بعدما اقتلعت الطائرة، تتمنى أن تكون مثل السحاب الذي تراه. الجميع يراه ولا أحد يستطيع لمسه. تمنت أن تفتح النافذة وتتلمسه بكفيها الرقيق. حالة من الألم مزقت نياط قلبها عندما شعرت به يجذبها ويضمها لأحضانه. "نامي، لسة بدري لما نوصل." رفعت عيناها الذابلة إليه
وتحدثت بصوت مرهق حزين: "تفتكر دا بقى مكاني؟ أشارت بكفيها المرتجف. "ولا إنت بقيت ملكي حتى؟ أنا وأنت دلوقتي مستنيين حكم الإعدام. لا إنت هتنسى كلامي ولا أنا هنسى أفعالك." كور قبضته ضاغطًا على مفاصل أصابعه حتى لا يصفعها بضربة موجعة أسفل فكها حتى تصمت عن حديثها. سحب نفسًا طويلًا ثم طرده بهدوء. "سألتك مليون مرة مخبية إيه؟ وكالعادة مفيش رد. قدرتي بسهولة تخلي توفيق يلعب بيكي ويهددك؟
وكأن جوزك ضعيف مش هيقدر يحميكي. كل مرة تثبتي فيها إني راجل مش استاهل حبك. دايما شايفني شرير وحقير." قالها بأنفاس سريعة ملتهبة تريد إحراقها. لم تحيد ببصرها عنه تستمع إليه بملامح جامدة لا تعكس ما يدور في نفسها من ألم حاد يخترق صدرها بحديثه القاسي. نظرت لداخل مقلتيه وتحدثت: "هرد عليك بسؤال. إيه اللي عملته يثبت حبك ليا؟ كلامك ليا؟ تهكمت مردفة: "ما انت ماشاء الله بتقول نفس الكلام لكل واحدة عرفتها."
جحظت عيناه من حديثها، وكأن كلماتها جعلت حلقه يجف. ولكن نظراته كانت تحاوطها، فتأفف بضيق من معاملتها الجافة رغم غلطها، فأجابها بفظاظة: "مفيش حاجة عملتها خالص يا ليلى." أشارت بسبابتها واردفت غاضبة حتى تحولت لون عيناها بسبب غضبها. فكلما تذكرت ما فعله بها تستشيط غضبًا. "كل اللي اعرفه إنك دلوقتي مش تعنيلي بحاجة. ولو عملت إيه يا راكان، أبعد عن حياتي."
جذبها من ذراعها يضغط عليها بعنف وهو يجز على أسنانه ويتحدث بنيرانها التي أشعلتها. "اوعي تفكري عشان بكلمك بهدوء يبقى سامحتك. لا فوقي، دا أنا أدوس عليكي بدون رحمة. أنا بحاول أتمالك أعصابي عشان والدك التعبان بس. وكمان عشان إنت أم لأمير." انزلقت عبراتها غدرًا تحرق وجنتيها من صفعاته المتتالية لها. فهمست وهي تنظر إلى مقلتيه: "ليه الوجع دا كله؟ ليه دايما بتكون قاسي كدا معايا؟
مع إنك أكتر شخص اتمنته في حياتي كلها. أكتر واحد حبيته ورغم كدا أكتر واحد آذاني ووجع قلبي." ثورة حارقة اندلعت بجوفه أرادت أن تلتهمها بعدما استمع لكلماتها، فتحدث قائلًا: "أنا اللي أذيتك؟ أنا رحت اتجوزت أخوكي وعشت معاه في نفس البيت؟ أنا اللي رحت ووقفت قدامه واتحديتك؟ أنا اللي رحت حملت من شخص تاني؟ أنا اللي رفضت اتجوزك إلا بشروط؟ أنا اللي رحت بعت جسمي لجوزي وحولت أجمل ليلة بيستناها لأتعس ليلة بحياته؟
أنا اللي ضعفت قدام الراجل اللي عارف ومتأكد إنه بياذي وسمعت كلامه وروحت رفعت قضية على جوزي عشان أنزل بكرامته الأرض واخليه عبرة لمن يعتبر؟ أنا اللي رحت لبست من لبس جوزي المتوفي واتبهيت قدام الكل بحبه وكأن الراجل اللي على اسمه معدوم الرجولة؟ أنا اللي بحرق قلبك بكلامك وكل شوية بتقولي مش مستعدة أجيب عيال يسألوني ليه اخترتي الراجل الحقير دا أبونا؟
كانت تناظره بجسد كل انش به يرتجف ويأن تمزقًا ويرتوي بدموع حزنها عليه عندما وجدت نظراته المتألمة وحديثه الذي يخرج من بين شفتيه كالطائر الذبيح. لم تشعر بنفسها إلا حينما دنت منه ورفعت كفيها على وجهه متسائلة: "وأنا اللي اتخنت من حبيبي قدام عنيا؟ تلمست بأناملها شفتيه وهي تنظر لداخل مقلتيه. "أنا اللي بكل جبروت حضنت واحدة وبستها قدام مراتي عشان أعاقبها؟ أنا اللي دخلت واحدة أوضتنا وقولتلها أوضتك اعملي فيها اللي انتِ عايزاه؟
أجهشت روحها بالبكاء وهي تحكي له معاناتها. فأكملت: "ارتحت لما قتلتني؟ ارتحت لما شفيت غليلك مني؟ كدا قلبك مرتاح وأنت شايفني بالحالة دي؟ تطرقت إليه بعيونها المهتزة والتي كانت مترددة حيث قالت: "أسلم حل لينا الطلاق. لا إنت هتسامح وكل مرة هتقعد تذكرني، ولا أنا هنسى كل ماتقرب مني إنك خنتني قدام عنيا." تجهمت ملامحه بحمرة الغضب واجابها:
"هطلقك متخافيش. بعد اللي حصل ماينفعش نكمل مع بعض وزي ما اتفقنا هيكون بعد عودة باباكِ وجوازي." أطبقت على جفنيها وتركت لعيناها السماح لعبراتها لتغزو وجنتيها. فكلماته كانت أشواك تخربش قلبها الذي عشقه. ورغم وجعها بالكامل منه إلا أنها رسمت ابتسامة حزينة على وجهها وهي تنظر من النافذة، ودموعها كالمطر تغسل وجهها.
كان يشعر بعبراتها من خلال شهقاتها التي تحاول منعها. التزم الصمت التام وتحولت ملامحه إلى ملامح جامدة. فأغمض عيناه وهو يشعر بغصة بطعم العلقم عندما ارتجف جسدها تضع رأسها على مقعدها وكأنها تذهب بنومها حتى تهرب منه. وصل بعد عدة ساعات. وصل إلى سيارته بسائقه الذي ينتظره أمام المطار. تصلبت تعابير وجهه عندما جذبت منه أمير قائلة: "ممكن تروح تشوف شغلك وأنا هروح المستشفى. مفيش داعي أعطل حضرتك." فتح باب السيارة وجذبها بعنف حتى
تستقلها وهمس بجوار أذنها: "متخلنيش أتغابى عليك. أنت دلوقتي لسة مراتي. وقت ما تطلقي يبقى اعملي اللي انتِ عايزاه." استقلت السيارة وهي تريد أن تطبق على عنقه من سيطرته الكاملة عليها. وصل بعد قليل. دلفت سريعا حتى وصلت إلى والدتها وأخاها. احتضنتها والدتها وهي تبكي بنشيج متسائلة عن حالة والدها. أخرجتها والدتها بهدوء تحتضن وجهها. "إيه اللي جابك ياحبيبتي؟ مش كنتِ بتقولي؟ قاطعتها ليلى سريعا بعدما وجدت راكان اقترب منهما يقول:
"حمدلله على سلامته إن شاء الله." أومأت برأسها واجابته: "الله يسلمك ياحبيبي." تناولت منه أمير تقبله بإشتياق. "حبيب تيتا كبر." رفعت نظرها إلى ليلى. "متقلقة عليه الجو هنا لسة فيه برد مش زي مصر." جلست ليلى بعدما فقدت اتزانها تضع يديها على جبينها تئن من ألم الصداع الذي يفتك برأسها. اتجه راكان يجلس بجوارها. "عندك صداع؟ لو عايزة الدكتور يشوفك أو أجيبلك حاجة للصداع."
لم ترفع عيناها عن الأرض. تحاول أن تمنع عبراتها. ولم ترد عليه. فاستدار إلى والدتها متسائلة: "فين درة وكريم وحمزة؟ -نايمين حبيبتي، بقالهم يومين منموش. تساءل راكان. -فيه إيه جديد في حالة الأستاذ عاصم؟ هزت رأسها وأجابته. -لسه زي ماهو مفيش جديد، في غيبوبة ومنعرفش هيصحى إمتى. صدمة جعلتها تشهق مما استمعت إليه. -بابا دخل غيبوبة، طيب ليه خبيتوا عليا؟ اتجهت بنظرها إليه. -كنت عارف إن بابا في غيبوبة. نهضت وبدأت تلكمه بصدره.
-انت إيه يا أخويا، نفسي أعرف إزاي جالك قلب تخبي عليا حاجة زي كدا، عشان كدا اتكرمت وجبتنا. بدأت تهذي بكلمات غير متزنة، حتى وقف يجذبها لأحضانه محاولا السيطرة على غضبها. -ليلى اهدي، مكنش ينفع أقولك وانت في مصر بحالتك دي. كانت والدتها توزع نظراتها بينهما غير مستوعبة ما صار لابنتها. -قفلت جفونها بوهن شديد مسترخية على صدره وهي تهمس له. -بابا هيموت يا راكان صح؟
صوتها المتألم جعله ينسى كل ما بينهما، فحاوطها بذراعيه يضمها بقوة لأحضانه. -لا يا حبيبتي باباك هيعيش ويقوم بالسلامة، لازم نكون راضيين بكل حاجة يا ليلى. اقتربت والدتها وتحدثت. -ليلى حبيبتي متغطيش على نفسك، الزعل وحش عشانك، دا غلط. خرجت من أحضانه سريعا تجذب والدتها. -تعالي يا ماما عايزة أشوف بابا. هزت رأسها بالموافقة وناولته الولد متحركة لغرفة العناية حتى ترى والدها. توقفت أمام الباب قائلة.
-ماما راكان ميعرفش بالحمل، فيه شوية مشاكل في العيلة، وهو بيحارب في كل الجهات من فضلك بلاش تضغطي عليه حاليا. ربتت على ظهرها قائلة. -لازم تعرفيه يا بنتي، الحمل مابيتخباش عن الراجل. هزت رأسها وأجابتها. -إن شاء الله بس مش دلوقتي، روحي عند أمير هو عنده شغل لازم يمشي. دلفت إلى الداخل، شهقة خرجت من بين شفتيها تضع كفيها وهي تبكي على حالة والدها. جلست بجواره.
-بابا حبيبي، كدا تزعلني، وحشتني قوي ياحبيبي بقالي شهرين مشفتكش، افتح عيونك وسمعني صوتك وخليني أحس بالأمان بوجودك ياحبيبي. بسطت كفيها واحتضنت كفيه. -بابا لولتك تعبانة قوي، نفسها تحكيلك كل ألم بتحس بيه، مش معقولة هتتخلى عني في أكتر وقت أنا محتاجك فيه. استمعت لصوت إنذار بتوقف القلب، جحظت عيناها، وهي ترى الأطباء يدلفون بسرعة للغرفة ويطلبون منها المغادرة.
خرجت تقف بالخارج تنظر إليه من خلال زجاج النافذة وصوت بكائها يشق الصدور، باسم والدها، وصل راكان بعدما شعر بالحركة أمام غرفة العناية، بينما توقفت سمية كإنسان فقد روحه وهم يحاولون إنعاش قلبه الذي لا يستجيب. وصل الجميع درة وحمزة وكريم، ذهول بصدمة يجتاحها ألم بالقلوب وهم يرون فقدانهم لوالدهم.. صرخت بصوت صدح بالمكان، وهي تدفع باب الغرفة وتصل لوالدها تدفع الممرضة وهي تبكي بشهقات مرتفعة قائلة.
-بابا حبيبي عشان خاطري يابابا أوعى تسبني. دلف راكان خلفها سريعا بعدما وجد انهيارها. حاول جذبها ولكنها تشبثت بوالدها تحتضنه بعدما فقدت قدرتها حينما هز الطبيب رأسه بآسف. -بابا حبيبي فوق، عشان خاطري، يرضيك تسيبنا في الدنيا دي لوحدنا، بابا انت قوتنا. جذبها راكان. -ليلى حبيبتي فوقي. كأن بحديثه أفاقها رفعت نظرها ودموعها تغرق وجهها. -راكان قوله يقوم، قوله ليلى دفعت فيك الغالي قوي، ماهو مش معقول أخسركم انتوا الاتنين.
أنا اشتريت أبويا بيك يا راكان، قول لأبويا يصحى بنتك فقدت كل حاجة وانت الوحيد قوتها. هنا أحس بالدوران من كلماتها التي أفزعته، أوقفه بقوة يضمها لأحضانه. -حبيبتي اهدي أنا جنبك. -أبويا مات يا راكان. قالتها وهي تسقط بين ذراعيه كورقة خريف دفعتها الرياح بالقاع فلم يتبقى منها سوى موتها. ارتفع الطبيب نظره لذاك الجهاز الذي بدأ بالنبض مرة أخرى بعدما توقف لدقيقتين كاملتين مرت على الجميع كالدهر.
حملها وخرج بها إلى الغرفة التي تمكث بها سمية ودرة. وضعها باهتمام على الفراش يمسد على خديها. -ليلى افتحي عيونك حبيبي، ليلى سمعاني. دلفت درة خلفه متسائلة بدموعها. -عاملة إيه؟ -هروح أجيب دكتور يشوفها ويكتبلها على مهدئ. هزت رأسها، دلف الطبيب بعد فترة وقام بالكشف عليها، اتجه بانظاره إلى درة وسمية. -يبدو إنها حامل، والضغط منخفض للغاية. همست سمية إلى درة. -عرفي الدكتور ميقولش بحملها لراكان. ضيقت درة عيناها متسائلة.
-إيه اللي بتقوليه دا يا ماما، هو راكان ميعرفش؟ أومأت برأسها، مغمضة عيناها وأجابتها. -حاسة إن فيه مشكلة كبيرة بينهم، بلاش يعرف مننا يا بنتي، خليها هي اللي تقوله ويحلوا مشاكلهم مع بعض. بعد قليل دلف راكان إليها بأمير، كانت تغط بنومها بسبب المهدئ، وضع أمير الغافي بجوارها ثم تسطح بجوارهما يضمهما لأحضانه.
مرت الساعة، رمشت جفنيها عدة مرات، نظرت لكفيها المتشابك بكفيه، وذراعه الآخر الذي يحاوطهما. أطبقت على جفنيها ثم تذكرت ما صار، فكت كفيها وحاولت أبعاد ذراعيه وشهقات خرجت من جوفها وهي تهمس. -بابا.. بابا مات. فتح جفنيه على صوت بكائها وهي تحاول نزع المحلول. استدار إليها سريعا. -ليلى بتعملي أيه هتعوري نفسك. لم تهتم لحديثه، ونزعت الكانولا وانزلت بساقيها المرتعشة من فوق الفراش. -بابا، بابا حبيبي، عايزة أشوفه. جذبها لأحضانه.
-اهدي حبيبتي باباك كويس، بابا عايش. رفعت نظرها وتصلب جسدها فهمست بشفتين مرتجفتين. -بتضحك عليا مش كدا. احتضن وجهها واقترب منها يهمس أمام شفتيها. -وحياة ليلى عندي باباكي كويس، والدكاترة طمنونا عليه. لم تشعر بنفسها وهي ترفع كفيها تحاوط وجهه. -احلف يا راكان إنك مابتضحكش عليا، احلف إن بابا لسة عايش، ووعد مني هنسى كل حاجة بينا. جذبها بعنف لأحضانه يسحقها بعدما وجد ضعفها بتلك الحالة. -والله العظيم باباك كويس.
حاوطته بذراعيها وارتفعت شهقاتها تحمد ربها. أخذها بأحضانه وتسطح بجوارها يضمها بكل شوق وعشق على سطح الأرض. سحبت نفسًا قويًا لتثبط نوبة البكاء التي هجمتها بقوة بعدما استنشقت رائحته التي حرمت منها منذ يومين، وغفت بأحضانه متناسية ما يؤلم روحها.
ظل لبعض الوقت بجوارها حتى ذهبت مرة أخرى بنومها، جلس يتأمل ملامحها التي بهتت بالكامل. مسح على وجهه بعنف كلما تذكر حديثها. اعتدل ثم تحرك للخارج يبحث عن حمزة. اتجه حيث جلوسه وأشار بعينيه وتحرك لخارج المشفى. أشعل تبغه وهو ينفثه بغضب. وصل حمزة إليه متسائلا. -إيه اللي بيحصل يا راكان؟ استدار له وكأن سؤال حمزة أخرجه من شروده فتحدث. -اللي هو إيه مش فاهم؟ اقترب حمزة واقفًا بجواره ينظر للأمام ثم اتجه إليه.
-إيه اللي حصل وخلاك محضرتش العملية؟ لفظ الهواء المعبأ بدخان تبغه بقوة من رئتيه ثم تحدث. -شوية شغل. المهم عايزك تفهمني إيه اللي حصل يوم ماكنتوا مسافرين، أنا مفهمتش منك حاجة. رفع اكتافه للأعلى. -ولا أنا فاهم حاجة، كل اللي حصل وقفوا العربية وحجزونا ساعتين وبعد كدا وصلونا المطار. تجمد بمكانه محاولا ربط الأحداث ببعضها. -الكلام دا قبل سفركم بساعتين، يعني الساعة اتناشر كدا. أومأ حمزة برأسه وقال بنبرة مشككة.
-أنا من يوم ماجيت بحاول أستنتج مين دول، وليه بيعملوا كدا، حتى مهتمش أقولك حاجة إلا لما انت سألت. أخذ راكان يتذكر ذاك اليوم عندما هاتفته ليلى. -راكان إنت وحشتني قوي، ياريت ترجع دلوقتي محتاجاك قوي. ثم أغلقت الهاتف. أطبق على جفنيه مكور معصمه ثم اتجه إلى حمزة. -دا مش موضوع يتخبى عليا يا حمزة، قولتلك مليون مرة لازم تقولي كل حاجة حتى لو بسيطة. اقترب حمزة يمسكه من عضده. -تقصد إيه يا راكان هو فيه حاجة حصلت؟
تحرك راكان متجهًا إلى غرفتها، دلف يبحث عنها فيبدو أنها استيقظت للتو. خرجت من المرحاض متجهة لأداء فريضة الصلاة. توقفت عندما وجدته أمامها. احاطها من أكتافها. -ليلى جدي هددك بإيه لأخر مرة هسألك. أنزلت ذراعيه بهدوء. -ولا حاجة، عايزة أصلي ممكن تسبني أصلي ولا دا ممنوع. ضم وجهها ينظر إلى مقلتيها. -ليلى ليه مضيتي على ورق الطلاق، جدي كان خاطف والدك صح، وضغط عليكي عشان تمضي صح. هزها بعنف عندما وجد سكوتها.
-مش بتردي ليه، ليلى لو سمحت. رفعت نظرها إليه وظهرت غيمة من دموعها. -خلاص مش هيفيد، أنا حاولت أتكلم معاك وانت رفضت، مهما أقول دلوقتي مش هيغير حاجة. حدجها بهدوء قائلا. -أنا كنت متأكد إن فيه حاجة، بس متوقعتش إنك تعملي فيا كدا. تحركت بعيدا عن مرمى نظراته. -راكان الكلام معدش هيفيدنا، لو سمحت مش عايزة أتكلم، لأنك مهما تعمل مش هتعالج قلبي اللي اندبح، ومهما أعمل مش هتنسى. جذبها بعنف ونظر إليها بعيون منتفضة غاضبة.
-مش إنت اللي تقولي انتهى ولا لأ، واتأكدي يا ليلى، لو اللي في دماغي صح، صدقيني مش هتلومي غير نفسك. قالها ثم تحرك خارج لشركته. بعد إنهاء صلاتها، خرجت متجهة لرؤية والدها. توقفت أمام العناية بجوار كريم. -بابا عامل إيه دلوقتي؟ حاوط ذراعيها وأجابها: -كويس الحمد لله. أنا خوفت قوي يا ليلى، أول مرة أحس إني طفل ومحتاج له. انسدلت عبراتها على وجنتيها ووضعت رأسها بأحضان أخيها.
-أنا كمان حاسة إني ضعيفة قوي من غيره، ربنا يرجعهولنا بالسلامة. *** مرت عدة أيام وأفاق عاصم من غيبوبته. جلس الجميع يتناولون وجبة الغداء بإحدى المطاعم المشهورة ببرلين. جلست بجواره تطعم ابنها. كان يطالعها بإشتياق، فلم يرى ابتسامتها منذ عدة أيام. وضع الطعام أمامها قائلاً: -شايفك متغيرة اليومين دول وبقيتي ترجعي كتير، لسة موضوع البرد؟ نظرت درة منتظرة إجابتها، فهربت من انظاره وأجابته:
-تغيير الجو من هنا لهناك. ثم وضعت بعض الجبن تلوكها بهدوء. اتجه بانظاره إلى سمية: -إحنا هنسافر بكرة إن شاء الله، عندي أشغال كتيرة متعطلة. بما أن الأستاذ عاصم بقى كويس، وحمزة هيرجع بالليل وهيفضل معاكم لحد ماترجعوا بالسلامة. اومأت برأسها متفهمة: -شغلناكم يابني، ربنا يبارك فيكم. مسح فمه ورفع رأسه قائلاً: -متقوليش كدا، حضرتك والأستاذ عاصم غالين علينا، واحنا في مقام ولادكم مش كدا ولا إيه يا ولا. رفعت حاجبها وتحدثت بسخرية:
-كدا ياحبيبي، ماهم بيقولوا جوز البنت بيكون ابن. كتم ضحكته وهي ترمقه بنظرات نارية، فكلما تذكرت ما فعله بصباح اليوم تود لو تطبق على عنقه. اتجهت بانظارها إلى والدة نوح: -وحضرتك هتسافري معانا يا خالتي ولا هتستني ماما؟ أجابتها والدة نوح: -لا ياحبيبتي نوح هو اللي هيسافر معاكم، أنا هستنى ارجع مع ماما. نصب عوده متجها للخارج وهو ينظر إلى نوح:
-هروح اخلص شوية شغل واروح على البيت وانتوا تعالو مع نوح. وكفاية كريم يكون مع والده لحد مايرجع حمزة. نهضت متحركة خلفه، أسرعت قبل دلوفه لسيارته. -استنى. توقف وهو يواليها ظهره وانتظر حديثها. اتجهت حتى وصلت إليه: -ممكن اعرف هرجع معاك ليه؟ أنا عايزة أفضل مع ماما لحد مانرجع ببابا، مش عايزة يربطني بيك مكان واحد، ولا عايزة اشوفك. إيه هتاخدني غصب عني، إحنا اتفقنا على الطلاق ليه هرجع البيت معاك؟
اندفعت الدماء إلى اوردته وسرت كالنيران الذي شعر بها تحرق احشاؤه، فأمسكها من عضدها يضغط عليها بقوة: -عايزة تقعدي اقعدي إنما أمير لا. ويكون في علمك اول شرط في طلاقنا تتنازلي عن أمير، وعن كل حاجة كتبها سليم. قالها ثم دفعها بعيدا عنه بقوة واستقل سيارته وتحرك سريعاً. بالقاهرة صباح اليوم الذي عاد به راكان وليلى.
خرجت أسما تستنشق بعض الهواء، فمنذ أكثر من أسبوع لم تخرج من منزلها. اعتلت حصانه وبدأت تتجول به بين الحقول لبعض الوقت ثم عادت إلى الأسطبل. وجدت أسيا تجلس بجوار المهرة التي ستقوم بولادتها. -هي هتولد ولا إيه يا أسيا؟ أومأت أسيا مبتسمة: -أيوه شكلنا هنرحب بيها قبل وصول نوح. استمعت أسما لرنين هاتفها. نظرت إليه مستغربة: -دي ماما، ياترى بتتصل ليه؟ ياخوفي ليكون جوزها بيضربها زي كل مرة. -أيوه ياماما. على الجانب الآخر:
-أسما الحقيني، أختك وقعت من السلم ومش عارفة اعمل ايه، وابوها مبيردش. تحركت سريعا متجهة لسيارة زوجها وقادتها متجهة للخارج دون حديث حتى مع أسيا. خرجت بسرعة وهي تتحدث مع والدتها: -أنا في الطريق ياحبيبتي، خلاص هخرج على الطريق العام أهو. تحركت لبعض الكيلومترات، حتى قطعت طريقها سيارتين وبها بعض الخارجين عن القانون. فتحوا عليها باب السيارة، وبسرعة كالبرق قاموا بحقنها ووضعها بسيارتهم وتحركوا سريعا. بعيادة يونس.
جلس مغمض العينين، يشعر بألما يكاد يفتك بجنبه. دلفت الممرضة: -دكتور يونس، أقبل كشف النهاردة ولا ألغي زي كل يوم؟ أشار بيديه بالرفض: -لا مش قادر، ممكن تمشي إنت، وانا شوية وهروح. أومأت برأسها وتحركت للخارج. ظل كما هو محاولاً السيطرة على آلامه. وضع يديه يضغط على جنبه متألماً. استمع إلى صوتها واستنشق رائحتها: -يونس ممكن نتكلم لو فاضي. فتح جفنيه سريعا واعتدل جالساً. -تعالي ياحبيبي.
شعر بأن الكون يدور به فزاغت نظراته محاولاً السيطرة على نفسه حتى لا يغشى عليه. جلست سيلين بمقابلته، طالعته بألم وشعرت بوجع حاد بصدرها بعدما أحست بألمه: -عايزة أعرف إيه اللي حصل في الليلة إياها، وفعلا إنت لمستني زي مابتقول. أشار بيديه عندما فقد القدرة على الكلام. نهضت متجهة إليه تقف أمام مقعده: -إنت تعبان. جذب كفيها وأجلسها على ساقيه وحاوطها بذراعيه يضع رأسه بخصلاتها وانفاسه تضرب عنقها حتى شعرت
برجفة بجسدها فهمست بإسمه: -يونس لو سمحت مينفعش كدا، وجاوب على سؤالي، مش تضطرني اروح لدكتور نسا. رفع نظره إليها ينظر لموج عيناها: -طيب ماأنا دكتور ماتيجي اكشف عليكي، وهو زيتنا في دقيقنا. لكمته بصدره حتى تأوه: -يخربيتك ايدك تقيلة، يامفترية. حاولت النهوض ولكن كان المتحكم. نظر لعيناها الساحرة وأردف: -كل اللي عايزك تفهميه انك ملكي وهتفضلي ملكي لحد مااموت. عايزة تتحرري مني موتيني، زي ماكنتي عايزة وهترتاحي.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وغلقت جفونها بشدة تحاول السيطرة على مشاعرها التي اجتاحت جسدها من نبرته الشجية. نهضت بعدما دنى منها محاولاً لمس خاصتها بشفتيه وارتجف جسدها من قربه فتحدثت بصوت مهتز بعض الشئ: -إحنا مينفعش نكمل مع بعض، أنا فقدت ثقتي فيك و.. نهض متألماً وجذبها بعنف حتى ارتطمت بصدره: -ماقولتلك عايزة تتخلصي مني اقتليني غير كدا لا.
قالها بصوت غاضب، ثم جذب كفيها متجها للخارج وهو يضغط على جنبه. توقف بعدما اشتد به الألم، تاركاً كفيها وهوى بجسده على الدرج. جثت أمامه تضم وجهه: -يونس مالك، ايه اللي حصل؟ قالتها سيلين بقلب ينتفض خوفاً من حالته. صاحت على المسعفين بمشفاه. ضغط على كفيها قائلاً: -أنا كويس، أنا مأخدتش العلاج بس. انسدلت عبراتها وهي تهز رأسها بعدما وجدت شحوب ملامحه قائلة ببكاء: -انا السبب ياريتني موت وريحتك مني. جذبها لأحضانه وهو يأن متألماً:
-بعد الشر عليكي، ياحبيبة يونس. وضعت رأسها على صدره وبدأت شهقاتها بالأرتفاع حينما ارتخى ذراعيه من حولها. احتضنت وجهه وصرخت به: -يونس حبيبي افتح عيونك، يونس عشان خاطري افتح عيونك. رمش بجفنيه مبتسماً: -أنا كدا لو مت هكون مرتاح أخيرا سمعت حبيبي. صاحت به غاضبة: -خليك معايا بس اهم وصلو، افتح عيونك ووعد مني مش هسيبك. أغمض جفنيه بعدما شعر بغمامة سوداء فهوى بين أحضانها فاقداً للوعي. *** بقصر البنداري.
وصل راكان بمرافقة ليلى. صعدت لغرفتها بعدما أخذت زينب أمير لأشتياقها له. دفعت الباب هروباً منه، فكلما تذكرت حديثه تكاد تجن. دفع الباب ودلف للداخل: -أنا مش بكلمك، مبترديش ليه. كانت تشعر بأنياب حادة تنهش بصدرها ونيران تحرق قلبها. دنت منه وبدأت تلكمه بصدره بقوة: -هموتك لو قربت مني سمعتني، وهطلقني غصب عنك، وهاخد ابني وامشي بعيد عن البيت المقرف دا. جذبها حتى ارتطمت ظهرها بصدره فهمس بجوار اذنها بصوت كفحيح أفعى قائلاً:
-مفيش طلاق إلا بشروطي هتقبليها تمام مش هتقبليها هخليكي عايشة طول حياتك هنا، ومش بس كدا هكرهك في اليوم اللي اتولدتي فيه. فاق الألم بداخل صدرها من كلماته التي اخترقت جدار روحها تطعنه بخناجر مسمومة، وللحظة احست بأن الأرض أصبحت كفوهة بركانية تحت قدمها فتحدثت بصوت كادت أن يكون قويا: -وانا مستحيل أوافق على كدا، حتى لو وصل بيا الحال اتنازل عن أمير ولا إني اجيب منك ولاد.
ابتلع مرارة الإهانة وجاهد في إخفاء اعتصار اضلعه أمامها ولكن كيف وأصبح ألمه فاق الحد، فكلماتها نزلت على عنقه كنصل سكين بارد ذبحته على مهلا حتى فاق الألم حدود الوصف. فتراجع عدة خطوات وهو يستدار ليغادر الغرفة قائلاً: -تمام عندي سفر تلات ايام هرجع ونخلص إجراءات الطلاق، بس هتتنازلي عن أمير. قالها وخرج سريعا وكأنه مطارد من عدوه. خرج بروح محترقة وقلبا يتمزق ألماً. خطوات رغم سرعتها الا وكأنه سيخطو على لهيب من جهنم.
وصل إلى مكتب جده بفيلا خالد. دفعه بقوة حتى كاد الباب ان يتحطم. نهض توفيق بعدما وجده امامه. ترنح للخلف بعيون جاحظة، مصعوقاً بوجوده. جذب راكان مقعداً وجلس يضع ساقا فوق الأخرى وبدأ ينفث دخان تبغه ويحرقه كاحتراق قلبه، وهو يطالع توفيق بنظرات قاتمة. فتحدث متسائلاً: -اخبار صحتك إيه يا جدو؟
سألتلك على دكتور كويس، بعتله الإشاعات والتحاليل، ولو مش عايز، فيه دكتورة هنا بسمع عنها أنها ممتازة اسمها غزل جواد الألفي، أكيد عارف الاسم دا كويس. نهض توفيق وجلس بمحاذته، وتحدث بصوت مهتز بعض الشئ: -أيوه عارفها وهروح لها طبعاً، ولو احتجت الدكتور التاني هقولك أكيد. -هددت مراتي بإيه عشان ترفع قضية طلاق؟ رمقه بنظرة جانبية: -يمكن عشان خطفت ابوها، وضغطت عليها. بحركة دائرية أدار مقعده قائلاً:
-انت عايز توصل لأيه، إيه اللي لسة معملتوش ياتوفيق باشا، وصل بيك انك تخطف مريض عشان تضغط على مراتي ترفع قضية طلاق. -أيوه حصل. صرخ بها توفيق. اقترب يحاوطه بذراعيه وينظر إلى مقلتيه قائلاً: -ولو رجع بيا الزمن هرجع أعمل كدا ياراكان، هخطف أبوها، واختها أعمل كل حاجة عشان اوصل للي عايزة. صدمة أذهلته حتى فقد قدرته على الحركة او الحديث. لحظات مرت عليه وكأن أحدهم قام بإختناقه، وهو لا يستوعب حديث جده القاسي. نظر
إليه بضياع وأشار بيديه: -طيب ليه تعمل كدا، دي ام امير، دي مراتي اللي متمنتش غيرها، صعبان عليك تشوفني سعيد، عايز توصل لأيه بالضبط، انت اكيد مش طبيعي، واحدة خلتها تدوس عليا يوم فرحي، والتانية تقتلها بدم بارد، والوحيدة اللي اخترتها بقلبي ومستعد اتنازلك عن كل مااملك عشان بس أعيش معاها سعيد وأكون أسرة تخليها تدبحني بالطريقة دي. اتجه توفيق إلى درج مكتبه وفتحه، ثم ألقى إليه بعض الصور قائلاً بصوت مرتفع:
-عشان أحافظ على شرفك ياحضرة المستشار، عشان شرف البنداري يفضل مرفوع متجيش بنت تمرمطه في الأرض. دنا ينظر إلى راكان الذي فتح الصور ينظر إليها ورفع نظره إلى جده كالذي فارقت روحه جسده عندما تحدث توفيق: -عشان لو اتأخرت يوم واحد كان الصور دي في كل وسائل الأعلام، ومفيش غير الست اللي خانت جوزها. هنا هوى على مقعده وكأن أنفاسه سلبت منه عندما شعر بإنسحاب الأكسجين من رئتيه، وهو يراها باوضاع مخلة.
أطبق على جفنيه حتى تساقطت عبراته رغما عنه وهو يهمس بإسمها "ليلى". دلفت الشرطة بعد قليل ينتظرون أوامر راكان، الذي جلس وكأنه فاقد للوعي ولم يفعل شيئا سوى همسه بإسمها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!