في صباح اليوم التالي داخل منزل العائلة. استغلت منال ثبات عز في نومه وتحركت من جواره بخفة وهي تتمشى على أطراف أصابعها كي لا يستيقظ ويرها ويسألها إلى أين تذهب في تلك الساعة المبكرة. واتجهت إلى الدرج ونزلت سريعًا متجهة إلى الأسفل، ومنه إلى المطبخ. وجدت عزيزة تقف أمام المشعل تصنع وجبة الفطار لأهل المنزل بمفردها. وقفت قبالتها وتحدثت إليها بنبرة هادئة ورسمت على محياها ابتسامة مزيفة. "صباح الخير يا طنط."
شملتها عزيزة بنظرة استغراب مضيقة العينان وردت عليها الصباح بنبرة بها بعض التوجس. "صباح النور، خير يا بنتي، إيه اللي مصحيكي في الوقت البدري أوي ده، ده أنتِ عمرك ما عملتيها قبل كده." أجابتها باختصار لضيق وقتها وهي تتلفت حولها كاللصوص. "من فضلك يا طنط، أنا عاوزة أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم جدًا قبل ما ثريا تنزل." وأكملت وهي تدقق النظر داخل عينيها بترقب.
"بس قبل ما أتكلم ولا أنطق بحرف واحد عاوزة حضرتك توعديني إن الكلام اللي هقوله ده هيفضل سر ما بينا إحنا الاتنين ومش هيخرج لأي حد مهما كان هو مين." وأكملت وهي تشير بيدها. "أنا مش عاوزة مشاكل مع عز يا طنط." ضيقت عزيزة بين حاجبيها باستغراب لحديث تلك المريبة منذ الصباح.
كادت أن تتحدث قاطعها دلوف عطيات، تلك السيدة التي تعمل لديهم في حظيرة الأبقار التابعة للعائلة، والتي من مهامها التي أوكلت إليها بالتحديد هي حلب الأبقار وجلب الألبان الطازجة إلى العائلة يوميًا. "صباح الخير يا هوانم." وأسترسلت حديثها في إشارة منها إلى الإناء الذي بيدها. "أحط اللبن ده فين يا حاجة عزيزة؟
تحركت إليها عزيزة وأخذت منها سطل الحليب وسكبته في إناء واسع كي تضعه على النار وتحضره لأهل المنزل كي يتناولوه عند الفطور. وغادرت المرأة عائدة إلى الحظيرة من جديد لمتابعة باقي عملها. وتحدثت عزيزة إلى منال متسائلة بتوجس. "خير يا منال، قلقتيني يا بنتي، كلام إيه ده اللي عاوزاه يبقى سر بينا؟ أخذت نفس عميق وأخرجته بهدوء كي تهدئ من حالها وتحدثت بخبث. "أنا طبعًا عارفة إنتِ قد إيه رافضة جواز حسن من البنت بتاعت أسوان."
وأكملت بنبرة تحريضية. "وبصراحة بقى يا طنط أنا موافقاكي جدًا في رأيك ده، وبتمنى من حضرتك إنك تثبتي على موقفك ده وما تضعفيش." وأكملت بلؤم. "علشان كده أنا جايه أقول لك إن ثريا جت لعز بالليل وطلبت منه يتوسط للبشمهندس حسن عند عمو صلاح، هي طبعًا مطلبتش ده من عز قدامي، بس أنا سمعتهم وأنا بعمل العصير في المطبخ." وارتبكت وصححت سريعًا حديثها كي لا تظهر أمام عزيزة بالمتسمعة على زوجها.
"أصل صوتهم كان عالي ووصل لي وأنا في المطبخ، وبالتأكيد سمعت كلامهم غصب عني." بملامح وجه مكفهرة تحدثت عزيزة بوعيد بنبرة حادة غاضبة. "بقا كده يا ثريا، يعني بردوا عملتي اللي في دماغك وما سمعتيش كلامي." وأكملت حديثها بوعيد. "طب لما تنزلي لي هتشوفي أنا هعمل فيكي إيه." ارتعب داخل منال وارتجف جسدها وتحدثت بتلبك خشية غضب عزيزة ومواجهتها لثريا، وبذلك سيتم افتضاح أمرها أمام عز ويعلم بأمر تسمعها عليه.
"أرجوكي يا طنط، ياريت ما تخلينيش أندم إني خفت على مستقبل حسن وجيت قلت لحضرتك ونبهتك علشان تشوفي هتتصرفي إزاي." ردت عليها عزيزة باستفهام بنبرة غاضبة. "يعني إنتِ عاوزاني أسمع منك الكلام اللي يحرق الدم ده وأقف أتفرج يا منال؟ أجابتها منال بخبث ودهاء.
"لا طبعًا مش عاوزاكي تسكتي، أومال أنا جايه أبلغ حضرتك ليه، لكن كمان مش عاوزاكي تعرفي ثريا إني قلت لك، أنا جيت لحضرتك ونبهتك علشان تاخدي بالك وتقفي في صف عمو صلاح وتخليه يصر على موقفه أكتر وما يسمعش كلام عز اللي هيقوله له مهما حصل ومهما قال من مبررات." وأكملت وهي ترسم على وجهها المسكنة بامتياز. "لكن لو حضرتك واجهتي ثريا بكلامي ده أكيد هتروح تشتكيني عند عز، وأكيد حضرتك ما ترضيش ليا الضرر."
وأردفت قائلة كي تكسب تعاطفها ومحبتها. "أنا أصلًا علاقتي مع عز متوترة اليومين دول بسبب كلمة الحق اللي قلتها في موضوع جواز البشمهندس قدامكم." أومأت لها عزيزة بموافقة بعد اقتناعها بحديث تلك الخبيثة وتحدثت إليها لتطمئنها. "خلاص يا منال اطمني، ووعد مني إن الكلام اللي دار بينا ده مش هيخرج لأي حد مهما كان هو مين." هزت لها رأسها بامتنان وتحدثت بتوصية. "ياريت يا طنط وخصوصًا طنط منيرة لأنها لو عرفت هتروح تقول لعز وتقومه عليا."
أردفت عزيزة قائلة بتملل. "ما خلاص بقى يا منال، ما أنا قلت لك إني مش هقول لأي حد." *** قبل موعد نزول منال إلى الأسفل. كانت تغفو داخل أحضان زوجها بسلام، انتفضت من نومتها مرعبة على صوت أنين أحمد المتألم. نظرت إليه سريعًا والرعب والارتجاف تملكا من جسدها بالكامل وباتت تنتفض وتساءلت بلهفة وعيون مرعبة. "مالك يا أحمد؟ أجابها كعادته مؤخرًا وهو يعتصر كليته اليمنى بنفس المكان ككل مرة.
"نفس الألم في نفس المكان يا ثريا، أرجوكي اديني المسكن بسرعة." انتفضت من جلستها وتحركت سريعًا إلى درج الكومود وأخرجت منه المسكن وناولته إياه مع كأس من الماء. وتحدثت بنبرة حادة محتقنة بعبرات الدموع. "والله حرام عليك اللي بتعمله في نفسك وفيّا ده، روح للدكتور وأرحمني من وجع قلبي وقلقي عليك كل ما بشوفك وانت بتتعذب قدامي كده وأنا واقفة عاجزة ومش قادرة أعمل لك حاجة." زفر بضيق وتحدث إليها بنبرة حادة رافضًا حديثها بشدة.
"قلت لك قبل كده إن الألم ده مجرد شوية أملاح على الكلى وهيروحوا لوحدهم مع الوقت." وأكمل بهدوء. "ادخلي المطبخ اغلي لي شوية بردقوش وأنا هشربهم وإن شاء الله هبقى كويس بعدها." اقتربت منه وتحدثت بنبرة صوت مترجية. "طب علشان خاطري يا حبيبي روح للدكتور واطمن وطمني عليك." أجابها متململاً بجلسته. "ما انتِ عارفة يا ثريا إن أكتر حاجة بكرها في حياتي هي الكشف عند الدكاترة وزيارتي لعياداتهم." وأكمل بملامح وجه مكفهرة.
"ريحة المستشفيات والعيادات بتخنقني، لما بدخلها بحس إن روحي بتتسحب مني وبيحصلي هبوط فوري." وأكمل برجاء. "ادخلي بس انتِ يا حبيبتي اعملي لي كباية بردقوش وأنا هبقى كويس بعدها." وأكمل محذرًا إياها. "وياريت زي ما اتفقنا قبل كده، ما تجيبيش سيرة لأي حد بموضوع تعبي ده، أنا مش عاوز أقلق أي حد عليا يا ثريا وأصلًا الموضوع مش مستاهل إنه يتقال."
استسلمت لحديثه رغم عدم اقتناعها بحديثه لكنها مجبرة على احترام رغبته وقراره وتحركت إلى خارج الغرفة، ودلفت إلى المطبخ كي تصنع له ما طلبه. وبعد قليل دلفت إليه من جديد حاملة بين يديها كأس مشروب البردقوش الذي طلبه. وجدته يغط في ثبات عميق من أثر ذاك المسكن. ووجدت صغيرها النائم بدأ بالتملل داخل مهده الصغير ليعلن عن استيقاظه.
وضعت ما بيدها فوق الكومود بحرص شديد وذهبت إلى صغيرها سريعًا وحملته بين أحضانها وهي تقبله بحنان وتهدهده بصمت كي لا يبكي ويتسبب بإزعاج أبيه النائم. تحركت به إلى خارج الغرفة واتجهت به إلى المرحاض ثم نزعت عنه ثيابه وقامت بتنظيفه عن طريق اغتساله بالماء الدافئ تحت سعادة الصغير ولعبه داخل حوض الماء وملاطفة ثريا له ومداعبته بسعادة.
ثم ألبسته ثيابًا نظيفة وأدفأته جيدًا كي لا يشعر ببرودة الجو، وتدلت به للأسفل كي تساعد والدتها وزوجة عمها بتحضير وجبة الإفطار لأهل المنزل قبل استيقاظهم. كانت تتحرك تحت سعادة الصغير رائف بدلال ثريا له وقبلاتها الحنون التي كانت تنثرها عليه بسخاء. وقفت متسمرة بمنتصف الدرج وهي تنظر باستغراب حين وجدت منال تخرج من المطبخ وتليها والدتها عزيزة التي بدا على وجهها ملامح الغضب.
وأكثر ما أثار دهشتها هو استيقاظ منال بذاك التوقيت المبكر. بدا الأمر لها غريبًا حقًا وخصوصًا أنها لا تستيقظ باكرًا مهما حدث. ارتبكت منال عندما لاحظت هبوط ثريا من فوق الدرج لكنها حاولت التماسك جاهدة كي لا تثير حولها الشكوك. صعدت الدرج بهدوء وثبات نفسي افتعلته بصعوبة حتى اقتربت من وقفت ثريا التي تسمرت وتحدثت إليها بهدوء وهي تمر من جانبها بثبات. "صباح الخير يا ثريا."
وتحركت مباشرة إلى الأعلى دون انتظار رد ثريا لها تحيتها فتحدثت ثريا بشرود. "صباح النور يا منال." ثم نظرت إلى والدتها التي بادلتها النظر ولكن بنظرة غاضبة وتحركت إلى المطبخ لتشرع من جديد في بدأ التحضيرات لصنع الوجبة. تحركت إليها ثريا وتحدثت بنبرة هادئة. "صباح الخير يا ماما." ردت عزيزة عليها باقتضاب وملامح وجه مكفهرة. "صباح النور." استغربت ثريا حدة معاملة والدتها لكنها تغاضت عن الأمر وتساءلت مستفهمة. "أومال مرات عمي فين؟
أجابتها عزيزة بنبرة حادة وملامح جامدة. "في أوضة الخبيز يتابعن البنات اللي بيخبزن العيش والفطير." اقتربت منها ثريا ووقفت خلفها وأردفت متسائلة بترقب واستغراب. "مالك يا ماما، إنتِ زعلانة مني في حاجة؟ التفت إليها عزيزة وتحدثت بنبرة حادة وعيون غاضبة للغاية. "وهزعل منك ليه، إنتِ عملتي حاجة تزعلني؟
أشار الصغير إلى عزيزة وهو يرتتمي عليها بابتسامته الخلابة، فالتقطته عزيزة وأدخلته لداخل أحضانها وباتت تنثره بالقبلات الحانية رغم حزنها من ثريا، ولكن يظل رائف حفيدها وابن غاليتها الوحيدة. استجمعت ثريا شجاعتها وتساءلت وهي تضع البيض داخل الإناء الخاص به لطهوه. "منال قالت لك إيه يا ماما قلبتك عليا بالشكل ده؟
هنا لم تستطع عزيزة كتمان ما بداخلها أكثر من ذلك رغم تحذيرات منال لها والتأكيد لها على عدم البوح، وذلك لعدم تعرضها لثورة عز الغاضبة. إلا أن غضبها الشديد من صغيرتها لم يجعلها تستطيع صون العهد التي قطعته على حالها والصمود. وتحدثت بنبرة حادة غاضبة. "وهي منال محتاجة تقلبني عليكي يا بنت بطني؟ "كفاية عمايلك السودا اللي تخليني أتحسر على خلفتي ليكي بدري." وأكملت بنبرة لائمة.
"بقا بدل ما تعقلي أخوكي وتحاولي ترجعيه لعقله وتخليه يتنازل عن رأيه في جوازته من البت بتاعت أسوان رايحة تحرشي عز وتقولي له يروح يكلم أبوكي ويقنعه بالعروسة؟ وأكملت بصياح عال. "للدرجة دي أخوكِ رخيص عليكي وما تهمكيش مصلحته عشان تدبسيه في جوازة زي دي؟
جحظت عيناها بذهول عندما استمعت لاعتراف والدتها، هذا يعني أن تلك المنال تسمعت عليهما هي وعز، ليس هذا فقط، بل وأنها جاءت لتفتنها بوالدتها وتوشي لها بما استمعت وتجعل العلاقة تتزعزع بين الأم وابنتها، ما لتلك المنال لا تبالي ولا تمتثل لأية أخلاق أو مبادئ. نظرت إلى والدتها بحزن وتساءلت حتى لا تظن السوء بمنال. "منال قالت لحضرتك هي عرفت كلامي مع عز منين؟ اتسعت عينا عزيزة وتساءلت باستغراب من حال ابنتها.
"هو ده كل اللي هامك يا ثريا؟ ثم أجابت على سؤالها بنبرة حادة. "سمعتكم بالصدفة يا عين أمك وهي في المطبخ بتعمل لكم العصير." وأكملت بوعيد وهي تشير بسبابتها مهددة إياها بوعيد. "وعارفه يا ثريا لو رحتي قلتي لعز على الكلام ده أنا هعمل فيكي إيه؟ وأردفت قائلة بتفسير.
"البنت عهدتني إني ما أجيبش سيرتها عشان عز ما ينكدش عليها زي عادته، كتر خيرها جت تفهمني وتخليني ألحق أخوكي قبل ما عز يروح يكلم أبوكي ويتبس في جوازة بالشكل ده بفضلك." "يا ماما حرام عليكي، المفروض إنتِ أكتر واحدة تحسي بابنك وبقلبه الموجوع من العشق." كانت تلك كلمات لائمة ألقتها ثريا على مسامع والدتها. نظرت إليها عزيزة باستنكار وهي تهدهد حفيدها الغالي برقة كي لا ينزعج من صوتهما الهادر.
"عشق إيه ومسخرة إيه دي كمان اللي بتتكلمي عنها يا بنت صلاح، ما تفوقي كده يا بت وتشوفي مصلحة أخوكي فين." ثم أكملت بنبرة أمرة. "اسمعيني كويس يا ثريا، إنتي زي ما رحتي لعز وكلمتيه يتوسط لحسن عند أبوكي، تروحي له برده زي الشاطرة كده وتقولي له إنك خلاص راجعتي نفسك ولقيتي إن اللي أبوكي عمله هو الصح لحسن، سمعاني يا ثريا." وأكملت بنبرة تهديدية. "وإلا هتكوني كده بتعاديني وساعتها لا أنتِ بنتي ولا أعرفك."
تململت بوقفتها وتحدثت بريبة من مجرد تخيلها لمحادثتها مرة أخرى إلى عز خشية غضبه حبيبها وأردفت قائلة بأس وتملل. "أنا لا هتكلم مع عز ولا مع غيره خلاص، الموضوع ده أنا سبتهولكم وانتوا أحرار في ابنكم، سبوني بقى في حالي كلكم." ثم فجأة وبدون مقدمات شعرت بدوار حاد يهجم عليها وجعل توازنها يختل كليًا حتى أنها كادت أن تنهار بوقفتها وتقع أرضًا لولا يدها التي تشبست بشدة بحوض المطبخ مستندة بجزعها عليه.
ثم مالت برأسها إلى الأسفل وأغمضت عينيها لتفادي تلك السحابة السوداء التي هاجمتها بشدة وحجبت عنها الرؤية. صاحت عزيزة منادية باسمها وهي تتحرك إلى غاليتها سريعًا وتحدثت وهي تتفقدها جيدًا بهلع ورعب. "مالك يا ثريا، فيكي إيه يا بنتي انطقي." فتحت عينيها ببطء شديد وتحدثت بأنفاس متقطعة وصدر يعلو ويهبط سريعًا متأثرًا بما حدث. "مش عارفة مالي يا ماما، دوخت مرة واحدة وكنت هقع من طولي لولا لحقت نفسي ومسكت في الحوض."
أسندتها عزيزة بيد واحدة أما الأخرى فكانت تحمل بها الصغير برعاية، وسحبتها من يدها وتحركت بها حتى أوصلتها إلى الطاولة الموضوعة بمنتصف المطبخ وسحبت لها مقعدًا وأجلستها فوقه باهتمام. جلست ثريا وبدأت تنظم أنفاسها بأخذ شهيق وزفير كي تهدأ حالها وتشعر بالتحسن. أما عزيزة التي جلست بجوارها ونظرت إليها شاملة ملامح وجهها بتدقيق وتساءلت بابتسامة جانبية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!