نظرت لها ثريا وتساءلت بإهتمام: "إنتِ بسمة؟ لم تعِر لحديثها أية إهتمام ولم تنظر حتى إلي وجهها. بل ظلت علي حالتها تنظر أرضاً بشرودٍ تام. حتى دموعها قد جفت وتحجرت داخل عسليتاها، وكأن كل ما بها قد توقف يترقب بإنتظار وتمعن خروجهُ من خلف هذه الجدران التي تحجب عن عيناها رؤيتهِ وضحكتهِ البهية والتي سوف تحييها من جديد.
عذرتها ثريا، ثم تحركت من جديد إلي والدتها وجاورتها الجلوس، حيث أنها لم تعد تحتمل الألم والوقوف جراء تعبها من حمله. تحرك إليها دياب الواقف جانبًا ينظر إلي الجميع ويراقب ردود أفعالهم من بعيد، ووجه حديثهُ إليها بهدوء: "قومي يا بنتي خلينا نروح علي بيتنا، مبقاش ليها لازمة قعدتنا دي بعد ما أهله جمل."
نظرت إلي أبيها بذهول وكأنها استفاقت من تيهتها للتو، وتحدثت بحدة وهي تهز رأسها رفضًا: "ريح نفسك يا بابا، أنا مش هتحرك من هنا غير لما أشوف حسن خارج من أوضة العمليات بعيوني دي، وأتأكد إنه خلاص بقى كويس وبخير." تنهد دياب ووقف مكانه بثبات يتطلع إلي هؤلاء الرجال ذوي الهيبة والنفوذ والجاه.
هنا قد أتى مدير المستشفى ووقف أمام عز المغربي. أسرعت إليه ثريا والجميع كي يطمأنوا علي غاليهم. أما تلك الشاردة فظلت ساكنة بجلستها وبجوارها أبيها المرتعب داخليًا من فكرة صحة شكوكة نحو ناجي. تحدث مدير المستشفى إلي عز بإحترام: "أهلاً وسهلاً بحضرتك يا باشا، نورت أسوان." ثم عرف عن حالته: "أنا دكتور مهران مدير المستشفى." تحدث عز إليه بإستفسار: "أهلاً يا دكتور، من فضلك طمني علي حالة الباشمهندس."
أخبره الطبيب بمهنية كي لا يتحدث أمام السيدات حتى لا ينهرن أكثر: "ياريت حضرتك تتفضل معايا علي مكتبي علشان نتكلم هناك براحتنا يا سيادة العقيد." قاطعته عزيزة بصياحٍ حاد: "عاوزين تتكلموا بعيد عني ليه؟ يبقا أكيد ابني فيه حاجة وعاوزين تخبوها عليا." تحدثت إليها صلاح كي يهدئ من ثورتها: "إهدي يا أم فريد وخلينا نفهم من الدكتور الأول." تحدثت عزيزة بإصرار: "مش ههدي غير لما أعرف ابني فيه إيه وحالاً."
وجه عز حديثهُ إلي الطبيب كي ينهي هذا الجدال قائلاً: "اتكلم من فضلك يا دكتور وإحنا سامعينك." تحدث الطبيب بهدوء: "أول حاجة عاوز حضراتكم تطمنوا وتتأكدوا من إن عندنا هنا في المستشفى أمهر متخصصين وإننا مش هنقصر في أي حاجة محتاج لها الباشمهندس." تحدث صلاح بحده بعدما فقد السيطرة على صبره: "كل الكلام ده ميهمنيش، أنا عاوز أعرف ابني جوة في العمليات ليه؟ وإيه هي حالته بالضبط؟ تحدث الطبيب بهدوء متفهمًا
لحالة صلاح النفسية: "للأسف يا أفندم، ابن حضرتك اتعرض لكذا طعنة في الكبد من خنجر مدبب. والمجرم اللي طعنه حرك الخنجر وعمقه، وده تسبب في تهتك في جزء من الكبد، وبالطبع تسبب في نزيف حاد وده اللي بيحاولوا الدكاترة حاليًا يوقفوه." خبطت عزيزة صدرها بيدها وصرخت باسم ولدها بانهيار. أما ثريا فوضعت يدها فوق فمها وبدأت ببكاءٍ مرير يقطع أنياط القلوب. فتحدث صلاح بحدة ناهراً كلاهما: "مش عاوز أسمع ولا كلمة من واحدة فيكم."
صمتت إثنتيهما عنوةً، وذهب الطبيب تحت انهيار الجميع. وبعد مدة جاءت الشرطة عندما علمت بوجود عز المغربي بالمستشفى وأيضًا لأخذ أقوال تلك البسمة ووالدها في البلاغ المقدم من أشرف والذي يتهم فيه ناجي عبدالسلام بالشروع في قتل حسن المغربي وأستشهد ببسمة وأبيها. أما عن بسمة فقد أخرجها من شرودها صوت أمين الشرطة الحاد حيث أوقفها عنوةً عنها بناءً على توجيهات ضابط الشرطة له، وتحركت ببطء حيث تجمع الجميع.
وتحدث إليها الضابط المسؤول عن التحقيق سائلاً إياها: "قولي لي يا بسمة، هو المدعو ناجي ابن عمك هدد حسن بالقتل فعلاً زي ما أشرف إبراهيم بيتهمه؟ أماءت برأسها بإيجاب وسريعا بتأكيد: "أيوة يا أفندم حصل، وجه البيت عندنا وهدد بابا وجدتي، وبعدها بكام يوم هددني أنا شخصيًا." تدخل عز سائلاً إياها بإستفسار: "هددك قال لك إيه بالنص يا آنسة بسمة؟ نظرت إليه وأجابته بدموع: "قال لي لو خايفة على عمر الباشمهندس خليه يبعد عنك."
تحدثت عزيزة بحدة واتهام: "يعني اللي حصل لابني ده كله بسببك وبسبب أهلك؟ وأكملت بحدة: "ربنا ينتقم منكم، حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم." ارتعبت بسمة من رؤيتها لغضب ملامح عزيزة وزادت في نحيبها
وتحدثت مفسرة ما حدث: "والله العظيم أنا بعدت عنه خالص، دي حتى جدتي لما عرفت إنكم رفضتم ارتباطنا طلبت منه يبعد عني خالص، وحلفتُه ما يقربش من أي مكان أكون أنا موجودة فيه تاني، وفعلاً حسن وفي بوعده لجدتي وعمل كده، لحد النهارده شافني صدفة في الطريق ومشي معايا وكلمني." وأكملت ببكاءٍ مرير يقطع أنياط قلب من يراها: "غصب عنه ضعف ومقدرش يكمل عهده لجدتي، لحظة ضعف كلفتُه وكلفتني حياتنا."
وجه الظابط تساؤله إليها: "طب تفتكري يا بسمة إن ناجي هو اللي ممكن يكون عمل كده في الباشمهندس ونفذ تهديده ليه وليكم؟ أجابته بتأكيد وحدة من بين دموعها: "أنا متأكدة من إنه هو اللي عمل كده." وأكملت بنبرة حنون وعيون باكية: "حسن إنسان راقي ومحترم ومستحيل يكون له أعداء، هو ناجي مفيش غيره اللي ممكن يعمل كده، حسبنا الله ونعم الوكيل فيه."
حول الضابط بصره إلى دياب ووجه إليه نفس الأسئلة التي طرحها على بسمة، والذي أكد على حديث ابنته بتهديد ناجي له ولأسرته. ثم تحدث الضابط إلى عز: "على العموم إحنا لقينا الخنجر اللي الجاني ارتكب بيه الجريمة، وحرزناه وبعتناه للطب الشرعي علشان نعرف إذا كان فعلاً الخنجر ده هو اللي اتطعن بيه الباشمهندس ولا لأ، والنيابة بعتت دكتور من الطب الشرعي مع الباشمهندس جوه علشان يعاين الجرح ويقدر يحكم."
وأكمل: "وكمان هنعاين البصمات اللي موجودة على الخنجر واللي من خلالها هنتأكد إذا كان ناجي هو الجاني الحقيقي ولا لأ." وما أن انتهى الضابط من حديثه حتى استمع إلى صياح أحد العساكر الذي كان يأتي مهرولاً من خلال رواق المستشفى متحدثًا وهو يلهث قائلاً: "الحق يا حضرة الضابط، الحق يا حضرة الضابط." نظر له الضابط باستغراب من حالته وتساءل مستفهماً: "فيه إيه يا عسكري؟
نظر له الضابط باستغراب من حالته المزري وتساءل مستفهماً: "فيه إيه يا عسكري، انطق؟ تحدث العسكري بأنفاس لاهثة متقطعة: "فيه باخرة سياحية قدمت بلاغ من حوالي ساعة، قالت فيه إن القبطان لاحظ ثقل في حركة الباخرة، ولما الغطاس نزل يشوف الريشة فيها إيه، لقي سجادة كبيرة محشورة في الريشة وجزء منها مقطوع."
وأكمل لاهثًا: "طلع وطلب كذا غطاس معاه علشان يعرفوا يسلكوا السجادة لأنها كانت مربوطة بحجارة تقيلة وصعب يتحكم فيها لوحده، وهما بيخرجوها هو وزمايله من الريشة لقوا جواها جثة مقطوعة نصين." "خرجوها وطلعوها برة على المرسى وفيه شهود من اللي كانوا واقفين شافوا الجثة واتعرفوا على وش القتيل اللي الريشة مجتش جنبه وكان سليم تمامًا." وأكمل بنبرة
لاهثة من حديثه المتلاحق: "والجثة دي طلعت للمتهم اللي حضرتك أمرت بضبطه وإحضاره يا باشا." ضيق عز عينيه ووجه تساؤلاً إلى العسكري بفطانة: "إنت تقصد إن الجثة اللي خرجوها طلعت جثة اللي اسمه ناجي؟ هز العسكري رأسه بإيماء سريع وتحدث إلى عز بإعجاب: "عفارم عليك يا أفندي، هو كده بالظبط!
حولت بسمة نظرتها سريعًا ونظرت إلى والدها بعيون حزينة متألمة لأجل ابن عمها. أما دياب الذي وضع يده فوق مقدمة رأسه وظهر الألم والتأثر فوق ملامحه الحنونة، فمهما كان ناجي خاطئ وتغلب الشيطان على رأسه وتملكه، إلا أنه يظل ابن شقيقه الغالي رحمة الله عليه، عبدالسلام طيب القلب الحنون. نظر الضابط إلى عز الذي تحدث بغموض: "ده كده الموضوع وسع أوي يا حضرة الضابط."
ثم أكمل أمراً: "يلا بينا نتحرك، أنا لازم أحضر التحقيق ده وأطلع على كل المعلومات اللي جمعتوها بنفسي." تحدث دياب بانكسار وتألم: "وأنا جاي معاكم يا بهوات عشان أتأكد إذا كانت الجثة فعلاً بتاعت ابن أخويا ولا لأ." ثم نظر إلى ابنته وأردف أمراً: "روحي على البيت حالاً يا بسمة وخليكي مع جدتك زمانها عرفت بالخبر وتعبانة، الأخبار الشؤم بتوصل بسرعة." نظرت إليه بإستعطاف
وأردفت قائلة بترجي: "عشان خاطر ربنا يا بابا تخليني هنا لحد حسن ما يخرج وأطمن عليه، وبعدها أوعدك إني هروح على طول." نظر لها باستسلام وضعف، فكيف يجبر قلبها العاشق على الرحيل والابتعاد عن متيمها. وتحرك مع الظابط وعز وباقي القوة.
أما ثريا التي نظرت إليها بتعاطف شديد وذلك نظراً لحالتها المشتتة ما بين حبيبها ومتيم عيناها الراقد بالداخل يصارع الحياة في جولة نتائجها غير مضمونة، إما أن يخرج منها ناجيًا بحياته وحياتها، أو ستهزمه هي وتنتصر عليه ويخرج من تلك الغرفة جثة هامدة، وما بين ابن عمها الذي قتله الحقد والشر، واتباعه طريق الشيطان بلا رجعة. اقتربت منها ثريا وتحدثت إليها: "البقاء لله يا بسمة." أجابتها بدموع قد خانتها ونزلت متدفقة رغماً
عنها: "لا إله إلا الله." *** أما داخل مكتب المدعو مجدي الذي تلقى بجنون خبر ظهور الجثة بعد حذفها بعدة ساعات فقط لا غير. فقد دبر بدقة فائقة لكل شيء وأجاد رسم خطته بكل تفصيلها، ولكن تأتي إرادة الله فوق إرادة الجميع. فقد تحركت الجثة بفضل سرعة الرياح المفاجئة وقبل أن تستقر في القاع للأبد، اصطدمت بريشة الباخرة وحشرت بداخلها ليكشف أمرها وأمر مدبرها. وتبقى إرادة الله وتدابيره للكون هي العليا.
كاد يجن وهو يتحرك داخل المكتب ويجوبه إياباً وذهاباً وتحدث بحدة إلى بديع موبخًا إياه: "أدي آخرة اللي يعتمد عليك إنت ورجالتك الخايبة يا سي بديع." تحدث بديع بذهول مما حدث مدافعًا عن حاله: "وأنا والرجالة ذنبنا إيه بس يا باشا، الرجالة عملوا اللي انطلب منهم بالحرف الواحد ورموه في وسط النيل زي ما حضرتك أمرت بالضبط، بس الحظ محالفناش وجثته القذرة شبطت في ريشة الباخرة بدل ما تغطس في القاع."
واسترسل حديثه بغيظ: "الله يجازيه مطرح ما راح، مؤذي حتى وهو ميت." وأكمل مطمئنًا إياه: "وبعدين متقلقش أوي كده يا باشا، الحكومة كل اللي يهمها إنهم عرفوا مين اللي عمل كده في ابن الأكابر." وأكمل ساخرًا: "يطلع مين ناجي ده كمان علشان يشغلوا دماغهم بيه ويدوروا على مين اللي قتله." تساءل مجدي بلهفة كمن تعلق بقشة: "تفتكر كده يا بديع؟ أجابه بتأكيد وطمأنة: "ده أكيد يا باشا، اطمن سعادتك وريح بالك." ثم أكمل ساخرًا ليخفف
من توتر مجدي الذي أصابه: "ده مش بعيد الحكومة تعمل جواب شكر وتعلن عن جايزة مالية للي قتله وخلص العالم من أذيته وشرّه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!