ذهب دياب وتعرف على جثة ناجي. نظر إليه بقلبٍ ينزف دمًا على شباب ابن شقيقه الذي أضاعه هباءً، وخسر في النهاية حياته وأخراه أيضًا. حولت النيابة الجثة إلى الطب الشرعي لتشريحها ومعرفة سبب الوفاة. أما عز المغربي، فقد قرر أن يستغل ذكاءه المخابراتي لكشف الجريمة سريعًا. أمر رجاله بتتبع الخيط الذي أمسكه بين يديه، وهو السجادة التي وجدت بها الجثة. أمر بمعرفة نوع السجادة وأين صنعت ولمن بيعت.
لحسن حظهم، كانت السجادة باهظة الثمن ونادرة، ويصعب على الأهالي اقتناؤها. بدأ الضابط في التحري والبحث عن صاحب السجادة. داخل المستشفى، خرج حسن من العمليات بعد أن قضى فيها أكثر من خمس ساعات. تمكنوا من السيطرة على النزيف ونقلوا له دمًا تبرع به شقيقه فريد وعز، اللذان يحملان نفس فصيلته. خرج محمولًا على ترولي واتجهوا به إلى غرفة الإفاقة، حيث أوصلوا جسده ببعض الأجهزة لخطورة حالته الحرجة.
كانت تنتظره تلك العاشقة أمام غرفة العمليات. ما إن رأته يخرج بتلك الهيئة حتى انهارت ودخلت في نوبة بكاء شديد وانهيار تام، عندما لمحته بتلك الحالة الصعبة على قلبها العاشق تحملها. استدعى ذلك استغراب عزيزة وصلاح ومحمد وفريد. تساءل كل منهم في نفسه: متى خلق هذا العشق الهائل بين هذا الثنائي، برغم قصر المدة؟ كانت تنظر إليه من خلف الزجاج العازل بقلبٍ يتمزق لأجل حبيبها الغائب عن الوعي وبهيئته التي هزت كيانها بالكامل.
جاورتها عزيزة وهي تبكي بمرارة قلب أم كادت أن تفقد عزيز عينيها. تحدثت إليها برجاء ونبرة حانية، بعد أن استشفت مدى عشقها لولدها: "ادعي له ربنا ينجيه يا بنتي. إنتِ شكلك طيبة وقريبة من ربنا، وإن شاء الله ربنا يتقبل دعواتك." نظرت إليها وأردفت قائلة بيقين وإيمان بالله: "ما تقلقيش حضرتك. ربنا عظيم ورحيم بعباده، وأكيد مش هيهون عليه يوجع قلوبنا وأرواحنا. إن شاء الله ربنا هيشفيه ويقومه بالسلامة."
ثم حولت بصرها باتجاهه مرة أخرى وأردفت قائلة بقلبٍ مفطور لأجل عاشق عينيها ونبرة مرتجفة: "هو عارف ومتأكد إن فيه ناس بتحبه ومش هتقدر تعيش في الدنيا لو مكنش هو موجود فيها. وعشان كده هو هيقوي نفسه ويتحدى الصعب ويقوم عشان كل اللي بيحبوه." أردفت عزيزة قائلة بدموع: "يا رب، يا رب."
بعد مدة، عادت ابتسام إلى منزلها شاردة، حزينة، متألمة. وجدت جدتها ووالدتها تنتحبان وتبكيان بمرارة على ناجي. تجاورهما نساء المنطقة اللاتي ارتدين الأسود وجئن ليقضين واجب العزاء ويقفن بجانب جيرانهم ذوات السمعة الطيبة والأخلاق العالية.
تحركت من جوارهن وكأنها مغيبة، ولم تعِ لما يدور من حولها. دلفت لداخل غرفتها والحزن ينهش داخلها. تارة لأجل ما حل بحبيبها، وتارة أخرى لأجل ابن عمها الذي خسر شبابه. ماذا فعلت بدنياها ليلاحقها هذا الحظ العاثر؟ ماذا اقترفت من أخطاء حتى تجني كل هذا الوجع من خلف عشقها الطاهر التي لم تتخط معه حدود الله التي أمرنا بها وفرضها علينا كمسلمات.
بعد قليل، استمعت لصياح وصراخ في الخارج. إنها نجية، زوجة عمها، التي أتت إلى منزلهم واقتحمته كالثور الهائج. صرخت بوجه الجدة قائلة بحالة هياج وجنون واتهام: "ارتحتي يا بخيته؟ ارتحتي إنتِ وبنت ابنك اللي جابت أجل ابني بفجرها ومشيها مع الغريب؟ وقف بعض النساء ليبعدن نجية من الاقتراب للجدة أكثر. في حين ردت عليها الجدة بحِدة وغضب عارم ظهر على ملامحها التي دائمًا ما تتسم بالطيبة والحنان:
"اخرسي يا مرة واتكلمي زين بدل ما أقطع لك لسانك اللي ما بيخرجش غير الكلام العفش اللي شبه وشك." أكملت بحِدة: "مش مكسوفة من نفسك وجاية تلومينا كمان؟ واحدة غيرك كانت قتلت نفسها وقت ما سمعت خبر ابنها الشؤم. إنتِ وطمعك وقلة دينك اللي وصلتي ابنك بإيديكِ على الموت. كنتي فاكرة إن آخرة طريقة العفش ده هيكون مفروش بالورود إياك؟
إنتِ كنتي متأكدة من جواكي إن آخرتها الموت أو السجن. وأنا ياما نبهتك وحذرتك، بس الفلوس والعيشة الحرام عمت عينك عن الحقيقة وخلتك تبيعي دماغك وتسلمي ضميرك للشيطان وإنتي مبسوطة بالعز والفلوس الحرام اللي إنتِ متمرمغة فيه." نظرت لها بحقد وتحدثت بذهول: "إنتِ شمتانة فيا يا بخيته؟ مش صعبان عليكي ابن ابنك اللي راح في عز شبابه بسبب بت ابنك الخاطية؟ أجابتها ناهرة إياها بحدة بالغة:
"قلت لك اخرسي بدل ما أقوم أقطع لك لسانك. بت ابني مش خاطية، بت ابني متربية أحسن تربية وبتعرف ربنا وحدودها اللي وضعها لها الدين زين. الدور والباقي عليكي يا واكلة الحرام وقاتلة ولدك بيدك. وبدل ما تخجلي وتحزني على اللي وصلتي ابنك ليه، دايرة ترمي بلاويكِ على خلق الله." نهرتها طاردة إياها: "امشي من هنا وإياكي تعتبي الدار ده تاني." وبكت وتحدثت بنبرة قطعت أنياط قلب كل من رآها:
"امشي يا شؤم، خليني أعرف أحزن على واد الغالي اللي قصفتي عمره وعمر أبوه بعشرتك الشينة." وقفت تتنقل النظر بين جميع الجالسات، وهن يلقين عليها النظرات الجالدة للذات ويتهامزن عليها بأصوات خافتة، يصدقن فيها على حديث تلك العجوز ذات العقل الموزون. تحركت للخارج عائدة إلى منزلها بألم جديد يضاف إلى ألمها الناتج عن مصيبتها من فقدان صغيرها. وذلك بعدما جلدتها بخيته بحديثها الحق وأزاحت الستار لتشاهد حقيقتها العارية بأم عينيها. ***
مر أربعة أيام على غياب الشاطر حسن عن الوعي والحياة. أما بسمة، فكانت تذهب له يوميًا رغم اعتراض والديها وجدتها خشية عليها من حديث الناس الذي لا يرحم. لكنها أصرت واستعطفتهم، وبدورهم لان قلبهما أمام قلبها العاشق.
كانت تقف أمام غرفته بدموعها وانهيارها، تنتظر إفاقته بين الحين والآخر. لأن قلب الجميع لها، حتى أنهم شعروا بأنها فرد من العائلة. وتأكد صلاح أنه كان مخطئًا حين أبعد تلك الملاك عن أحضان ولده الملتاع بعشق تلك السمراء جميلة الملامح، رائعة الحس والخلق.
في خلال الأربعة أيام، استطاع عز بمساعدة بعض الرجال من داخل جهاز المخابرات إيجاد خيط البداية للوصول لصاحب السجادة، وذلك بعد تتبعهم خط سير المصنع ثم البائعين، حتى وصلت السجادة إلى أسوان. ربط عز علاقة ثراء ذلك الناجي وبعض الإشاعات المتداولة بين الأهالي، والتي اكتشف أنها ليست إلا الحقيقة المؤسفة لهؤلاء الخونة بائعي تاريخ بلدهم الحبيبة.
داهم رجال الشرطة مكتب مجدي حين كان يجلس هو بداخل مكتبه بصحبة بديع يتابعان عملهما ككل يوم. دخلت السكرتيرة على عجل دون أن تطرق الباب. نظرت إليه بارتباك، وأردف هو قائلاً باستغراب لحالة الزعر التي ارتسمت على وجهها: "إنتِ اتجننتي يا أسماء؟ من إمتى وإنتِ بتدخلي عليا كده من غير ما تستأذني؟ تحدثت بتلعثم: "أنا آسفة يا أفندم، بس فيه ناس عاوزة حضرتك...
ثم ابتلعت باقي حديثها عندما داهم ضابط الشرطة وباقي القوة المصاحبة له المكتب، موجهًا حديثه إلى مجدي قائلاً بابتسامة سمجة: "مش وقت عتابك لسكرتيرتك يا مجدي يا حمدان." ارتاعب مجدي، ولكنه ادعى التماسك. ثم وقف على الفور وتحدث بنبرة ثابتة: "خير يا حضرة الظابط، ممكن أعرف إيه هي المناسبة السعيدة اللي خلت حضرتك تشرفني وتقتحم مكتبي بالطريقة دي حتى من غير ما تستأذن؟
نظر الضابط المكلف بالتحقيق في القضية، والذي يدعى إيهاب عرفة، إلى مجدي بابتسامة شامتة. فكم من المرات التي حاول بها إيقاع مجدي والبحث خلفه عن وجود دليل كي يثبت عليه تلك الإشاعات التي تدور حوله، ولكن باءت كل محاولاته بالفشل. بل وما كان يحزن هذا الضابط أن ذاك مجدي كان يشتكيه إلى رؤسائه ويتهمه بعرقلة عمله والتعمد إلى تسويء سمعته داخل مدينة أسوان. تحدث إليه الضابط إيهاب ساخرًا وهو مبتسم بشماتة واضحة:
"أوعدك إن دي آخر مرة هدخل عليك فيها من غير استئذان. بعد كده يوميًا وأنا داخل عليك البورش والعساكر جايبين لك التعيين في الأروانة، هبقى أخبط على سعادتك على باب الزنزانة." ابتلع لعابه برعب وتحدث بكبرياء وصمود عكس ما يدور بداخله: "هو حضرتك لسه ما زهقتش يا باشا من اتهاماتك الباطلة اللي من غير أي دليل دي؟ ابتسم له إيهاب وأردف قائلاً بتحدي:
"المرة دي جاي لك وأنا معايا الدليل اللي إن شاء الله هيلف حبل المشنقة حوالين رقبتك يا مجدي." ثم أشار إلى رجاله: "فتشوا المكتب كله." ارتاعب مجدي. بدأ الرجال بالتفتيش. ومن سوء حظه أنه لم يتخلص بعد من السلاح الذي استخدمه في ارتكاب جريمته وأطلق منه تلك الرصاصة القاتلة على جبين ناجي، والتي أوقعته صريعًا على الفور.
تم القبض الفوري على مجدي وبديع، اللذان أنكرا كل ما حدث في البداية. ولكن النيابة احتجزتهما أربعة أيام على ذمة التحقيق لحين ظهور أدلة جديدة تثبت تورطهما أكثر. وبعد البحث الدقيق من رجال المخابرات، تم العثور على مخزن تحت الأرض تابع لذلك مجدي ملئ بالآثار النادرة والعملات الأجنبية المتنوعة. وقد اعترف الرجال القائمون على حراسته بملكية المخزن لمجدي حمدان، مما أثبت التهمة عليه وألصقها به.
ذهب عز إلى النيابة العامة مستأذنًا إياهم، واتخذ إذنًا بالسماح له بواسطة رئيسه بالعمل بالمشاركة في التحقيق مع مجدي وبديع، وذلك لعدم قانونيته. وبالفعل بدأ بالتحقيق معهما بوجود رجلين نيابة، أحدهما لمساعدة عز بالتحقيق والآخر ليسجل اعترافهما. لكنهما ظلا على إصرارهما على الإنكار.
وبعد ضغط عز عليهما وممارسته أساليب الترهيب النفسي، التي تدرب عليها بإتقان داخل جهازه، والتي مارسها عليهما داخل التحقيق، انهارت أعصابهما واعترفا بجريمتهما الكاملة بقتل ناجي. واعترفا أيضًا بتجارتهما بالآثار، وذكرا أسماء باقي أعضاء التنظيم، والذي ضم شخصيات معروفة ومرموقة داخل الدولة. وهذا ما عزز من موقع عز داخل الجهاز، والذي بالتأكيد سيحصل من ورائه على ترقية عالية ووسام.
في اليوم الخامس، ذهبت ابتسام كعادتها إلى المستشفى. وجدت ثريا جالسة ويبدو وكأنها بانتظارها. تحدثت إليها بسعادة: "حسن فاق يا بسمة، والدكاترة قالوا إن الحمد لله عدى مرحلة الخطر ونقلوه لأوضة عادية." شعرت وكأن روحها قد ردت إليها من جديد، وتحدثت إليها: "الحمد لله، أنا كده اطمنت عليه." واسترسلت حديثها بتألم: "خلي بالك منه كويس أوي يا ثريا، وياريت تحاولي تقنعيه يسيب أسوان ويرجع إسكندرية معاكم." وأكملت بدموع:
"كفاية عليه اللي شافه من أسوان وناسها." نظرت إليها ثريا بعيون متسعة وتساءلت بذهول: "معقولة يا بسمة اللي بسمعه منك ده؟ قد إيه إنتِ طلعتي ضعيفة وهشة؟ بالسهولة دي هتتخلي عن حسن وعن حلمك فيه؟ ابتسمت ساخرة بمرارة وأردفت قائلة بنبرة امرأة بائسة مهزومة:
"حلمي هو اللي اتخلى عني مش أنا اللي اتخليت عنه يا ثريا. أنا وحسن اتقابلنا صدفة واكتشفنا إن أرواحنا كانت بتتقابل في الملكوت قبل الزمان بزمان. حلمنا نبني بيت جميل واتمنينا نكمل حياتنا فيه مع بعض، بس فجأة الحلم ده اتحول لكابوس وخنقنا جواه دوامته اللي سحبتنا للقاع من غير رحمة." وتحدثت بيقين وتأكيد:
"وأكيد باباكي اللي كان رافض جوازنا قيراط قبل ما يعرفني أو حتى يشوفني، هيرفض أربعة وعشرين بعد اللي حصل من ابن عمي الله يرحمه ويسامحه." تحدثت إليها ثريا بنبرة حزينة لعلمها بصحة حديثها: "طب حتى ادخلي سلمي عليه لآخر مرة." أجابتها بنبرة يائسة: "كده أحسن ليا وليه يا ثريا، خليه يتعود من دلوقتي على غيابي."
قالت كلماتها وانسحبت للخارج تحت دموع ثريا التي انهارت بغزارة فوق وجنتيها. لم تدري أكانت دموعها تلك حزنًا على حال شقيقها وبسمة وما أصابهما؟ أم أنها على ألمها الذي ينتظرها، فقد باتت تنتظر مؤخرًا رحيل مالك روحها ومتيمها الوحيد بين الحين والآخر، بعد أن تملك المرض من جسده وأصبح الرحيل أمرًا محتم لا محال. ظلت جالسة بالخارج حتى هدأت ملامح وجهها وزالت آثار البكاء كي لا يراها شقيقها بتلك الحالة ويحزن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!