دلف الملثمان، اللذان لم يكونا غير عبد الله وريكو، إلى شقة حمدي بعد أن فتحها عبد الله بطريقة احترافية كما تعلم أثناء التدريبات التي تلقاها على يد طارق. أغلقا الباب خلفهما بهدوء، ولكن نطق ريكو بتقزز: "الله يحرقه البيت، ريحته زي القبر." اتجه نحوه وهو يقول: "طول عمره نتن." فتح الباب ووجداه مستلقيًا فوق فراشه بإهمال، ويصدر منه شخير عالٍ دلالة على عمق نومه.
نظر إليه بغيظ، ومن ثم أمسك عبد الله كوب الماء الموضوع بجانبه وألقاه دفعة واحدة فوق وجهه، مما جعله ينتفض بفزع وهو يصرخ: "إيه ده! إيه اللي بيحصل؟ فتح عينيه على وسعهما وهو ينظر إليهم برعب ويقول: "مين أنتوا؟ وإزاي دخلتوا هنا؟ ضحك عبد الله وقال وهو يزيح وشاحه الملتف حول وجهه والقبعة التي تغطي رأسه: "إحنا قضاك يا... ارتعب حمدي أكثر حين عرف هويتهم، وقام من مرقده واقفًا يمثل الشجاعة: "لا يا شبح يااض، عايز إيه مني؟
البت وطارت منك خلاص... لم يستطع تكملة حديثه حينما تلقى لكمة قوية فوق وجهه جعلت شفته تنزف. كانت تلك هي البداية ليهجم عليه بكل الغضب والغل الذي يكنه له بداخله بسبب ما فعله بصغيرته في غيابه.
وقع حمدي فوق الأرض، ووجد عبد الله ممددًا فوقه يبرحه ضربًا بيد، وباليد الأخرى يكتم بها فمه حتى لا يستمع سكان الحي إلى صراخه. والآخر يتلوى تحته ولا يقوى على الدفاع عن نفسه، بما أن ريكو قدم مساعدته لصديقه وهو سعيد للغاية، حين جلس خلف رأسه مكبلاً يديه بقوة. أخذ يضربه وهو يسبه بأفظع الألفاظ، حتى نبهه صديقه حين قال: "كفاية كده يا شق، عايزينه صاحي عشان يقدر يعمل اللي هنقوله عليه، ولو ساق العوق ابقى كمل."
رفع نظره لصديقه وقال: "عندك حق." أعقبه بقوله بلكمة عنيفة أصابت بطن الممدد أمامهم بقوة، مما جعل الدم يتقاذف من فمه. اعتدل عبد الله وقال بلهث أثر المجهود الذي بذله في ضربه: "اسمع يا... ابنك جاي دلوقتي ومعاه المأذون، هيطلق خالتي فاطمة وتغور في داهية، مش عايزين يكون ليك وجود في حياتنا، سامع؟ حاول حمدي الاعتدال وجلس بصعوبة وهو يقول من بين آلامه المبرحة: "مش هط...
تلقى لكمة قوية منعت استرساله فيما كان ينوي قوله. وما أرعبه أكثر حينما وجد الوحش القابع أمامه يقول: "يبقى أنت اللي مستغني عن عمرك... " صمت قليلاً وقال بشر: "ولا أقولك، مش هموتك، أنا هخليك تعيش زي الميت." نظر له بتساؤل، فرد عليه بكلمة واحدة ولكن معناها خطير: "هقطعهولك... " أعقب قوله بإلقاء نظرة على مكان رجولته. حمدي ارتعب وتلقائيًا وضع يده فوقها بزعر وقال: "وعلى إيه؟ من حبي فيها تغور في داهية، هي أصلًا ولية بنت كلب...
وكزه ريكو الذي ما زال يجلس خلفه بقوة فوق ظهره وقال: "لم لسانك الوسخ ده، وقوم اغسل وشك وأنت ساكت. ابنك داخل علينا بالمأذون... المأذون اللي خليته يزور عقد جواز بنتك وكنت هتخليها تعيش في الحرام يا... كاد طارق أن يجن وهو يحدث تميم عبر الهاتف من منزله الآمن في إحدى الدول الأوروبية التي سافر إليها منذ عدة أيام لأداء مهمة قد كلف بها من قبل جهاز المخابرات. صرخ به قائلاً: "إنت إزاي تغفل عنهم يا غبي...
أنا مش بلغتك إن وسيم الزفت قدر يوصف شكلهم بدقة للرسامين اللي جمعهم في مقر المنظمة وقدروا يرسموهم، وهما دلوقتي بيحاولوا يخترقوا قاعدة البيانات المصرية عشان يوصلوا لهويتهم الحقيقية."
رد تميم: "والله ما سبتهم لحظة، والحراسة السرية هي اللي بلغتني بعد ما كانوا خلاص وصلوا هناك. أنا كنت في اجتماع مع اللواء نديم وطولنا فيه، وإنت عارف إننا بنقفل تليفوناتنا وقتها. ومتوقعتش أبدًا إنه ممكن يعمل كده، لأنه مجابش سيرة حمدي ده خالص." أخذ طارق يدور حول نفسه وكاد أن يفقد صوابه، فقال بغضب جم: "إنت فين دلوقتي؟ تميم: "أنا عديت بوابة القاهرة خلاص، يعني نص ساعة بالكتير وأكون عنده."
طارق: "اسمعني كويس، توصله بأسرع وقت، وميركبش عربيته اللي سافر بيها، خلي حد من رجالتنا يسوقها، وإنت تاخده هو واللي معاه على مكانه اللي كانوا بيدربوا فيه، وأنا أصلاً طيارتي كمان ساعتين هاجي من المطار عليكم." تميم: "إزاي بس؟ أنت لازم تروح الجهاز الأول تسلم تقرير العملية. أنا هبقى معاهم، متقلقش." طارق بغضب: "لازم أترعب عليهم، مش أقلق بس. إنت مش عارف هيحصلهم إيه لو قدروا يوصلوا لهم...
دول غير إنهم بيحاولوا يخترقوا قاعدة البيانات، كمان كلفوا فريق كامل يعمل حصر بأسماء كل الشباب اللي كانوا مقدمين على سفر لأي دولة قبل سفرهم بشهرين، يعني محاولة منهم إنهم يعرفوا مين خرج بره مصر وقتها، لأنهم متأكدين إنهم مش ظباط مخابرات." تميم: "متقلقش، إحنا سحبنا كل الطلبات اللي كانوا مقدمينها من كل مكاتب السفريات، مالهمش أثر فيها من الناحية دي، اطمن." طارق: "طب يلا، أنا هقفل معاك، وأول ما أوصل هكلمك. سلام."
جلست النساء يخططن ما يجب عليهن فعله يوم الخطبة التي لم يتبق عليها إلا يومان فقط. أميرة: "خلاص بقى يا ماما، ما كل حاجة جاهزة أهه، شغلي نفسك ليه وعايزة تهدّي حيلنا معاكي وخلاص." عالية بغيظ: "بس يا مقصوفة الرقبة إنتِ... وبعدين إيه اللي جاهز يا أختي؟ الجاتوه اللي هيشتروه من بره؟ طب والناس اللي هتيجي دي مش لازم نعشيها؟ وفاء: "هما عازمين ناس كتير ولا إيه؟ مش المفروض إن محدش يعرفنا هنا؟
عالية: "آه صح، بس إنتِ عارفة عيلة النعمان ما شاء الله عليهم عددهم كبير، وأكيد طارق وتميم وعثمان وأحمد هاييجوا كمان، وإحنا اهو برضه مش قليلين، يعني يا دوب نبدأ من النهارده في تجهيز الأكل عشان نعمل حاجة تشرف قدام الناس، وكمان البنات يفرحوا ويحسوا إن اتعملهم خطوبة حلوة." اقتربت منها رودينا وارتمت بين ذراعيها وهي تبكي وتقول بامتنان: "شكرًا بجد، شكرًا يا ماما. إنتِ أجمل وأحن أم في الدنيا...
أمي الحقيقية عمرها ما أخدتني في حضنها ولا عمرها فكرت إيه اللي بيفرحني، وإنتِ من أول يوم دخلتي فيه بيتك احتوتيني وعاملتيني زي ما أكون بنتك بجد ومفرقتيش بيني وبين أميرة... وحميتيني من اللي المفروض يكون أبويا، حتى تركتي ابنك عشاني. مهما أقول شكرًا منوفيش حقك." ضمتها عالية مربتة عليها بحنان وقبلتها فوق
خصلات شعرها البنية وقالت: "إنتِ فعلاً بنتي يا هبلة، مش اخت ولادي. ويعلم ربنا من أول لحظة شوفتك فيها وإنتِ دخلتي قلبي. ولو الواد ريكو ده ميستاهلكيش والله لو وقف على ضوافره ما كان هيطول شعرة منك، بس هو راجل ميتخيرش عن أخوكي عبد الله، هما الاتنين متربيين سوا. وأنا متأكدة إنه هيسعدك ويحطك جوه عينيه." هدأت قليلاً ثم اعتدلت وأمسكت كف عالية
وقبلته بامتنان وقالت: "ربنا يخليكي ليا يا أمي، وأنا واثقة إنك مش هترميني لأي حد وخلاص، وهو باين عليه إنه كويس وأنا مرتحاله... " احمر وجهها خجلًا بعد آخر حديثها حينما ضحكت عليها النساء بعدما قالت سناء بمزاح: "مرتحالة بس دا ابني راجل مالو هدوموه، وبنات الحارة والحارات المجاورة كانوا هيموتوا عليه." الكل ههههههههه.
فاطمة: "بلاش شغل الحماوات من أولها يا سوسو، أحسن إنتِ عارفة عالية زي القطر بتفرم اللي يفكر يهوب ناحية عيالها، ودي بالذات آخر العنقود وجابتها على كبر." هههههههه. مثلت سناء الخوف وقالت: "هو أنا قولت حاجة؟ دي زينة البنات كلها، وهو كان يطول واحدة زيها، دانا هصلي ركعتين شكر لله إنه كرمنا بيها والله." عالية برفعة حاجب ممثلة القوة: "أيوه كده اتعدلي." الكل ههههههههه.
بعد أن انتهى عبد الله ومن معه من إتمام إجراءات الطلاق الذي أجبروه أن يكون نهائيًا لا رجعة فيه تحت غضب وغل حمدي، ولكنه لم يكن باستطاعته فعل أي شيء سوى الرضوخ لمطالبهم بعدما تكاثروا عليه ووجد ولده يؤازرهم فيما يفعلون. هبط معتصم وصالح مع المأذون الذي تلقى تهديدًا صريحًا منهم إذا فكر أن يخبر أحدًا بما حدث، وهو بالطبع لن يفعل أبدًا بعد الذي رآه على يد تميم حينما قام باحتجازه مسبقًا.
وحينما تركوه ووصلوا إلى أول الحارة وجدوا من يجذبهم داخل سيارة سوداء. أما عبد الله وريكو فسلكا نفس طريق مجيئهما، وحينما وصلا إلى الشارع الرئيسي متوجهين ناحية سيارتهما المركونة، وجدوا سيارة سوداء معتمة تقطع عليهم الطريق. وبمجرد أن أنزل سائقها زجاج النافذة حتى وجدوا تميم ينظر لهم بغضب.
بدون أن يتفوه أحد منهم بحرف، صعدوا إليها، وبمجرد ما أغلقوا الباب انطلق بهم مسرعًا وهو يخرج أنفاسًا لاهثة من شدة غضبه. فأثروا الصمت حتى يهدأ. وصلوا جميعًا إلى المكان المتفق عليه من قبل طارق. وما إن جلسوا حتى تحدث عبد الله قائلاً: "فيه إيه بقى لكل ده؟ وعرفتو إزاي إننا هنا؟ نظر له تميم والشرر يتطاير من عينيه. تنفس عدة مرات
حتى يحاول الهدوء وقال: "إنت تسكت خالص، وأنا معنديش أي رد عليك. اصبر على رزقك لما طارق يوصل، هو اللي هيتصرف معاك. كفاية اللي عملوه فيا بسببك." فقط تركهم وخرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه بقوة دليلًا على غضبه منه. نظر الأربعة إلى بعض بذهول من هجومه عليهم، فتحدث ريكو قائلاً: "يا ليلة هباب، شكلنا كده هنتعلق يا شق."
معتصم: "طب إنتوا شغالين معاهم ومنعرفش هببتوا إيه خلاهم يقلبوا عليكم، إنما أنا والغلبان ده ذنب أمنا إيه في المرمطة دي؟ اتخطفنا من بيوتنا واترزعنا معاكم في بيت واحد، وكمان اشتغلنا معاكم، وفي الآخر نتعاقب معاكم على حاجة معملنهاش. الله يخربيت أم دي معرفة سودة يا جدع." ابتسم له عبد الله ببرود وقال: "عندك حق، وأنا هريحك من المعرفة السودة دي، وهفسخ خطوبتك من أختي اللي أخوها قرّفك في عيشتك." رد عليه سريعًا
برعب ونفاق: "مين قال كده؟ عيب عليك يا جدع، ده أنا أرمي نفسي في النار عشانك، ده إنت خال عيالي." انطلقت ضحكاتهم الصاخبة عليه، بينما بالخارج كان تميم يغلي من الغيظ حينما سمعهم، فقال بغيظ: "بتضحكوا؟ ماشي، وحياة أمي لهطلع البلا الأزرق على جتتكم، بحق اللي اتعمل فيا بسببكم، وإنتوا قاعدين تهزروا ولا هاممكم حاجة."
بعد وقت طويل، ها قد حضر طارق من سفره كما اتفق مع تميم. وحينما دلف إلى الفيلا وسأل عليهم، رد عليه تميم بغيظ قائلاً: "مخمّدين جوه، بعد ما قعدوا يهزروا شوية لقوا الموضوع مطول ومحدش دخلهم، ناموا من حوالي تلت ساعات." نظر له طارق بشر وقال: "هاتلي إزايز ميه متلجة بسرعة." اللمعت شرارات الشماتة من عيون تميم، وما هي إلا لحظات حتى أتى بأربعة زجاجات مياه مثلجة، أعطى اثنتين لطارق واحتفظ هو باثنتين.
دلفوا إلى الغرفة على مهل، وما هي إلا ثوانٍ وانفض الأربعة من نومهم بفزع وهم يطلقون السباب دون أن يعرفوا هوية الفاعل. ولكنهم وقفوا متصنمين حينما وجدوا طارق وتميم ينظرون لهم بشر وغضب وهم يلقون الزجاجات الفارغة بعيدًا بعدما أفرغوا محتواها فوق رؤوسهم. ساد الصمت المقلق للحظات، حتى قطعه طارق قائلاً بهدوء خطر: "منورين يا بهوات."
ثم صفق بيده وأكمل: "لا برافو بجد، أثبتولي إني شاطر في شغلي وعرفت أعلمكم التمويه واقتحام البيوت بهدوء، لا حقيقي برافو عليا." صمت قليلاً وأكمل بغضب: "بس مهما تفوقتوا مش هتوصلوا لدماغي، فاهمين؟ إيه اللي طلعكم بره الكومباوند؟ عبد الله وهو يحاول الثبات: "هو إحنا محبوسين فيه ولا إيه يا باشا؟ نظر إليه ولهيب الغضب مشتعل
داخل عينيه الرمادية وقال: "أيوه، متهببين عشان حياتكم في خطر يا غبي، وأنا اتفقت معاكم من الأول إنكم هتفضلوا فترة متخرجوش منه لحد ما الخطر يروح من حواليكم. أنا اخترت المكان ده بالذات عشان مؤمن كويس، لأن كل اللي ساكنين فيه يا إما سياسيين يا إما رجال أعمال مهمين، وكمان المصنع في المنطقة الصناعية اللي بينها وما بينه عشر دقايق بالعربية، يعني برضه مش هتخرجوا من الحدود اللي راسمها لكم. إنما إنتوا بقى عملتوا إيه؟
غفلتوني وافتكرتوا إن الدنيا بقت حلوة بعد ما سافرت؟ إنتو مش خرجتم بره المنطقة بس، لا ده إنتوا فجرتوا خالص، سافرتوا من إسكندرية للقاهرة وروحتوا الحارة اللي كل سكانها هيتجننوا ويعرفوا إنتوا اختفيتوا إزاي وفين؟ أعمل فيكم إيه؟ ريكو: "اهدي يا باشا، إحنا كنا عاملين حسابنا ومع حدش شافنا، ومعتصم عطّل الكاميرات اللي جوه الحارة وبرّاها، إنت عارف إنه شاطر في الحاجات دي." عبد الله: "وبعدين هما هيوصلولنا إزاي يعني؟
ده إحنا اتبخرنا." طارق: "ههههههههههه." نظر له الجميع بدهشة حينما ضحك بصخب، ثم قطع ضحكته فجأة كما بدأها وقال: "دول الموساد يا باشا، فاهم يعني إيه؟ نظر له بتساؤل، فقص عليهم آخر ما وصله من معلومات كما حكاها لتميم عبر الهاتف. جلسوا جميعًا والصدمة والقلق ظاهرة بوضوح فوق ملامحهم.
تميم: "فيه حاجات كتير إحنا مينفعش نقولها، بس كل اللي لازم تكونوا متأكدين منه إننا أهم حاجة عندنا هو أمانكم إنتوا وأهاليكم. كل اللي مطلوب منكم تمشوا عالخطة المرسومة وبس، وتسيبوا الباقي على الله." هدأ طارق قليلاً
وقال: "أنا مش هعرف أشوف شغلي وأركز فيه طول ما أنا مش ضامن تصرفاتكم. ده أنا حتى أخوك دخلته مصحة هنا عشان يبقى قريب منك، ولو مكنش فيه مصحة هنا كنت هعمل له غرفة مجهزة بكل الدكاترة والعلاج اللي يحتاجه في فيلا هنا برضه عشان بس أضمن إنك متطلعش بره المكان. أعمل إيه تاني؟ خجل عبد الله من تصرفه المتهور وقال: "حقك علينا، أنا فعلاً غلطت واتهورّت. هما مالهمش ذنب، أنا اللي قررت ونفذت لوحدي."
طارق بمحبة: "يا عبد الله، أنا أكتر حاجة عجبتني فيك عقلك الواعي وهدوئك في المواقف الصعبة. أرجوك خليك عند حسن ظني بيك، خليني أفضل معتمد عليك عشان أركز في اللي جاي." بعد فترة، خرج الجميع وقد صعدوا داخل سيارة مصفحة تابعة لوزارة الداخلية لا تخضع للتفتيش، وانطلقوا جميعًا متجهين نحو الإسكندرية مرة أخرى بمصاحبة تميم. أما طارق فقد لحق بهم بسيارته حتى يضمن أمانهم، وأيضًا لهدف آخر داخلها.
اقترب من سور الفيلا، وكل ما كان يسيطر عليه هو اشتياقه لحبيبته الذي كان يظنها خائنة. وبمهارة ضابط مخابرات يعد من الصفوة، كان يتسلل داخلها دون أن يشعر به أحد من الحراسة المنتشرة هناك. وما هي إلا لحظات وكان داخل غرفتها التي لحسن حظه قد تركتها حبيبته مفتوحة لشعورها بالاختناق. وجدها تجلس نصف جلسة فوق فراشها مغمضة عينيها التي ينسال منها الدمع بهدوء منافٍ لثورة مشاعرها، وهي تستمع لأغنية أصالة (يوم الرحيل)
نظر لها بعيون تقطر عشقًا واشتياقًا ووجعًا على حالهم. تسحب على مهل، وفي ثوانٍ كان يجلس بجانبها مختطفًا إياها داخل أحضانه. وكادت تصرخ من فزعها إلا أنه كتم صرختها بفهمه حين فض عذرية شفتيها خاطفًا منها أول قبلة لهما. معبرقت عيناها من هول المفاجأة، وتقلبت بين نارين... نار اشتياقها لحبيبها التي كانت للتو تدعو الله أن تراه مرة أخرى...
ونار الخيانة بما أنها تعتبر ملكًا لرجل غيره. ولكن اشتياقها واحتياجها له جعلها تغمض عينيها بقوة، تاركة له كل الحق في أن يسرق معها لحظات ستظل تحيا عليها باقي عمره. بعد أن التهم شفتيها بحب وجوع واحتياج والكثير من الاشتياق، فصلها بصعوبة ووضع جبهته فوق جبهتها وقال بحروف تقطر عشقًا ووجعًا: "وحشتيني." قالت بصوت متهدج من بين دموعها: "عمر." رد عليها بعشق خالص: "قلب عمر وروحه وحياته اللي مبقاش عارف يعيشها من غيرك."
حاولت أن تفيق من حالة الحنين التي غمرتها وقالت وهي تحاول إبعاده: "إنت دخلت هنا إزاي وإيه اللي جابك... أنت عارف إني مخطوبة واللي بينا انتهى... " شهقت بقوة وترجته قائلة بعدما وقفت من مجلسها: "أرجوك يا عمر امشي، بلاش تعذبني وتعذب نفسك عالفاضي، إحنا مل... قطع حديثها حينما وقف هاجمًا عليها ممسكًا إياها من ذراعيها وهو يقول بقهر رجل عاشق: "إنسي، سامعة؟ إنسي إني أسيبك، إنتِ ليا أنا."
بدأت ترجع للخلف خوفًا من منظره المرعب، وبدأ هو يتحرك معها ولهيب الغضب يتقاذف شرره من عينيه. حتى اصطدمت بالحائط ورائها. ترك ذراعيها ومد يداها مستندًا بهما على الحائط حتى يحتجزها، وسألها بقهر ووجع: "هتقدري تعيشي من غيري؟ هتقدري تكوني في حضن راجل غيري؟ أكمل بجنون: "هتحبيه زي... هتضحكيله زي... " ثم صرخ بهمس غاضب من بين أسنانه حتى لا يستمع إليه أحد: "انطق."
أخذت تهز رأسها بهستيرية يمينًا ويسارًا علامة رفضها لما يقوله مع دموعها المنهمرة كالشلال، وقالت: "مش هقدر، والله ما هقدر، بس غصب عني... ساعدني أرجوووك." انقض عليها يقبلها بعنف لين حنون، ثم ترك ثغرها وانتقل إلى رقبتها يوزع فوقها قبلات محمومة وهو يقول بجنون من بينها: "هعرف... هعرف ليه غصب عنك... مش هسيبك لراجل غيري... أنا هاين عليا أقطع إيدك اللي لابسة فيها دبلته... أنا كنت فاكرك خاينة أو ضعيفة، أو محبتنيش كفاية...
بس بعد اللي شوفته في عينك... يوم... ما قبلتك... مش هقدر أبعد... وههد الدنيا لغاية ماخدك." احتضنها بقوة معصرًا إياها بين ذراعيه وأكمل: "عمري ما هسيبك لحد غيري إلا بموتي، إنتِ ملكي ومش هرتاح غير وانتِ نايمة في حضني." أخرجها من أحضانه القوية الحنونة، ونظر داخل عينيها وقال بتصميم: "وده وعد مني... من عمر عبد الرحمن الغنيمي... يا قلب عمر وحياته وعمره اللي جاي واللي راح."
أنهى حديثه بالتقاط شفتيها في قبلة أكثر حرارة وحميمية، ثم فصلها فجأة، وفي لمح البصر كان مختفيًا من أمامها كما ظهر فجأة، تاركًا خلفه قلبًا ينبض بجنون. وحينما شعرت أن ساقيها لم تعد تحملانها، جلست موضع وقوفها، وظهرت فوق شفتيها التي كانت تملس عليها بأصابعها الصغيرة أجمل ابتسامة ممكن أن تراها ظاهرة وسط أمطار دموعها المنهمرة بغزارة. رفعت عينيها إلى الأعلى وقالت برجاء قلب محترق: "ياااااااااااااااا رب."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!