في مساء اليوم التالي، و بالحديد داخل مسكن أحمد و ثريا، كانت تتمدد بجواره فوق الفراش، يحتويها بذراعه داخل أحضانه بحنان. رفعت رأسها ناظرة إلي عيناه و تحدثت إليه بعيون حزينة: "أحمد، أنا عاوزاك تيجي معايا بكرة علشان نتكلم تاني مع بابا و نحاول نقنعه بموضوع خطوبة حسن من البنت بتاعت أسوان." أغمض عيناه بأسي و زفر بضيق و تحرك ساحباً جسده لأعلي ليستند بظهرهِ علي خلفية التخت و تحدث بنبرة هادئة سيطر عليها كي لا يُحزن
قلب معشوقته: "خرجي نفسك برة الموضوع ده خالص يا ثريا و ياريت ما تدخليش فيه خالص." نظرت إليه بإستغراب لحديثه الغير متوقع بالنسبة لها و أردفت قائلة بنبرة حادة بعض الشئ: "إزاي بتطلب مني أخرج نفسي من الموضوع يا أحمد؟ وأكملت بتساؤل: "هو أنتَ مش شايف حالة حسن قدامك عاملة إزاي؟ تنفسً عالياً ثم زفر بهدوء و تحدث بنبرة متعقلة:
"حسن بيعاند نفسه يا ثريا و كل اللي بيعمله ده مفيش منه أي فايدة. عمي صلاح نهي النقاش في الموضوع ده و قفله نهائياً، و أي حد هيحاول يفتح الموضوع معاه تاني هيبقا بيضيع وقت على الفاضي و بيكسب عداوة عمي صلاح شخصياً." إعتدل بجلسته ناظراً إلي ملاكه الذي كسي الحزن وطغى على ملامحها الرقيقة، ثم وضع أنامله على وجنتها الرقيقة يتحسسُها برقة و تحدث بنبرة حنون وعيون مُحبة:
"أنا خايف عليكي من غضب عمي يا حبيبتي، عمي حالياً في حالة غضب أعمى و هيطيح في أي حد يحاول يفتح معاه الموضوع و أنا مش عاوزك تعاديه." إغرورقت عيناها بالدموع و تحدثت بنبرة صوت مُختنقة بفضل دموعها التي على وشك الإنسياب: "يعني هنسيب حسن لوحده في الحالة اللي هو فيها دي يا أحمد، حسن بيحبها و موجوع عليها بجد." جذبها لداخل أحضانه من جديد واضعً قُبلة فوق مقدمة رأسها و تحدث لتهدئتها:
"متزعليش يا ثريا، بكرة ينسىها و يحب غيرها يا قلبي." خرجت من بين أحضانه سريعاً و نظرت إليه مُتسائلة بتعجب وأستغراب: "وهو الحب الحقيقي ممكن يتنسي بسهولة أوي كده يا أحمد؟ وأكملت بتساؤل و عيون مترقبة الإجابة بلهفة: "يعني أنا لو جرا لي حاجة ولا مت في أي لحظة هتقدر تنساني و تحب غيري و تكمل حياتك طبيعي كده عادي؟ وضع أناملهٌ سريعاً فوق شفتاها و تحدث و نظرة رعب تملكت من عيناه:
"بعد الشر عنك يا ثريا، إوعي أسمعك تجيبي سيرة الموت على لسانك تاني." وأكمل بنبرة حزينة صادقة: "ربنا يجعل يومي قبل يومك علشان أنا مش قد وجع قلبي على فراقك يا بنت قلبي." تحدثت بعيون شبه دامعة: "بعد الشر عليك يا حبيبي، أرجوك بلاش الدعوة دي يا أحمد، إنتَ كده بتكتب شهادة وفاتي و أنا لسه على وش الدنيا." وأكملت بعيون عاشقة و نبرة صوت هائمة في عشق حبيبها: "صدقني يا حبيبي، حياتي بعدك هتبقى بالنسبة لي الموت بعينه."
سحبها بين أحضانه و شدد من ضمته لها حتى كاد أن يسحق عظامها دون إدراك منه و تحدث برجاء: "علشان خاطري يا ثريا تسمعي كلامي و تبعدي عن موضوع حسن و ما تحاوليش تتكلمي فيه تاني مع أي حد." وأكمل بوعيد و هو ينظر أمامهُ بغضب: "علشان لو حد مسك و جرح قلبك بكلمة واحدة أنا هقلب الدنيا و مش هسكت." وأكمل بتأكيد: "حتى لو كان الحد ده هو عمي بذات نفسه، فهماني يا ثريا."
سعدت لعشق زوجها الحبيب لها و شعورهٌ بالقلق خشيةً على جرح قلبها البريء و برغم حزنها على شقيقها ورغبتها الملحة على مساعدته في تحقيق حلمه إلا أن غمرتها السعادة من شعورها بعشق زوجها الهائل لها. ابتسمت و شددت هي الأخرى من ضمتها لهُ و أردفت قائلة بنبرة سعيدة: "ربنا يخليك ليا يا أحمد و ما يحرمنيش منك أبداً." و بات كلاهما يشدد من ضمتهِ لاحتضان الآخر و ظل هكذا حتى غفا كلاهما بسلام داخل أحضان الآخر الحانية. ***
بعد مرور خمسة أيام من الصراع الدائر داخل المنزل بين الجميع، مازال صلاح مُصراً على موقفه الرافض برغم محاولة شقيقهُ محمد و عبدالرحمن و شقيقي ثريا فريد وعلي. حزن قلب حسن و إصراره على موقفه الثابت تجاه من اختارها قلبهُ لتصبح شريكة مشوارهِ الحياتي. كان يجلس ليلاً بغرفة الجلوس المتواجدة بوسط الشقة، ممسكً بكتيب يطلع عليه بتركيز شديد. أخرجهٌ من تركيزه رنين ذلك الجرس الخاص بالباب الخارجي.
صاح بصوتهِ مُنادياً على ياسين الجالس بالداخل يستذكر دروسهٌ بتركيز، وذلك لمقاطعته الحديث نهائياً مع منال وتجنبها كُلياً كنوعً من العقاب لها على تدخلها فيما لا يعنيها وحتى لا تكرر الدخول في شؤون عائلتهُ الخاصة مُجدداً. "إفتح الباب من فضلك يا ياسين." كاد الفتى أن يرد على أبيه ويتحرك إلى الخارج امتثالاً لأوامر غاليه لولا استماعهِ لصدى صوت منال والتي كانت متواجدة داخل المطبخ تصنع مشروباً لأطفالها والتي تحدثت
موجهة حديثها إلى صغيرها: "خليك إنتَ يا ياسين وأنا هفتح الباب."
خرجت تلك الناقمة على حياتها تتحرك بتذمر وغضب، وذلك بسبب عدم رضاها على قيامها بخدمة زوجها وأطفالها بنفسها، فكم من المرات الكثيرات التي طلبت فيها من عز أن يبتعدا ويسكنا هما وأطفالهما بعيداً عن منزل العائلة، وأن يأتي لها بعاملة تُعينها في شؤون المنزل حيثُ أنها ليست بالبارعة في أمور التنظيف وإدارة المنزل بشكل جيد، ولكن دائماً كان يأتيها الرد منه بعدم الموافقة وإصابتها بخيبة الأمل في كل مرة تتحدث إليه فيها.
خرجت من المطبخ وتحركت وهي تبرطم وتهمس بينها وبين حالها بكلماتٍ غاضبة ناقمة. اتجهت نحو الباب وفتحته وتفاجأت حين وجدت ثريا تقف أمامها وهي تتحدث بلباقة وابتسامة خفيفة على ثغرها: "مساء الخير يا منال! شملتها منال بنظرة استغراب وذلك لحضورها في ذاك التوقيت المتأخر من الليل خلافاً على أنها من الأساس لم تأتي لزيارتهم من ذي قبل. وأجابتها مُقتضبة وبنبرة صوت رخيمة تحدثت: "مساء النور."
ابتلعت ثريا غصة مريرة داخل حلقها من معاملة تلك المتعالية ولكنها سرعان ما تغاضت عن سوء معاملتها في سبيل إكمال المضي قدماً في خطواتها الهامة تلك وذلك لمساعدة شقيقها بشتى الطرق. وتساءلت على استحياء وهي تفرك كفيها ببعضيهما خجلاً: "يا ترى عز موجود؟
وصلت همساتها المسائية إلى أذن ذاك العاشق الذي استمعها بقلبه قبل أذنيه وهي تتغنى بحروف اسمه الذي يعشق الاستماع إليه من بين شفتيها المبتغاة، فانتفض داخلهٌ ثائراً عليه وبدون شعور منهْ انتفض واقفاً من جلسته وأردف قائلاً بلهفة وصوتٍ كست على نبراته السعادة: "ادخلي يا ثريا، واقفه عندك ليه! استجمعت شجاعتها وخطت بساقيها إلى الداخل بعدما أشارت لها تلك الرخيمة بيدها وأزاحت جسدها من أمام الباب لتفسح لها المجال للدخول.
قابلهُ هو بابتسامة ساحرة وعيون سعيدة غير مصدقة لرؤيتها بمسكنه لأول مرة وتحدث وهو يشير إليها للدخول، فتحدثت هي على استحياء: "عاوزاك في موضوع مهم يا عز، فاضي نتكلم شوية ولا مشغول وأجي لك وقت تاني؟ أجابها على الفور مما جعل منال تستشيط غضباً من معاملة زوجها الرقيقة لتلك الثريا مدللة المنزل والعائلة بأكملها: "وحتى لو ما كنتش فاضي أفضي لك نفسي مخصوص يا ثريا." وأشار بيده في دعوة منه لها إلى الجلوس: "اقعدي يا ثريا."
ابتسمت له برضا وجلست بنفس أريكته لكن بطرفها مما أشعل روحه وجعلها تتراقص فرحاً. ثم حول بصرهُ ناظراً على تلك المتصنمه بوقفتها وتحدث إليها باحترام مصطنع في محاولة منه للمحافظة على شكل وكرامة زوجته أمام ثريا: "من فضلك يا منال اعملي أي عصير فريش علشان ثريا." أجابته بإيماءة بسيطة من رأسها مع طاعة مصطنعة كي لا تثير غضبه عليها أكثر: "حاضر يا سيادة العقيد." وانسحبت بهدوء وتحركت بكبرياء إلى الداخل لتفعل ما أمرها به زوجها.
حين وجه هو بصرهُ وصوبهما على تلك الجالسة وحمرة الخجل كست ملامحها الرقيقة مما جعلها فاتنة وزاد من لهيب ذاك المسكين ولكنهٌ أسرع بغض بصرهِ واستغفر خالقه وطلب منه السماح والثبات. فتحدثت وهي تنظر لذاك المشيح عنها ببصرهِ: "عز، أنا محتاجة منك خدمة ضروري." وأكملت مفسرة: "أنا جايه لك علشان تساعدني وتقف جنب حسن في موضوعه وتكلم بابا تاني وتحاول تقنعه." وأكملت بإطراء:
"بابا طول عمره بيحترمك جداً وبيثق دايماً في آراءك، ولو فاتحته وشاف الموضوع من وجهة نظرك بالتأكيد وقتها هيراجع نفسه ويغير رأيه ويتراجع عن قراره الظالم ده." نظر إليها بعيون حزينة يائسة وتحدث بأسى: "للأسف يا ثريا مش هينفع، عمي صلاح رافض إن أي حد يفتح معاه الموضوع وقافف باب النقاش فيه نهائياً." وأكمل مفسراً بتعجب: "تصوري إن وصل بيه الحال إنه اتخانق مع أبويا واتهمه بإن قلبه مش على حسن وإنه أناني وما بيفكرش في مصلحته."
وأكمل ليضع الصورة أمام عينيها كاملةً: "وقال له كمان إن لو حسن ده كان ابنه كان رفض جوازته من بنت أسوان البسيطة وكان دور له على جوازة تليق بيه وبمقامه." وأكمل بملامح وجه حزينة: "والحاج زعل جداً من الكلام ده ومنعني أنا وعبدالرحمن وأكد علينا إننا ما نتدخلش في الموضوع نهائياً." تحدثت بنبرة مُختنقة وأغرورقت حبات الدموع بعينيها مما جعل داخلهٌ يستشيط لأجلها:
"طب وإيه الحل الوقت يا عز، هنقف نتفرج على حسن وإدينا متكتفة ونسيب الحزن ينهش في قلبه بالشكل ده؟ وأكملت باتهام وقلبٍ يتألم لأجل شقيقها الغالي: "أخويا تعبان أوي يا عز، حسن بيحبها بجد وكلكم مش هاممكم غير الشكل الإجتماعي والحسب والنسب ومحدش منكم حاسس بيه ولا بوجعه." نظر لها بألم لأجلها وأردفَ قائلاً بنبرة متألمة ينبثق من داخلها وجعٌ ومرارة: "صدقيني يا ثريا أنا أكتر واحد حاسس بيه وبوجع قلبه."
وجهت إليه اتهام غير شاعرة بأنين روحهِ وصرخات قلبه المُميتة والتي تكادُ أن تفتك به وتُنهي على حياة ذاك المسكين لتستريح من كل ذاك الألم الذي أصبح غير محتمل لقلبه الذي يحتضر منذ البعيد دون أمل للخلاص. "مش صحيح يا عز، محدش منكم حاسس بوجع قلب حسن ولا جربه." وأكملت بجبروت: "ولو كنت فعلاً حاسس بيه زي ما بتقول، طب ليه ساكت على ظلم عمك ليه يا سيادة العقيد؟
"ليه متحاولش توصل لدماغ بابا وتقنعه وترحم حسن من وجع قلبه الغير محتمل، ليه يا عز، ليه؟ نظر لها وصمت. زادت هي من الضغط على جرحه غير مبالية بآلام روحهٌ المبرحة وتحدثت بنبرة صوت استعطافية زلزلت كيانه: "أنا عارفة إني غالية عندك وإنك بتعزني وبتعتبرني أختك اللي ربنا ما رزقكش بيها، لو كنت فعلاً غالية عندك زي ما بتقول إثبت لي ده وساعدني نكلم بابا ونقنعه." نظر لها بعيون تنمُ عن مدى ألمه وتحدثَ داخلهٌ بقلبٍ
صارخ يئن من ويلات الألم: "كفا حبيبتي كفا، رُحماكِ قاتلتي، رُحماكِ خليلتى." "ألم تشعري بتمزق روحي واشتعالها؟ "ألم تستمعي لصرخات قلبي وأنينه؟ "لقد أهلك غرامكِ قلبي حتى وصل للمنتهى." "فالويلٌ كل الويلٌ لي بقربكِ المهلكِ." "فلترأفي بروحي السجينةٌ بداخلِ كيانكِ." "ورحماكِ بمن أتى عليه الزمانٌ ولم يعي ويلاتهِ."
هنا أتت منال عليهما بعد أن كانت تقف بجانب المطبخ تتسمع عليهما لمعرفة ما يتحدثا به كي تكون على وعيٍ ودراية كاملة بكل ما يجري من حولها. وضعت لهما أكواب المشروب وجلست فوق مقعداً مقابلً لأريكتهما ووضعت ساقاً فوق الأخرى بطريقة متعالية وتحدثت بوجهِ هادئ بعض الشئ: "اشربي العصير يا ثريا." أجابتها ثريا بابتسامة باهتة رسمتها بإعجوبة كي لا تعبس بوجه منال: "تسلم إيدك يا منال وأسفة تعبتك معايا."
ابتسمت لها بخفة بمجاملة وذلك لأجل إرضاء عز فقط لا غير. نظر عز إلى ثريا وأردفَ قائلاً بهدوء وبنبرة مُستترة حتى لا يدع الفرصة إلى منال بالتدخل في الحديث كي لا تُحزن حبيبته بحديثها اللاذع: "اشربي العصير واطمني يا ثريا، وأنا إن شاء الله هعمل لك اللي إنتِ عايزاه ويرضيكي." ابتسمت له بسعادة ونظرت إليه بامتنان ووقفت مستأذنة بنبرة رقيقة بعدما حصلت على ما سعت إليه:
"معلش يا عز مش هينفع، أصلي سايبة رائف مع أمي تحت ولازم أنزل أجيبه علشان زمانه مغلبها معاه." وأكملت بعيون ممتنة: "وحقيقي متشكرة جداً على كل حاجة." أومأ لها بصمت بابتسامة سعيدة لأجلها ثم وقف وتحدث وهو يشير إليها بكأس العصير ممسكً إياه بيده: "طب ممكن تشربي العصير بتاعك علشان خاطري."
اتسعت حدقة عين منال باستغراب وهي تشاهد رقة وحنان زوجها الموجهة لتلك الثريا، وما كان من ثريا إلا الامتثال لحديث عز وأخذت من بين يده كأس العصير وارتشفت منهٌ القليل لإرضائه وأنسحبت بهدوء من المكان بأكمله. *** خرجت من شقة عز وكادت أن تتحرك إلى الدرج إلا أنها استمعت إلى صوت ذاك الغاضب وهو يناديها من خلفها بنبرة حادة: "ثريا." التفت إليه تنظر للخلف حيث وقوفهٌ أمام باب شقتهما وتحدثت بابتسامة بشوش رُغم وجههِ وملامحه المكفهرة:
"هنزل أجيب رائف وأرجع لك يا أحمد." وكادت أن تتحرك من جديد إلا أن صوته الهادر جعل ساقيها تتسمر بوقفتهما وهو يتحدث: "تعالي الأول، عاوزك." نظرت ثريا إلى أحمد وتحركت إليه حتى اقتربت من وقفته، سحبها من يدها وأدخلها عنوةً عنها لداخل مسكنهما وأغلق الباب تحت ذهولها وعينيها المتسعة وهي تنظر إليه باستغراب. ثم اقترب منها وتحدث بنبرة متسائلة يشوبها الشك: "كنتِ عند عز بتعملي إيه في الوقت المتأخر ده؟ ابتلعت لُعابها وتحدثت بعيون
مغيمة أثر غشاوة الدموع: "معناه إيه سؤالك ده يا أحمد؟ احتدمت نبرة صوت أحمد وتحدث بنبرة حادة صارمة: "ما ترديش على سؤالي بسؤال، وأكمل متسائلاً بحدة: بسألك كنت عند عز جوة بتعملي إيه في الوقت ده؟ تمالكت من حالها كي لا تجهش وتنفتح في نوبة بكاءٍ مرير من حديثهٌ الجارح والمهين لشخصها وتحدثت مفسرة بنبرة مُختنقة: "كنت رايحة أتكلم معاه في موضوع حسن، ومراته كانت معانا وتقدر تسألها لو مش مصدقني."
جحظت عيناه من حديثها المهين لشخصهِ قبل شخصها، فهو لم يقصد التشكيك بشرفها بلحظة، ولكن، بماذا يحدثها وكيف يخبره بأنه بات يشعر بنارٍ تأكل بداخله الأخضر واليابس بدون رحمة، نارٍ شاعلة بقلبه تحرق جسده كُلما تواجدت هي وعز بمكان واحد يجمعهما، وذلك بعدما رأي بعين شقيقه لهفته وعشقه ورعبه عليها يوم ولادتها المتعثرة لصغيرها رائف.
يومها كانت الساعة قد تخطت الخامسة فجراً وشعرت ثريا بآلام مخاض الولادة والتي كانت متعثرة للغاية، وقتها فقط ظهر الرعب بعين عز وأسرع لإحضار الطبيب ولم يكتفِ بذلك فقط، لكنهٌ أصر على الدخول ووقف أمامها وبث الطمأنينة لداخل روحها بحديثهٌ المطمئن لها كي يزرع بداخلها التفاؤل والعزيمة. ثم حدث ولا حرج عن حالته المزرية وهو ينتظر خارج الغرفة المتواجدة بها ويجوب المكان إياباً وذهاباً والقلق ينهش داخله ويتوحش بداخل عيناه.
حينها استغرب أحمد حالة شقيقه والتي لم يرا منها جزءً ولو بسيطاً خلال وضع منال لأطفاله الثلاثة. يومها أقسم أحمد لحالهِ وبات متأكداً أن ما يحدث لشقيقهٌ عشقٌ، عشقٌ لامرأته ومن قديم الأزل، لا محال، هو رجل عاشق حتى النخاع، ومن غيره يشعر بخوف وارتجاف العاشق على الحبيب. أما عن فرحة عيناه حينما خرج الطبيب وأخبرهم بنجاة الأم ووصول صغيرها بسلام فحدث ولا حرج. فاق من شروده القاتل وتحدث بنبرة حادة صارمة:
"إنتِ اتجننتي يا ثريا، إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟ واكمل معترضاً: "إزاي تفكري أصلاً تحطي نفسك في موضع الشبهات؟ هنا نزلت دموعها بوهن وأردفت قائلة بنبرة ضعيفة: "كلامك ليا ملهوش معنى غير كده يا أحمد." لم يتحمل رؤيته لدموعها العزيزة وجذبها على الفور وأدخلها لداخل أحضانه مشدداً عليها وهو يربت على ظهرها بحنان:
"غلط يا بنت قلبي، تفكيرك غلط، إنتِ عارفه أنا أقصد إيه بالظبط، أنا عارف ومتأكد من إنك روحتي لعز علشان يتوسط لحسن عند عمي صلاح." وأكمل بنبرة لائمه: "روحتي له برغم تحذيراتي ليكي بإنك تبعدي نفسك عن الموضوع يا ثريا، يعني ما عملتيش لكلمتي ولا لخوفي عليكي حسابه." هزت رأسها سريعاً بنفي وتحدثت:
"لا عشت ولا كنت لو كنت أقصد أكسر كلمتك يا حبيبي، أنا بس صعبان عليا حزن أخويا ووجعه، ولما فكرت لقيت إن عز هو الوحيد اللي ممكن يساعدني ويقنع بابا ويخليه يتراجع عن قراره." أخذها لداخل أحضانه وشدد عليها بتملك وغيره حين استمع لخروج حروف اسمه من بين شفتاها المهلكة وتحدث وهو يشدد من ضمتها حتى كاد أن يسحق عظامها من شدة احتضانه وغيرتهُ المرة: "علشان خاطري خرجي نفسك من الموضوع ده وبلاش تتكلمي فيه مع حد تاني وبالذات مع عز."
وأكمل باستعطاف: "اوعديني يا ثريا." أجابته من داخل أحضانه التي تشبه القبضة الحديدية والتي أوصلت لها كم هو غاضب ويشعر بالاشتعال: "حاضر يا حبيبي، حاضر." تنهد براحة بعد حديثها ومازال مشدداً لضمتها بل ازداد تحت حزنها لتلك الحالة التي وصل إليها مؤخراً معشوقها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!