خرجت ليلى من غرفة الاجتماعات وقلبها ينتفض بشدة، تكاد تأخذ أنفاسها بصعوبة. هي لم تحتاج سوى الاختلاء بنفسها. دَلَفَت سريعا إلى مكتبها وهي تضع يديها على صدرها تحاول أن تلتقط أنفاسها التي شعرت بإنسحابها. انسدلت دمعة بجانب جفنها، أزالتها وهي تضغط على هاتفها بقوة حتى لا تفقد سيطرتها وتقوم بالاتصال به. ارتفع صوت شهقاتها حتى وضعت كفيها على فمها، ظلت لفترة ثم اتجهت إلى سيارتها. قبل شهر. فلاش باك.
جاء الصباح، استيقظت على ألم يفتك بها. فتحت عيناها تنظر حولها متذكرة أحداث الأمس. وجدت أسما تجلس بجوارها تقرأ بمصحفها. اتجهت أسما لها بعدما استمعت لتأوهاتها، ابتسمت تمسد على خصلاتها. "صباح الخير حبيبتي، نمتي كويس؟ "الفجر أذن ولا إيه؟ أجابتها أسما بابتسامتها الجميلة. "صبح، صبح ياعم الحج. الساعة خمسة ونص حبيبتي الفجر أذن من ساعة."
اعتدلت تتثاءب وهي تضع كفيها على فمها، ثم توقفت فجأة. بللت حلقها وابتلعت ريقها بصعوبة تتسائل عنه. "راكان، راكان فين؟ وضعت أسما وجنتيها على راحتيها تتأملها بصمت وبؤس مزق روحها. رفعت ليلى رأسها متسائلة. "فيه إيه يا أسما بتبصي كدا ليه؟ أنا بسأل عن راكان." وبعدين إزاي متصحنيش للفجر؟ كدا تضيعي صلاة الفجر. قاطعتها أسما.
"راكان مشي امبارح بعد ماحضرتك قلبتي التربيزة عليه، ومش بس كدا وعدني انه مش هيقرب منك وقالي خلي بالك منها." تحركت عندما شعرت بأن قلبها هوى بين قدميها. أغلقت باب المرحاض خلفها واستندت تبكي وهي تهمس لنفسها. "ارتحتي كدا؟ ودا هعرف أعيش من غير ماأشوفه إزاي ولا أشم ريحته؟ ابتلعت غصة مريرة ملئت جوفها بطعم الصدأ. "لازم أفوّق ياليلى، متخليش قلبك يجرك." وضعت كفيها على قلبها. "يارب ريحني من الوجع دا."
اتجهت لتقوم بالوضوء متجهة للحي القيوم. بعد قليل أنهت صلاتها وجلست تذكر ربها وتقرأ وردها إلى أن أشرقت الشمس وقامت بصلاة الضحى. انتهت ليلى من صلاتها، وجلست بأجندتها كعادتها تتدون بعض الأشياء التي تشعر بها. ثم دونت بعض السطور متنهدة وكأن صورته على صفحات دفترها. "ولا زال الخريف يأخذنا معه في رحلته بين الفصول.. يتعمد أن يبعثر مشاعرنا.. ليخبرنا أن لا شيئ يدوم.. وأن الأحوال تتغير.. وأنه يخبئ في نهاياته أمطارا غزيرة..
يسكبها على قلوبنا الظمأى.. ليتنا مثل الخريف ننفض أوراق مشاعرنا الجافة.. لننتظر أن تعود خضراء في ربيع ننتظره بكل شغف... مرت الساعات تلو الأخرى إلى أن أشرقت الشمس وملأ شعاعها بنور ربها بقطرات فصل الخريف الندية. توقفت تعقد ذراعيها تحتضن نفسها تنظر لتلك المناظر الجميلة مبتسمة وكأن حبيبها يعلم بما تشعر به من حضورها بين تلك الأشجار. ابتسمت وهي تضع كفيها على أحشائها.
"أتمنى ما أشعر به أن يكون حقيقيا وليس حلما، فيارب تجعل لي نطفة في أحشائي لكي أتذوق حنانه الذي حرمت منه." دَلَفَت أسما وجلست بمقابلتها تتفحصها بنظراتها. "سمعاكي ياليلى، قولي إيه اللي وصلكم لطلاق والحب الكبير دا بينكم." رفعت بصرها إليها تكاد تسمع دقات قلبها من فرط اضطرابها. نظرت للخارج وقامت بقص كل شيئا لها ابتداء من خطف والدها إلى أن أتى بها لذاك المنزل. فغرت شفتيها بعدم تصديق ثم نهضت واقتربت منها تتحدث بعصبية.
"إيه الناس دي؟ وازاي ترمي ودانك للي اسمها عايدة وتوفيق؟ وبعدين تعالي هنا طنط زينب حذرتك ليه مسمعتيش منها؟ وضعت كفيها على وجهها واجهشت بالبكاء. "عارفة أني غلطت، بس ميكنش نتيجة غلطي أنه يرميني بالطريقة دي." ساد صمت مختنق بحزن بينهما فربتت أسما على ظهرها متحدثة. "ليلى راكان معذور، أي حد مكانه كان هيطلقك من وقتها، ماهو اللي اتعمل مش سهل عليه." اتجهت بأنظارها وتحدثت بصوتها المفعم بالبكاء.
"ولا سهل عليا يا أسما، أنا شوفتُه بعيوني والحقيرة دي بتقرب منه، تستحملي تشوفي جوزك واحدة تتحسس جسمه يا أسما وتقفل في وشك؟ تتحملي تكون في حضن جوزك طول الليل وهو بيبنيلك قصر في الجنة وفجأة تلاقي القصر دا جدرانه عبارة نار تحرق قلبك." ابتسمت أسما بسخرية تنظر للخارج. "لا عيشت أكتر من كدا ياليلى، شوفت جوزي وهو بعلاقة كاملة، أنا اتجردت من ملابسي كلها وتصورت مع راجل، عايزة أكتر من كدا إيه؟
تنهدت بألم شديد وكأنها تحارب نصل سكين حاد مغروس في صدرها ثم أردفت بخفوت. "عارفة حسيت بإيه؟ حسيت وكأني في قبر وعايزة أصرخ بس صوتي مش طالع لحد." اتجهت بجسدها تطالعها بنظرات حزينة.
"أنا عيشت جوا الوجع ياليلى، ونوح واقف متكتف، بس إنت جوزك بيحارب وبيتحارب من الكل، راكان بيعشقك ودا مش كلام، دا حقيقة، متخليش شيطانك يلعب بيكي، وحاولي تحافظي على جوزك، وزي ماقولتي هو مكنش قصده أنه يقرب منك ولا يدبحك ياليلى، بس قلوبكم اتحكمت فيكم، وراكان مش الشخص الضعيف اللي يسمح لقلبه يضعفه كدا." رفعت كفيها تمسد على خصلاتها بعدما استمعت لتأوهاتها ونحيبها.
"أنا ضايعة يا أسما مبقتش عارفة دا حب ولا لعنة، بيحبني ولا بيلعب بمشاعري لما اتأكد أني بحبه أوي كدا." اقتربت أسما تجلس على عقبيها أمامها وامسكت كفيها. "والله بيحبك وكتير كمان، أنا أكتر واحدة عارفة ومتأكدة من كلامي، أنا عشت معاه وجعه، مش هقولك بلاش انت بتحسي بأيه لما بتقربوا من بعض، بس هثبتلك دا لحظة وراجعة."
أطبقت على جفنيها وعبراتها كزخات المطر تغسل وجنتيها إلى أن أتت أسما إليها وقامت بالرنين عليه ثانية، مجرد ثانية من رنين الهاتف. رفعه سريعاً. "أيوة ياباشمهندسة ليلى حصلها حاجة؟ نظرت بعمق لداخل عينيها وأجابته. "لا.. ليلى كويسة، آسفة اتصلت بدري بس كنت بستأذنك هاخد ليلى عندي البيت تغير جو شوية." مسح على جبينه وهو جالس أمام غرفة العمليات.
"أسما ليلى مش هتطلع من بيتها دا إلا بعد موتي وعشان منتعبش مع بعض وتقولي شعارات، أنا أه دكتاتوري ياستي ومتحكم ودا آخر كلام، واسف مضطر أقفل، خلي بالك منها." أغلقت الهاتف وهي تطالعها. "إيه رأيك دا واحد بيتلاعب بالمشاعر؟ بلاش دا." قاطعتها ليلى قائلة. "صوته باين عليه الحزن والإرهاق ياترى وصلوا لسليم؟ كنت عايزة تسأليه." ربتت على كتفها متحدثة.
"دا مش تسأليه حبيبتي، دا تروحي وتقابليه وتقفي جنبه، بلاش تقولي الكرامة وشغل الهبل دا، إنت اللي غلطتي من الأول، ولو باقية عليه لازم تتنازلي شوية.. فيه حاجة كمان عايزاكي تشوفيها، بس أشوف مين بيخبط." نهضت متجهة إلى طفلها بعدما استمعت إلى بكائه مع مربيته. "صباح الخير ياميرو." رفع ذراعيه وهو يبكي. "بابا.. بابا." هنا تجمد جسدها للحظات وهو يجذب ثيابها مردفاً بين بكائه "بابا". اتجهت بنظرها إلى مربيته. "هو بيعيط من زمان."
حملته بين ذراعيها محاولة تهدئته. "مالك ياحبيبي." ارتفع بكائه أكثر بصوته ينادي أبيه. وصلت أسما إليها. "ليلى طنط زينب تحت، بتقول جاية تشوف أمير وحشها، بس شكلها حزينة أوي." اتجهت وهي تحمل طفلها متجهة إلى زينب. "ماما زينب صباح الخير!! ليه تعبتي نفسك؟ كنت عرفيني وأنا أجيبه لحضرتك. تلقت الطفل وجلست والحزن يتعمق على وجهها. -يعني أهمك يا ليلى؟ لو أنا مهمة عندك، مكنتيش مشيتي وسبتيني في الظروف دي؟ وأنا هموت على سيلين.
ربتت ليلى على ظهرها. -والله يا ماما، راكان محذرني من الخروج. وحضرتك عارفة هو مضغوط بسبب موضوع سيلين، محبتش أضغط عليه بأمير كمان. هزت رأسها وهي تتساءل: هو بيعيط ليه كدا؟ اهتزت شفتيها وللحظة شعرت بأن لسانها غير قادر على إجابتها. ثم رفعت نظرها لأسما وأجابتها: -بيسأل على راكان، عايزه. قالتها وهي تهرب بنظراتها منها.
ضمته زينب بكل شوق زرع في قلوب الأمهات المكلومين على فلذات أكبادهم، ودمغته بقبلة مطولة وانزلقت عبراتها وهي تتلمس خصلاته. -يا حبيبي يا ابني، اتحرمت من أبوّاتك الاتنين، واحد مدفون تحت التراب والتاني عايش فوقه زي اللي تحته بالظبط. قالتها وهي تطالع ليلى بأنظارها الحزينة. قاطعهما دخول نوح. -صباح الخير، عاملة إيه يا ماما زينب؟ -صباح الخير يا حبيبي، إيه خير جاي ليه على الصبح كدا؟
وقف صامتا للحظات ينظر إلى ليلى، يشعر بأنياب حادة تنهش قلبه، فتحدث بهدوء: -روحت القصر، فنعيمة قالت راحت تشوف أمير. عرفت إنك هنا. هبت ليلى فزعة من مكانها ودقاتها بالارتفاع وشعور جسدها بالدوران وكأنها ستفقد وعيها، متسائلة بلسان ثقيل: -راكان حصله حاجة ولا إيه؟ بس إزاي؟ برقت زينب عيناها متجهة بنظرها سريعًا إليه. أردفت بتقطع عندما وجدت صمته وشحوب ملامحه: -ابـ... ـني... را... كان.
اقتربت ليلى وجسدها ينتفض بقوة وروحها كادت أن تفارقها حينما رسم عقلها سيناريو مفزع ومؤلم لقلبها، فامسكت نوح الصامت. -جوزي فين يا نوح؟ ابتلع ريقه وهو ينظر إلى زينب. -راكان كويس، بس سيلين اتصابت بطلق ناري وهي في المستشفى. ضربت زينب على صدرها وهي تصرخ: -بنتي، يا حبيبتي يا بنتي. أنزلت أمير من أحضانها وبدأت تبكي ممسكة بيد نوح. -قولي إنها عايشة يا نوح، قولي إنك مش مخبي عني حاجة. وديني لبنتي يا نوح.
استنى يا نوح، هلبس وأجي معاكم بسرعة. صرخت زينب التي وصلت لباب المنزل. نوح أشار لأسما التي تقف متجمدة تبتعد بنظراتها عنها، فأردف: -أنا لازم أمشي، وأنت تعالي مع أسما. قالها وتحرك للخارج. أسرعت لغرفتها وقلبها ينفطر. -ياترى راكان عامل إيه دلوقتي؟ اقتربت أسما وتوقفت أمامها.
-قبل ما تقابلي راكان، ولو مقتنعتيش بكلامي، شوفي الفيديوهات دي. طبعًا أنتِ عارفة نوح حاطت كاميرات في المزرعة، ومكنش قصدي أشوفهم، بس شوفتهم صدفة وافتكرت حاجة حبيت أبرئ نفسي منها، يمكن تثقي في جوزك شوية. أنا هروح ألبس. جلست ليلى على مخدعها تنظر لذاك الفيديو الذي ظهر به راكان وهو يوم زفافها على سليم. "أوه، حضرة المستشار قاعد بيشرب هنا، وحبيبته في حضن أخوه. اقترب نوح يطالعه. ياترى عارف أخوك بيعمل إيه في حبيبتك؟
هجم عليه راكان وبدأ يلكمه بكل قوة ويركله حتى اقترب حمزة للفكاك بينهما. انسدلت عبراتها وهي تتحسس وجهه والألم يعصف به. فيديو آخر. -عايز تعرف إيه يا نوح؟ -آه، بحبها، ومش بحبها بس بعشقها. تقولي إنّي واطي إن خنتك وخبيت عليك، قول. عايز تعرف إن بقالي سنة وأنا بقفل في وشها كل الشركات علشان توصل لعندي، علشان بس أشبع من النظر فيها. اقترب نوح قائلاً: -ليلى مش زي البنات اللي تعرفها، ما تخليّنيش أزعل منك. -ومين قالك إن ليلى كدا؟
أنا بحبها يا نوح، وناوي أخطبها، لأ مش هخطبها، هنتجوز. بس لازم أتأكد من مشاعرها الأول، مش عايز وجع لقلبي تاني. المرة دي صدقني، هتكون بموتي. اهتز جسدها بالكامل وهي ترى فيديوهات كثيرة له عن حبه لها. شعرت بنبضها يحترق ألمًا، ونيران بداخل صدرها تمنت لو أنه أمامها الآن حقًا. مظهرها أصبح مبعثرًا ونظراتها ضائعة وشفتيها ترتجف هامسة باسمه: "راكان... آسفة حبيبي."
بعد فترة قليلة وصلوا إلى المشفى. كانت تبحث عنه بقلبها قبل عينيها. قابلهم حمزة على باب المشفى. -هي كويسة، مفيش قلق، الحمد لله، الرصاصة مش في مكان خطر. هزت ليلى رأسها تتساءل عنه. -فين راكان يا حمزة؟ قالتها وقلبها ينتفض اشتياقًا لضمه. أشار بسبابته. -قاعد جنب ماما زينب هناك أهو. أسرعت بخطى متعثرة وعينيها لم تفارق وجوده الطاغي لقلبها. وصلت وهي تستمع لصوت زينب، ولكنها كالصم البكم وهي تراه بتلك الهيئة. نظرت إلى زينب.
-الحمد لله يا ابني، الحمد لله، يا رب إني استودعتك ابنتي. ظلت ترددها وهي تجلس بقلب أم انتزع قلبها على فلذة كبدها إلى أن وصل إليها يونس الذي كان يقف أمام غرفة العمليات. -إن شاء الله هتقوم بخير، مستحيل ربنا ياذيني فيها، لا مستحيل. ظل يرددها وهو يذهب إيابًا وذهابًا أمامهم. ...
أما راكان الذي جلس بكتفين متهدلين وقلب يأن وجعًا وكأنه فقد أخاه اليوم. وقفت تتأمل شحوب وجهه بأعين دامعة ولم تشعر بنفسها وهي تتحرك باتجاهه، تجلس على عقبيها أمامه تحتضن كفيه التي بها آثار الدماء. "راكان." أردفت بها بصوتها الهامس. رفع عينيه. لامست وجنتيه وملامحه المتوجعة التي ظهرت على وجهه جعلتها تأن ألمًا. انزل كفيها بهدوء وانكمشت ملامحه مع نظرات متهكمة مردفًا: -ياترى جاية تشمتي فيا، ولا كنتِ مستنية أموت وتفرحي؟
قالها بنبرة قوية يشوبها قسوة رغم ما يشعر به من حزن وألم على أخته. نهضت ليلى وهي تتجه بحديثها إلى نوح. -مش مستنية منك دا يانوح والله. أنا مش هسيبه الوقت دا ولا غيره مهما يعمل. نهض يقف بمحاذاتها. -ليه راكان طلقك ياليلى رغم الحب اللي بينكم؟ ظلت للحظات صامتة ولم تجيبه، ثم تنهدت قائلة. -عقاب لينا احنا الاتنين. أنا غلطت كتير وهو غلط أكتر فبنعاقب بعض دا اللي أقدر أقوله.
قالتها وتحركت خلفه بعدما وجدته يدلف للمرحاض بعد خروج الطبيب من غرفة العمليات وحديثه الذي هدأ من روعهم. دلفت للداخل وهي تراه يضع رأسه تحت صنبور المياه وكأنه يريد برودة جسده. اتجهت تقف خلفه. شعر بها نظر للمرآة وجدها تقف بعينين ضائعتين طمس بريقها من الحزن. كور قبضته عندما شعر بعدم سيطرته على نفسه حينما فقد قدرته على التحكم ود لو يلقي نفسه بأحضانها. -را... كان... قالتها بتقطع ونبرة يشوبها التوسل. استدار إليها سريعا.
-عايزة إيه جاية للحقير ليه. أشار على نفسه واردف بصوت متألم حزين. -أنا واحد حقير بجري ورا غريزتي. مش دا كلامك يامدام. اقترب منها وعيناه ترمقها بنظرات نارية وهي تتراجع للخلف مردفاً. -نزعتك من حياة الحقير المقرف دا عشان متربطيش نفسك بواحد قذر بيجري ورا غريزته. واحد كل همه السرير يامدام. دنى يهمس بجوار أذنها. -رميتك برة حياتي عشان تفضلي ليلى النضيفة بعيد عن راكان القذر. أشار بكفيه للخارج.
-القذر اللي بتقولي عليه لولا سيلين كان زمانكوا دافنينه تحت التراب لولا سيلين. موتيها لما تفوق. قولي ليها ليه أنقذتي الحقير دا. هزت رأسها ودموعها تسيح بغزارة على وجهها من اتهاماته التي أصبحت كالسهام تخترق صدرها. فلم تتحمل ذاك واقتربت تلقي نفسها بأحضانه وتجهش بالبكاء بشهقات مرتفعة. -بعد الشر عليك. يارب أنا ولا إنت.. متقولش كدا لو سمحت.
رجفة قوية اجتاحت جسده حتى تجمد من فعلتها وحديثها الذي بعث قشعريرة قوية سرت بعموده الفقري إلى سائر جسده بعدما استمع إلى صوتها الحزين وهي تعتصر نفسها بأحضانه. -راكان مقدرش أعيش من غيرك. إنت حبيب قلبي وحياتي كلها. سحب نفسا قويا حتى يسيطر على نفسه من قوة المشاعر التي اجتاحت جسده. ظل للحظات متجمداً لا يبادلها أحضانها رغم تمنيه إذابة عظامها وفرم لحمها بين ذراعيه. ولكن كفى لما صار بينهما.
حرب دامية اجتاحت قلبه حتى شعر به كأنه فوهة بركانية فتراجع للخلف حتى تبتعد عن أحضانه. -حرام يامدام اللي بتعمليه إيه نسيتي إنك طلقتي زيك زي اللي قبلك. وأنا اللي بطلقها برميها ورايا ومبصش عليها تاني. نزلت كلماته على قلبها كالطلقات النارية التي اخترقت قلبها دون رحمة رغم كلماته التي مزقتها إلى أشلاء إلا أنها حاوطت عنقه وتعمقت بعينيه التي يهرب بها.
-لا ما حبيبي هيرجعني تاني لعصمته. دا لو مرجعنيش مش كدا ولا إيه. مش إنت رجعتني ياراكان. أنزل ذراعيها وتهكم مبتسماً بسخرية. -شكل الباشمهندسة مسمعتش كويس أنا اللي بطلقها أو بمعنى أصح برميها برة حياتي مش برجعلها تاني. واه مش مشكلتي أن أحلامك كبيرة. أصابها بخنجر غرزه دون رحمة في جدار كبريائها. ابتلعت إهانته وشعورها بإنسحاب أنفاسها وشحوب وجهها بالكامل. تراجعت للخلف مستديرة المغادرة ولكنه أوقفها.
-مدام ليلى شكراً لاهتمام حضرتك مالوش داعي وجودك في المستشفى ممكن تمشي تروحي لابنك ماينفعش تسبيه لوحده. أجابته بصوتها المكتوم بالبكاء وهي تواليه ظهرها. -هطمن على سيلين وأمشي. آسفة لو هضايق حضرتك لكن متخافش هقعد بعيد عن حضرتك.
قالتها وتحركت سريعاً ودموعها تفترش خطواتها المبعثرة حتى وصلت إلى غرفة. فتحتها ودلفت سريعاً تقف خلف الباب. تنزل بجسدها وصوت بكائها يرتفع مما جعلها تضع كفيها تمنع شهقاتها. جلست لفترة تعيد سيطرتها على نفسها ثم خرجت متجهة للمرحاض تغسل وجهها وتزيل دموعها العالقة بعينيها. تنهدت تجمع شتاتها المبعثرة. متيأسيش ياليلى كنت عارفة انه هيكون دا رده. فترة وقفت تسترد نفسها ثم خرجت محاولة السيطرة على حزنها. قابلتها درة بجوار حمزة.
ضمتها لأحضانها. -وحشتيني أوي حبيبتي عاملة إيه! أجابتها ليلى برسم ابتسامة على شفتيها. -الحمد لله. بابا وماما عاملين إيه. بفكر أجي أقعد يومين قبل ما أنزل الشغل. قالتها وهي متجهة لجلوس الجميع. استمعت لصرخات يونس وهو يقوم بتوبيخ والده. -مش عايزهم هنا. حقي واللي مش عاجبه يخبط دماغه. اقترب حمزة منه يدفعه بعيداً عن والده وعايدة وفريال. -يونس اهدى. دا لا وقت ولا مكان للي بتعمله. اتجه بنظره لحمزة جاحظاً عيناه يشير عليهم.
-دول يقتلوا القتيل ويمشوا في جنازته. معرفش هما عاملين إيه. بس اللي متأكد منه إنهم خربوا حياتي كلها ياحمزة. دمروني ودمروا البنت اللي بحبها. ربت حمزة على ظهره. -بعدين ياحمزة. نتكلم بعدين مش دا وقته. إحنا عايزين نطمن على سيلين أهم حاجة. اتجهت ليلى تجلس بعيداً عن زينب التي يضمها راكان لأحضانها مطبقاً على جفنيه. ورغم ما فعله وقال إلا أن حالته أدمت قلبها. نهضت زينب تنظر إليه.
-ممكن تدخلني أطمن على اختك. مش قادرة يابني عايزة أشوفها. توقف وهو يضمها من أكتافها متجهاً لغرفة العناية. دلفت زينب بجسد مرتعش وكأن الذي أمامها ابنها الفقيد. -ياحبيبي يابني. ياحبيبي. انزلقت عبراتها المتلألئة على وجنتيها تزيلها بكفيها وهي تقترب من فراش ابنتها تهمس باسم سليم. كتم صرخاته وهو يكور كفيه بعدما استمع لهمسها الذي أدمى قلبه. فاتجه إليها يمسك كفيها ويحتويها.
-ماما حبيبتي دي سيلين مش سليم عشان خاطري بلاش توجعي قلبي أكتر ماهو موجوع. هزت رأسها رافضة مانطقه. -اطلع برة ياراكان سبني مع ابني شوية. تجمد جسده وشعر بإنسحاب أنفاسه. فانعقد لسانه وتوقف الكلام بحلقه. دفعته للخارج وهي تصرخ. -أمشي ولادي بيموتوا بسببك أمشي من وشي مش مسمحاك على عملته حتى ما استكترت فيا حفيدي. أمشي ياحضرة المستشار روح شوف ابن أخوك صاحي من النوم ومفيش على لسانه غير بابا. هزت رأسها ارتفعت شهقاتها.
-ربنا يسامحك يابني على عملته فينا. آه خفيضة خرجت من أعماقه لتحرر مدى آلامه المحفورة بقلبه. ثم استدار متجهاً للخارج بخطواته الذي يجزم من يراه أنه يتحرك على بلور يشحذ قدميه دون رحمة. وصل حيث جلوسها يجذبها بعنف من ذراعيها وسط الحضور. -تعالي معايا. تحركت معه دون مقاومة حتى وصل إلى غرفة ودفعها بقوة داخلها ثم حجزها بين ذراعيه يحرقها بنظراته. -إنتِ قايلة لماما إيه. إيه موضوع أمير وإنه عايزني دي. بترسمي على إيه قولي.
بأعين زائغة غير مستوعبة حديثه. ارتجفت شفتيها وتسائلت. -تقصد إيه من كلامك دا؟ طحن ضروسه ضاغطا على كل كلمة تخرج من فمه بقسوة قائلا: -أنا مش هرجعك تاني لحياتي يا ليلى. وبلاش تضغطي على ماما بأمير. أنتِ قتلتيني مرة مش مسموحلك تقتليني تاني. أنا تعبت من سلبيتك في حبي ليكي، كل شوية شك تعبت. أنا حياتي متعرفيش عنها حاجة عشان تحكمي عليا. رغم اللي عملتيه وجوازك من سليم جيتلك وفتحتلك قلبي. أنتِ عملتي إيه؟
ولا حاجة. روحتي ودستي على قلبي ورجولتي بكل جبروت، واتفقتي مع ناس يدمروني. لولا تدخلت في الوقت المناسب كنت زماني بقيت أضحوكة. ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، تحاول الحديث لكنها فقدت النطق من شرارة نظراته وكلماته النارية. ضغطت على نفسها ورفعت كفيها تحتضن ذراعيه. -مش أنا اللي رفعت القضية. وحياة ربنا ما أنا. أنا اتجبرت على الإمضا دي. دفعها بقوة وابتعد عنها.
-مش مهم، المهم النتيجة واحدة. اتكسرت وخلاص. كسرتيني. عارفة يعني إيه تكسري جوزك وتحطي السيف على رقبته؟ مفكرتيش شكلي هيكون إزاي وسط صحابي. دنت منه ودموعها تنسدل على وجنتيها. -كنت هقولك والله بس سبقوني. أشار بسبابته. -اخرصي. دلوقتي أنا عايز أتعالج من قلبي اللي خلاني إنسان كاره نفسي بسببه. سبيني أتعالج لو سمحت. اتجه بأنظاره متألمة وحاوط ذراعيها.
-عارف أنا ساعات بقسى عليكي كتير. وعارف ردود فعلك بتحاولي تحافظي على كرامتك. بس أنا بضعف قدامك. مش هنكر وأقولك أنا بكرهك وعايز أنتقم منك ورميتك زي غيرك. أنا قولتلك كدا من قهري. هتصدقي إني قولتلك كدا عشان أقنع نفسي بكرهك. بس لا يا ليلى مقدرتش أكرهك ولا قدرت أنتقم منك. لامس وجنتيها بإصبعه.
-إحنا وجعنا بعض ما فيه الكفاية. مش هقولك أنتِ لوحدك غلطانة، للأسف أنا كمان غلطت. لازم أرجع نفسي الـ ضعيتها. وأنتِ كمان لازم تعالجي نفسك زي ما قولتيلي. يمكن نرجع نقدر نكمل مع بعض. أنزلت ذراعيه وهي تهز رأسها. -حاضر يا راكان. هبعد عنك. أنا كمان لازم أداوي قلبي من كتر الضغوط والوجع اللي شفتهم معاك. استدارت للتحرك. أمسك كفيها مردفاً. -هكون قريب منك وقت ما تعوزيني هتلاقيني.
تحركت وهي تمسح دموعها، متحركة حتى تفتح الباب. جذبها من كفيها يوقفها أمامه. رفعت أهدابها المنطفئة وأردفت: -راكان أنا تعبانة وضايعة. عايزة اللي يقويني. أنا آسفة حقيقي آسفة. عارفة إني وجعتك وتعبتك قوي. سامحني. شهقاتها اخترقت جدار روحه تطعنه بخناجر مسمومة. وللحظة أحس بأن الأرض تميد به وأصبح قاب قوسين أو أدنى من فقدان وعيه أمام بكائها وشعوره بضعف الدنيا يحتل كيانه ورغبة باختطافها وسحق كرامته بعيداً عن قلبه.
-صدقيني كدا أحسن لكل واحد فينا. علاقتنا ما أخدناش منها إلا الوجع. وشوفتي أنتِ قلتي إيه امبارح؟ هفضل في عيونك زي ما رسمتي مهما عملت. تحركت تخرج بخيبة أمل تلوم نفسها على ما وصلت إليه. أما هو ظل بمكانه يود لو يصرخ من أعماقه ويجذبها لأحضانه. جلس لبعض الدقائق حتى استعاد شتات نفسه وتحرك للخارج. جذبه نوح من ذراعيه، يجاهد في إخفاء غضبه منه. خرجا إلى حديقة المشفى. جلس وأشار إليه بالجلوس.
-وعدتك قبل كده من يوم ما قولت بتحبها. قولتلك هكون معاك. ولكن لو آذيتها هقفلك يا راكان. إيه اللي حصل وصلكم لكدا؟ مسح على وجهه بغضب، فالنقاش حالياً سيصل إلى خسارة بعضهما البعض. أشعل تبغه وهو ينظر للبعيد. -مشكلة بيني وبين مراتي مالكش دخل فيها. تنهد نوح وحاول سحب نفس طويل يزفره بهدوء حتى لا يغضب عليه. -مرات مين يلا؟ أنت من كام يوم قولت طلقتها. جاي دلوقتي بتقولي مراتي.
نفث دخان تبغه بوجهه وهو يرمقه بنظرات غير مفهومة وتحدث. -طول ما إحنا في شهور العدة هي مراتي. اطلع منها أنت. استدار إليه. -راكان لو سمحت. ليلى مش زي البنات اللي أنت اتجوزتهم قبل كده. توقف راكان وولاه ظهره قائلاً. -ماتدخلش بينا. ملكش دعوة بينا. واسمها الباشمهندسة مش ليلى. ليلى دي مراتي يعني أقرب لي منك. -رااااكان. صرخ به نوح. -دلوقتي ابعت ورقة طلاق ليلى. وإياك تقرب منها. التوت زاوية فمه بابتسامة باهتة.
-لم نفسك يلا وشوفلك جثة ألعب معاها بشوية التجميل بتوعك وأبعد عني وعن مراتي عشان متندمش. اقترب نوح بعدما فقد سيطرته وامسكه من تلابيبه. -أنت طلقتها يا راكان ابعد عنها. سيبها تعيش. ليلى من يوم ما قابلتك وحياتها ادمرت. لو سمحت وحياة صداقتنا لتسيبها في حالها. فجأة أحس بانقباض شديد في قلبه يكاد يمزقه من الألم، فرفع رأسه مضيقاً عينيه. -بتتكلم جد يا نوح؟ أنت عايزني أبعت لليلى ورقة طلاقها. لكزه نوح بقوة في صدره.
-راكان متبقاش غامض معايا. قولي إيه مشكلتك بالضبط. ماشي بمثل لا بحبه ولا قادر على بعده. ليلى دي أختي وأنا مرضاش أشوفك بتبهدل فيها وأسكت. قولي آخرة اللي بتعمله إيه؟ الحب مش بالكلام. وأكيد عرفت أنا عملت إيه عشان أسما. -أنا معملتش حاجة يا نوح. ولا أي حاجة عشان حبي. بس برضه هسيبها كدا متعلقة لاهي مطلقة ولا متجوزة. أشار بسبابته قائلاً: -عشان تعرف مش كل اللي تلعب معاهم. أنا راكان البنداري مش حتة بنت تدوس عليا.
أشار على نفسه يضرب على صدره. -على آخر الزمن حتة بنت ترفع عليا قضية طلاق. وكل شوية طلقني. طلقني مش متحملة أكون مراتك. دنى منه يغرز عينيه بعينيه مردفاً. -بنت خالتك بتقولي أنا مستحيل أجيب منك ولاد. عشان ميعديهاش على أبوهم يا حضرة الدكتور. كرهت نفسها لأنها ارتبطت بواحد زي. رفع سبابته قائلاً. -متقربش مني يا نوح عشان ما أوجعكش.
-خلاص يا راكان طلقها طلقة بائنة وكل واحد يروح لحاله. خليها تأسس حياتها مع حد تاني يعرف يلملم جروحها. بدل أنت موجوع منها أوي كدا. قبضة بكفيه على عنقه وهو يدفعه بقوة على الجدار حتى كادت أنفاسه تخرج. عندما تغير وجهه للشحوب وأصبح كشحوب الموتى. لولا حمزة الذي وصل بالوقت المناسب يدفع راكان بعيداً عن نوح. ورغم قوة حمزة إلا أن غضب راكان فاق الحدود وهو يجز على أسنانه متحدثاً بصوت كالفحيح:
-ده إن شاء الله في قبرها. لما تدفنها كدا يبقى خليها تبني حياة الآخرة يا حيوان. دفعه حمزة بكل قوة حتى صفعه على وجهه ليفيق من حالة غضبه الأعمى اتجاه صديقه. بدأ يسعل نوح ليلتقط أنفاسه بصعوبة، حتى شعر بالاختناق. ساعده حمزة في الجلوس، يربت على ظهره ليستعيد أنفاسه وجلس يطالع راكان المتجمد يرمقه بنظرات نارية قائلاً:
-متقربش مني تاني عشان مدفنكش عايش. مراتي خط أحمر حتى عليكوا. محدش يقولي أعمل إيه. أنا قولت عايزة تربية يبقى لازم أربيها. لازم تتربى عشان متغلطش تاني. قالها وتحرك بخطوات تأكل الأرض كالذي يتربص بعدوه. وصل إليها وجدها تجلس بجوار سيلين التي استيقظت للتو. ابتسمت سيلين عندما رأته. احتضن وجهها. -حبيبة قلبي حمدالله على السلامة. كدا تخوفيني عليكي. قبلت كفيه. -فداك يا حبيبي. فاكر قولتلي إيه بعد العملية زمان؟
أفديكي بروحي يا سيلي مش بكليتي. كنت مستخسر فيا حتة رصاصة يتيمة. طبع قبلة مطولة على جبينها متحدثاً. -ولو طلبتي روحي مش هتأخر. قاطعهم دلوف يونس بخطوات متعثرة وعينيه تعانق عينيها. سحب راكان ليلى من كفيها. -تعالي عايزك. خلي يونس مع سيلين شوية. خرج للخارج وجلس أمام الغرفة يشير بعينيه إليها. -كلمتين حطيهم حلقة في ودنك. سحب نفسا ثم زفره متجهاً بنظره إليها ثم رفع نظره إلى عايدة التي تطالعهم بترقب فتحدث مبتسماً وهو يطالعها:
-ابعدي نوح عني. بلاش يخليني أفقد أعصابي. عايزة تعيشي حياتك اعملي تنازل عن الولد. نزل ببصره إليها يدقق النظر بعينيها. -ورقة طلاقك هتوصلك. ووقت ما تفكري مجرد تفكير بس إنك تتجوزي صدقيني مش هرحمك وهدوس عليكي وآخد الولد حتى لو متي قدامي. ودلوقتي روحي لابنك. ضحكت ضحكة مستهزئة. -مستر راكان. متتعبش عقلك بيا. وقت ما أحب أمشي همشي. بلاش تعمل وصي عليا. ودلوقتي أنا اللي بقولك ابعد عن حياتي وملكش دعوة بيا.
قالتها ونهضت متحركة اتجاه نوح الذي دلف بجوار حمزة. -نوح أنا هاخد أسما ونمشي. اطمنت على سيلين. دلوقتي مالوش داعي القعدة. اتجه بنظره إلى راكان الذي يصوب نظراته إليهما. -هي فين أسما؟ أشارت للخارج. -برة مع درة. لازم أمشي عشان أمير. اتجه بنظره إلى راكان مرة أخرى. فبسط يديه إلى ليلى. -تعالي يلا عشان أوصلكو. وكمان أشوف أمير. استدارت تنظر إلى راكان. ثم احتضنت كفيه وتحركت معه للخارج. توقف سريعا. ولكن حمزة توقف أمامه.
-بتغلط يا صاحبي اللي بتعمله غلط. نوح عنده حق. أنت مش عارف بتعمل إيه يا راكان. اتغلب على غضبك شوية. بص حواليك شوف بيبصوا عليك إزاي. ضغط على قبضته يحاول التمسك بكل قوة حتى لا يخرج يدمر فك نوح المبتسم له. ثم جلس يضغط على نفسه وهو يهمس. -وحياة أمك يا نوح لأموتك. بتغيظني وبتدوس عليا ماشي. أطلق حمزة ضحكة خافتة. -ماتتهد يا عم الحبيب. هو أنت مريض؟ طلقتها ومش عايز حد يقرب منها. دنى يهمس بأذنه.
-أقطع دراعي من لغلوغه لو كنت طلقتها فعلاً. رمقه راكان باحتقار قائلاً. -دراعي ولغلوغه ليه دراعك بيتكلم. رفع حمزة حاجبه بسخرية وأجابه. -سايب المهم وماسك في المقشة. أنت مطلقتش ليلى صح يلا. أنا مش مختوم على قفايا يا كينج. وافهمها وهي طايرة. ماهو مش معقول بعد مطحنة العشق اللي بتفكرني بمباراة خنزير ضرب خنزير وبعد كدا تطلقها بسهولة كدا. رجع برأسه على الجدار مغمض الجفنين وهو يتحدث بصوت متألم.
-سيبني يا حمزة عندي مشاكل بالكوم. آخرهم ليلى. قطب حمزة مابين جبينهم. -فيه حاجة حصلت ولا إيه؟ -فرح. قالها راكان وهو مازال على وضعه. -فرح راجعة بولد وبتقولي ابن سليم. والولد فعلاً ابنه. أنا عملت التحليل بنفسي. شهقة خرجت من حمزة متسائلاً. -وبعدين ناوي تعمل إيه؟ فتح عيناه ثم هز كتفه.
-معرفش. سليم كاتب كل حاجة لليلى. ودا وراه سر مخوفني. إزاي سليم يغامر بحاجة زي كدا. هو كان عارف إنه هيموت ولا إيه. لا وموضوع حضانة أمير دا وراه لغز. ليه ربطنا ببعضنا. قاطعه حمزة. -طيب إنت عارف الحاجات دي من زمان ليه خايف وشاكك من إيه دلوقتي؟ مسح على وجهه ينفخ بكفيه قائلاً: -الأول مكنش فيه ولد تاني، دلوقتي فيه حاجات مريبة بتحصل، ودا خطر على حياة أمير وليلى. -اووووه، أنا كدا فهمت عشان كدا طلقتها وبعدتها عن البيت مش كدا؟
اتجه ينظر إليه بضياع.
-ياريت كدا بس، بقسى علينا بطريقة توجع، إحنا الاتنين بنشيل اغلاط غيرنا، ليلى حواليها تعابين وهي غبية، عايدة بترتب لحاجة نفسي ادخل جوا دماغها، وانت شوفت أهو توفيق باشا شلله مش في صالحنا ابدا، كنت عايز اوصل مين ال بيحاول يقتلني، مين ال قتل سليم، هتجنن وانا بربط بين الشربيني والنمساوي، وجواد الألفي بيقولي بيلعبوا بجدك، يعني جدي فيه حاجات كتير خرجت من وراه، انت تعرف أنا حاسس بأيه، حاسس بالعجز والوجع وانا طول الفترة دي بعامله كأنه مجرم حرب، واتضحلي انه ضحية من غير مايعرف، لعبوا بيه كويس، واخرتها أهو لا كلام ولا حركة، والدكتور بيقول حالته مفهاش تقدم وممكن يموت.
لم تظهر تعابير على وجه حمزة وهو يحاول التفكير بمعضلته قائلاً: -نورسين.. دلوقتي حلك الوحيد دا اللي بتفكر فيه مش كدا؟ ابتسم بسخرية قائلاً: -تعرف الغبية حطتلي جهاز تصنت في تليفوني، شوفت وصل بيهم الحال لفين، والله يابني دول مجرمين، عايزين يخرجوا ابن التيت من السجن عشان شحنة الأسلحة، بيحمدوا ربهم بعد ما جواد استقال، اغبية ميعرفوش انه بيدكنلهم. نظر إليه حمزة. -طيب ليه جواد يغامر بحاجة زي كدا معاك؟ أجابه وهو يزفر بغضب:
-عشان ميوصلوش للورق دا، غير انهم فاقدين الثقة فيه. -دا كله عشان الورق؟ تساءل بها حمزة. اعتدل بجلسته يميل بجسده مستندا على مرفقيه ينظر إليه. -الورق مش مجرد قضية عادية، إحنا بس مستنين الأشخاص اللي برة عشان يرجعوا مطمنين، وبعد كدا نعرضه للنائب العام تعرف مين على رأس الورق دا. اقترب يهمس له حتى جحظت أعين حمزة قائلاً: -بتهزر، الراجل ال كل كلامه مواعظ وعبر، يطلع بالقذارة دي، غسيل ومخدرات. ابتسم راكان ساخراً.
-ودعارة وحياتك، وتجارة اعضاء، دول شبكة قذرة، اصبر بس وهيوقعوا كلهم، المهم دلوقتي نورسين مفكرة مطلق ليلى عشان هتجوزها، أنا عايز الفكرة دي تكون مترسخة عندهم، فيه حاجة لازم اعملها، ودي مش هتتعمل الا لما تتأكد بعدي عن ليلى فعلا بس طبعا فرح ال نطتلي زي عفريت العلبة دي وقفت عقلي، وخلتني افكر في حاجات تانية. اتجه بنظره إليه.
-نور فاكرة، دا بيخطط مع عايدة على ايه، بشوفه عندهم معظم الوقت، طيب لو بيحب سارة زي ماهو عايز يفهمني، ليه اللعبة الحقيرة دي، طيب لو عايز فرح، ازاي بعد مابقى عندها ولد، فيه ريحة مش عجباني. -الحقير دا رجع إمتى من السفر، هو مكنش اترفض من الجامعة؟ ربت راكان على كفيه. -وحياة ابوك متتجنش، كفاية عليا نوح، هو بعيد عن خطيبتك، وأنا مراقبه متخافش، بلاش تخليني اندم اني قولتلك. بالداخل عند سيلين نهضت زينب. -هروح اصلي العصر حبيبتي.
ثم اتجهت إلى يونس. -خلي بالك منها يادكتور. اقترب يونس وجلس بجوارها. -عاملة ايه حبيبتي؟! اطبقت على جفنيها متألمة. -إزاي تتجوزني من غير ماترجعلي، إيه مفكرني هرضى بالأمر الواقع؟ -دلوقتي أنا مش هتكلم كتير، خفي وبعدين نتكلم. -مفيش كلام يتقال بعد ال شفته منك يايونس. -ودلوقتي طلقني لو راجل محترم يادكتور، الجواز كان من ورايا، ودلوقتي بطلب الطلاق. هب فزعاً يحاوطها بذراعيه.
-بت اوعي تفكري عشان تعبانة هعديلك كلامك لمي الدور، أنا قولتلك قبل كدا يابنت عمي، موتيني وبعد كدا عيشي بعيد عني، وبما انك عرفتي اني جوزك، شيدي حيلك عشان بعد ماتكملي شفاءك، هنعمل الفرح. وضع اصبعه على شفتيها عندما أتت للحديث فاقترب يهمس أمام شفتيها.
-وحياة سيلين عندي لأتجوزك حتى لو غصب عنك، ومهما تقولي مش هسمع، أنا مش محترم، ولا راجل ارتاحي ومتفكريش غير في حاجة واحدة بس، إزاي هتبسطي جوزك ال حرمتيه منك سنتين كاملين وانت بتموتي فيه. لامس وجنتيها وهو يحاوطها بنظراته الهائمة وأكمل. -فكري هتسمي عيالنا ايه، مش كلام غبي زيك. -هطلقني يايونس، حتى لو غصب عنك. قهقه ودنى من شفتيها يلمسها بهدوء. -عادي ياحبي نموت مع بعض هو دا خلاصك مني. دفعته بضعف. -ابعد كدا.
احتضن شفتيها بين خاصتيه بقسوة كأنه بيعاقبها على ماتفوهت به. ثم فصل قبلته قائلاً. -ريحي نفسك ياعروسة، وبعد كدا نتكلم. *** تعاقبت الأيام واحدا تلو الأخر حتى جاء ذاك اليوم. استمعت إلى جرس منزلها. فتحت العاملة الباب. دلف عاصم بجوار آسر. نهضت سريعا تحتضن والدها. -حبيبي يابابا وحشتني. ضمها والدها بين احضانه قائلاً. -يعني لو جيتي قعدتي معايا مش احسن من كدا. ربتت على كفيه تقبله.
-اعذرني حبيبي دلوقتي أنا مش ليلى الصغيرة، كبرت وبقى ليا حياتي مع ابني يابابا، وزي ماحضرتك عارف بنتك مبتحبش تكون تقيلة على حد. صفعها بهدوء بابتسامة. -هو أنا حد ياعبيطة، دا أنا ابوكي، وجد الولد الشقي دا. رفع ذراعيه لأمير. -حبيبي جدو. اسرع أمير وهو يصفق. -دود. حمله يقبله ويضمه لأحضانه. ينظر بالمكان. -راكان مبيجيش خالص عندك من وقت الطلاق. فركت كفيها وهي تشير للجلوس.
-حضرتك عارف علاقتي براكان كانت عشان أمير، ودلوقتي هو بيجهز لفرحه. تسارعت نبضاتها من تلك الفكرة وهي تهرب بنظراتها من والدها الذي كان يدقق النظر بعينيها قائلاً. -راكان هيتجوز إزاي وهو بيحبك ياليلى. تجمد جسدها وشعرت بتوقف نبضها وهي تنظر لوالدها بأعين جاحظة. -ايه اللي حضرتك بتقوله دا، حضرتك عارف لولا وصية سليم. رفع ذراعه أمامها.
-ابوكي مش عبيط ياليلى ويعرف يميز الراجل ال بيحب من ال بيكره وبلاش يكره دي ال بيأدي واجبه، أنا شوفت نظرات واحد بيحب يابنتي، ولو انت عايزة تفهمي ابوكي غير كدا يبقى بتحاولي تداري حاجة هو عملها معاكي. اقترب يحتوي وجهها. -هو خانك ياحبيبتي، يعني فيه حد حب يدخل بينكم وفهمك انه بتاع ستات زي ماقولتي قبل كدا ايام ماكنتي مخطوبة لسليم. كانت عاجزة تناظر والدها بعينها تائهة. وشعورها بالضياع مستحوز عليها حتى همست له.
-لا يابابا، راكان شخص كويس، بس هو كان خاطب قبل ماسليم يموت، وأنا مش من شخصيتي اخليه يبعد عن خطيبته ويغير حياته، وكمان إحنا جوازنا عشان أمير فبكدا اتفقنا على كل حاجة وبدليل البيت دا، بيته وانا قاعدة فيه. جلس عاصم ومازال حديثها يؤلمه. تنهد متوجعاً على حالها وهروبها. هو يعلم بحب ابنته له فتحدث.
-طيب ياليلى، قعدتك لوحدك مش عجباني، وقبل ماتتكلمي، أنا مش موافق، ودلوقتي آسر عايز يخطبك، عارف انك لسة في شهور العدة، بس دا تأمين له عايز ردك، لحد ماتخلصي عدتك. هزة عنيفة أصابت جسدها من فكرة ارتباطها بشخص غيره. فهزت رأسها رافضة حديث والدها. -انا مش هتجوز، أنا هعيش لابني وبس يابابا، ودا هيفضل بيتنا، مستحيل اسيبه، آه إحنا اطلقنا بس هو مش بيقصر معايا. اقترب والدها يحاوطها بذراعيه.
-ليلى دا آخر كلام عندي، مش باخد رأيك على فكرة، انت هتيجي تعيشي معايا، ومحدش يقدر ياخد ابنك عشان في حضانتك، أما عن ارتباطك بآسر براحتك، قعدتك لوحدك لا. نهض آسر الذي كان صامتا وتحدث. -ليلى اديني فرصة وهعوضك عن سليم وال شوفتيه من راكان، أنا عرفت كل حاجة. رمقته بنظرات تحذيرية. تحرك عاصم للخارج بعدما قال. -جهزي نفسك هبعتلك كريم ياخدك بالليل، مفيش بيتان هنا تاتي، لما ابوكي يموت يبقى اقعدي في بيت البنداري. -بابا.
قالتها وهي تناظره بعينين هالكة من فرط الألم الذي اجتاح كيانها. هز رأسه بالنفي وخرج. أمسك آسر كفيها وهي تطالع خروج والدها بعينين حزنتين. -ليلى تعالي نتجوز بعد شهور العدة، هعيشك ملكة، وهنربي ابنك مع بعض. صفعة قوية على وجنتيه وهي تشير بسبابتها. -كلمة كمان وهنسى إنك ابن عمي، اوعى تفكرني غبية ومعرفتش إنك ورا الصور ياحقير. اقتربت تلكمه بصدره. -أنا حياتي ملك راكان البنداري وبس، وعايزة اكدلك حاجة بدل بتلعب على المكشوف.
-أنا وراكان بنحب بعض من سنين، ومتفكرش انه طلقني كرها فيا، لا طلقني عشان انا ال طلبت منه عشان واحد حقير ذيك صورني مرضتش إن جوزي حد يكسر عينه بمراته، فاهمة الاعيبك ياآسر وانا بحذرك تقرب من حياتي، أنا هفضل ليلى راكان البنداري لحد اخر يوم في عمري، ماهو مش بعد مااكون مراته اتجوزك انت. دنت حتى لم يفصل بينهما انش واحداً.
-مفيش راجل قلبي دقله غيره، يعني هو حبيبي وعشقي وكل حاجة، ولو موتوني كدا عشان ابعد عنه مستحيل، خلي في عقلك الجملة دي. -ليلى بتعشق راكان البنداري، وعمرها ماهتكون ملك لحد غيره وياله أمشي اطلع برة دا بيت جوزي مش مرحب بيك فيه. انكمشت ملامحه بألم وتحول سكونه لغضب حارق وهو يجذبها بعنف من رسغها. -راكان ال كل شوية في حضن واحدة دلوقتي بتدافعي عنه. دفعته بقوة. -عجبني وبموت فيه، احسن منك. ضغط على رسغها.
-وحياة حبي ليكي يابنت عمي، لاندمك على كل كلامك دا، وبكرة يرميك بتاع الستات الحقير دا، عايز وقتها اشوف وشك، هخليكي تتذللي ياليلى. دفعته بقوة تصرخ بوجهه. -كلمة كمان صدقني هندمك. دنى حتى اختلطت انفاسهما وهمس بجوار اذنها. -ليلى انت ملكي أنا، وأنا أحق بيك. قالها وتحرك للخارج سريعاً. جلست على المقعد تضع كفيها المرتعش على صدرها.
وبعدين في وجع القلب دا، انت فين ياراكان، اسبوعين وأنا ولا على بالك لدرجة دي نسيت ليلى، رمتني فعلا زي ماقولت. قبل قليل بشركة البنداري. دلف احد الرجال إليه. أشار إليه متسائلاً. -فيه ايه، المدام خرجت النهاردة. أومأ الرجل يضع أمامه ملف. -دول الأماكن اللي رحتلهم، بالصور يافندم. إومأ برأسه. وأشار إليه بالخروج. فتح هاتفه يراها كانت تتلاعب مع طفلها وهي تعصب عيناها وهو يضحك. ابتسم بحزن، تمنى لو ان يكون ثلاثتهم.
قاطعه دلوف نوح. أغلق هاتفه متجها إليها بنظرات متهكمة. -نعمين، جاي ليه! جلس نوح أمامه وهو ينظر لكفيه، يتلاعب بحديثه. -عامل ايه يا مطلق. أشعل تبغه وهو يرمقه شزراً قائلاً: -لم نفسك عشان مزعلكش. نصب عوده يتجه لشرفة مكتبه وهو ينظر للمارة وأكمل حديثه: -عايز ايه يا نوح؟ اوعى تتلاعب بمشاعري، عشان هنخسر بعض. نهض نوح يقف أمامه يضع يديه بجيب بنطاله. -راكان، ليلى جالها عريس، وهما راحولها دلوقتي لو مش مصدق انت حر.
مسح على أنفه عندما رأى نظراته النارية حتى تحولت للهيب، قائلاً: -آسر طلب ليلى مني وأنا وافقت وهو راح لأبوها عشان يطلبها رسمي لحد ما عدتها تخلص. دنى منه وهو يغرز عينيه بعين راكان قائلاً: -البت حلوة أوي، معرفش بتحلو كل يوم عن اليوم اللي قبله. عارف ليه يا صاحبي؟ عشان اتخلصت منك ومن انفاسك. ياسلام، البنت دي لو حبتها قبل اسما، كنا زمنا عصافير كناري. ومش بس كدا، كنا عشنا قصة حب روميو وجوليت، وجبنا عيال حلوة شبه امهم.
وضع ذراعه على كتف راكان يرمقه بطرف عينيه. -إنما يا راكان، كنت بتحس بأيه وانت مع قمر زي ليلى كدا؟ ياخي نفسي بنتي تطلع شبهها. لم يشعر راكان إلا وهو يثور عليه كالوحش الضاري، يلكمه بكل قوته حتى اسقطه على الأرض. رغم قوة نوح الجسمانية، إلا أن ضربات راكان فاقت الحد، وهو يزأر بصوته الذي زلزل الغرفة بل المكان بأكمله قائلاً: -قولتلك يا حيوان ماتلعبش بأعصابي. وصل يونس وحمزة بعدما استمعا لشجارهما المرتفع وهو يصيح بغضب.
-هموتك يا نوح واخلص منك. قالها وهو يطبق على عنقه. جذبه يونس بقوة بمساعدة حمزة. -راكان، فوق يخربيتك هتموته. دفع يونس بقوة وهو يجذبه من تلابيبه بقوة حتى نزع زراير قميصه بأكملها. -ورحمة أمي لاقتلك يا حيوان. توقف حمزة بينهما، ونوح يمسح دمائه التي سالت على وجنتيه. -ولد غبي وحمار. ايدك يا خنزير. إيه جحلوف يا حلوف. طب وحياة ربي لاندمنك عليها بحسرتك. دفعه حمزة للخارج غاضباً عندما لم يستطع يونس منع راكان من الوصول إليه.
-امشي يا نوح من هنا دلوقتي. أشار بسبابته. -ماشي يا راكان، ماشي. هعرفك إزاي تعمل معايا كدا، ومبقاش نوح الا لما احصرك عليها. دفع يونس متجهًا إليه. -تعالى يلا وريني نفسك. قرب من حياتي يا نوح وشوف هعمل فيك ايه. دفعه حمزة بقوة. -ماتتهد يابني. فين هي حياتك دي؟ هو عشان ساكت هتسوق فيها. جلس راكان وانفاسه كالطبول وهو يثني كم قميصه ويفتح أول زر لقميصه حتى يلتقط أنفاسه. -ماشي يا حيوان، والله لاندمك. أنا تقولي كدا.
طاح بكل ما يقابله على سطح مكتبه وجهر بصوته. -هموته، والله لأموته الحيوان دا. دنى يونس وهو يشير لحمزة بالصمت بعدما وجد حمزة اقترب ليتحدث. -راكان، ممكن تهدى وتفهمنا ايه اللي حصل بينكم. ثورة حارقة اندلعت بجوفه، أرادت أن تلتهم كل ما يقابله. اخذ يتنفس الصعداء وهو يمسح على وجهه. -سبوني لوحدي لو سمحتم، مش عايز اتكلم. اقترب حمزة قائلاً: -راكان، لازم نتكلم. انت مش شايف نفسك الأيام دي.
أغمض جفونه وتحدث بوجع وانهيار بآن واحد، وكأن كرة ملتهبة تحرق أوردته. فأشار بكفيه. -لو سمحتم، عايز اكون لوحدي. جذب يونس حمزة متجهًا للخارج. -تعالى نطمن على نوح يا حمزة. سيب راكان لما يهدى. ابتلع ريقه وبنظرات ضائعة ينظر لغرفة مكتبه التي تناثرت بسبب حالته المتوجعة. شعر كأنه في بئر من الظلام مكبل الأيدي مصفد المشاعر. قلبه يرتجف بداخل صدره، ونيران تحرقه. آهة خرجت من جوف حصرته كارهاً حالته ولما وصل إليه، يردد لنفسه:
-بكرهك يا ليلى وبكره نفسي وضعفي. دمعة غادرة نزلت من جفنينه المتحجر، أزالها بقسوة. -فوق يا غبي من اللعنة اللي انت فيها، إيه يعني تتجوز ولا تتنيل. ظل يوهم نفسه أنها لا تهمه بقدر انتقامه منها. أراد أن يرضي غروره بتلك الكلمات، أن ليس هناك من أنثى تحطمه بتلك الطريقة. ولكن كيف لصمود القلب عن تلك الاتهامات المغلفة بالوجع، حدثه قلبه. -هترتاح وانت شايفاها مع راجل غريب. تذكر حديث نوح. أطبق على جفنيه يكور قبضته ويلكمها بالمكتب.
-مستحيل حد يقرب منك، هقتلك يا ليلى. مش بعد الوجع دا كله تستمتعي بحياتك بعيد عني.
اتجه لهاتفه يراقب منزلها. جحظت عيناه وهو يستمع لحديث والدها. تصلبت تعابير وجهه واجتاحه رغبة شديدة في الوصول إليهما وتحطيمهما. ولكن هدأ عندما استمع لحديثها مع آسر. هنا خمدت ثورته وتحولت حالته من الثوران إلى الهدوء، وهو يستمع إليها بقلب ينتفض عشقًا. أحس برعشة أصابت قلبه وهي تدافع عنه وتثور ضد ابن عمها. ابتسم برضا متنهدًا براحة أصابت قلبه الضعيف بالأرتواء بعد فترات أصابته بالقلح، وهي تصرخ له:
-آه، هفضل ليلى راكان البنداري لحد آخر يوم في حياتي. ود لو يمتلك جناحين حتى يصل إليها يسحقها بأحضانه. اخذ يمرر يديه المرتجفة على ملامحها. ولكن توقف عندما وجدها هوت تضم ساقيها إلى صدرها تنظر حولها بخوف، وكأن يحاربها أحدهما. استمع بمنادتها إليه. أطبق على جفنيه يعتصرهما من الألم يهمس لنفسه. -خايف عايز أقرب بس خايف لتكسرني مرة تانية. لازم أتأكد ياليلى. آسف سامحيني..
قالها بملامح جامدة تبدلت تمامًا بعد ماكانت منذ قليل يهيم بها عشقًا. ولكن لذاكرة القلب والروح أحكام. *** عودة للحاضر. بعد تلك الأحداث. وخاصة بعد أكثر من شهر. خرجت ليلى متجه لسيارتها واستقلتها تنظر خلفها لذاك الرجل الذي عينه لها لحمايتها. تحركت إلى منزلها مبتسمة على مايفعله معها. بالجامعة وخاصة كلية الهندسة. خرجت درة وهي تتحدث بهاتفها.
-أيوه حبيبي. لا خلصت ومروحة. حاضر هرَكَب مع عمر. معرفش مالك ياحمزة بقيت صعب كدا ليه. بتحسسني إني هتخطف. على الجانب الآخر كان يراقبها من مسافة ليست بالقريبة. وهو مرتدٍ نظارته السوداء. وجدها تتحدث بهاتفها وابتسامتها تنير وجهها. ترجل من سيارته متجهًا إليها. اقترب حتى تلامس جسده ظهرها. التفتت سريعا وهي تنظر حولها بخوفًا. كاد أن يوقف نبضاتها. شعرت برائحته حولها. ظلت تدور حول نفسها تبحث عنه. ولكنه غير موجود. حدثت نفسها.
-معقول دا هوس. بس إزاي أنا متأكدة إني شفته. استمعت لرنين هاتفها. سقط الهاتف فجأة عندما ارتجف كفيها من الخوف. أجابت حمزة. -أيوه ياحمزة. قالتها بتقطع. أجابها. -درة مخرجتيش لعمر ليه. مستنيكي برة. ظلت تلتفت حولها فأجبته. -حا.ضر أنا خارجة أهو. كان فيه زحمة. صمت للحظة واردف. -مالك يادرة فيه حاجة. هزت رأسها بالنفي. -مفيش حاجة حبيبي أنا خارجة أهو.
بِقصر البنداري وخاصة بفيلا جلال البنداري. جلست عايدة وهي تفرك يديها تنظر لأبنتها. -يارب نور ينجح يافرح. من وقت مانورسين قالتلي إنه اتنزل لليلى هجن. لازم نتخلص منها. توقفت. ثم أمسكت هاتفها تحادث احدهما. -راكان فين دلوقتي. أجابها الشخص. -داخل كافيه دلوقتي على النيل. ابتسمت وهي تطالع ابنتها. حلو أوي أعمل زي ما فهمتك. والصور ابعتها على الرقم اللي عندك. -تمام يافندم.
جلست وهي تهز ساقيها بعنف تنتظر اتصال نور ولكنه لم يتصل. قامت بالاتصال عليه. -نور إيه الأخبار. أجابها بابتسامة. -متخافيش ياخالتوا الراجل دخل بيت ليلى. وكمان راكان موجود في مكان بعيد. واحنا سيطرنا على الأمن. كله هيكون تمام وخلال دقايق الشركة هتكون بتاعتك. ابتسمت مردفة. -برافو يانور. مخيبتيش ظني. بس متستهونيش براكان. أوعي أي حاجة تحصل تبوظ تخطيطنا. توقفت فرح تعقد ذراعيها.
-ماما معرفش ليه مصرة إننا ننطرد من القصر. تعرفي لو نور فشل أقل حاجة هتتعمل فينا إيه. صرخت عايدة بوجهها. -اخرصي مش عايزة أسمع كلامك. ماهو إنتِ ال غبية معرفتيش تقنعي راكان إنه يكتب عليكي. وضاع كل حاجة. قشطت بالولد اللي معاها. لا وكمان كانت حامل من كبير العيلة. لولا تدخلت في الوقت المناسب كان زمانها طردتنا كلنا واتربعت على عرش البنداري. أنا اللي قتلت الولد سمعتيني.
هبطت سارة تجر حقيبتها خلفها. استدارت عايدة إليها ترمقها. -انتِ رايحة فين. تحركت حتى توقفت أمام والدتها. -طالعة من البيت دا. أحاول أرجع نفسي اللي ضيعتوها. وحضرتك شايفة بعد مرض جدو. كل حاجة ضاعت ومبقاش ليا نفس أقعد في البيت دا. سيلين طلعت أحسن مننا كلنا والله برافو عليها. جرت حقيبتها. أوقفتها عايدة تصرخ بها. -مفيش خروج. عايزة تعملي زي سيلين وتهاجري. هدبحك. أنا مش زينب متساهلة أسيبك تسافري وتعيشي لوحدك.
استدارت تنظر لوالدتها متهكمة. -بلاش تقارني ياماما. علشان للأسف هتطلعي خسرانة. انتِ مش متساهلة للأسف انتِ طماعة ومفيش غير الانتقام بس. ياترى بتنتقمي من طنط زينب علشان الورث فعلاً ولا علشان خطفت منك الدكتور الحليوة اللي كنتِ متراهنة عليه. صفعة قوية نزلت على وجنتيها.
-اخرصي ياغبية. جذبتها من خصلاتها. ودلوقتي مفيش خروج من البيت دا. هتفضلي هنا لحد ما تموتي بحسرتك وانتِ شايفة يونس بيتجوز سيلين. أوعي تصدقي مسرحيته إنه مسحها من حياته وكلامه الأهبل قدام الكل دا. دا راجل مجروح مش أكتر. وبكرة يهدى ويجيبها غصب عنها. متفكريش لما تعملي كدا هيجري عليكي. عند ليلى ترجلت من سيارتها متوجهة لحارسها. -مفيش داعي تفضل حارسني كدا. روح قول للمشغل ليلى مش محتاجة حماية من حد.
قالتها وتحركت للداخل. أمسك هاتفه قائلاً. -راكان باشا المدام وصلت البيت. وشكلها متعصبة. وفيه حاجة لاحظتها معرفش عندك علم ولا لا. أجابه راكان بعدما توقف معتذرًا من حسن صديقه. -إيه اللي حصل. نظر الرجل حوله يطالع الجميع بنظرات ثاقبة وتحدث. -حضرتك غيرت شركة الأمن. فيه وجوه جديدة واقفة. تجمد بوقوفه. ونظراته تتحرك بكل الأرجاء. حتى أصاب هدفه قائلاً. -ادخل عند ليلى يابهاء. شكيت في حاجة ابعتلي وأنا في الطريق. وهتصل بجاسر.
تحرك متجها لصديقه وأمال يهمس له. -أنا متراقب. متبصش وراك. قوم خلينا نتمشى شوية. تحرك حسن بجواره بهدوء. -سلاحي مش معايا ياجدع. شكلنا هنموت من غير سلاح. كان في وقت لا يسمح له بالمزاح. -حسن أنا همشي كدا وانت تابع لحد المدخل عشان نمسكه. مراتي فيه حد وصلها. تمام أنا عقلي واقف حاول تستوعب الموقف. أومأ برأسه موافقًا. -تمام متخافش. انت مكلمتش بهاء. تحرك راكان وامسك هاتفه حتى يبحث في المراقبة. ولكن قاطعه اتصال جاسر.
-راكان. انت متراقب. متبصش وراك. ومدام ليلى فيه راجل عندها من فترة تقريبًا فيه حد عرف يسيطر على الوضع. سقط قلبه بين أضلعه واظلمت عيناه بالغضب قائلًا. -جاسر أنا عارف إني متراقب. المهم توصل ليلى بسرعة لو انت قريب. وأنا هتصرف وأعرف مين الكلب دا. -راكان خلي بالك من نفسك هو مشير مسدسه عليك. توقف فجأة وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. وعقله يصور له سيناريو حزين. -أوصل ليلى بسرعة ياجاسر. وخلي بالك من أمير.
قالها بعدما وجد بعض الملثمين يحاصرون المنزل. من خلال كاميرا المراقبة. نيران الذنب تحرق أحشاؤه من الخوف عليها. ووقوعها لقمة صائغة في أيدي أعدائهم. دلف لأحد الأماكن حتى يستطيع الإمساك بأحد الأشخاص. وبالفعل تحرك الرجل خلفه. ولم يجد نفسه سوى أنه جاثيا على الأرض. بعدما ركله راكان. ممسكًا سلاحه الذي دفعه بعيدًا عنه. -انت مين يلا. ومين زقك عليا. ابتسم الرجل بسخرية وهو ينظر إلى حسن الذي وصل إليهما.
-طليقتك اللي قالتلي أقتلك. لأنك خانقها. سحب السلاح وكاد أن يقتله لو توقف حسن أمامه. -قوات الشرطة في الطريق. سيبه هما هيعرفوا يتعاملوا معاه. عند ليلى دلفت وإذ بها ترى أحدهم يضع السلاح أمامها ثم وضع كفيه على فمها. -صوتك لو طلع هنقتل جوزك. ومش بس كدا ابنك اللذيذ دا هنموته. حتى شوفي المشهد دا يمكن تودعيه.
نظرت بشاشة هاتفه وجدته جالسًا مع أحد أصدقائه والسلاح مصوبًا على صدره. شهقت وكأن أحدهم هوى فوق قلبها بمطرقة. وهي تراه أمامها. اغرورقت عيناها بالعبرات. -انتوا مين وعايزين إيه. دفعها بقوة حتى هوت على المقعد بجوار المربية وهي تضم أمير الذي يبكي بصوته المرتفع. ماما. ماما. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تطالع ذاك الرجل الذي يشبه الخارجين عن القانون. -انت مين وعايز إيه. اقترب يضع أمامها بعض الأوراق.
-امضي هنا ومالكيش دعوة أنا مين. وإلا هنموته ونموتكوا. أمسكت الورق بأيدي مرتعشة وكأنها فقدت النطق. وجدت تنازل عن حضانة ابنها بأحد الأوراق. والورقة الأخرى تنازل عن جميع أملاكها بيع وشراء باسم أحد الأشخاص. ضيقت عيناها تنظر للاسم باستغراب. نهضت متجهة إليه. -انت مين وليه الورق دا. اتنازل عن حضانة ابني لمين إن شاء الله انت شكلك مجنون. دفعته بقوة وصرخت.
-أوعى تفكرني هخاف من مسدسك دا. لا تبقى غبي. اتنازل عن ابني يعني اتنازل عن روحي. وياله اقتلني. ورغم قوتها الواهية التي رسمتها أمامه إلا أن قلبها يدق كالطبول من الخوف. استمع الرجل لحركة خلفه وماهي إلا ثواني حتى انقض عليه بهاء من الخلف. ولكن كان يوجد أحد الأشخاص الآخرين معه الذي رأى بهاء يتسلل من أحد أركان المنزل. -ارمي مسدسك لفرتك نفوخك.
قالها أحد المجرمين إلى بهاء. نظر بهاء إلى ليلى على هاتفها ففهمت ماذا يعني. تحركت بهدوء تجلس على المقعد وهي تتحدث لإلهائه. -تمام همضي على الورق. وعلى غفلة فتحت هاتفها باليد وهي تنظر إليه. -اعرف بس انتوا تبع مين وبعدين إنت بتقول هتموتني. يعني مفيش خوف مني. ضغطت على رقمه. كان يسارع الموت وهو يسرع بأقصى سرعة حتى يصل إليها. استمع لهاتفه فتحه سريعا عندما وجد صورتها تنير هاتفه. -ليلى.
قالها بقلب منتفض. ولكن استمع لأحد الأشخاص. -ماتتكلميش كتير. دني منها وخطف الولد وأشار بسلاحه عليه وصرخ بها. -امضي يابت يا أما نقتله. ارتعشت يديها وهي تهز رأسها. -طيب سيبه وأنا همضي حاضر. عايزني اتنازل عن أمير. وكمان الشركة. حاضر هتنازل بس سيب الولد. لحظات وجسدها يرتجف من بكاء ابنها وهي ترمق هاتفها بجوارها وترى مكالمتها وصلت إليه. نهضت حتى تأخذ الولد لتمضي بعض الوقت، ولكنه صفعها بقوة على وجهها.
-ابعدي يابت، إياك تلمسيها. هوت على الأرض وهي تصرخ باسم زوجها. وما هي إلا دقائق واقتحم جاسر المنزل. تراجع الرجل وهو يحمل الطفل، وليلى تتحرك اتجاهه وتصرخ. قابله راكان على الباب الخارجي. -سيب الولد، هموتك. نظر الرجل حوله بخوف، ينظر للرجل معه. -خليهم يبعدوا عني. وصلت ليلى إليه وهي تقترب منه. -ابني. قالتها ليلى وهي تتحرك خلفه. صرخ راكان بها. -ليلى ابعدي. هزت رأسها رافضة. -ابني. اتجه الرجل بنظره إليها. -عايزاه؟
تعالي معايا وأنا هدهولك. أشار راكان بالنفي. -إياك تتحركي من مكانك. أشار لجاسر ليتحرك. وزع الرجل نظراته وهو يتراجع، وصوت أمير يرتفع بالمكان حتى شل حركة راكان وهو يرى اندفاع ليلى اتجاه الرجل وهي تصرخ عندما وجدته يصل لتلك السيارة التي تنتظره بالخارج. -لا ابني، ابني.
تحركت وهي تبكي وتنادي على طفلها. أطلق جاسر رصاصته التي استقرت برأسه مباشرة حتى وقع صريعًا. تحركت السيارة التي تنتظره سريعًا. فأسرع راكان إليه حتى يتناول أمير الذي سقط على الأرض بسقوط الرجل. حمله وضمه لأحضانه. في حين توقفت ليلى وهي تنظر إليهما وتبكي حتى فقدت حركتها وحديثها. فجثت على ركبتيها وشهقاتها ترتفع كلما تخيلت فقدان ابنها. ضمه راكان يهدئه.
تحرك جاسر خلف السيارة التي هربت مع الشخص الآخر. بينما اتجه راكان إليها سريعًا بعدما وجدها بتلك الحالة. جلس بمستواها يضم أمير بأحد ذراعيه، وبالذراع الآخر يضمها لأحضانه. -اهدي، كل حاجة تمام، اهدي. توقف وأوقفها يضمها بقوة لأحضانه مناديًا على المربية. -داليا خدي الولد. لكنها التقطته تضمه بقوة وتبكي تستنشق رائحته. -خلاص ياحبيبي بطل عياط، الوحش مشي. أخذ راكان الولد يمسح على وجهه. -حبيبي روح مع أنطي داليا.
هز رأسه بالنفي وهو يبكي. -ماما، عايز ماما. حملته ليلى ودلفت للداخل بساقين مرتعشتين، لا تعلم كيف وصلت لغرفة ابنها والقت نفسها على فراشه تضمه بقوة وتبكي. وقف بالخارج مع بهاء. -فين الناس اللي قولت عليهم. وزع نظراته على المكان. -شكلهم انسحبوا بعد ما جاسر اقتحم المكان. أومأ برأسه. -شوفوا الكاميرات الخارجية. وتحرك مع جاسر. قالها ودلف للداخل يبحث بعينيه عليها. استمع لصوت بكائها. تحرك للداخل وجدها تحتضن ابنها وتبكي.
جلس بجوارها يجذبها لأحضانه. -هتفضلي تعيطي كدا، خوفتي الولد. جذب منها أمير يجلسه على ساقيه يداعبه بأنفه. -وحشتني ياميرو، كدا تطلع قاسي ومتجيش تزور بابا ولا مرة. يعني نسيت بابا، معنتش بتسأل عليه. قالها وهو يرمقها بنظرات جانبية. هنا فاقت من حالتها ورفعت رأسها ونظرت إليه والكبرياء يعتلي كل ذرة بوجهها. -اللي يبيعنا ياأمير نبيعه.
قالتها ونهضت متجهة إلى غرفتها. صك على أسنانه من الغيظ من عجرفتها. ورغم ذلك فقد اشتاق إليها كثيرًا. لمعت عيناه عندما تخيلها بين أحضانه. فنهض وهو يضع لأمير ألعابه، مناديًا على داليا. -خلي بالك منه، حاولي تلهيه عشان ينسى اللي حصل. أجابته بابتسامة. -متخافش حضرتك. اتجه لمعذبة قلبه. طرق على باب غرفتها ثم فتحه بهدوء يبحث عنها. وجدها تخرج من غرفة ملابسها. عقدت ذراعيها قائلة: -رجعنا نقتحم الأوض ونقول بيتي ومش بيتي و...
قطعت حديثها عندما استمعت لهمسه. -ده بيتك حبيبي، مش هطفل عليك. بس عايز أطمن وهمشي على طول. استدارت تواليه ظهرها بعدما فقدت سيطرتها بهمسه بتلك الطريقة. -إحنا كويسين مش ناقصنا حاجة. ممكن تمشي دلوقتي لو مفيش حاجة تانية. اقترب منها قائلاً. -ليلى. استدارت تضع كفيها أمام وجهه.
-ليلى ماتت من يوم ما دبحتها وهجرتها. اللي قدامك دي بقايا أنثى. لو سمحت بلاش نتعب بعض. وياريت تعرفني مين اللي اقتحم بيتي وعايز ياخد ابني. أنا مش هامنني الفلوس. قالتها متجهة لمرحاضها قائلة. -اقفل الباب وراك. بعد أسبوع آخر بمزرعة نوح. جلس بجوارها صامتًا يطالعها بهدوء لبعض الوقت حتى قطعه. -هتفضلي مخصماني كدا؟ ده حتى حرام على فكرة. نهضت تجمع الصحون قائلة.
-إحنا اتفقنا على كل حاجة، بلاش تخليني أسيب لك البيت يادكتور. قولت شهر وأطلقك، ودلوقتي عدى أكتر من شهر. جذب مفرش طاولة الطعام يجذبه بعنف حتى تبعثر الطعام بالمكان وصرخ بوجهها. -مفيش طلاق ووريني آخرك ياأسما. قالها وتحرك للخارج. جلست ترفع حاجبها بسخرية. -استنى عليا يا نوح، لو مش علمتك إزاي تقدر تسيب حقي مبقاش أنا أسما الكومي يا نوح يا بن الكومي. توقفت فجأة. -هو فين حمايا العزيز مختفي ليه؟
ربنا يستر ميكونش هو الحرباية بيحضروا لمصيبة. بمكتب يحيى الكومي. دلف أحد الأشخاص. جلس أمامه وتحدث. -عملت تحليل DNA وزي ماحضرتك شكيت الولد مش ابن نوح. صاعقة نزلت على رأسه حتى شعر بدوران الأرض حوله وانسحابها من تحت أقدامه. فتحدث بتقطع. -يعني إيه؟ يعني بنت الكلب بتستغفلني. بمكتب راكان يتحدث بهاتفه. -ما وصلتش لحاجة خالص. أجابه جاسر وهو يفرك جبينه. -للأسف لا. لو أمجد مش محبوس كنا قولنا هو. رفض راكان حديثه.
-لا أمجد مالوش دخل بكده. ده واحد قريب إنه عايز الشركة. صمت وأكمل. -عندي شك في شخصين، يا بنت النمساوي، يا أما عايدة هانم. مط جاسر شفتيه. -نشوف الاتنين متقلقش. دلف يونس إليه وألقى نفسه على المقعد وثقوب الألم تجتاح كيانه. أغلق هاتفه متجهًا إليه. -مالك يايونس. أطبق على جفنيه متألمًا. -تعبان أوي ياراكان، حاسس إني مش عايش. ربت راكان على كتفه. -ومين سمعك. معلش فترة وهتعدي ونرجع نهلس تاني. متخافش.
فتح عينيه نصف فتحة ينظر إليه. -بتتريق يا حضرة المستشار. ضرب كفيه ببعضهما. -قولي أعملك إيه، هي اللي عملت مش أنا. تنهد بوجع ينظر إليه. -صدقني مش هرحمها لما ترجع. مش بيقول من الحب ما قتل. سحب نفسًا وزفره قائلاً. -ولا هتقدر تعمل حاجة. متفكرش كتير. المهم عايزين نوجب مع حمزة حنته بعد أسبوع. رفع حاجبه بسخرية. -ليك نفس توجب؟ البعيد ما عندوش قلب ولا دم. لكزه راكان.
-لا دي مفهاش كلام. انسى وجعك عايزين نفرح حمزة. يعني أنا هدوس على نفسي عربية ليمون وأضطر أقعد مع نوح البارد. أطلق يونس ضحكات مرتفعة عندما تذكر خناقاته مع نوح. فا اقترب يغمز بعينيه. -الولد نوح ده نمس والله العظيم. نفسي أعرف قالك إيه خلاك زي التور كدا. تحرك للخارج. -أمشي يابغل من قدامي بدل ما أقلب عليك.
بعد عدة أيام وهو اليوم المقرر لحفل حناء درة وحمزة. اتجهت ببعض الأشياء الخاصة بأختها لتضعها بمنزلها. أما عنده استمع لرنين هاتفه امسكه. -راكان ليلى راحت عندي البيت زي ما أنا خططت أي خدمة. بس إياك تدنس البيت يلا. زفر يمسح على وجهه بغضب قائلاً. -احترم نفسك يا متخلف. وبعدين أنا مطلبتش منك حاجة. تروح ولا تيجي مايهمنيش. قهقه حمزة مردفًا. -يعني مش هتموت وتشوفها بعد ما سابت كاميراتك وراحت بيت أبوها. وكمان مفيش خروج من البيت.
ابتسم راكان عندما تذكر آخر لقاء بينهما بعدة أيام بعد اقتحام منزلها. دلت إلى قصر البنداري. -إحنا جينا يانانا. خرجت زينب تفتح ذراعيها. -قلب نانا ياحبيبي. أسرع أمير إلى زينب. كانت تبحث عنه بعينيها. رآتها زينب ولكن تجاهلت نظراتها وحدثت أمير. -بابا قاعد مع خطيبته جوا، شوية ويطلع يلعب مع أمير.
لم تشعر بنفسها وهي تتحرك تقتحم الغرفة بعدما شعرت بنيران الغيرة تأكل صدرها كالنيران التي تأكل سنابل القمح. دفعت الباب. وجدت نورسين تجلس أمامه على سطح المكتب وتتلاعب بزر قميصه. دفعت الباب ودلفت للداخل. -أووه آسفة شكلي جيت في وقت غلط. معلش يا آنسة نورسين هاخد حبيبك شوية عايزاه ضروري. كتم ضحكة بداخله وهو يرى نيران تخرج من نظراتها. حبس أنفاسه داخل صدره ضاغطًا على كل عصب بجسده مانعًا رغبته في ضمها وتذوق شهدها الذي حرم منه.
توقفت نورسين وهي تزفر. ثم طبعت قبلة بجوار شفتيه. -نزلت على قلبي كالنيران التي تأكل أحشائي. روحي وبكرة نتقابل ونكمل كلامنا. قالها راكان الذي يطالع ليلى بهدوء. -تمام ياحبيبي. قالتها وتحركت أمام ليلى بخيلاء ترمقها بنظرات احتقارية. نهض يضع كفيه بجيب بنطاله. -خير يا مدام ليلى. اقتربت ترمقه بنظرات نارية. -هتفضل لحد إمتى كدا. ضيق عيناه متسائلاً. -كدا إزاي مش فاهم كلامك. سحبت نفسًا ودفعته مرة واحدة.
-انسى يا أستاذ. أنا هنزل بكرة عند بابا، فرح درة بعد أقل من شهر. أكيد حضرتك عارف. هسيب أمير الأسبوع ده مع ماما زينب، وممكن يبقى تبعته مع حد تاني لو تعبها. اقترب يضغط على ذراعها بقوة ونظرات لو تحرق لأحرقتها. -تروحي فين؟ عشان الحقير آسر كل شوية ينط عند أبوكي. دفعته بقوة ترفع سبابتها وتحدثت بغضب. -مالكش دعوة بحياتي. أظن من شوية كنت في حضن واحدة تانية. مالكش دعوة بحياتي سمعت ولا لا. أنا مجرد أم أمير، متنساش ده كلامك.
قالتها وتحركت سريعًا من أمامه. أطاح كل ما قابله على المكتب يصرخ بها. -طيب خليه يقرب وأنا أقتلك. استمعت لكلماته وتحطيمه للأشياء. فابتسمت بغرور وتحركت للخارج. خرج من شروده على حديث حمزة الذي لم يستمع للكثير منه. ولكن أفاقه حديثه عندما قال. -عارف إنها لسة مراتك، بس بحب ألعب بأعصابك. سلام يا راكي باشا.
بعد قليل دلفت ليلى إلى منزل أختها. وضعت بعض ثيابها التي أحضرتها وانهت بعض الأشياء. دلفت لمرحاضها وقامت باغتسال وجهها بالماء البارد بعدما شعرت بالدوران وألم بمعدتها. وضعت كفيها على أحشائها مبتسمة. -هتطلع شقي زي بابا. لسة في الأول وبتعمل فيا كدا. اغمضت عيناها وهي تشعر بنسمة هواء محملة برائحته. استدارت تنظر للوراء، وجدته خلفها كالحلم. ابتسمت، لا تعلم أتحلم أم أنه حقا خلفها. أخرجها من شرودها عندما همس بجوار أذنها:
-وحشتيني لدرجة الموت. احتضن وجهها، يضع جبينه فوق خاصتها، يسحب نفسًا مختلطًا بأنفاسها. -مش قادر. جتلك راكع ورافع الراية البيضة وبقولك مش قادر أعيش من غيرك. رفعت كفيها تحتضن وجهه حتى تتأكد من وجوده، بذاك الوقت وذاك المكان الذي لا يربطهما. همست له: -را... كان. أنا مش بحلم مش كدا. قالتها وعبراتها كزخات المطر تغسل وجنتيها.
نزل برأسه يقبل وجنتيها مزيلًا دموعها، حتى وصل لشفتيها يقبلها بلهفة واشتياق، كمحروم من لذة الخمر. رفعت ذراعيها تعانقه وتبادله جنون عشقه. فصل قبلاته المحمومة وهو يسحبها من كفيها. -تعالي نروح بيتنا. البغل بيقولي إياك تدنس بيتي. توقفت تتذكر ما صار منذ لحظات. -هاجي معاك ازاي. مينفعش. حملها يضمها لصدره حتى يشبع روحه المفقودة. -ينفع ومليون. نزلني ياراكان. مالبستش حجابي.
أنزلها بهدوء وهرول يجذب حجابها، يضعها بعشوائية على رأسها، ثم اتجه بها لسيارته سريعا. وصل إلى منزله. ترجلت من السيارة واتجهت معه لداخل المنزل الذي زينه وأصبح منتظرًا عروسه. رفعت نظرها إليه. -انت ال عملت كدا. نزل بجبينه على خاصتها. -نفسي أعملك فرح أوي. وإن شاء الله ناوي أعملك أحسن فرح. رفعت نفسها تطبع قبلة على وجنتيه ثم همست له: -عندي خبر هيجننك. ثم أمسكت كفيه تضعها على أحشائها. -حبيبي هيجلنا بيبي. شبه باباه.
حامل. أردف بها بقلب مرتعش وعيون لامعة بالعبرات. أصابته قشعريرة تختلج كيانه وتملكتة عاطفة قوية وهو ينتظر ردها بشق الأنفس، عله أخطأ بسماعه. أومأت رأسها وعبراتها تنزرف بغزارة على وجنتيها، وانفرجت شفتيها بابتسامة، ثم حاوطته تضم نفسها بأحضانه. -هتكون أجمل بابي في الدنيا كلها. ارتجفت أوصاله جميعا من كلماتها، فأخرجها يحتضن وجنتيها وتلاقت أعينهما يتعانق فيها نبض كليهما. فهمس لها: -مش بحلم مش كدا. رفعت كفيها واحتضنت وجهه.
-آسفة. حقيقي آسفة على كل حاجة. جذبها لأحضانه، يشد على عظامها بذراعيه يعتصرها وقلبه يقفز بين ضلوعه. -أنا اللي آسف على كل كلمة وجع وجعتك بيها. لكمته بصدره بقوة قائلة: -لا ياحبيبي لسة هحاسبك على اللي شوفته في المكتب متخافش.
أطلق ضحكات مرتفعة وهو يحملها متجها بها للأعلى. ولكنه توقف عندما استمع إلى أحدهما يصرخ به. استدار لمصدر الصوت وجده بهاء. لحظات واستمع لطلقات نارية تحاوط المنزل بالكامل. ارتجفت أوصاله وهو ينظر لزوجته التي وضعت كفيها على أذنها تصرخ عندما اخترقت رصاصة من النافذة الزجاجية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!