دلفت للداخل وجدت شقيقها قابعًا فوق سريره، وتجاوره والدتها محتضنة كف يده برعاية، وهي تشد عليه كمن تمسك بصغيرها ذي الأربع أعوام وتخاف عليه من فقدانه وسط الزحام. نظر لها، وبثغره ابتسامة حانية. أما عزيزة فتساءلت باستفهام: "كنتِ بتعملي إيه كل ده بره لوحدك يا ثريا؟ أجابت والدتها بمراوغة: "كنت بمشي تحت في الجنينة شوية، أصل اتخنقت من ريحة الأدوية والمستشفى يا ماما." شملته والدتها بنظرة مشفقة على حالتها،
وأردفت قائلة بنبرة جادة: "أنا شايفة إن كفاية عليكي قعاد هنا لحد كده يا ثريا، لازم ترجعي بكرة مع عز على إسكندرية، مبقاش ليها لازمة قعدتك هنا خلاص." وأكملت بهدوء: "أخوكي والحمد لله اطمنا عليه وبقى زي الفل، يبقى لازم ترجعي عشان جوزك وولادك، هما الوقت محتاجين لك أكتر من حسن، وكلها يوم ولا اتنين وأخوكي يرجع معانا لإسكندرية ويبقى في وسطنا." أكمل حسن مؤكدًا على حديث والدته:
"ماما عندها حق يا ثريا، لازم تسافري بكرة عشان تبقي جنب أحمد." هزت رأسها إليه بإيماء وموافقة. فتحدث هو متسائلاً على استحياء: "هي بسمة مجتش سألت عليا النهاردة يا ثريا؟ تهربت بعينيها بعيدًا كي لا تحزن قلبه. فتحدث هو بإصرار: "مخبية عني إيه يا ثريا؟ وأكمل متسائلاً بهلع: "إوعى تكون بسمة جرى لها حاجة ومخبين عني؟ أجابته على عجل كي يطمئن:
"لأ يا حبيبي هي كويسة جدًا، مش أنا حكيت لك إنها كانت بتيجي تقعد جنبك كل يوم وتكلمك وانت في الغيبوبة." ثم أكملت بنبرة حذرة: "هي كانت بره من شوية، وحتى فرحت جدًا لما بلغتها إنك فوقت." سألها بنبرة متلهفة: "طب لما هي كانت هنا ليه مدخلتش عشان تشوفني؟ نظرت إلى والدتها المتألمة لأجل ولدها وحيرته، ولكن لا يوجد بيدها شيء لتفعله لأجله. وتحدثت ثريا بنبرة متألمة:
"بسمة شافت إن البعد أفضل ليك وليها بعد اللي حصل لك على إيد ابن عمها يا حسن." احتدمت ملامحه بغضب، وكاد أن يتحرك، لكنه صرخ متألماً نتيجة حركته العنيفة المفاجئة، مما جعل عزيزة وثريا تسرعان إليه ليمنعاه من الحركة لأجل جرحه الذي مازال حديثًا ولم يشف تمامًا بعد. وتحدث هو بنبرة حادة: "مين اداها الحق في إنها تقرر مصيرنا لوحدها؟ أنا وهي دخلنا الحكاية سوا، ولازم علشان نقرر البعد نقرره سوا." أردفت عزيزة قائلة لتهدئ صغيرها:
"اهدأ يا ابني وصدقني كل اللي انت عايزه إن شاء الله هيحصل." ثم أدخلته داخل أحضانها، وشددت من ضمته، وبدأت تتخلل شعر رأسه بأناملها بحنان، وأردفت قائلة مطمئنة إياه: "أنا معاك يا حبيبي ومش هسيبك." استكان داخل أحضان والدته وكأنه وجد ملاذه داخلها. ***
في صباح اليوم التالي، دلفت صلاح إلى الغرفة التي يقبع بها صغيره. نظر عليه بقلب يتمزق لحالة الحزن التي تملكت من عيناها، وأصبحت لا تفارقها منذ أن فاق ووعى على حاله. سحب حسن بصره وأبعده عن مرمى عيني والده، مما أحزن صلاح. وقفت ثريا من جلستها جانب شقيقها، وتحركت احترامًا لحضرة والدها، وتحدثت باحترام وإجلال وهي تٌفسح له الطريق في إشارة من كف يدها: "اتفضل يا بابا."
أومأ لها صلاح، وابتسم بحنان، وتحرك وجلس بالمقعد المجاور لسرير نجله. ثم تحدث بنبرة صوت حنون: "عامل إيه النهاردة يا باشمهندس؟ أجاب والده باحترام دون النظر إليه: "الحمد لله أحسن." ملس صلاح على كتفه بحنان، وتحدث بنبرة دعابية: "أنا عايزك حديد عشان تطول رقبتنا وماتكسفناش مع بنت أسوان." نظر سريعًا إلى والده بعيون متسائلة. فتحدث صلاح مداعبًا إياه: "يلا شد حيلك وقوم بالسلامة عشان نروح للراجل ونتمم اتفاقك معاه ونخطب لك...
وأكمل بتساؤل مضيقًا عينيه: "هي اسمها إيه البت دي؟ أنار وجهه من شدة سعادته وهو ينطق حروف اسمها غير مستوعب لما يجري: "بسمة، اسمها بسمة يا بابا." انفرج فم صلاح عندما رأى السعادة تغمر وجه غاليه، وتحدث بابتسامة ووجه ضاحك: "أيوااا، بسمة زي اللي اترسمت على وشك دي لما جت سيرتها."
شعر بالعالم أجمع يتراقص ويتغنى حوله من شدة سعادته، ولم يعد للألم المبرح الناتج عن جرحه مكان، بل كل ما شعر به هو فرحة لم يشعر بمثلها من ذي قبل غمرت قلبه وتملكت من كيانه بالكامل. وتحدثت ثريا التي أنارت الفرحة وجهها: "صحيح يا بابا هتخطب له بسمة؟ أجابها بنبرة جادة، معنفًا إياها بلطف: "ومن أمتى وأنا بهزر في الكلام ده يا بنت عزيزة." اقتربت على والدها وقبلت رأسه باحترام، وتحدثت: "ربنا يخليك لينا يا بابا."
نظر له حسن بسعادة وأردف شاكرًا إياه: "ربنا يخليك ليا يا بابا، أنا مش عارف أقول إيه لحضرتك، مش لاقي جوايا كلام يعبر لك عن اللي أنا حاسه." حزن صلاح من داخله عندما رأى فرحة ولده وكيف تحول وجهه من قمة يأسه وحزنه إلى قمة سعادته في غضون ثوانٍ، ولام حاله على ما فعله بقلبه البريء. في اليوم التالي، ذهب عز وصلاح ومحمد إلى منزل دياب، الذي قابلهم بترحاب وود وكرم ضيافة عالٍ معروف لدى أهل أسوان، أهل الكرم والجود. تحدثت
الجدة إلى صلاح بأسى وأسف: "حقك علينا في اللي حصل من ولد ابني ناجي الله يرحمه في حق الباشمهندس." رد عليها صلاح بهدوء كي يغلق هذا الموضوع وإلى الأبد: "اللي حصل حصل يا حاجة وإحنا ولاد النهارده، وكل عيلة فيها الصالح والطالح، وهو الله يرحمه ويساحه بقى عند ربنا." ثم تنقل النظر بينها وبين دياب، وتحدث بابتسامة سمحة:
"خلينا في المستقبل، كفايانا حزن ووجع، أنا جاي أطلب منكم إيد بنتكم المحترمة لابني حسن ويسعدني ويشرفني إنكم توافقوا على طلبي ده." وأكمل: "أنا عارف إن حسن جايلكم قبل كده وطلبها، وأنا جاي النهاردة عشان أأكد على طلبه ده وأتمنى إنكم توافقوا ونتمم الموضوع." تنهدت الجدة بأسى وتحدثت بنبرة حزينة:
"طلبك يشرفنا يا حاج، وأنا أديها لحسن عن طيب خاطر وأوصلها لكم لحد باب بيتكم كمان، بس إنت شايف الظروف اللي إحنا فيها، البنت لسه ابن عمها ميت ومش حلوة في حقنا نفرح ونعمل خطوبة والواد لسه مكملش حتى أسبوعين." تحدث صلاح بتفهم: "وإحنا بنفهم في الأصول بردوا يا حاجة، أنا عارف كل الكلام ده ومقدر حزنكم على ابنكم، ده غير إن حسن لسه تعبان ومحتاج شهور عشان يقدر يرجع زي الأول ويمارس حياته بطبيعية." وأسترسل حديثه بنبرة جادة:
"أنا هنقله على إسكندرية في طيارة خاصة بعد يومين، الدكاترة قالوا إنه لازم يقعد في المستشفى على الأقل أسبوعين كمان تحت الملاحظة، وبعدها هيفضل في إسكندرية لحد ما يشد حيله خالص وترجع له صحته زي الأول، وبعدين نبقى نتمم الجوازة على طول بإذن الله." "أنا بس عايز منك وعد بالموافقة وعايزك تسمحي لبسمة تيجي بكرة المستشفى تشوف حسن قبل ما نسافر عشان أكيد هيفرق في نفسيته وفي علاجه اللي لسه طول." تحدث دياب بموافقة وترحاب:
"إن شاء الله بكرة أنا هجيبها وأجي ونزور الباشمهندس، بس سعادتك وباقي العيلة الكريمة معزومين بكرة هنا على العشاء عشان تدوقوا الأكل الأسواني." "معلش اعذرونا، مرة تانية إن شاء الله." جملة تفوه بها صلاح باعتذار. فأصرت الجدة على حضورهم لتناول العشاء، ووافق صلاح على طلبها، وأستأذنوا بالرحيل. *** ومع رحيل الشمس بنفس اليوم، داخل الطائرة المتجهة برحلتها من الحبيبة أسوان إلى عروس البحر الأبيض، مدينة الجمال، الإسكندرية.
كان يجلس ذلك العاشق بجوار امرأة أحلامه التي حرمت عليه كتحريم الأم والأخت. ينظر إليها بقلب عاشق سعيد لأجل تواجدها بالقرب منه بهذا الحد. تحدث إليها متلاشياً النظر داخل عينيها حتى لا تسحره كعادتها دون إدراك منه وتجعله متيمًا هائمًا في سماء عشقها، وهذا الشعور يرفضه ويحاربه طوال الوقت: "إنتِ كويسة يا ثريا؟ تنفست بعمق ثم زفرت بهدوء، وأجابته بنبرة حزينة، وذلك لحزنها على زوجها وما أصابه:
"الحمد لله على كل حال يا عز، مرتاحة شوية إني اطمنت على حسن وخصوصًا بعد موافقة بابا على موضوع خطوبته من بسمة." أردف هو قائلاً بإعجاب: "تعرفي إني احترمت البنت دي جدًا لما اعترفت إن ناجي هددها إنه هيؤذي حسن لو بعدت عنه، واحدة غيرها كانت خافت على ابن عمها من السجن، أو حتى خافت من لوم أهلها ليها." وأكمل بنبرة حنون:
"بس الظاهر إنها بتحب حسن أوي لدرجة إنها ماتفكرش في أي حاجة غير إنها تجيب له حقه حتى لو هتقف هي في وش المدفع، يا بخت قلبه بيها وبحبها." ابتسمت ثريا وأردفت قائلة بنبرة دعابية: "قصدك يا بختها هي بحب حسن المغربي يا عز؟ قهقه برجولة وأرجع رأسه للخلف قائلاً بدعابة مماثلة: "قوام ابتديتي شغل الحماوات يا ثريا." وأكمل مداعبًا إياها: "ده أنا كنت مخدوع فيكي بقى."
ضحكت بنعومة وأردفت بنبرة رقيقة جعلت القشعريرة تسري داخل جسد ذاك العاشق الولهان، وأردفت قائلة بنبرة مدافعًة عن حالها: "طول عمرك وإنتِ مظلومة يا ثريا." أردف قائلاً على عجل ولهفة: "لأ عاش ولا كان اللي يظلمك طول ما أنا عايش على وش الدنيا وفيا نفس يا غالية." شعرت بسعادة الدنيا تحوم حولها لاستماعها لتلك الكلمات من ابن عمها الغالي التي تعتبره بمثابة شقيقها الثالث. وتحدثت إليه بعيون شاكرة ونبرة سعيدة:
"ربنا يخليك ليا يا عز وتفضل طول عمرك أخويا وسندي اللي لما بحتاج له دايمًا بلاقيه." ابتسم وسعد داخله، فحتى وإن كانت تعتبره كشقيقها، فيكفيه أنه قريب من قلبها وله بداخله مكانة ولو صغيرة. أما هي، فالتفت بوجهها تنظر من نافذة الطائرة، وتتأمل في السماء، وكلها اشتياق لرؤية زوجها الغالي وصغارها التي اشتاقتهم حد الجنون.
شعرت بحركة طفلها العنيفة داخل أحشائها كأنه يركلها بساقيه، فقشعرّت ملامح وجهها، ووضعت يدها على أحشائها وتألمت في صمت. فسألها ذاك المراقب لها متلهفًا والخوف ظهر بعينيه: "فيه حاجة بتوجعك يا ثريا؟ حولّت بصرها إليه وأجابته مبتسمة: "شكل ابن أخوك ولا بنته هيطلعوا أشقيا أوي، مبيطلش ترفيس طول الوقت جوه بطني." ابتسم لها وسألها باهتمام: "نفسك في ولد ولا بنت؟ أجابته بنبرة راضية كلها يقين:
"كل اللي يجيبه ربنا خير، أهم حاجة البيبي يكون بصحة كويسة." وأكملت بنبرة حزينة وعيون منكسرة: "اللي أهم من كل ده إن ربنا يشفي لي أحمد ويخليه في وسط أولاده ويفرح بيهم ويشوفهم وهما بيكبروا قدام عيونه." نزلت كلماتها تلك على قلبه زلزلتْه، وحزن لأجل شقيقه ومصيره المحتوم بالموت المؤكد. وساد الصمت بينهما بعد تلك الكلمات.
وبعد مدة من الوقت، دلفت إلى منزل العائلة بجوار عز، وجدت ذاك العاشق بانتظارها والغيرة تنهش قلبه وتشعله لرؤيتهما معًا، وأيضًا منيرة ومنال وراقية وعبدالرحمن وأطفال المنزل. الجميع بانتظارهما باشتياق جارف لرؤيتهما، وأيضًا للاطمئنان منهما على صحة حسن وكيف أصبح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!