أكملت ثريا حديثها بنبرات ملامة واتهام موجه إلى الجميع. "كلكم وقفتم ضد رغبة حسن، ولمتوه، ورفضتم حتى تسمعوا وجهة نظره في البنت اللي اختارها تكون مراته وشريكة حياته، بس لمجرد إن عيلتها مش على مقاس عيلتكم العظيمة. كلكم بصيتم للواجهة الاجتماعية والماديات والعيلة والحسب والنسب العالي." واسترسلت حديثها بتساؤل حاد. "حد فيكم فكر في قلب حسن وشعوره وألمه؟ وأكملت بحدة ونبرة غاضبة. "باصين على الناس من بلكونتكم العالية ليه؟
ده بدل ما تحمدوا ربنا وتشكروا إنه رزقكم بالعيلة والعز والجاه والمال، تقوموا تتكبروا على خلقه وتنبوذهم بالشكل ده؟ كان الجميع ينظر إليها باستغراب من حالتها العصبية، والتي لأول مرة يرونها عليها بهذا الشكل. تحدثت والدتها بهدوء ونبرة مستسلمة من بين دموعها المنهمرة على فراق صغيرها وألم قلبها غير المحتمل كلما تذكرت نظرة الحزن والتشتت التي رأتهما داخل عينيه وهو يتحرك مغادرًا المنزل.
"اسكتي يا ثريا، عيب تتكلمي كده قدام أبوكي." نظرت إليها ثريا بعيون غاضبة ثم هتفت متسائلة. "ممكن يا ماما تقولي لي إيه هو العيب من منظوركم؟ هل العيب إني أتكلم وأقول اللي في قلبي وأعبر عن غضبي ورفضي لواقع مرير وظلم اتعرض له أخويا وأنا مش راضية عنه؟ وأكملت بنبرة متمردة جديدة على شخصيتها التي دائما ما كانت تتسم بالمسالمة والهدوء.
"لو كان ده العيب عندكم، فالعيب من وجهة نظري هو إني أشوف ظلم بين واقع على أخويا وأقف أتفرج عليه زي ما أنتم عملتم كده بكل هدوء." وأكملت بصياح عالٍ متغاضية نظرات الجميع المذهلة. "يعني لما أخويا يتخير ما بين إنه ينسى البنت اللي عاوزها واختارها ويسيب شغله اللي قعد كتير قوي يبني فيه ويأسسه، وما بين إنه يدفن نفسه مع واحدة بنت عيلة من وجهة نظركم الغريبة لمجرد بس إن بابا عاوز كده." وأكملت بنبرة مستاءة ويأس.
"ولو اعترض واتمسك بحقه المشروع في الحياة، ساعتها يتحرم من ورثه اللي ربنا سبحانه وتعالى شرعه له ويتمنع من زيارة أهله وصلة رحمه باقي حياته، يا ترى هو ده الصح من وجهة نظركم؟ ثم توجهت بتساؤل جديد إلى الجميع. "مين اللي اداكم السلطة والحق إنكم تقيموا الناس على حسب لونهم وعرقهم ومستواهم المادي؟ ثم حولت بصرها إلى أبيها الصامت الذي ينظر أسفل قدميه منكس الرأس بشرود تام.
"ثم إيه اللي يضمن لحضرتك يا بابا إن أخويا هيرتاح في عيشته مع بنت الأكابر الجميلة اللي حضرتك هتختارها له دي؟ وأكملت بنبرة تشكيكية معترضة. "مش يمكن تكون جميلة الشكل من بره بس روحها ما تطاقش ولا حتى تتعاشر، وبكده المسكين يبقى اتحكم عليه إنه يقضي معاها عمره كله في عذاب ونكد وحرمان؟ نظرت إليها منال باستنكار وهي ترفع قامتها بكبرياء وتعالي وتحدثت بنبرة مقللة من تفكير ثريا ورأيها.
"للأسف يا ثريا، صحيح إنتِ بنت عيلة المغربي واتربيتي على إيديهم وجوه حضنهم، بس مع ذلك ما أخدتيش من عقلهم وتفكيرهم الواعي ولا حتى جزء بسيط جداً." وأكملت باتهام صريح. "مع الأسف تفكيرك كله سطحي وكلامك كله شعارات هابطة عفا عليها الزمن وما بقاش ليها أي وجود، وده شيء هيتعبك جداً في حياتك." ثم وجهت بصرها إلى صلاح مستغلة غياب عز وتحدثت مساندة إياه بنبرة حماسية.
"أنا مع موقفك الحازم اللي أخدته مع الباشمهندس يا عمو صلاح، وعاوزة أقول لحضرتك استمر فيه وإحنا معاك." وأكملت بتأكيد. "وأنا بأكد لحضرتك إن حسن مش هيكمل شهر واحد وهيرجع تاني لحضرتك وهو راضخ وموافق على كل طلباتك وشروطك." صاحت بها منيرة قائلة بنبرة حادة عالية. "مناااال، مش عز قال لك قبل كده ما تدخليش في الموضوع ده، ولا علشان عز مش موجود هتبخي سمك براحتك. وفكراني هسكت لك؟ اتسعت عيناها بذهول وتحدثت باستنكار ونفي.
"أنا يا ماما ببخ سمي؟ هي دي فكرة حضرتك عني؟ وأكملت حديثها بنبرة صوت حزينة مدعية الافتراء عليها. "هو علشان أنا خايفة على عيلة جوزي اللي هما بقوا عيلتي وعيلة أولادي وبتمنى لهم أفضل نسب يبقى ده جزائي؟ تحدث محمد ناهراً كلتاهما بعدما فاض به الكيل من ثرثرتهما التي لا مكان لها على الإطلاق الآن. "خلاص منك ليها، مش عاوز أسمع صوت واحدة فيكم، مش كفاية علينا اللي إحنا فيه." وأكمل أمراً لجميع الموجودات بنبرة حادة.
"ويلا كل واحدة فيكم تطلع على أوضتها وسيبونا لوحدنا."
نظرت ثريا إلى عمها وكادت أن تتحدث باعتراض. نظر لها عمها وتحدثت إليها عيناه وفهمت منه أنه يخشى على شقيقه الصامت من تلك المناقشات الحادة. وصلها المعنى وبالفعل حزنت لأجل والدها الحبيب وعذرت حالته المشتتة ثم تحركت إلى الدرج صاعدة لأعلى بملامح وجه غاضبة وخطوات سريعة تحت نظرات أحمد الحزينة من أجلها، والذي انتوى في قرار نفسه أنه سيساعد حسن بأقصى ما لديه من إصرار كي يزيل عن حبيبته همها الذي أصابها جراء ابتعاد شقيقها الغالي عن منزل العائلة بتلك الطريقة الصعبة.
*** داخل مدينة أسوان وبالتحديد في منزل دياب والد بسمة. كانت بسمة تجلس بجانب عائلتها وشقيقتها نورا التي أتت إليهم كي تخبرهم بما قالته أم زوجها لهما. وبعدما قصت على مسامعهم ما بدر من زوجة عمها من تهديدات لهما وإخبارهما بما ينويه ذلك المنبوذ المسمى بناجي. درت والدة بسمة قائلة بنبرة حادة مستغربة. "اتجننت اللي اسمها نجية دي ولا إيه؟ هو الجواز كمان بقى بالتهديد؟ أجابتها نورا.
"لو شفتيها يا ماما وهي بتتكلم وتهددنا بكل جبروت وبجاحة وعينها تندب فيها رصاصة." ردت عليها سعاد بملامح وجه محتقنة بالغضب الحاد. "إنتِ هتقولي لي على نجية سلفتي، هو أنا تايهة عنها وعن بجاحتها، دي يتفات لها بلاد يا بنتي."
أما بسمة التي اتخذت من الصمت ملاذاً لها بعدما دب الرعب داخل أوصالها وتسلل إلى قلبها البريء. ارتاعت داخلها بشدة خشية تعرض ذاك الخارج عن القانون المسمى بابن عمها إلى الشاطر حسن الذي التقيته بعد طول انتظار بخيالها ودام لسنوات. في حين تحدث دياب بخيبة أمل ونبرة يائسة. "أنا مش عارف الواد ده طالع شيطان وجاحد كده لمين، ده أخويا عبدالسلام الله يرحمه ما كانش فيه لا أطيب ولا أغلب منه في الدنيا."
وأكمل بأسف تام وهو يهز رأسه بيأس. "الله يرحمه الغلط الوحيد اللي عمله في حياته هو إنه بعد ما زهق من تحكمات ونكد نجية ساب لها البلد كلها وسافر الأقصر علشان يشتغل هناك ويبعد عن نكدها وأرفها، وساب لها العيال هي تربيهم، وأدي النتيجة." قاطعته سعاد باعتراض. "الغلط ما كانش على عبدالسلام الله يرحمه لوحده يا دياب، وبعدين الواد ناجي ده من وهو عيل صغير وهو شقي وكثير مشاكل، ده وهو في المدرسة ما كانش بيبطل ضرب في أصحابه."
وأكملت بتفسير أكثر لحديثها. "لكن هاشم ربنا يحرسه ويكمله بعقله ويخليه لأولاده، من يومه وهو محترم ومن صغره وهو راجل يعتمد عليه." كان دياب يستمع إلى حديث زوجته وهو يومئ لها برأسه بموافقة فحقاً صدق حديثها. ثم نظر إلى والدته التي تستند بفكها على عكازها الخشبي وهي تنظر إلى الأمام بشرود تام وتساءل هو حائراً في أمرها. "ساكتة ليه يا أما، ما تقولي لي هنعمل إيه ونتصرف إزاي في الورطة السودة اللي إحنا وقعنا فيها دي؟
أخرجت والدته تنهيدة طويلة تنم عن مدى حزنها وألمها الذي سكن قلبها العجوز. ونظرت إلى ولدها بهدوء ثم أجابته بنبرة يملؤها اليقين بالله وحكمة لم تأتها أبداً من فراغ، فكل تجعيدة من تجاعيد وجهها وكفيها تعني الكثير والكثير من تعلم السنين لها. "سيبها على الله يا ولدي وهو سبحانه وتعالى كفيل بتدبيرها وحلها."
وأكملت وهي تتبادل النظر بينها وبين الجميع وتفرق عليهم نظراتها المطمئنة لتهدئ من روعهم الذي أصاب جميعهم جراء ذلك الحديث المؤسف. "وعلى رأي المثل، تبات نار تصبح رماد. لها رب يعدلها."
نظرت بسمة إلى جدتها بوهن والقلق يسيطر على كيانها بالكامل. فابتسمت لها الجدة وفتحت لها أحضانها الدافئة كي تستدعيها إليها، وكأن الجدة تعلم إلى مدى حاجة صغيرها الشديدة إلى ذلك الحضن الدافئ لتشعر داخله بالأمان المفتقد. وما كان من بسمة إلا الطاعة العمياء والإسراع في الارتماء داخل أحضان جدتها مطمئنة حالها بحصنها الحصين وتنفسست عالياً وقلبها مازال محملاً بالهموم. ***
وصل حسن إلى محطة القطار ثم هاتف صديقه أشرف من الهاتف الأرضي المتواجد داخل المحطة وأبلغه بأن يقوم على الفور بحجز غرفة له داخل أوتيل مناسب وذلك كي يستقر بها طيلة إقامته الثماني أيام الباقية من إجازته. ثم ودع عز الذي احتضنه وأردف ناصحاً إياه بأخوة ونبرة حنون. "خلي بالك من نفسك كويس يا حسن، وما تقلقش، إن شاء الله سحابة صيف وهتعدي وبعدها الشمس تطلع والدنيا كلها هتنور."
أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بضيق مما يدل على ثقل قلبه المحمل بالهموم وأردف قائلاً بنبرة يسكنها الأسى. "إن شاء الله يا سيادة العقيد، إن شاء الله."
تركه وتحرك باتجاهه إلى القطار الذي أقلّه وأوصله إلى محطة مصر بالقاهرة الكبرى. وما أن نزل من القطار حتى وجد أشرف ينتظره وقام باستقباله بحفاوة ثم توجه معه إلى الأوتيل. صعد إلى الأعلى وضع حقيبته وأفرغ محتوياتها داخل الخزانة. وأبدل ثيابه على عجل ثم نزل إلى أشرف من جديد وجلسا بداخل الكافتيريا الخاصة بالأوتيل.
بعد مدة من الوقت كان قد قص فيها حسن على مسامع صديقه ما دار بينه وبين عائلته من مناوشات وخلافات وصلت إلى شبه طرده من منزل العائلة. تنهد أشرف بضيق وتحدث بنبرة ملامة بملامح وجه عابس وذلك لأجل صديقه الحزين. "وأنت إيه بس اللي خلاك قلت لأهلك إنك رحت طلبت البنت من أهلها يا حسن، ما أنت عارف أبوك وتفكيره القديم ودماغه الناشفة؟ أجابه حسن باقتضاب ويأس تملك من نبرة صوته.
"أهو اللي حصل بقى يا أشرف، وبعدين أنا ما قلتش كده غير لما لقيت أبويا رافض الموضوع بشكل نهائي، قلت لنفسي لما يعرف مش هيرضا لي إني أظهر قدام الراجل الغريب مش قد كلمتي وهيراجع نفسه وأكيد هيوافق." أجابه أشرف بنبرة ساخرة. "وأهو قفلها لك زي الدومنة يا هندسة، تقدر تقولي دلوقتي هتعمل إيه مع أهل بسمة وهتقول لهم إيه؟ زفر بحدة وضيق وأرجع شعر رأسه بيده بقوة في حركة تدل على مدى عصبيته قائلاً بنبرة يائسة.
"مش عارف يا أشرف، حاسس إن دماغي وقفت مرة واحدة عن التفكير." ثم أكمل بنبرة حائرة. "بس اللي أنا متأكد منه هو إني مش هسيب بسمة تضيع من بين إيديا تحت أي ظروف، وفي نفس الوقت مش هغضب أبويا وأروح أتجوز من غير رضاه وحضوره هو وباقي العيلة." "وهتحلها إزاي المعضلة دي بقى يا بطل؟ " كان هذا سؤال وجهه له أشرف مطالباً إياه بالتفسير. وضع حسن كف يده على وجهه وفركه بتعب وإرهاق وأردف قائلاً بنبرة يملؤها اليقين بالله.
"إن شاء الله ربنا هو اللي هيحلها من عنده يا أشرف." تنفس أشرف عالياً ثم زفر بشدة ليخرج ذاك الهم الذي أصابه جراء ألم صديقه وتحدث بنبرة حماسية في محاولة منه لإخراجه من حالة الإحباط تلك. "سيبك بقى من كل الكلام ده وفوق لي كده وسيب لي نفسك يا باشا وأنا هروقك، إحنا هنخربها انهاردة في ديسكوهاتك يا قاهرة." تنهد بألم وأردف قائلاً بنبرة محبطة بائسة. "ابعد عني وسيبني في حالي يا أشرف، أنا مش فايق لجنانك ده."
تحدث أشرف باعتراض قائلاً. "لا بقولك إيه يا ابن المغربي إحنا هنخرج، هنغني هنخرج، ما هي مش طالبة نكدك ده خالص انهاردة." وظل يقنع في حسن لتغيير رأيه ولكن هيهات، فهو ليس بحالة مزاجية تدعوه إلى الخروج والسهر في تلك الأماكن التي لم يكن هو من روادها بالأساس.
بعد مدة ودع أشرف وصعد من جديد إلى غرفته التي احتجزها، أخذ حماماً دافئاً ليزيل عنه حزنه وتوتره ولو قليلاً. وخرج من المرحاض وتوجه إلى تخته رامياً جسده فوقه بإهمال، تسطح على ظهره وظل ينظر إلى سقف الغرفة مدققاً به. وكلما نظر به وتعّمق أكثر رأى وجه بسمته أمامه وهي تبتسم له بهدوء وكأنها تطمئن روحه وتبث بها الطمأنينة.
ظل على ذلك الوضع حتى اقترب الليل على وشك الانتهاء وبعدها وقع صريعاً للنوم وذلك من شدة إرهاقه من كثرة التفكير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!