نظر حسن إلى أبيه وتحدث بهدوء واحترام. "مع احترامي وتقديري لكلام حضرتك يا بابا، بس أنا خلاص إديت كلمة لأبو بسمة ويعتبر شبه خطبتها. وأظن ما يرضيش حضرتك إني أرجع في كلمتي وأطلع عيل ومش قد كلمتي قدام الراجل بعد ما وعدته." وقف صلاح ودق بعصاه الأرض بعدما جن جنونه عندما استمع لذاك الاعتراف الصريح من ولده، وأردف قائلاً بنبرة غاضبة وعيون متسعة تطلق شرارات لو خرجت لاشعلت في المنزل بأكمله:
"الله الله، يعني سعادة البيه راح قعد مع الناس واتفق وخطب من قبل ما يعرفني ولا حتى يعملي قيمة ولا حساب في حياته." وأكمل بنبرة ساخرة: "طب والله كتر خيرك إنك جاي تعرفني وتديني خبر بالموضوع." وأكمل متسائلاً بطريقة ساخرة: "طب ويتر ي بقا حددتوا ميعاد الفرح ولا لسه؟ ياريت بس تبقى تديني خبر قبلها بمدة عشان أعمل حسابي وأبقى أفضي لك نفسي وأحضر الهدوم اللي هحضر بيها فرحك يا باشمهندس."
الجميع واقفون احترامًا وإجلالاً لذلك الموقف، وتحدث حسن إلى والده بنبرة مرتبكة مهزوزة من أثر غضبه العارم: "لا عشت ولا كنت لو فكرت في لحظة إني أتعدى حدودي أو أتخطاها معاك يا حاج. أنا بس روحت لهم زيارة وأخدت منهم وعد قبل ما حد تاني يسبقني ويخطبها قبلي." صاح صلاح ورمقه بنظرة نارية ثم تحدث قائلاً بنبرة حادة وعناد: "وأنا بقا مش موافق يا باشمهندس، ووريني بقا هتروح تقول للراجل اللي روحت لحد بيته من ورايا واتفقت معاه ده إيه؟
تحدث حسن بنبرة محتقنة تكسوها الحزن العميق: "ويرضيك أطلع قدام أبوها مش راجل يا حاج؟ أجابه صلاح بحدة وعناد أكثر: "مش انت اللي روحت عملت فيها سبع البرمبة ومعملتليش أي حساب، روح حلها إنت بقا بمعرفتك يا بطل." نظر إلى والده بعيون منكسرة كي يستجدي تعاطفه. أحال صلاح عنه بصره بجمود. فتحدث عز بهدوء أخيرًا، وذلك بعدما قرر التدخل لإنقاذ ابن عمه من ذاك الموقف الذي لا يحسد عليه: "أرجوك يا عمي حاول تهدى أعصابك شوية."
وأكمل بحكمة وهو يشير إلى الجميع بالجلوس: "اتفضل حضرتك اقعد وخلينا نتكلم ونتناقش في الموضوع بحكمة وهدوء علشان نقدر نوصل لحل يرضي جميع الأطراف." قاطعه صلاح بنبرة حادة رافضًا التفاهم: "تفاهم إيه اللي إنت بتتكلم عنه ده يا عز، الكلام والتفاهم كان قبل ما البيه يروح يقعد مع الناس من ورايا ويتفق معاهم ولا كأني عايش وليا وجود في حياته." ثم ألقى نظرة حارقة على حسن وتحرك إلى الخارج غاضبًا بخطوات مهرولة.
أسرع عبدالرحمن إلى وقفة أبيه وتحدث إليه باستعطاف لأجل ابن عمه الحبيب: "أرجوك يا حاج اخرج ورا عمي وكلمه وحاول تهديه شوية." أخذ محمد نفسًا عميقًا ثم زفره بضيق وأسى، ثم وقف وتحرك مقتربًا من وقفة حسن وتحدث إليه بنبرة هادئة لائمة: "مع إني مش موافقك على مروحك للراجل واتفاقك معاه من غير علمنا." واسترسل حديثه ببارقة أمل: "بس أنا هقف معاك وهكلم أبوك وأحاول أخليه يوافق على الموضوع عشان خاطرك يا باشمهندس."
نظر إليه حسن بعيون متسعة من شدة ذهولها، وتحدث باحترام ونبرة شاكرة محاولًا تفسير موقفه: "متشكر جدًا لحضرتك يا عمي، أنا مش عارف أقول لك إيه، بس أنا والله ما اتفقت معاه على أي حاجة تخص الجواز، أنا مجرد روحت له زيارة وأكدت على حسن نيتي من ناحية بنته عشان ما تتفهمش غلط، وصدقني ما جاش في بالي أبداً إن الحاج هياخد الموضوع بالحساسية دي." أومأ له الحاج محمد دلالة على تصديقه وتحدث إليه بهدوء:
"مصدقك طبعًا يا ابني، وأنا هطلع حالاً أقول لأبوك الكلام ده وإن شاء الله يهدي ويوافق." شكر حسن بعينيه، وبالفعل خرج محمد وعبدالرحمن وأحمد ليلحقوا بصلاح محاولين تهدئته وإقناعه بالموافقة. أما عزيزة التي اقتربت من نجلها وربتت على كتفه وتحدثت إليه باستعطاف: "اعقل يا ابني واسمع كلام أبوك، أبوك أكتر واحد في الدنيا دي هيخاف عليك وهو أدرى الناس بمصلحتك." نظر إليها بعيون مترجية وأردف معاتبًا إياها بلطف:
"يا أمي، إنتوا ليه محدش فيكم قادر يفهمني ويستوعب تفكيري، أنا خلاص اخترت بسمة بالتحديد عشان تكون مراتي وحلالي ومش أي حد غيرها." تحدثت إليه ثريا وهي تربت على كتفه بحنان في محاولة منها ببث الطمأنينة داخل روحه: "اطلع يا حبيبي ارتاح في أوضتك دلوقتي ولما بابا يهدي نبقى نقعد تاني ونتكلم." نظر لها وهز رأسه برفض وتحدث إليها بإصرار: "مش هرتاح ولا هيهدي لي بال غير لما أتكلم مع بابا وأحاول أقنعه بالموضوع."
وأخيرًا تحدث إليه عز مؤكدًا على حديث معشوقته: "اسمع كلام ثريا واطلع على أوضتك دلوقتي يا حسن." وأكمل مفسرًا: "عمي حاليًا متعصب جدًا ومش هيسمع منك ولا من غيرك، سيبه لما يهدي خالص وأنا متأكد إن أبويا إن شاء الله هيقدر يقنعه." نظر حسن لداخل عينيه فبث له عز الطمأنينة، فتحرك حسن إلى أعلى بوجه محتقن بالغضب وقلب يكاد يشتعل نارًا. بعد صعوده للأعلى، وجهت عزيزة إلى ثريا نظرات يملؤها اللوم والعتاب وأردفت قائلة بنبرة ملامة:
"كله منك إنتِ يا ست ثريا، أكيد قال لك عليها لما خدك وطلعتوا على السطوح امبارح، ومش بعيد تكوني إنتِ اللي شجعتيه عشان يكلم أبوكي ويتمسك بيها بالشكل ده." نظرت إليها بعيون يملؤها الحزن وكادت أن تتحدث لتبرئ نفسها من تلك الاتهامات لولا أن سبقها عاشق روحها الذي تحدث دفاعًا وحماية:
"وثريا ذنبها إيه بس يا مرات عمي عشان تلوميها وتضايقيها بالشكل ده، ما إنتِ أدرى الناس بابنك وعارفة كويس أوي إنه لما يحط حاجة في دماغه مستحيل حد يعرف يقنعه بإنه يتراجع عنها أو ينساها." هدأت عزيزة قليلاً من ناحية ثريا وتحدثت إلى عز باستسلام وهن: "أعمل إيه بس يا عز، ده أنا بتكلم من غلبي يا ابني والله، أديك شفت بعينك اللي حصل، البيت ولع في دقيقة بسبب البت دي وأهلها، وابن عمك أديك شفته بنفسك، مصمم عليها زي ما يكون مسحور."
تحدثت منيرة بتذكر واضعة كف يدها فوق مقدمة رأسها بتفكر، وكأنها استفاقت على حالها ووجدت ضالتها: "برافو عليكي يا عزيزة، كانت تايهة عننا فين دي بس." وأكملت بتفكر: "مش يمكن تكون البت دي سحرت له هي وأهلها عشان يتمسك بيها ويحارب عشانها ويتجوزها؟ نظر إليها عز بملامح وجه منكمشة مما يدل على اشمئزازه وعدم تقبله الحديث بهذه النقطة. وتحدث باستهجان:
"إيه يا أمي الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده، سحر إيه وكلام فارغ إيه، حد بردوا يصدق في التخاريف دي؟ ردت عليه زوجة عمه عزيزة بتشكيك: "وليه لأ يا عز، السحر يا ابني مذكور في القرآن، مش يمكن يكون كلام منيرة صح؟ وجهت ثريا الحديث إليهما بنبرة رافضة: "سحر إيه بس اللي بتتكلموا عنه يا جماعة، حسن أخويا بيحب البنت بجد، وبعدين ده شافها صدفة ومن أول يوم ربنا زرع حبها في قلبه، لحقت سحرت له فين وإمتى بقا؟
أنهى عز هذه المسرحية الهزلية وهدأ الجميع، ثم وجهت ثريا بصرها إلى عز ونظرت إليه بعيون شاكرة ممتنة لوقوفه الدائم ومساندته لها ولشقيقها. ابتسم لها بهدوء وتفرق الجمع كل إلى وجهته. ***
عصر اليوم التالي، وبالتحديد داخل غرفة حسن الذي لم يغادرها بتاتًا منذ حدوث ذلك الاشتباك العنيف، كان جالسًا فوق سريره ينظر إلى سقف الغرفة بشرود وضيق مما حدث. أمسك قرص الهاتف الأرضي ورفع عنه السماعة وبدأ بلف القرص على الأرقام التي يحتفظ بها داخل ذاكرته كي يحادث ساحرته وخاطفة قلبه من خلال هاتف البازار التي تعمل به حتى يطمئن عليها ويستمع إلى صوتها الحنون كي يعطيه بعض الدفء لروحه التي اجتاحتها برودة التخلي وخيبات الخذلان الذي تعرض لها على يد الجميع، وبالأخص والده القاسي الذي لم يشعر للحظة بأنين روحه التي تعاني العشق.
وبلحظة استمع إلى طرقات خفيفة فوق الباب. سمح للطارق بالدخول. فوجئ بدخول والدته وهي تحمل بين يديها طبقًا موضوعًا فوقه بعض المعجنات وكأسًا من العصير الطازج. تحركت إليه ووضعت ما بيدها فوق الكومود المجاور لسرير صغيرها وجلست بجانبه وتحدثت بابتسامة حانية متسائلة بفضول: "بتكلم مين يا حبيبي؟ وضع سماعة الهاتف فوق القرص وأعاده من جديد إلى مكانه وتحدث بنبرة جامدة حادة: "كنت هكلم واحد صاحبي في الشغل." تحدثت إليه وهي تشير
بكف يدها إلى ذاك الطعام: "طب يلا يا حبيبي عشان تاكل لك لقمة تسند بها قلبك." "ماليش نفس يا أمي." جملة تفوه بها حسن بنبرة صوت يكسوها الحزن والأسى. تحدثت إليه عزيزة بنبرة حزينة وعيون مترجية: "ملكش نفس إزاي بس يا ابني، ده إنت على لحم بطنك من الصبح وما أكلتش أي حاجة، مش كفاية إني جبت لك الغدا ورجعته تاني زي ما هو حتى ملمستهوش." تحدث إليها بتملل قائلاً:
"أرجوكِ يا ماما ما تضغطي عليّ وسيبيني براحتي، أنا تعبان ومش هقدر أتحمل جدال أكتر من كده." وقفت وهي تتحدث إليه بنبرة حادة وتأكيد: "لأ، ده كده بقا الموضوع فيه إن بجد، ده كده تبقى مرات عمك عندها حق في كل اللي قالته." نظر إلى والدته مضيقًا بين حاجبيه باستفهام فأكملت وهي تدق على يديها بغضب تام: "أكيد البنت دي وأهلها ساحرين لك بجد، وأنا بقا مش هقف أتفرج عليك كده وإنت بتدبل قدام عنيا، أنا من بكرة لازم أشوف حل للموضوع ده."
وأكملت بوعيد: "وما بقاش أنا عزيزة لو ما قلبت السحر ده عليه." ثم تحركت للخارج صافقة الباب خلفها تحت ذهول حسن من تلك الترهات التي استمع إليها من والدته للتو. ابتسم بجانب فمه بطريقة ساخرة على ما وصلت إليه والدته بتفكيرها العقيم. نفض تلك الأفكار من عقله وأمسك قرص الهاتف من جديد ولفه على الأرقام المطلوبة وانتظر الرد بقلب يكاد يخرج من بين أضلع صدره من شدة هيامه وغرامه.
أما داخل مدينة أسوان الحبيبة، وبالتحديد داخل البازار التي تعمل به بسمة، كانت الثلاث فتيات تتواجدن داخل البازار لحالهم يتابعن عملهن ككل يوم.
كانت تجلس حزينة شاردة ناظرة أمامها في اللاشيء، فمنذ رحيل فارسها النبيل عنها منذ الثلاث ليالي وهذا أصبح حالها المعتاد. استمعت الثلاث فتيات إلى صوت رنين الهاتف الأرضي. تحركت أمنية إلى موضع الهاتف ورفعته إلى أذنها تتفقد المتصل الذي رد عليها وتعرف على شخصها وطلب منها أن تعطي الهاتف إلى بسمة محياها كي ترد له روح الفؤاد. نظرت أمنية إلى تلك الجميلة ذات العيون الحزينة وتحدثت بنبرة دعابية:
"الشاطر حسن عاوز يكلم ست الحسن والجمال." أطلقت تهاني ضحكة وأردفت قائلة بنبرة هائمة: "يا عيني على الحب وجماله، أوعدنا يارب." أما تلك الشاردة التي ما أن ذكرت أمامها حروف حسن ووصلت إلى مسامعها حتى قفزت من جلستها مسرعة إليها وهي تتساءل بلهفة واشتياق: "ده حسن بجد يا أمنية؟ ابتسمت لها وهي تهز رأسها بإيجاب وأعطت لها سماعة الهاتف واستندت بساعدها واضعة كف يدها فوق وجنتها وهي تنظر إليها بهيام لتتابع ما سيدور. تحدثت بسمة
إليها متسائلة بجدية وتعجب: "خير يا أمنية، فيه حاجة يا حبيبتي؟ ضحكت لها بسماجة وانسحبت بعد جدال دار بين كلاهما واتجهت حيث وقفت صديقتها بعيدًا حتى يتركا لها المجال إلى التحدث بأريحية وإعطائها بعض الخصوصية. أما تلك العاشقة فقد أجابت على عاشقها بصوت أنثوي رقيق ساحر: "ألو."
استمع إليها وكأن نبرتها الرقيقة أزاحت عنه كل أحزانه التي أصابته منذ ابتعاده عنها وويلات قلبه وخيبة الأمل التي اجتاحته من ردود أفعال أهله على زواجه منها. أغمض عينيه تاركًا العنان لخياله الذي رسمها أمامه بجمالها وسحرها وعينيها المبهره وتحدث هامسًا بنبرة صوت عاشقة حتى النخاع: "وحشتيني، وحشتيني بجنون يا بسمة، وحشني صوتك، نظرة عيونك، جمال طلتك وخجلك، وحشني كلك، كلك يا سمر."
تنهدت واجتاحها ألم لذيذ احتل قلبها واستسلمت هي إليه. أصابها من همساته المذيبة لكيانها بالكامل. كانت تستمع إليه بعيون مغلقة وروح سارحة في ملكوت عشقه وتحدثت بدلال أنثوي أشعل داخل ذاك الولهان: "قلبي زعلان منك على فكرة." هتف بنبرة هائمة أذابت قلبها وأنهت على ما تبقى من ثباتها: "قلب حسن لا يمكن يزعل منه أبداً مهما حصل، عارفة ليه؟ وأكمل مفسرًا تحت وله بسمة: "لأنه بيعشق حسن ودايب فيه." ابتسمت وأجابته بدلال:
"وهو عشان سلم لك حاله وبقا قلب حسن مش قلب بسمة، تقوم تتعبه معاك كده وتشغله على حبيبه؟ وأكملت بعتاب لطيف تحت ذهول حسن من نطقها لتلك الكلمات الجريئة التي أشعلت روحه وأنهت على صبره الواهي: "هانت عليك بسمة تسيبها كده تلات ليالي من غير حتى ما تطمنها عليك وتقول لها إنك وصلت بالسلامة." "كنتي قلقانه عليا يا بسمة؟ " سؤال طرحه الشاطر حسن على ساحرته الجميلة، بنت الجنوب. فأجابت بصدق ورقة ممزوجان بالخجل:
"طب ولو ما قلقتش على حبيبي يفضل لي مين أخاف وأقلق عليه؟ اشتعل داخله وتعالت دقات قلبه لتعلن عن دق طبول الحرب وبعثرة مشاعره الجياشة. وأردف قائلاً بنبرة توسلية: "قوليها تاني من فضلك يا بسمة، قولي حبيبي تاني، محتاج أسمعها أوي منك عشان تقويني وتصبرني على بُعادك." ابتسمت بخفة وأردفت قائلة بنبرة حنون: "دي ما تتقالش وقت ما تطلب يا حسن، دي بتترجم وبتطلع لوحدها من القلب لما يحسها." أخذ نفسًا عميقًا وأردف قائلاً برجاء:
"طب عشان خاطر حسن قوليها تاني، أنا محتاج أسمعها منك أوي يا بسمة." أردفت قائلة بنبرة خجلة: "بحبك يا حسن." كاد أن يصرخ من فرط لذة اللحظة، وبدأ يندمج معها داخل حديث العشق متناسيًا بغرامها ورقة وعذوبة مشاعرها الصادقة همه الذي أصابه مؤخرًا بعدما حدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!