الفصل 30 | من 52 فصل

رواية عازف بنيران قلبي الفصل الثلاثون 30 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
25
كلمة
7,490
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

قبل قليل بفيلا جلال البنداري كان يقطع المكان ذهاباً وإياباً بعدما اتصلت به فريال تصرخ في الهاتف. -تعالى شوف ابنك المحترم عمل إيه يا خالد، جلال لو عرف هيموته، لازم تتصرف قبل ما يرجع من أمريكا. توقف خالد بعدما أنهى اجتماعه. -فيه إيه يا فريال، عدي عمل إيه؟ زمجرت بغضب أتقنت رسمه وصاحت بصوت صاخب. -أنا بتكلم عن ابنك المحترم الدكتور يونس. تسمر خالد بوقوفه متسائلاً. -يونس؟ أجابته متنهدة بطريقة شيطانية.

-يونس ضحك على سارة وقضى ليلته بسريرها يا خالد، والبت منهارة، وكالعادة راكان عرف واتهم عايدة بأنها ورا ده كله، والبوليس جه أخدها، لازم تيجي فوراً، سيب كل حاجة. -تمام يا فريال، مسافة الطريق. أنهت اتصالها وهي تبتسم بطريقة شيطانية، ثم اتجهت بنظرها إلى سارة. -عمك جاي في الطريق، اجهزي وادخلي جوا. نظرت بساعة يديها وتحدثت. -قدامه عشر دقايق ويفوق، طبعاً عارفة هتعملي إيه. هزت رأسها رافضة مانطقته فريال.

-لا أنا مش هعمل حاجة تانية، اللعبة خلصت وسيلين شافتنا وخلاص، دلوقتي لازم نعرف ليه ماما الشرطة أخدتها، بدل راكان عارف يبقى الموضوع مش صدفة. جلست فريال تضع ساقاً فوق الأخرى. -متخافيش، أهم خطوة اتعملت هو يونس، وبعد كده جدك هيعرف يطلع عايدة إزاي. اتجهت بنظرها إلى فرح الصامتة. -مالك يا فرح قاعدة كدا ليه؟ رفعت بصرها إلى فريال متسائلة. -هو إحنا ليه بقينا قذرين كدا؟

في الأول خلتوني أجري ورا سليم الله يرحمه لحد ما حطمته ومات وهو محسور على حياته اللي سرقناها منه، ودلوقتي راجعين نكرر القصة مع يونس اللي هو ابنك، المفروض حضرتك تكوني أكتر واحدة خايفة عليه. صعقت فريال من حديثها، فنهضت وامسكتها من كتفها بقوة تهزها مزمجرة.

-عشان تفضلوا في عز البنداري، متجيش واحدة متساويش ربع جنيه تكنس اللي قدامكم، عشان يونس أفندي ما يكسرش كلام أمه ويروح يكتب كتابه على واحدة من غير ما يعملها حساب كأني مش أمه. عشان واحدة زي زينب متفرحش فينا وهي قاعدة حاطة رجل على رجل وبتغظينا وتقولنا: -شوفتوا أهو يونس اتجوز البنت اللي جبتها من الشارع وخليتها تتجوز ابنكم وكمان غصب عنكم.

عشان تعبنا وتخطيطنا طول السنين دي كلها واحنا متحملين راكان وطردة لينا بدل المرة مليون وهو المسيطر على كل أملاك جدك اللي أخذهم منه واحد واحد، وخسرنا كل اللي ورانا. تنهدت بحرقة شديدة وحاولت التظاهر بالقوة أمامها وقالت بنبرة ثابتة رغم الخوف.

-لازم يونس يتجوز سارة، وراكان يكتب عليكي غصب عنه مش برضاه عشان ابن أخوه، وقبل ما تتكلمي هيكتب عليكي بعد ما يتأكد الولد ابن أخوه، إحنا مصبرناش السنتين دول عشان حضرتك تيجي في الآخر وتقولي كدا. تملكها الرعب واهتز جسدها عندما استمعت تحطيم بالأعلى، علمت حينها أن يونس أيقظ. لم يحن لها الحديث عندما وجدته هابطاً بخطى متسارعة متجهاً إلى سارة يجذبها من خصلاتها. -أنا يا كلبة تعملي فيا كدا؟

ده أنا يا بت كنت بعلم الشيطان تيجي أنت تتشيطني عليا. سحبها بقوة في وسط صرخاتها وصرخات فريال. -يونس بتعمل إيه يا مجنون! أخرجها من الفيلا ووصل بها حيث فيلته ودفعها بقوة وهو يركلها بقدمه. -وحياة أمك لأعلمك الأدب. وقفت والدته أمامه. -يونس اهدى، أنت بتعمل كدا عشان تضحك علينا بعد اللي عملته. تحولت ملامحه إلى نيران مستعيرة تعتريه صدمة بذهول واقترب من والدته. -بتقولي إيه؟ دنى بخطوات مميتة قائلاً. -أضحك عليك؟

أنت مصدقة نفسك بتقولي إيه؟ أشار على سارة باحتقار. -دي لو دفعتولي فلوس عشان أتحمل ساعة بس وأقعد في أوضة واحدة معاها مجرد تعارف مش هتحمل. استدار لوالدته. -لعبتكم الحقيرة اقسم بالله ما تهمني، وهعرف أحاسبكم إزاي تعملوا كدا، ودلوقتي اللي تفتح للكلبة دي أنا اللي هربيها وادي المفتاح أهو، خليها محبوسة لحد ما أفضلها الحقيرة الذبالة دي.

قالها وتحرك للخارج يرجع خصلاته المتناثرة للخلف وفجأة أحس بانقباض شديد يكاد يمزقه من الألم، أمسك هاتفه سريعاً. -راكان أنت فين؟ على الجهة الأخرى كان راكان خرج من منزل المزرعة يقود سيارته. -حمدلله على السلامة يا عريس، صباحية مباركة، مكنتش تعرفني عشان أوجب معاك. صرخ يونس بقهر. -راكان سيلين مخطوفة، اقلب مصر كلها وهاتها لي خلال ساعة تكون قدامي، أصل اقسم بالله هقتلك لو حصلها حاجة. تهكم راكان على حديثه.

-امشي يلا من قدامي مش ناقصني غير بتاع الستات. توقف يونس عاجزاً وشعر بإنسحاب أنفاسه وتحدث بصوت متقطع. -سيلين أنتِ فين يا حبيبة يونس؟ تذكر حمزة، قام بالرنين عليه سريعاً بأصابع مرتعشة. -حمزة أنت فين؟ عرفت حاجة؟ كان واقفاً مع الضابط المسؤول عن حملة المداهمة، فتراجع للخلف. -كنت فين يا يونس. قاطعه يونس وهو يستقل سيارته. -آسف يا حمزة شوية ظروف. قاطعه حمزة قائلاً. -تقريباً عرفنا مكانهم، وهنخرج بعد شوية، بإنتظار راكان.

اختلج صدره ضربات عنيفة عندما تخيل وضعها فتسائل بصوت متقطع. -هما عاملين إيه؟ حد كلمك ومين اللي خاطفهم؟ رجع حمزة خصلاته بعنف كاد أن يقتلعها قائلاً. -سيلين كلمت راكان، وهو اتصرف متخافش، درة لسة منعرفش عنها حاجة. قاد السيارة بسرعة جنونية يشق طريقه متجه إليه، وأجابه. -إن شاء الله هتكون كويسة. عودة إلى راكان قبل قليل.

أغلق هاتفه مع جواد، متجهاً ينظر بهاتفه للكاميرات بمنزل المزرعة، وجد ليلى تحاول فتح الباب الداخلي للفيلا ودموعها تتساقط على وجنتيها بغزارة. احتدت نظراته وصاح بصوته مزمجراً باسمها. -ليلى، ليلى، أعمل فيكي إيه بس، يارب أمسك أعصابي عشان ماموتكيش بأيدي. وصل خلال دقائق، توقف بسيارته فجأة حتى أصدرت صوت صرير عجل القيادة، بتلك الأثناء نجحت بفتح الباب.

هرولت سريعاً للخارج وهي تبكي بنشيج تنادي بصوتها عليه، وجدته متجه إليها، أسرعت إليه ودون وعي منها ألقت نفسها بأحضانها وهي تتحدث من بين بكائها. -الحمدلله، الحمدلله إنك كويس. كور قبضته للحظات، ولكن خوفها وهيئتها جعلته يضمها لأحضانه يربت على ظهرها. -ليلى اهدي، أنا هنا. ضمت نفسها بقوة لأحضانه. -الحيوان كلمني وقالي عاملك كمين وهيقتلك، مكملتش المكالمة وقفلت في وشه وجيت أدور عليك كنت خايفة تكون رحت له زي ما بيقول.

أخذ نفساً ثقيلاً حتى يريح نبض قلبه المتألم من قربها الذي حول قوته للأنهيار المتكامل، لم يعد يتحمل ضعفه بتلك الطريقة، يعشقها بشكل جنوني، حتى أوصله قلبه لخطفها والذهاب بها لجنة عشقه. اهتز جسدها بالبكاء بأحضانه وهي تتحدث. -هيموتك يا راكان، هو حلف لي هيموتك، راكان عشان خاطري ماتروحش خلي البوليس يتصرف.

استمتع بحديثها وخوفها عليه، مما جعل قلبه ينبض كمعزوفة موسيقية، أخرجها من أحضانه واحتضن وجهها حلو التقاسيم والملامح، ووزع نظراته عليها، تعمقت عيناه بعينيها بإعتراف عشقه وقبل أن يهمس لها كعادته. استمع لسيارة نوح تدلف لباب المزرعة الخارجي. أزال عبراتها المنسدلة على وجنتيها بإبهامه قائلاً بابتسامة تزين ثغره. -مكنتش أعرف أن حياتي مهمة عندك كدا. رفع ذقنها بأنامله. -حياتي مهمة عندك يا ليلى.

هنا فاقت من حالتها التي أنستها ما فعله، فتراجعت للخلف وهي تهز رأسها وتحدثت بهذيان مع غلالة دموعها التي توخز جفنيها. -حرام عليك يا راكان، حرام عليك خليتني أنسى الصح والغلط، ربنا يسامحك. قالتها وتحركت سريعاً وشهقاتها بالارتفاع حتى وصل صوتها إلى نوح الذي ترجل من سيارته متجه إلى أسما ليساعدها بالترجل. وصل نوح وهو يحاوط أسما بذراعيه، توقف أمامه وهو يحدقه بنظراته مردفاً. -أنت لسة هنا، وليه ليلى بتعيط كدا؟

أطبق على جفنيه في محاولة لتدارك نوبة ألمه وغضبه من نفسه فأجابه. -أنا وليلى اتطلقنا، وهي هنا عشان نبعد عن بعض، وقبل ما تتكلم ده أحسن حل لينا احنا الاتنين. تحرك بعض الخطوات ثم استدار إلى نوح الذي توقف مذهولاً مما استمع إليه. -خلي بالك أنا ماشي، وياريت تعرف ليلى خطورة الوضع، أنا لحد دلوقتي معرفش حالة سيلين ودرة. قالها وتحرك دون حديث آخر.

ولج ساحباً أسما التي تقف بجواره وكأنها لم تستمع لما قاله راكان، تحركت معه بآلية، إلى أن دلفوا للداخل، وجدوا ليلى تجلس على الأريكة ودموعها تنسدل بصمت، أجلس أسما بجوارها. واتجه يجلس بالجانب الآخر. -ليلى. اتجت بعينيها الباكية وبشفتين مرتجفتين. -شوفت صاحبك عمل فيا إيه؟ شوفت الراجل اللي متمنتش غيره يا نوح عمل إيه، دبح ليلى ومش دبحها بس. ارتفع صوت بكائها بالأرجاء.

هنا التفتت أسما واتجهت بنظرها إليها مردفة لأول مرة منذ خطفها. -متزعليش حبيبتي بكرة الأيام تداوي الألم. شهقت ليلى وهي تجذبها لأحضانها. -أسما، يا حبيبة قلبي، أخيراً يا أسما اتكلمتي. ضمتها أسما بشدة وبكت بصوت مرتفع. -آه يا ليلى، أنا موت يا ليلى، صحبتك ماتت. اتجه نوح يجلس على عقبيه أمامها رفع وجهها يحتضنه بين كفيه. -أنتِ زي ما أنتِ يا حبيبتي محدش لمسك. دفعته بعيداً عنها صارخة. -ابعد عني إياك تقرب وتلمسني.

جحظت أعين نوح من حالتها التي ظهرت عليها. انكمشت ملامح وجهها بامتعاض ولمعت عيناها بالحزن عندما تذكرت ما صار لها وصاحت بصوتها الباكي. -عملت لي إيه يا نوح؟ لما مراتك خطفتني وصورتني مع راجل غريب عملت إيه ولا حاجة. قالتها صارخة وتحولت كالذي مسه مس من الجن. -من وقت ما اتجوزنا وكل مرة هي تجرح وتدوس وأنت ولا حاجة. طالعها بملامح مؤلمة وتبدل غضبه لسكون خارجي. اقتربت منه ثم لكمته بصدره وصرخت بحزن حارق: -هتسكت لحد إمتى؟

مراتك خلعوها هدومها وصورها مع راجل يادكتور. إيه كنت مستني أكتر من كدا؟ ألتفتت تنظر إلى ليلى وهي تشير إليه بعينيها هالكة من الألم: -شوفتي الراجل اللي بتحامى فيه؟ شوفتي عمل فيا إيه؟ أمسكت خصلاتها تجذبها وكأنها تنتزعها بعنف: -أنا اتصورت ياليلى مع راجل حقير. وقفوا جسمي واتحكموا فيه. آهة صارخة من أعماقها المحترقة حتى جثت على ركبتيها تضرب على صدرها:

-خلاص مش عايزة الحب دا. مش عايزة الحب اللي ضيعني وجوزي ضعيف مش عايز ياخد حقي. كانت كلماتها كالطلقات النارية التي اخترقت صدره. جثى أمامها يجذبها لأحضانه، مكففاً دموعها التي نزلت على صدره نيران تكوي ضلوعه: -وحياتك أنا مش ساكت. هي مسكتني من أيدي اللي بتوجعني ياأسما. حطت السكينة على رقبتي. صورك معاها ياأسما ودي معندهاش أخلاق. جلست ليلى بجوارها تربت على خصلاتها:

-نوح عنده حق ياحبيبتي، دي واحدة قادرة وممكن تفضحك ومحدش هيصدق. إنتي باينة في الصور عادية مش متخدرة. خارت جميع قواها وانهارت حياتها بالكامل. لحظة توقف بها عقلها وقلبها معاً، فرفعت نظرها إليه: -طلقني يانوح. جوازنا كان غلط. ابوك قالها. قال لو اتجوزك غصب عني مش هخليكم تتهنوا وأنا خلاص مبقاش ليا قوة ولا حيل أحارب حد. ساعدها في الوقوف ثم حملها متجهاً بها إلى الأعلى:

-حاضر هعملك كل اللي يريحك. دلوقتي ارتاحي وبعدين نتكلم. تمام حبيبي. أطبقت على جفنيها وشعورها بالوهن والضعف احتل جسدها ولم يعد لها القدرة على الحديث. بالأسفل عند ليلى. اغرورقت عيناها بالدموع على صديقة عمرها. جلست تنظر بشرود حولها تشعر وكأنهما في منتصف متاهة هي بمعذب قلبها الذي ألقاها خارج حياته دون رحمة. أطلقت تنهيدة مرتعشة من عمق الليل الحالك بداخلها عندما وجدت رقمه ينير شاشة هاتفها. أمسكت الهاتف بكفيها المرتعش:

-درة حمزة أخدها على البيت. وقولتلها زي مافهمتيني. آهة طويلة ثم أردفت: -الحمد لله. هي كويسة مش كدا؟ يعني محدش قرب منها. متخبيش عني حاجة لو سمحت. درة ضعيفة مش هتتحمل دا كله. ياريته خدني أنا. آلمه كلامها وكأنها غرست خنجراً في روحه التي تتوجع. فهمس إليها: -ليلى درة كويسة. ممكن تتصلي وتطمني عليها. أنا لازم أقفل دلوقتي. نظر لهاتفه عدة مرات وهو ينتظر اتصال من ذاك المتجبر. وصل إليه يونس. ترجل من سيارته

سريعا يمسكه من تلابيبه: -قصدك إيه إن سيلين مش موجودة؟ يعني راحت فين؟ ابتلع غصة مرة كالعلقم أحكمت حلقه حد الاختناق: -معرفش ملقتهاش. معرفش يايونس اختي فين معرفش. لكمه قوية من يونس بصدره حتى تراجع خطوة للخلف: -هموتك ياراكان لو مرجعتليش سيلين هقتلك. صرخ يونس كالمجنون ونيرانه المتأججة تزداد اشتعالا بشكل مرعب متوجها للضابط الذي وصل حيث جلوس راكان الذي جلس كالذي فقدت حياته:

-راكان باشا مفيش أي أثر لأي حاجة. وأخر أمل الكاميرات متعطلة بالكامل في الشارع. حتى منعرفش أي اتجاه. روحه تأن بألم حتى شعر بإنسحاب الأكسجين من رئتيه. رفع نظره للضابط مكسور الجناح مثل طير سدد بطلقة نارية فتحدث قائلاً: -اتصل خليهم يقفلوا كل مداخل ستة أكتوبر. هم أكيد مخرجوش من هنا. ملحقوش. وشوف كاميرات الشوارع القريبة من هنا. دور على أي خيط. أنا حاسس أنها مش بعيدة. اتجه بنظره ليونس الذي جلس يضع رأسه بين كفيه وتحدث:

-سيلين هترجع حتى لو كان التمن حياتي. عند سيلين. جلست بغرفة بإحدى المنازل البسيطة. لم تستطع تمالك نفسها أكثر من ذلك فانهارت حصونها وجلست تبكي بانهيار كلما تذكرت صورته بأحضان سارة. قبل قليل. دلف أمجد وهو يحتسي من قهوته ويطالعها بنظراته الحقيرة. فجلس بمقابلتها: -دا انت طلعتي أحسن من الصور. لا بجد شكلك أميرة قصص. أمال بجسده ومد كفيه على خصلاتها يجذبها يستنشقه. دفعته بقوة وتحدثت كقطة شرسة:

-لو قربت إيدك هقطعها. ميغركش اللبس والميكب. لا دا أنا تربية راكان البنداري. قوس فمه ثم مطه وتحدث ساخراً: -قولتيلي راكان البنداري. طيب ياتربية راكان البنداري تفتكري هيقدر ينقذك ولا هيقول دي مش أختي وماليش دعوة بيها. نهضت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها قائلة: -لا ياعم الحبوب مهما تقول فأنت داخل في منطقة لأمثالك. مش راكان اللي يتخلى عن واحدة حتى لو مفيش رابط. مجرد بس اتحامت فيه. زي مثلا ليلى اللي هتموت عليها.

هنا فقد سيطرته ووصل عندها بخطوة يضغط على فكيها حتى آلمها قائلاً: -هجبها وهخليه يرميها وحياة خمس سنين حب لادفعها الغالي قوي. وهخليه يتحصر عليها اصبري عليا. دفعته بقوة تبصق عليه. صفعها بقوة ثم جذبها من خصلاتها حتى انزلقت عبراتها فهمس بصوتا كفحيح أفعى: -ليلى دي كانت ملكي لولا أخوكي الحقير سليم كان زمانها مراتي. هي مش مرات راكان الزفت. دفعها حتى سقطت على الأرضية تتراجع للخلف عندما اقترب منها وهو يطالعها بسخرية:

-شكلك متعرفيش إن أخوكي المحترم طلقها ورماها برة البيت. ضحكات بأصوات مشمئزة حتى وضعت سيلين كفها على أذنها فدنى منها يهمس بجوار أذنها: -راكان بيحب ليلى ولا لا؟ عارفة لو جاوبتيني هوريكي فيديو عمرك ما هتصدقيه. رفعت نظرها بعينيها الدامعة. لا تعلم أي جرم فعلته ليلى ليوقعها بذاك المريض. لم تصدق ماقالته الا حينما وجدته بتلك الحالة. لحظات وهي تطالعه بصمت تفكر بحل حتى تخرج من ذاك المأزق. فاقت من شرودها

عندما جذبها مرة أخرى يصيح: -ماتقولي يابت راكان وليلى إيه اللي بينهم بيحبها ولا عشان الولد ولا إيه بالضبط. الحقير أخوكي محدش فاهمه ولا يعرف بيفكر في إيه. صمتت برهة ثم ابتسمت بسخرية وأجابته: -ليلى وراكان حب؟ دا انت شكلك مجنون. لا دا انت مجنون فعلا. أطلقت ضحكة صاخبة تضرب كفيها ببعضهما وتحدثت: -شوفت النار والبنزين. عمرك سمعت عنهم أهم دول كدا لو قربوا من بعض هيولع في مدينة كاملة. دنت قائلة:

-ليلى مفيش عدو ليها أكتر من راكان. وراكان مكرهش حد في حياته قدها. رجعت بجسدها على الحائط تهز رأسها وأكملت مستطردة بإبانة: -فيه واحدة هتحب واحد وهو قرب منها غصب عنها. يعني بمعنى أصح اغتصبها. وتقدر تقول واحدة لما عرفت انها حامل من مغتصبها راحت تنزل الجنين من وراه. ابتسمت ابتسامة نحتتها من عمق آلامها عليهما وأكملت: -إيه اتصدمت؟ استنى خد الكبيرة.

-ليلى اتجوزته غصب عنها عشان هددها بابنها. وهو اضطر يتجوزها عشان وصية سليم. غير أن سليم كتب كل حاجة باسمها حتى حضانة الولد. هنا تذكر أمجد حديث نورسين. نعم لقد حكت له كل ذاك. حدث نفسه: -يعني راكان بينتقم وكنا مفكرين بيلعب بينا. ظلت نظراته تحاوطها بتدقيق ثم توقف وهو يعطيها هاتفه: -دلوقتي أقدر أكافئك بالفيديو دا وأقولك إنك متستهليش يونس. عايز أعرف راكان أخد ليلى على فين. أنا عارف انه خرجها من البيت بس.

فين دا اللي لسة ماوصلتوش بس صدقيني لو كان دفنها في القبر هجيبها. قالها وتحرك للخارج. ثم توقف لدى الباب: -الفيديو تقيل عليكي هسيبك براحتك ياقطة وأنا جاهز في أي وقت.

أمسكت الهاتف بيد مرتعشة وجدت يونس يجلس على فراش سارة وهي بأحضانها بلا ثياب. وحركاتها المائعة وقبلاتهما التي أدمت قلبها. شهقة خرجت من فمها. تضع كفيها على فمها وتنسدل دموعها كخزات المطر. تطالع الفيديو للمرة الألف حتى تتأكد انه ليس هو ولكن كيف وهي التي لم تخطأ به ابدا. بكت بنشيج وهي تضع كفيها على قلبها تلكمه: -يارب تموت وأرتاح منك. يارب تموت ياقلبي وأرتاح منك. دا اللي عمال تديله أعذار.

أطبقت على جفنيها ثم تجمدت بمكانها وهي تهز رأسها وقلبها يعوق عقلها عن خطأها بحقه. أسرعت تمسك الهاتف مرة أخرى وتنظر إليه حتى هزت رأسها: -لا مش ممكن فيه حاجة غلط. صمتت لحظات ثم حدثت حالها: -إزاي الفيديو دا وصل هنا. أطبقت على ملابسها بقوة وهي تجز على أسنانها: -سارة وحياة ربي لأندمك على وجع قلبي. ورغم ذلك بكت وهي تراه بذلك الوضع المخل حتى لو لم يكن بعقله. نعم فهو زوجها حبيبها الذي لم تعلم نبض العشق إلا بجواره.

تذكرت حديث راكان بعد طعنها له. فلاش: -طبعاً أنا عارف إن يونس عمل حاجة كبيرة ومش بعيد يكون حاول يعتدي عليكي. بس اللي متعرفوش يونس طلبك مني وأنا وافقت. أشار بيديه يضع سبابته على فمها: -اش مش عايز كلام اسمعيني للأخر وبعد كدا الرأي رأيك. اقترب يجذبها ويجلسها بجواره يحاوطها بذراعيه: -تعرفي أنا كنت رافضه جداً. بس حقيقي يونس بيحبك أوي ياسيلي. أرجع خصلاتها وضمها لأحضانه:

-هكون مطمئن عليكي معاه. يونس مش بيحبك بس لا مستعد يفديكي بحياته. عشان كدا أنا وافقت وجوزتك له بالتوكيل اللي معايا. احتضن وجهها بين كفيه:

-لو مش عايزة اعتبري مفيش حاجة حصلت. بس حقيقي من وقت ما سليم مات وحياتي بقت في خطر خوفت عليكي. خوفت يحصلك حاجة من بعدي. ملقتش حد هيخاف عليكي بعدي زي يونس. هو هيكون الراجل اللي تقدري تتحامي فيه من بعدي. فلو إنتي مش شايفة إنه ميستهلش هخليه يطلقك ولا كأنك سمعتي حاجة. هسيبك تفكري وتقرري مع نفسك. إنتي معنتيش الطفلة الصغيرة. إنتي كبيرة وتقدري تاخدي قرارات حياتك براحتك. خرجت من شرودها عندما دلف أمجد:

-سيلين الجميلة يارب تكوني مبسوطة معانا. متخافيش وقت ما أخوكي يجبلي ليلى هسيبك. صوب نظراته إليها متسائلاً: -تفتكري المعادلة هتكون صعبة ولا لا. شعرت بدوار من كلماته. وآلمها قلبها على أخيها كيف حاله الآن. حاولت أن تفكر علها تصل لحل دون خسارة أخيها أي شيئا. ابتلعت ريقها بصعوبة وأجابته بهدوء رغم تأجج أوردتها:

-انت الخسران للأسف. يعني تفتكر لو راكان عرف إنك بتساومه. هيقولك اتفضل. دا لو حتى كان ليلى مش هامها حالياً مساومتك له هيقوى أكتر. نهضت وهي تتعمق بنظراتها له بعدما وجدت تغير بملامحه وعقدت ذراعها تقف بمحاذته: -راكان مش الشخص اللي تساومه ويرضخ حتى لو هيموت. وخاصة أنا مش أخته زي ماانت لسة قايل. ضيقت عيناها متسائلة: -عرفت منين أنا مش بنت أسعد البنداري؟ جلس يضع ساقه فوق الأخرى وبدأ ينفث سيجاره وهو يطالعها

بنظرات تفحصية ثم أردف: -هيفيدك بإيه. المهم عرفت. بس اللي مش قادر أفهمه إزاي واحدة جميلة ومثقفة زيك ترضي بواحد زي يونس اللي مسبش واحدة الا واخدها هج. لو شايفة دا حلو في الراجل أنا موجود برضو. قالها غامزاً بعينيه: -مطت شفتيها للأمام قائلة:

-زي ماانت شايف إن ليلى حبيبتك مع أنها رمتك واتجوزت مرتين ورغم كدا مش سايبها. بس الفرق بينا أنا بعدت عن يونس لما عرفت إنه كدا. مش فارق معايا. حتى اللي بعتلك الفيديو غبي مايعرفش إننا منفصلين من زمان. نهض وسار نحوها بخطوات متمهلة وأعين متسلطة ثم انحنى يحاوطها بين ذراعيه: -يعني متعرفيش إنه متجوزك في السر. ومش بس كدا ناوي ياخدك ويهاجر بعد امتحاناتك. لاحت على ثغرها ابتسامة متلاعبة ثم غرزت عيناها بعينيه القريبة:

-هو انت مجنون. منين متجوزني وهياجر بيا. وكمان من غير مااعرف. ومنين هو بيتلاعب في الفيديو مع بنت عمي. دا اسمه كلام اهبل. ماهو لو زي مابتقول يبقى أنا مهمة في قلبه بقى. رفعت أكتافها وأكملت: -بس هو ميهمنيش. وياله ابعد كدا متخلنيش أفقد قدرة تحملي على شخص زيك. لامس خديها وغمز بطرف عينيه: -ماتيجي أهدي أعصابك. دفعته بقوة حتى كاد أن يسقط، وأشارت بسبابتها: -ايدك هتلمسني هكسرهالك.

ظل يطالعها لفترة من الدقائق، حقًا أصبحت أمامه تفاحة وجب أكلها. ملامح وجهها التي تبدو كالأطفال، وقوامها الممشوق بشكل يحبس الأنفاس. ثغرها المرسوم ومنحنياتها المفعمة بالأنوثة. دنى منها ثم جذبها بقوة من خصرها وهمس لها: -يونس دا حمار كبير، بس وحياة ليلى عندي لو راكان مجبليش ليلى لهحصرهم عليكي. وهفكر زي ماقولتي إزاي اخلي ليلى تيجي من غير تهديد راكان. ***

دفعته بعدما ركلته بقوة بمنطقة المحظور. ابتعد يصرخ بقوة من ركلتها القوية، دقائق وهو يحاول أخذ أنفاسه. رفع نظره إليها يرمقها شزراً ثم تحدث: -عجبتيني أكتر، لا دا قعدتك مع ليلى علمتك كتير، هي زيك كدا فرسة، بس ياترى إزاي مقدرتش تبعد أخوكي عنها. دماغي ياسيلي حبيبتي جننتني بعامليها. قالها وهو يطلق ضحكات ثم تحرك للخارج.

عند ليلى بمنزل المزرعة. صعدت لغرفته بالأعلى وهي تتفحص المنزل برائحته العبقة بكل مكان. تتذكر تلك الليلة التي قضتها هنا. دلفت الغرفة شعرت بنسمة محملة برائحته تمر على وجهها مما جعلها تبتسم. تسمرت بمكانها وهي ترى غرفته التي كانت بذاك القصر. اتجهت بخطوات متمهلة وكأن أحداث تلك الليلة تمر أمام عينيها. جلست عليه تتلمسه بابتسامة ثم تسطحت عليه تستنشق رائحة زوجها به تهمس لنفسها:

-ناوي على إيه ياراكان، ليه بتسحبني وترجع تغرقني، عايز مني إيه. ظلت تتلمسه وانزلقت عبرة على وجنتيها عندما شعرت بفراقه كضربة سيف تدق العنق بلا هوادة. ظلت للحظات تفكر فيما يفعله، أهو يحبها مثلما تشعر بأحضانه أم أنه مع كل النساء بتلك الطريقة. اعتدلت تفرك جبينها عندما شعرت بصداع يفتك بها من كثرة تفكيرها. اتجهت إلى هاتفها وهاتفت أختها، ولكن الأغرب أجابها حمزة مما جعل قلبها يقذف بنبضاته بعنف.

-أستاذ حمزة، درة فين ومالها مبتظهرش ليه. قطب مابين جبينه متسائلاً: -"ليلى"!! انتي غيرتي رقمك. شعرت بثقل كلماتها مستغربة سؤاله، فردفت: -لأ، ليه! حمحم معتذراً ثم ناول الهاتف لدرة التي تجلس بجواره بمنزلها. توقفت عندما وجدت أنظار والديها عليها. -أيوه حبيبتي عاملة إيه! لفظت الهواء بقوة من رئتيها بعدما استمعت إلى صوت أختها: -درة انتي كويسة، ومين اللي خطفكم. أطبقت على جفنيها وأجابتها:

-معرفش المشكلة سيلين مرجعتش معايا ولا أعرف عنها حاجة. رجفة قوية أصابت جسد ليلى حتى شعرت بأن ساقيها أصبحت كالهلام ولم تعد تستطيع الوقوف ولا النطق. استندت على كفيها حتى وصلت لمخدعها وجلست بقلب ينتفض رعباً. -يعني سيلين مرجعتش، طيب وراكان فين! أرجعت خصلاتها للخلف وأجابتها: -إحنا سبناه هناك، وقالي عرفي مامتك إنك كنتي مباتة عند ليلى عشان هما ميعرفوش بخطفي. هزت رأسها غير مستوعبة حديث درة:

-سيلين إزاي مرجعتش انتوا مكنتوش مع بعض. -والله ياليلى ماشفتها، من وقت ما اتخطفنا معرفش عنها حاجة. أطلقت رأسها للأسفل وغمامة من الدموع تحتجز بعينيها: -يارب ما يكون أمجد يادرة، لو هو يبقى راكان مش هيسكت. وصل حمزة إليها: -درة أنا لازم أمشي، خلي بالك من نفسك، وبلاش خروج إلا لما تعرفيني. قبل جبينها بقبلة ثم خرج بعد توديعه لحماه. أما ليلى التي أغلقت الهاتف وشعرت بأن الأرض تميد بها وكأنها ستفقد وعيها. اتجهت لمهاتفته.

أجابها بعد عدة ثواني: -أيوه فيه حاجة أمير كويس! سحبت نفساً طويلاً محاولة السيطرة على دموعها فهمست له: -انت غيرت رقمي ليه! وليه مقولتليش على سيلين. قاطعها هادراً: -غيرت رقمك عشان عارفك غبية مبتتعامليش بالعقل، أما عن سيلين هرجعها مش ضروري إنك تعرفي أصلاً، وليه تعرفي. أطبقت على جفنيها تقاوم كلماته القاسية التي كالصاعقة.

لحد إمتى هتفضل تعاملني كدا، عايزة أعرف أنا مين وإيه في حياتك، ليه جبتني للبيت دا وأنت عارف ذكرياته كويس. عايز توصل لأيه، أنت عايز مني إيه، أنت بتحبني ولا بتكرهني، طيب لو بتحبني ليه بتحاول تكرهني فيك! أخرجت كل ما يؤلمها على شكل تنهيدات وأنْفاسٍ مرتفعة. وصل الضابط إليه متحدثاً: "فيه أخبارية وصلتنا عن المكان اللي باشمهندسة نورسين وصفته." تحرك متجهاً لسيارته وأجابها:

"ليلى، كل اللي يربطني بيكي أمير. ودلوقتي إنتِ حرة وطلقتك، يعني مش بعمل حاجة عشان أوصلك. من حق ابن أخويا يعيش كويس. أخويا اللي حضرتك ما كلفتيش نفسك تودعيه. ولو حاولتي تعملي حاجة من ورايا، هندمك يا ليلى. وللأخر مرة بقولك، بلاش تخليني آخد منك الولد. لسة بكلمك بقلبي." "فهمت يا حضرة المستشار. كلامك علم وينفذ."

ثم أغلقت الهاتف بروح محترقة وقلب يتمزق ألماً. ما تقاوم رغبة بالصراخ من أعماق روحها، صرخة مدفونة بقبر تحت الأرض، على صم بكم لا يشعر بها أحد. جلست بعيون تائهة وقلب مشتت. اتجهت للخارج بعد دقائق حتى حاولت السيطرة على نفسها. دلفت لغرفة ابنها، ووجدته نائماً. "نام من زمان يا داليا." أومأت داليا برأسها. "أيوة، من أول ما وصلت لقيته نايم. هو حضرة المستشار مشي؟ أومأت برأسها مردفة:

"عارفة تعبتك معايا الفترة اللي فاتت دي، ولسة هحتاجك الأيام الجاية. ناوية أنزل الشغل ومش هلاقي حد أثق فيه على أمير غيرك." اقتربت داليا مبتسمة: "طبعاً، ودا شرف ليا يا مدام ليلى. متقلقيش، كله هيكون كويس إن شاء الله." ربتت ليلى على كتفها ثم خرجت متجهة للخارج. قابلها نوح خارجاً من غرفة أسماء. "أنا همشي دلوقتي، بس لازم نتكلم قبل ما أمشي." سحبها من يديها وهبط للأسفل. جلس وأجلسها بجواره.

"احكي لي كل حاجة. بقالنا كتير مقعدناش مع بعض. راكان قالي إنه طلقك. عارفه بارد وبيحب يهزر. لولا معرفت إنه بيحبك، كنت صدقته المجنون دا." ابتلعت غصة متورمة منعت تنفسها، وانسدلت عبرة غادرة من طرف عينيها. فهمست بشفتين مرتجفتين: "بس هو مش بيهزر. راكان طلقني فعلاً." توسعت عيناه مذهولاً، وشفتيه فاغرتين مصعوقاً، وكأن ما استمع إليه كابوس. فتساءل: "إيه اللي حصل خلاه يوصل إنه يقلعك من قلبه؟ دا كان مجنون بحبك."

ابتسامة حزينة شقت ثغرها، ثم طالعته بعينين دامعتين: "كله تمثيل يا ابن خالتي. طلع كله تمثيل. وعدني وخان. عايز من واحد بعد ما وعد خان منه إيه؟ "سيبك من اللي حصل، المهم في اللي جاي. نوح، أنا مكسورة قوي. راكان كسرني بشكل آذاني، وعشان كدا عايزة ألملم نفسي وأرجع ليلى اللي كانت قبل ما تعرف واحد اسمه راكان. ماليش حد أتسند عليه غيرك." أزالت عبراتها بكفيها المرتعش وأكملت:

"لازم تشوفلي بيت أَقعد فيه أنا وابني، عشان ميضغطش عليا بيه. واكيد شغل كمان. مش عايزة أكون عَبء على بابا." ربت نوح على كفيها ثم سحب نفساً وزفره بهدوء.

"بصي يا ليلى، أنا كنت بسكت عشان شايف حبكم. بس الكسرة اللي شايفها في عيونك دي مش عجباني. إنتِ ليلى بنت الأستاذ عاصم المحجوب اللي ضربتي أمجد في عز جبروته وسط الجامعة. وليلى اللي عملت قضية سب وقذف لدكتور الجامعة لمجرد قالها اقعدي يا حيوانة. ليلى الجريئة اللي كنت بتكسف من نفسي لما كنتي توقفي قدام الحق وتخرصي الباطل. عايزك ترجعي ليلى دي. محبتش ليلى اللي قلبها حطمها. آه، راكان صديق عمري، بس إنتِ قبل ما تكوني بنت خالتي، فإنتِ أختي."

نهض وتعمق بنظراته قائلاً: "هجيلك بعد يومين تكوني استعدتي نفسك وجهزتي كلامك عشان نعرف نقول لوالدك إيه بعد طلاقك. وقبل أي حاجة، تأكدي هكون في ضهرك مهما يحصل. دلوقتي قومي ارتاحي. خدي ابنك في حضنك، ومش هقولك انسي راكان، بس هقولك عيدي نفسك وخذي حقك منه، زي ما هو أخد حقه." قالها وتحرك خارجاً. ظلت تنظر بشرود لذهابه وعبراتها تتساقط بقوة عبر وجنتيها مردفة: "عندك حق يا نوح. لازم أستعيد نفسي." قالتها وصعدت متجهة إلى أسماء. ***

تابع بقية الفصل ٣٠. عند راكان. ظل بمكتبه بالنيابة حتى شعر بفقدان الأمل أن يصل لشيء. تذكر جده، فتحرك متجهاً لمنزله. وصل بعد قليل إلى منزل عمه. "فين توفيق باشا يا فريال هانم؟ جذبت ذراعه وصاحت به بغضب: "إنت إزاي تخلي البوليس ياخد عايدة؟ بتهمة إيه؟ قاطعهم دخول أسعد وتوفيق بجوار عايدة. وصل إليه أسعد بخطوة واحدة: "إيه اللي عملته دا؟ هو عشان يعني وكيل نيابة تستعمل سلطتك في كل اللي يوقف قدامك؟

تسمر كالجماد، وكأن كلمات والده صفعته بقوة دون رحمة. فحاول النطق، ولكن كأن الحروف هربت من مخارج شفتيه. وصل يونس وهو يجذب سارة من خصلاتها التي تصرخ بأعلى ما لديها بقوة. ثم دفعها بقوة حتى سقطت أسفل أقدام جده. ثم أشار بسبابته: "البت دي مرمغت شرفي في الأرض. عايز حقي منها هي ومرات عمي وأمي." تحرك إلى أن وصل لجده وتعمق بنظراته متحدثاً بهدوء ما قبل العاصفة:

"جدو باشا، بنتك ابنك ضيعت شرفي. يالهوي يا ولاد يونس، البت سارة خدشت حيائي، أو بمعنى أصح، اغتصبني." شهقة خرجت من أسعد، ثم لكزه توفيق بعصاه: "احترم نفسك يا دكتور! اتجننت ولا إيه؟ إيه الكلام الأهبل اللي بتقوله دا؟ ضرب يونس كفيه ببعضهما وهو يضحك: "طب والمصحف دا اللي حصل. وعارف عملت إيه كمان؟ صورتني وبعتتها لسيلين. ليه بقى يا باشا؟ دنى وأمال بجسده وهو يغرز عيناه بعين جده: "أصلهم عرفوا إني كتبت على سيلين."

هز رأسه عندما توسعت أعين توفيق، الذي اتجه بأنظاره إلى راكان المتيبس بوقفته، وأكمل: "أيوة، اتجوزتها. ومش بس كدا. كل ما أملكه كتبته باسمها. إيه، عايز تقول حاجة؟ جذب سارة من خصلاتها وهو يضمها إليه: "عروسة المولد اللي حضرتك عمال تزقها عليّ عشان أتجوزها. دي مرضيتش أخليها شغالة عندي. عارف ليه؟ لأنها تربية الست دي." قالها وهو يشير إلى عايدة. دفع سارة على جده واقترب إلى عايدة:

"طيب، ليه بس شوية السحر الأسود والحاجات الصفرا اللي تشربوهالي؟ كنتوا سبوني صاحي حتى أتفرج. وعلى فكرة، كنت هشرفك برضه. فرجة ببلاش. دا أنا بدفع قد كدا عشان أتفرج. غير لما توسخوا سمعتي وتركيب صور وحاجات، استغفر الله العظيم يا رب. كان نفسي تبقى حقيقية، أصلها رخيصة يا مرات عمي. هستنى إيه من واحدة تربيتها رخيصة وأمها بتدفعها للمنكر؟ إيه، عشان شوية فلوس؟ أشار إلى جده وتحدث والخذلان يتفجر بأحشائه كرصاصة سامة، وأردف:

"دلوقتي، عشان مفضحش حفيتدك، وقبل أي حاجة، أقسم بالله العظيم ما هبقى على أي واحد عايز أعرف وديتوا مراتي فين." استدار يوزع نظراته بينهم: "فين سيلين؟ بدل ما أخرج على جميع القنوات وأفضحكم كلكم. وعندي الفيديو اللي يثبت إنّي مش بطبعتي." جلس راكان وأشعل تبغه، فقد قام يونس بما أثلج صدره المشتعل. وصل أسعد لابنه متسائلاً: "إنتو لسة ملقتوش أختك؟

تراجع للخلف برأسه منهزماً، والحزن مرسوماً على وجهه. فتوقف متجهاً إلى توفيق، دافعاً سارة من أمامه، وأمال بجسده يحاوط جده بذراعيه على المقعد. "من تلاتة وعشرين سنة، واحد معندوش دين قطع فرامل عربية ماما زينب بعد ما خططوا إنها تخرج من البيت بسبب حقنة نزيف وهي حامل، في الوقت اللي أختها حامل في الشهر السابع عندها، عشان يتخلص من الاتنين."

شعر أسعد بإنسحاب الهواء عندما علم بما ينتويه راكان. فاتجه إلى ابنه، ولكن وضع راكان كفيه أمام والده مكملاً: "استنى يا باشا، لما أعرف الباشا الكبير نتيجة عمايله. مش هو عايز يفهمنا إنه ذكي أخواته؟ "فاكر اليوم دا يا توفيق باشا؟

أه، أكيد فاكره. اليوم دا ماما زينب كانت حامل، وخالتو زينة كمان حامل. بيقولك المجرم دايماً بيكون غبي وبيسيب أي أثر. بس للأسف، ذكي أخواته مسبش حاجة تدينه. بس نسي إن ربنا مطلع على كل حاجة. ويشاء القدر ويركب ابنه العربية ويموت أول واحد. وربنا ينقذ ماما زينب. لكن من ذكائه، عامل حسابه لو ربنا أنقذها من الحادثة، يبقى تفقد جنينها، وخصوصاً دا الابن التاني. وتمشي اللعبة زي ما الشيطان مخطط بالظبط. والجنين يموت. بس تفتكر يا جدو، ربنا ما يربطش على قلبها ويعوضها ببنت جميلة، وخصوصاً بعد ما اتحرمت من الإنجاب؟

اعتدال واقفاً وهو يوزع نظراته على الجميع وهو يدور حولهم. "طلعتوا إن سيلين بنت شوارع، ومالهاش أصل ولا عيلة، وممكن تكون بنت حرام." رمق جده الذي تغيرت ملامح وجهه وشحبت عندما استنتج ما سيقوله راكان.

"سيلين من عيلة البنداري يا توفيق باشا، يعني التحليل مكنش محتاج التزوير. بس أنا زورته عشان اللحظة دي. عشان أموتك بحسرتك. ودلوقتي الحقير خاطف حفيتدك وأنا عاجز ومش عارف أوصلها. ومش بس كدا، بالاتفاق مع العقارب اللي حضرتك مربيهم وبتعلمهم إزاي يقرصوا القرايب قبل الغرب." اقترب من والده يبتسم بسخرية: "إيه يا أسعد باشا، مش تعرف أبوك المحترم إن بنتك طلعت مش بنتك؟ بس هي بندارية رغم إنها مش بنتك." جحظت أعين خالد مردفاً:

"إيه اللي بتقوله دا يا ابني؟ انت اتجننت؟ أطلق راكان ضحكة رغم الحزن الذي يتشعب بداخله: "يا ريت يا عمي كنت اتجننت، أحسن ما أشوف الأخ بيحرق أخوه، والجد بيقتل ابنه وحفيده." أشار على توفيق: "توفيق باشا. قتل عمو محمود ومراته. عشان إيه ياترى؟ ابتسامات ساخرة منه: "عشان ينتقم من واحد في بناته؟ شوفتوا قرف أكتر من كدا؟ بس ربنا انتقم منه، وبدل ما يقتل بنت غريمه، قتل ابنه ومراته." "توفيق باشا، عايز تعرف مين سيلين؟

سيلين بتكون بنت محمود البنداري. يعني حفيتدك يا باشا. ياله اشرب وموت بحسرتك. وكلم أمجد وقوله، موتها زي ما بعتله من شوية كدا، وقلتله خد مزاجك منها وارميها. وبعدها هنعمل بلاغ إنها هربت مع واحد عشان جوزنها يونس غصب عنها. مش دي رسالتك لأمجد؟ صاعقة نزلت على رأس الجميع، مما ألجمتهم الصدمة جميعاً. فخطى إليه بخطى متعثرة وجسده يرتجف: "قصدك إن سيلين بنت محمود ماتتش اليوم؟

سحب راكان نفساً مطولاً ثم نفثه وهو يطالعه بشماتة بعدما وجد صدمته بجسده المرتعش وملامحه التي شحبت. فهز رأسه وهو يضحك بصوت مرتفع: "بالظبط يا باشا. يعني قتلت أبوها وأمها من زمان، والنهاردة بتتفق تموتها وهي عايشة." قالها راكان ودمعة غادرة تساقطت بجانب جفنيه رغم ضحكاته. ثم اقترب وهو يطالعه بنظرات نارية:

"اشرب بقى وافرح واتفق كويس. عايزك تموت بحسرتك. دا لو عندك دم وإحساس الأبوة. بس للأسف، إنت شيطان. ويا ريت تعمل لآخرتك بعد ما عرفت مرضك. لا دا انت بتفجر أكتر وأكتر." فقد سيطرته بالكامل ودفعه بقوة حتى سقط على المقعد خلفه. "أنا بكره دمي عشان من دم واحد قذر زيك." "راكان! " صرخ بها أسعد. "انت مفكر نفسك إيه؟ يلا، إنت عيارك فلت ومحدش قادرك." *** تحرك للخارج قائلاً:

"معرفتش تربيني كويس يا أسعد باشا. العيب فيك. كنت ربي ابنك، بس هقول إيه؟ ما إنت ابن توفيق باشا." رفع توفيق كفيه على صدره يتحسس صدره عندما اختنق صدره وهو يهمس "سيلين" ثم سقط مغشياً عليه. استدار راكان يرمقه بنظراته احتقارية ثم خرج وكأنه لم يهتم. استقل سيارته متجهاً إلى جاسر. استمع لوصول رسالة: "عايز أختك. كل الورق اللي يديني في قضايا تسلمه لواحد هبعتلك عنوانه." توقف للحظات ثم قام بالاتصال على نورسين.

"إيه اللي عرف أمجد إننا رايحين نقبض عليه؟ هبت فزعاً متسائلة: "يعني أمجد هرب ومعرفتش تمسكه؟ زفر بغضب عندما علم بأنها لا تعلم. فتحدث: "نور، لازم أوصل لسيلين قبل الصبح. لو الصبح جه واختي مش في حضني، اعتبري كل حاجة ملغية." قالها وأغلق الهاتف. ***

بعد أسبوع وهو كالجثة، لا يشعر بشيء، وكأن جسده بلا روح. وصل لمنزل المزرعة. دلف للداخل يبحث عنها، وجدها تغفو فوق الأريكة وخصلاتها تغطي وجهها بالكامل. سحب نفساً طويلاً يعبأ به صدره المجروح منها. ثم جثى أمامها. داعب بأنامله وجنتيها. ابتسم كلما تذكرها بأحضانه. ظل يرسمها بعينيه ثم حملها متجهاً لأعلى يضمها لأحضانه كأنه يشبع روحه منها. دلف للغرفة وهو ينظر إلى محتوياتها، فأصبحت كما رسم. غرفته التي جمعتهم وشاهدت أجمل اللحظات بينهما. وضعها بهدوء كأنها قطعة من الجواهر الثمينة. فتحت عيناها كأنها بحلم فابتسمت هامسة باسمه. ثم جذبت كفيه تغفو برأسها عليه.

"زعلانة منك قوي، ومش هكلمك تاني." قالتها بين الحلم واليقظة. وضع رأسه بجوار رأسها ورفع أنامله يتخللها داخل خصلاتها. "أنا اللي مكسور منك قوي حبيبي. تايه وضايع وموجوع، ورغم دا كله مش عايز غير حضنك وبس." دنى بأنفاسه الحارة يهمس بجوار شفتيها: "حبك موتني مولاتي. عملتي فيا إيه حتى وصلت للحالة دي؟

لا قادر أقرب ولا قادر أبعد. بس مش عايز غير أحطك جوايا وأقفل عليكي مليون باب. وفي نفس الوقت عايز أحرقك عشان ميكونش ليكي أثر وتضعفيني." لمس شفتيها بخاصته. "ليلى، أنا مش عايش وأنا بعيد عنك. بعشقك بطريقة غبية ومجنونة. إيه الحب الغبي دا؟ همهمت بنومها باسمه. بدأت أنفاسه في التسارع. ولم يتحكم بنفسه فالتقط ثغرها بقبلة جامحة مما جعلها تفتح عيناها بشهقة وهي تحاول أن تتخلص من هجومه الضاري عليها.

دفعته بيديها بقوة صارخة كالمجنونة، تئن من الألم الذي اجتاح جسدها تحتضن جسدها بيديها تتراجع للخلف وكأن هناك حيوان مفترس هجم عليها. تهز رأسها بطريقة هستيرية. وعبراتها كالمطر على وجنتيها. سكتت هنيهة تسيطر على شهقاتها وتبتلع كرة نارية داخل حلقها وهي تنظر إليه باحتقار. آلان أطبقت عليه شخص حقير ومنحط. "برة!

مش عايزة أشوف وشك قدامي. مختلفتش عن أي شخص حقير أهم حاجة عنده غريزته وبس. كل مرة تثبتلي إنك أناني. ودلوقتي اتأكدت من الكلام اللي كنت بسمعه عنك. راجل مزاجي وبس. بكرهك وبكره نفسي عشان نزلت لمستوى منحط أحب شخص حقير ذيك. هستنى إيه من واحد وهو بيتلاعب بمشاعري طول الليل والصبح يطلق مراته كأنها بنت ليل. أنا بكرهك يا راكان يابنداري، بكرهك بكرهك. وحياة ابني اللي مفيش أغلى منه عندي اللي أخد كسر قلبي منك. ودلوقتي بررررة."

صرخت بها بقهر وعبراتها تغطي وجنتيها. نزلت كلماتها على قلبه كمطرقة ثقيلة مشتعلة من النيران حتى أحرقته بالكامل. حاول السيطرة على نفسه، ساحباً نفساً يزفره بهدوء، ثم اقترب منها جالساً على الفراش. "ليلى اسمعيني، ما كانش قصدي... "اخرص، مش عايزة أسمع صوتك. صوتك بيحرق دمي وبكرهك أكتر وأكتر." نظرت حولها. "إيه اللي جابني الأوضة دي؟ " نزلت سريعاً من فوق مخدعها، تركل كل ما يقابلها وتحطمه.

"بكره كل حاجة فيها لأنها بتفكرني برخصي." ظلت تثور كالمجنونة حتى استمعت إليها أسما وداليا مربية أمير. أسرعت أسما تدفع الباب ولكنها تسمرت عندما وجدت راكان يحاول السيطرة عليها. تراجعت أسما للخلف وأغلقت الباب قائلة لداليا: "خليكي جنب أمير، مفيش حاجة. سوء تفاهم بينها وبين راكان." هزت رأسها وتحركت دون حديث. بينما أسما التي جلست تضع رأسها بين راحتيها حزينة على ما صار لهما. بالداخل، احتضنها راكان من الخلف مسيطراً على حركتها.

"ليلى اهدي واسمعيني." صرخت محاولة الفكاك من قبضته. دفعته بقوة، تركله. "ماتلمسنيش." قالتها صارخة، تدفعه وتلكزه بكل ما لديها من قوة حتى تركها، يدفعها على الفراش محاوطاً إياها بجسده، صارخاً بوجهها. "اخرصي بقى. هو عشان أنا صابر عليكي هتسوقي فيها؟ اخرصي." قالها بصوت مرتفع وهي مقيدة بجسده. وعيناها تدفع الدمعة بالدمعة فوق صفحات وجهها وتحرق وجنتيها كما تحرق قلبه. ورغم متاهة المشاعر التي سيطرت على كلاهما، أردف قائلاً:

"ما كانش قصدي أعمل اللي عملته. حسيت إني مشتقالك غصب عني، مقدرتش أتحكم في نفسي. عادي كلنا بنغلط. ليه بتحسسيني إنّي مقرف قوي كده؟ رسمت ابتسامة سخرية من بين دموعها، هامسة بشفتين مرجفتين: "بحسسك إنك مقرف؟ لا لا سمح الله. انت أصلاً مقرف. بس لنفسك يا بيه. شوف انت نايم عليا إزاي. لو انت راضي بكده ومتربي على القرف ده، فأنا غير كده. كفاية بقى تدنيس فيا." قالتها وهي تدفعه بكل قوتها، ورغم دفعها إلا أنه لم يتحرك.

ظل كما هو ينظر إليها بصمت مخيف، حتى اهتز جسدها وضعفت قواها وعيناها مغيمة بالدموع من نظراته الاختراقية لها. لحظات مرت على كلاهما كالسيف على العنق. هي خوفها من تهوره، وهو بضعفه من حالتها. تمنى لو يشق صدره ويخبأها حتى يعلمها كم هو محب وعاشق لها، ولكنها غبية لم تعلم لغة الأجساد ولا العيون. فلو تعمقت بعينيه لعلمت أن غرامه بها وحدها وأنه لا يرى سواها.

أمال بجسده حتى اختلطت أنفاسهما، وهي تهز رأسها وشهقاتها بالارتفاع، تحسه على ألا يفعل شيئاً. "راكان لو سمحت ابعد. لو فعلاً احترمتني لو دقيقة، بلاش أقولك لو حبتني. أبعد عشان خاطري يا راكان. متعملش فيا كده." وضع جبينه فوق جبينها وانزلقت عبرة غادرة من طرف عينيه. "لدرجة دي شايفاني حقير قوي كده؟ لدرجة دي يا ليلى أنا إنسان معدوم الأخلاق؟ " اهتز جسدها بالبكاء عندما فقدت السيطرة على نفسها وقلبها الخائن الذي يشفع له دائماً.

فهمست: "راكان، إحنا اتطلقنا. واللي بتعمله ده حرام. كبيرة من الكبائر. عشان خاطري متخلينيش أكره نفسي أكتر من كده. كفاية بقى." فك ذراعها، وكما هو كأن جسده شُل بالكامل. رفعت كفيها المرتعشتين تدفعه حتى سقط بجوارها. فزحفت حتى نزلت من فوق الفراش بجسد ينتفض رعباً من حالته. فتحركت بجسد خالٍ وخطوات متعثرة حتى وصلت لأسما بالخارج، ألقت نفسها بأحضانها وانهار جسدها وهي تبكي بشهقات مرتفعة. ***

"اتصلي بنوح يا أسما خليه يجي ياخدني من هنا. أنا مش عايزة أفضل هنا. اتصلي بأبويا يجي ياخدني يا أسما، أنا بموت. مش عايزة أقعد في أي مكان مرتبط بالشخص ده." ضمتها أسما وأجلستها على الأريكة، تمسح على خصلاتها. "ليلى اهدي حبيبتي، هعملك اللي انتِ عايزاه." خرجت من أحضانها تهز رأسها رافضة. "اتصلي حالا. أنا بختنق. مش عايزة أقعد ولا دقيقة هنا."

ظلت تمسد على خصلاتها حتى هدأت وغفت بأحضانها. أما بالداخل، جلس وكلماتها تسقط على مسامعه سقوط نيزك يشعره بتائه بصحراء حالكة الظلام. بأعين زائغة وصدره المشتعل بنيران حديثها، ينظر حوله على ما فعلته بالغرفة حتى أصبحت عبارة عن أشلاء مفتتة. أطبق على جفنيه عندما ظن ما فعله سيسعدها بكل ما جمعهما، ولكنه أخطأ. استمع إلى رنين هاتفه. ابتلع ريقه الجاف بصعوبة وأجاب: "أيوة يا جاسر..؟

"راكان، عرفنا مكان أمجد. زي ما توقعت جدك كلمه على الرقم اللي بعته. ودلوقتي فيه قوة مجهزة ورايحين نقبض عليه ومعايا الدكتور يونس." نهضا بجسد بلا روح قائلاً: "ابعت اللوكيشن وأنا في الطريق." قالها وخرج. وجدها تنام بأحضان أسما التي تضمها. اقترب منهما. "خلي بالك منها. ولو فيه حاجة عرفيني. أنا مش هاجيلها تاني، خليها ترتاح." تنهيدات متألمة وهو يناظرها بعينيه الحزينتين، مكملاً.

"أسما، ليلى وأمير أمانة عندك. عمري ما فكرت أذيها، أنا حاولت وفشلت." قالها وتحرك للخارج، ولكنه توقف عندما استمع إلى أسما. "انتوا فعلاً اتطلقتوا؟ قصدي يعني انت طلقتها فعلاً ولا إيه؟ ماهو مش معقول تطلقها وتاني يوم تيجي و... " صمتت ولم تكمل حديثها. ابتسم من بين أحزانه وأجابها:

"اتطلقنا.. آسف." قالها وتحرك سريعاً من أمامها. وصل بعد قليل للمكان الذي أرسله جاسر. وجد الشرطة تطوق المكان وجاسر يتسلل بأحد الجوانب بجواره بعض الضباط وهو يشير إليه بالصمود. بعد قليل، تحفظت الشرطة على بعض الخارجين عن القانون. علموا بالغرفة التي توجد بها سيلين، ولكن علم أمجد، فاخترقها وجذبها، يضع سلاحه فوق رأسها. تجمد جاسر بمكانه عندما استمع إلى كلمات أمجد.

"هتقرب، هقتلها. أنا كدا كدا ميت. مش باقي على حاجة. إنما الحلوة لسة صغيرة وجميلة." وصل راكان ويونس عندما تأخر جاسر بالخروج. عم الصمت والجمود المكان. ابتسم أمجد عندما رأى راكان. "آآآآووه، ابن البنداري شرف. لا دا مش واحد، دا الاتنين." حرك السلاح على وجه سيلين، يبتسم بسخرية. "مش قولتلك إنك غالية يا جميلة؟ قولتي محدش هيزعل عليا. بس عايز أعرف يونس باشا بعد العك جايلك ليه؟ "أيكونش عايز يكمل الليلة؟ ولا البت سارة مملتش عينه؟

أصلها مش حلوة الصراحة." زأر يونس واقترب منه وهو يسبه، محاولاً الإمساك به. جذب أمجد سيلين من خصلاتها. "هتقرب هموتها." "يونس! " صرخ بها راكان الذي يقف وعيناه على وجه أخته. لقد اشتاق إليها. اليوم علم كيف تكن له تلك الجميلة. "عايز إيه يا أمجد؟ وبعدين من إمتى هتكون راجل وتحارب راجل لراجل؟ "ليه دايماً بتسترجل على الستات؟ مط أمجد شفتيه للأمام وهو يجذب سيلين للخلف، ويهمس بجوار أذنها، لامساً بشفتيه وجنتيها. "شوفتي جبتهم إزاي؟

ولسة توفيق باشا اللي معرفش إيه اللي حصل خلاها مستعدة تخسر كل ما تملكه عشان ترجعي." جن جنون يونس من اقترابه منها بتلك الطريقة. واقترب كالمجنون يحاول خنقه. ولكن جاسر سيطر عليه ودفعه لأحد العساكر. "امسكه يابني ولا كلبشه. هي ناقصة جنان." ثم اتجه إلى أمجد. "سيب البنت يا أمجد، كدا كدا الشرطة محاصرة المكان، مش هتعرف تهرب." تحرك بها عدة خطوات وهو يرفع حاجبه بسخرية. "مين قال كدا؟

يا نعيش سوا يا نموت سوا. مش كدا يا سيلي يا حبيبتي؟ أصلكم متعرفوش أنا وسيلين قربنا من بعض قد إيه. حتى البنت طلعت حلوة قوي." شهقت، واضعة كفيها فوق فمها، متراجعة بسبب جذبه لها للخلف بحدقتين متسعتين، تبكي بجسد مرتجف، تستجدي أخيها بنظراتها. كان يقف كالجماد العاجز الذي شل جسده من الحركة والتفكير. من نظراتها الخائفة. تمنى لو يضمها لأحضانه ليزيل خوفها، فهمس وعيناه تحاوط عيناها. "سيبه يمشي يا جاسر. بس يسيب سيلين."

أطلق أمجد ضحكة صاخبة. "لا جدع يا راكان. لا يا حبيبي، لما أفرح فيك شوية وأنا شايفك مذلول. لا ولسة كمان لما أجيب حبيبتي هنا. استنى عشان أستمتع بضعفك وعجزك وأنت شايف ليلى وسيلين في حضني." أنهى كلماته بحزم وقوة وهو يمسك هاتفه وقام بالاتصال عليها، ولكن هاتفها غير موجود بالخدمة. كلماته نزلت على جسده تفتت عظامه وتفرم لحمه. فاقترب يشير بيديه له.

"وعد مني هخليك عايش يا أمجد، بس ابعد عن سيلين. سيبها يا أمجد." تسلل جاسر في حين بدأ راكان يحادثه حتى يلهيه، عندما وجد حركات جاسر من خلفه. وما هي إلا ثوانٍ حتى اتجه بنظراته للخلف. حاول إطلاق الرصاص، ولكن ركله جاسر حتى سقط السلاح. تلقف راكان سيلين بين ذراعيه، يضمها بقوة، يدفنها بأحضانه. "حبيبة قلبي، عمل فيكي حاجة؟ هزت رأسها ودموعها تنسدل على وجنتيها، قائلة بصوت مهزوز:

"راكان خدني من هنا. عايزة أروح عند ماما. زمانها هتموت من الخوف عليا." هز رأسه وضمها، متحركاً اتجاه يونس الذي أسرع يجذبها لأحضانه، يستنشق رائحتها. "حبيبتي، انتِ كويسة؟ " لم تتحرك ولم تتأثر بكلماته. شعر راكان بها، فأشار بعينيه إلى يونس. وأخذها بأحضانه، متحركاً للخارج. أما جاسر الذي قبض على أمجد وجذبه للخارج. ولكن في غضون لحظات، جذب سلاح العسكري عن غفلة منه، وصاح بصوته الجهوري.

"راكان، حياتك بقت خطر." وأطلق طلقته التي استقرت ببطن أحدهما عندما اختل توازنه بسبب دفع جاسر له وسقوطه على الأرضية. *** بعد شهر بشركة البنداري، دلفت السكرتيرة الخاصة بها. "باشمهندسة، دا الفاينل النهائي للتصميم. بعته الباشمهندسة إسراء." أشارت إليها بإرهاق وهي ترجع بجسدها للخلف. "حطيه عندك وابعتيلي قهوتي. وابعتي المهندس حازم للاجتماع مكاني." تحركت السكرتيرة تضع الملف أمامها قائلة:

"الدكتور نوح بيقول لازم حضرتك تحضري الاجتماع عشان دا الاجتماع السنوي وكل المساهمين هيكونوا موجودين." اهتز جسدها من فكرة تواجدها معه اليوم بعد تلك المدة. سحبت نفساً تعبأ صدرها المجروح وأخرجته على مهل، فأشارت لها. "تمام، هجهز وأخرج بعد شوية."

بعد فترة من الزمن، وخاصة بغرفة الاجتماعات الخاصة بمجموعة المساهمين بشركة البنداري، جلس الجميع بانتظارها. وكان على رأس الطاولة ذاك الشخص الذي تحول كليًا. فأصبحت ملامحه حادة وابتسامته قليلة، حتى إنها أصبحت جافة، ومن يراه يجزم أنه لم يبتسم أبدًا. الصمت الدائم مع صلابة عظامه وفتول ذراعيه، ورغم فقدانه القليل من وزنه، إلا أنه يمتلك عضلات بارزة. خلع جاكيته وجلس أمام الجميع. "طبعًا كلنا عارفين سبب الاجتماع."

قاطع حديثه عندما دلف نوح وهو يطوّق ذراع ليلى، ملقيًا السلام. وقف حمزة وهو يطلق ضحكة استفزازية. "اتأخرت ليه يا جورج بوش؟ نقرت نورسين على سطح المكتب وهي ترمق ليلى بنظرات استخفافية، قائلة بصوت خفيض اخترق أذن الذي تجلس بجواره: "البت دي مبضيعش فرص أبدًا. سليم وراكان، ودلوقتي نوح. ده شوية هنلاقيها مسيطرة على الشركة كلها." تحركت ليلى بكعبها وكأنه يتحرك على عظامه، يفتته من ابتسامتها الجميلة، وهي تتحدث مع حمزة.

"آسفة يا حضرة الأفوكاتو، أنا اللي أخرت نوح." تحركت إلى أن جلست بجوار يونس الصامت، ملقية السلام عليه. "إزي حضرتك يا دكتور يونس؟ أومأ برأسه برسمية وأجابها: "كويس." ثم اتجه بنظره إلى راكان. "الكل وصل، يلا كمل. عندي عملية بعد ساعتين، يدوب أجهز."

كانت ملامحه ثابتة جامدة، على عكس دواخله التي اضطربت من اقترابها ورائحتها التي وصلت لرئتيه. سحب نفسًا بهدوء، متلاشيًا وجودها وسيطر على قوة مشاعره، قائلًا بصوت جعله متزنًا ثابتًا كأنه لم يتأثر بشيء. "طبعًا الباشمهندسة نورسين اشترت أرض وعايزة تعمل عليها مشروع كويس. فهي حابة تتكلم عنه. لكن قبل ما تتكلموا عن المشروعات الخاصة المتعلقة السنادي بالشركة، بس اسمحيلي الأول يا نور عايز أقول حاجة." وزع نظراته بينهم.

"أنا عن نفسي، ده هيكون آخر اجتماع ليا في المجموعة. يونس هيتولى كل حاجة مع حمزة. أنا جيت أعمل تنازل وأؤكد قدام الكل، كل اللي هم هيعملوه اعتبروا أنا موافق عليه. ومن الشهر الجاي عمو خالد وجلال هيرجعوا مناصبهم تاني." قالها ونصب عوده واقفًا. "ودلوقتي أنا هنسحب من الاجتماع. ومدام ليلى هي اللي هتتولى منصبي بما إن ليها النصيب الأكبر بعدي."

قالها وهو يتوجه بنظراته إليها. احتضنت العيون بعضها للحظات، وكأن الأرض تبدلت غير الأرض والزمان غير الزمان، والقلوب تئن وتصرخ. تسلطت عيناه على ملامح وجهها الذي تغير لبعض الشحوب. لا يعلم كيف أتى بهذا الهدوء، متناسيا الميعاد الذي جمعهم والأحضان التي ملئت صدورهم بدفء مشاعرهم. كيف تحول كل هذا وأصبح رمادًا حركته الرياح وهجر المكان. تجمدت من حديثه، فهمست له: "ده مكانك ومينفعش أخده."

تقابلت نظراتهما مرة أخرى بحديث العيون، مردفًا: "ماليش مكان هنا. النفس بيضايق البعض، مش كده يا نوح؟ قالها مصوبًا نظراته الحزينة إلى نوح، الذي كور قبضته بغضب حتى ضغط حمزة عليه. ثم اتجه بأنظاره للجميع. "مدام ليلى رئيسة مجموعة البنداري." اتجه إليها يشير بيديه على الكرسي. طالعته بنظراتها المتألمة، فالقلوب تحترق بهدوء قاتل أمام الجميع، والألسن عاجزة عن ما يحدث أمامهما. "كده كله تمام." ثم جمع أشياءه متحركًا دون حديث آخر.

صدمة أصابت البعض، وأولهما نوح الذي يجلس بعيدًا عنه وكأنه لا يعرفه. وليلى التي نزلت كلماته عليها كضربة زلزلت كيانها الهش فوق عذابها. تقابلت نظراتها بنوح الذي أومأ بعينيه إليها، فتحركت لمقعده تجلس عليه، وجسدها ينتفض كحال قلبها، تود لو تترك كل شيء وتهرول خلفه. ولكن كيف بعد الذي صار بينهما بتلك الفترة الأخيرة. لحظات قليلة وبدأت سيطرتها على نفسها في الاجتماع، متخطية الحواجز.

أنهت الاجتماع بعد فترة ليست بالقليلة، واتجهت بخطواتها المتعثرة تختلي بنفسها بغرفة مكتبها، ثم جمعت أشياءها متحركة للخارج سريعًا. وصلت منزلها بعد قليل، دلفت للداخل، ولكن جحظت عيناها من ذاك الشخص الذي يجلس ينتظرها بالداخل. هب من مكانه يضع كفه على فمها. "لو سمعت صوتك، شوفي كدا واتملي بعينك كويس، هقتله."

نظرت لشاشة هاتفه وسلاح أحدهما متوجها نحوه، نحو معذب روحها وقلبها. همست باسمه، واتجهت ليده الأخرى المربية وطفلها الذي يعلو بكاؤه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...