تحركت ثريا سريعًا متجهةً إلى شقيقها حين وجدته يضبضب أشياءه داخل الحقيبة. "إنتَ بتلم هدومك ورايح على فين يا حسن؟ " هتفت بنبرة متسائلة مرتعِبة. لم يعر حديثها أي اهتمام وأكمل ما يفعله بغضب وحدة، وأغلق الحقيبة ثم وضعها على الأرض وكاد أن يتحرك بها. جرت عليه وأمسكته من ذراعه وتحدثت بهلع: "رد عليا يا حسن وقول لي رايح فين؟ نظر لها بعيون تُطلق شررًا وأجابها بنبرة غاضبة:
"ماشي يا ثريا، سايب لكم البيت وإسكندرية كلها وماشي عشان ترتاحوا." "ماشي رايح فين يا حبيبي؟ " أردفت قائلة بتساؤل ومازالت مشدودة على ذراعه بإستماتة. "إنتِ لسه ما كملتش أسبوع من أجازتك." هتف بنبرة حادة تدل على وصوله لقمة غضبه. "رايح في ستين داهية، من النهاردة مش عاوز حد منكم يسألني رايح فين وجاي منين، أنا أصلاً اكتشفت إني ما أفرقش مع أي حد في البيت ده كله!
"طب اقعد واهدي يا حبيبي واستعيذ بالله من الشيطان الرجيم." أردفت قائلة بنبرة مهدئة، وأكملت وهي تربت على صدره بحنان: "عايزك تطمن وأوعى تفتكر إني ناسيه موضوعك ولا حتى مطنشاه، والدليل على كلامي ده إني كلمت عز عشان يتوسط لك عند بابا وهو وعدني وأكد لي إنه هيكلمه وهيحاول بكل جهده إنه يقنعه ويخليه يوافق. اصبر يا حسن، المسألة مسألة وقت مش أكتر صدقني."
"مش هيقتنع يا ثريا، أبوكِ قرر وحكم على الناس حتى من قبل ما يعرفهم ولا يشوفهم. ده حتى ما عطانيش فرصة إني أتكلم وأسمعه، ما سألنيش إذا كنت بحب البنت فعلاً وفارقة معايا ولا لأ." أجابها بنبرة مستسلمة حزينة ووجه بائس. "للأسف يا ثريا، أبوكِ حكم على قلبي بالإعدام ونصب له المشنقة ونفذ الحكم من غير محاكمة عادلة."
قال كلماته المؤثرة ثم حمل حقيبته وخرج على الفور، وتدلى الدرج سريعًا تحت صياح ثريا ومناداتها باسمه وهي تسرع خلفه على أمل اللحاق به، مما جعل الجميع يرفع قاماته للأعلى يتطلعون على ذاك الغاضب وتلك الصارخة باسمه. وقف صلاح ممسكًا بعصاه الأبنوسية وتحدث إلى ولده بنبرة حادة مما جعل الجميع يقف وينتظر كلماته بترقب لما هو آت: "ممكن أعرف البيه رايح فين بشنطة هدومه دي؟
تسمر بوقفته ووقف يتطلع إلى أبيه بعيون جامدة غاضبة وأردف قائلاً بنبرة حادة خرجت عنوة عنه ورأس شامخ مرتفع بعناد: "نازل القاهرة هقضي فيها باقي أيام أجازتي اللي فاضلين لي مع أشرف صاحبي." "طلع الشنطة تاني على أوضتك وبلاش لعب العيال بتاعك ده، ما فيش خروج من البيت." هتف صلاح بحدة آمرًا بطريقة مستفزة لذاك الغاضب. "وتتصل بالشركة اللي إنتَ شغال فيها وتصفي شغلك معاهم نهائي." وأكمل آمرًا إياه بطريقة أحرقَت روح
حسن واستشاطت بداخله بشدة: "ويكون في علمك، ما فيش سفر لأسوان تاني." وأكمل مفسرًا: "وإن كان على الشغل فأنا كلمت لك المحافظ وهو شاف لك شغلانة كويسة هنا في المينا وألف واحد زيك يتمناها، وكمان بمرتب ضعف اللي إنتَ بتاخده في أسوان." جحظت عيناه بذهول مما يستمع واستشاط بداخله غضبًا من حديث والده الذي يصر على عدم ترك المجال له للاختيار حتى بعمله. تحدث بنبرة ثابتة جاهدًا بإخراجها:
"ومين اللي قال لحضرتك إني عاوز أسيب شغلي في أسوان أصلاً؟ "أنا اللي قررت وقلت." أجابه صلاح بقوة وحدة بنبرة مستفزة إلى أبعد الحدود. "أيه، كبرت عليا وهتعارضني في قراراتي ولا إيه يا باشمهندس؟ " ثم أكمل متسائلاً بنبرة غاضبة.
"العفو حضرتك، أنا تحت أمر حضرتك في أي حاجة إلا الضرر بمستقبلي وشغلي. أنا الوحيد اللي أقدر أحدد فين هي مصلحتي، وأنا شايف إن مستقبلي في شغلي في الشركة اللي أنا فيها." أجاب والده بهدوء واحترام جاهد في إخراجهما رغم غضبه العارم واحتراق روحه.
"أما بقى حضرتك لضعف المرتب فده موضوع لا يعنيني من الأساس، لأني عمري ما كان يهمني العائد المادي قد ما يهمني العائد المعنوي والمستوى الوظيفي اللي ممكن أوصل له في مكاني اللي أنا فيه حاليًا." وأكمل بزهد.
"ولو كنت حضرتك بتعمل كده عشان أنسى موضوع جوازي من بسمة، فأسف إني أحبط حضرتك وأقول لك إن حساباتك ما كانتش مظبوطة المرة دي، لأن الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخليني أبعد عنها وأنساها هي الموت وبس." وأكمل بثقة ونبرة بث له من خلالها إصراره على من فُتنت عيناه وأسرت قلبه بسحرها العجيب. "حتى الموت نفسه مش هيخليني أنسى أطهر وأتقى بنت شفتها في حياتي كلها." ونافيًا وهو يقطب حاجبيه.
شهقت عزيزة بهلع وتحركت إلى ولدها تربت على ظهره بحنان قائلة كي تحسه على الاستماع إلى حديث والده خشية غضبته عليه: "بعد الشر عليك يا حبيبي، إخزي الشيطان كده يا ابني واعقل واسمع كلام أبوك، أبوك أكتر واحد أدرى بمصلحتك ومحدش في الدنيا دي كلها هيحبك ولا هيخاف عليك قده." "وأنا قلت لك هتسيب أسوان يعني هتسيب أسوان، ويكون في علمك، كلامي ده ما فيهوش جدال." حين هدر صلاح ناهراً إياه بنبرة حادة.
"اهد يا صلاح أومال واظبط أعصابك، الأمور والمشاكل ما تتحلش بالطريقة بتاعتك دي، خلينا نقعد ونسمع بعض ونتكلم بالعقل." تحدث محمد إلى صلاح مهدئًا إياه. دلف عز وأحمد مسرعان من الخارج عندما استمعا إلى صياح عمهما ونبرته الغاضبة ووقفا يتطلعان بعيون مستغربة على حسن الذي يحمل بيده حقيبة ثيابه ويبدو عليه أنه قرر وانتوى الرحيل وانتهى الأمر.
"ما فيش كلام تاني هيتقال بعد اللي أنا قلته يا حاج محمد، وزي ما أنا قلت من شوية، ده كلام نهائي وممنوع حتى النقاش فيه." تحدث صلاح بحدة إلى شقيقه. نظر حسن إلى عيناه مطالبًا إياه النظر إليه بعين الرأفة وأن يشمله برحمته ويشعر بقلبه العاشق وتحدث بنبرة متأثرة مترجية:
"أرجوك يا بابا تحاول تفهمني، أنا بحب بسمة بجد، هي دي البنت اللي رسمتها في خيالي واتمنيتها تكون شريكة حياتي، هي دي اللي نفسي أكمل عمري معاها وأكون بيت وعيلة وأولاد." "وصدقني يا بابا لو مش هي، أكيد مش هيبقى فيه غيرها." وأكمل بوعيد صادق نابع من داخله.
رفع رأسه شامخًا بكبرياء وتملك من حاله كي لا يضعف أمام نظراته الصغيرة المترجية التي هزت كيانه للحظة، لكنه سرعان ما تراجع وأقنع حاله أنها مجرد نزوة وسينساها صغيرته مع الوقت وينظر إلى مستقبله ويتزوج من فتاة ذات حسب ونسب ترتقي له ولعائلته وذلك حسب معتقداته ومفهومه الخاطئ الذي عفا عنه الزمن. "بعد إذن حضرتك يا عمي، يا ريت تخلينا نقعد ونسمع من حسن أكتر عن الناس دي." تحدث عز إلى عمه بنبرة هادئة.
"وأنا عشان أطمن حضرتك مستعد أسافر أسوان مع حسن وأقابل أبوها وأقعد معاه، وهسأل عليهم كويس جدًا، ولو طلعوا ناس محترمين يبقى إيه المانع إننا نجوزها له." وأسترسل حديثه كي يضع الطمأنينة داخل قلب صلاح.
نزلت كلمات عز على قلب حسن كقطرات المطر التي هطلت من السماء فوق قطعة أرض جافة متشققة من شدة عطشها فرَوتها وترعرعت أوراق بذورها المدفونة بعد أن ظن الجميع أنها فارقت الحياة وانتهى الأمر، ولكنها عادت وأعلنت عن ميلاد جديد لها. نظر إلى أبيه منتظرًا قراره بترقب وهو يبتلع ريقه بصعوبة وكأن حياته قد توقفت على قرار أبيه.
"أنا خلاص قلت اللي عندي يا عز، حسن هيتصل بالشغل ويفسخ معاهم عقد العمل ويستلم من أول الشهر الجاي شغله الجديد في مينا إسكندرية." تحدث صلاح بكل جبروت وقلب متبسّس غير مبالٍ بشعور صغيرته بالمرة. "وأنا من ناحيتي وصيت له واحد يعرف كبرات إسكندرية كلهم وقلت له يشوف لي عروسة بنت ناس ومتعلمة للباشمهندس." وأسترسل حديثه بنبرة مستفزة ليُكمل بها على ما تبقى من صبر ذلك الفتى.
شعر وكأن أحدهم قام بطعنه للتو بسكين حاد داخل قلبه الضعيف. تنهد بأسف ثم نظر إلى والده بمرارة وخيبة أمل وحمل حقيبته من جديد وتحدث بصوتٍ يكسو على نبرته المرارة والأسى: "أنا آسف إني هخذل حضرتك وههدم لك كل مخططاتك اللي جهزت لها حتى من غير ما تاخد رأيي فيها يا حاج صلاح."
"بس عاوز أقول لحضرتك إني عمري ما هعمل أي حاجة إنتَ مش راضي عنها، أنا راجع أسوان يا حاج، ومش هتجوز بسمة غير بعد موافقتك ورضاك، وأنا في انتظار موافقتك ومباركتك للموضوع." وأكمل باحترام وتمني. "يبقى هتقضي عمرك كله وتضيعه في انتظار حاجة عمرها ما هتحصل يا باشمهندس." جملة قالها صلاح بتأكيد وجدية. "يبقى ده نصيبي من الدنيا يا حاج وأنا لازم أرضي بيه." أجاب والده بنبرة مستسلمة.
ثم حرك ساقيه ليخطو إلى الخارج مغادرًا. أمسكت ثريا ذراعه وتشَبثت به بعد أن نزلت دموعها تجري فوق وجنتيها وهي تهز رأسها وتترجاه: "ما تمشيش يا حسن." نظر لها بوهن ثم أمسك كفها الرقيق وأنزلّه بهدوء وتحرك باتجاه الباب. أوقفه صوت صلاح الهادر الذي هتف بصياح أرعب الجميع: "لو رجلك خطت عتبة الباب ده وخرجت منه، يبقى ما ترجعش هنا تاني." اتسعت عيناه بذهول والتفت ينظر لأبيه باندهاش، فأكمل صلاح بنبرة جامدة مهددًا إياه:
"لو خرجت عن طوعي وما نفذتش الكلام اللي قولته لك بالحرف الواحد يبقى تخرج من الباب ده وتنسى نهائي إن ليك أب وعيلة." "وحتى ورثك فيا هحرمك منه، هكتب كل ما أملك لأخواتك الاتنين وأختك ثريا." وأكمل حديثه بجبروت. "وساعتها بقى أبقى ورينا أبو الهانم اللي فضلتها علينا هيقبلك ولا هيرضي بيك إزاي وإنتَ مفلس، ولو حصل ووافقوا ابقى وريني هتعيش ست الحسن والجمال بتاعتك دي منين." ثم أسترسل حديثه بنبرة تهكمية.
نزلت كلماته كصدمة ألجمت الجميع وشلت جميع حواسهم وتسمروا بأماكنهم إلا من ثريا التي صرخت مستعطفة أباها: "أرجوك يا بابا كفاية، كفاية حرام عليك." نزلت كلماتها ودموعها على قلب عز أحرقته، وأيضًا أحمد الذي تحرك ووقف بجانب حسن وحاول جذب الحقيبة منه لكن الآخر أبعدها بحدة. ثم نظر إلى أبيه، وتملكت الحسرة من قلبه ووقفت غصة مريرة داخل حلقه، وتحدث قائلاً بهدوء ونبرة منكسرة: "ربنا كبير وعظيم وما بينساش حد يا حاج صلاح."
وانطلق مسرعًا إلى الخارج. أوقفه عز وأحمد اللذان أسرعا خلفه وتحدث عز مهدئًا إياه: "إنتَ رايح فين يا حسن، اهدي كده وارجع معايا على جوه عشان الموضوع ما يكبرش أكتر من كده، العقل بيقول إن لما الريح تبقى قوية تطاطي لها عشان تعدي منها بسلام."
"اسمع كلام عز وادخل جوه الوقت يا حسن، وهما يومين بالظبط وعمي هيهدى إن شاء الله وساعتها الكلام معاه هيكون أفضل من كده بكتير، ولك عليا أنا وعز هنكلمه ونحاول نقنعه بموضوعك." وأكمل أحمد مؤكدًا على حديث شقيقه.
"اللي إنتَ بتقوله ده مستحيل يحصل يا أحمد، دخولي معاكم في الوقت الحالي مش هيبقى ليه غير معنى واحد عند أبويا، وهو إني رضخت لأوامره ورضيت بالأمر الواقع اللي هو فرضه عليا، وده اللي عمره ما هيحصل أبدًا." أجابه حسن بنبرة رافضة لحديثه. وتحرك إلى الأمام للمغادرة. أوقفه عز قائلاً بنبرة يائسة وهو يسحبه من ذراعه: "طب تعالى أركب معايا العربية هوصلك المحطة." وبالفعل صعد معه وتحركا أمام أعين أحمد الحزينة لأجل ما حل بذاك الحسن.
تَنفّس عاليًا بضيق ثم دلف إلى الداخل من جديد. وجد الجميع يجلس وحالة من الصمت التام تفرض سيطرتها عليهم جميعًا. أما ثريا التي تجلس ودموعها تنهمر فوق وجنتيها بغزارة كشلال ماء، وتجاورها منيرة تحاول تهدئتها. تحرك إليها وجلس بجوارها وتحدث إليها بهدوء وهو يربت فوق كتفها بلمسات حنونة: "اهدي يا ثريا أرجوكي عشان ما تتعبيش." انتفضت بجلستها واعتدلت تواجهه وهي ترمقه ولأول مرة في حياتها بعيون غاضبة وأردفت قائلة بنبرة حادة عنيفة:
"يهمك أوي تعبي يا أحمد، ولا خايف على ابنك اللي في بطني؟ نظر لها مصدومًا أثر ردة فعلها العنيفة تجاهه. لم تعر نظراته أية اهتمام وانتفضت واقفة ووجهت حديثها إلى الجميع باتهام بنبرة حادة: "هو أنتم ليه يا عيلة المغربي أنانيين لدرجة إن محدش فيكم بيهتم ولا بيفكر في تعب أو راحة حد غيره هو وبس؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!