الفصل 23 | من 30 فصل

رواية عبق الماضي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم روز امين

المشاهدات
23
كلمة
2,305
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

داخل مكتب مجدي حمدان ما زال يجلس هو وبديع والقلق يسيطر على حالتهما، ينتظران بتلهف على أحر من الجمر وصول الأخبار من رجالهما المتواجدون داخل المستشفى ليطمئنوهما على حالة حسن. اتصل على الرجل الأول داخل تشكيلهم العصابي الماثل داخل القاهرة، وتحدث إليه الرجل بنبرة حادة بعدما قص مجدي عليه ما حدث. "الراجل بتاعك بقى كارت محروق وهيجرنا معاه واحد ورا التاني للهلاك يا مجدي." "طب وإيه العمل يا باشا؟ " جملة تساءل بها مجدي. فأجابه

الرجل بحدة وحديث ذي مغزى: "نضف الفوضى اللي حصلت عندك فوراً يا مجدي، نضف من غير ما حد يحس بينا، فاهمني يا مجدي." أغلق مجدي هاتفه بعدما طمأن ذاك المهم، ثم نظر إلى بديع وتحدث إليه بنبرة آمرة: "بديع، خد معاك راجلين وهات لي اللي اسمه ناجي ده من تحت طراطيف الأرض." لم يكمل جملته حتى استمع إلى طرقات خفيفة تلاها دخول السكرتيرة الخاصة، حيث تحدثت بنبرة هادئة: "ناجي عبدالسلام هنا ومصر إنه يقابلك يا أفندم."

ححظت عينا مجدي وتحدث متلهفًا: "دخّله بسرعة." دلف ناجي يتلفت حوله بنظرات مرعبة وتحدث مستنجدًا به: "الحقني يا مجدي باشا، أنا وقعت في مصيبة وجاي لك عشان محدش غيرك هيعرف ينجدني ويخرجني منها." وقف مجدي واقترب عليه كالمجنون، ماسكًا إياه من تلابيب جلبابه وأردف قائلاً بحده: "انت اتجننت يا بني آدم؟ انت إزاي تيجي لحد هنا بعد عملتك السودة اللي عملتها مع الباشمهندس؟ انت عايز تفتح عيون الداخلية عليا وتوديني في داهية يا حيوان."

نظر إليه ناجي باستغراب وتساءل بغباء: "وانت عرفت منين اللي حصل؟ ثم استعاد ذاكرته وتحدث بتذكر قائلاً: "آه، نسيت إن جنابك ممشي جواسيسك ورايا." نظر إليه وتحدث بنبرة قوية: "انت لازم تشوف لي حل يا باشا، أنا الراجل بتاعك وأكيد مش هتسيبني أروح في داهية." أجابه مجدي بنبرة ساخطة: "وعاوزني أعمل لك إيه بقى يا سي ناجي؟ ثم أنا يا بني آدم مش حذرتك قبل كده وقلت لك تبعد عن اللي اسمه حسن ده وما تتعرضلوش خالص." تحدث ناجي بغل:

"اللي حصل بقى يا باشا، والواد اتحداني وخد نصيبه مني، والوقت لازم تثبت لي حمايتك ليا. انت مش كل شوية كنت تقول لي متخافش طول ما انت معايا، انت تحت حمايتي يا ناجي." تحدث مجدي بتخابث: "طب اسبقني على المخزن السري وأنا هاجي لك على هناك ونتكلم ونشوف هنحلها إزاي مع بعض." تحدث ناجي بحدة وعناد:

"أنا لا رايح مخازن ولا غيره يا باشا، ما فيش قدامي وقت للكلام ده كله. أنا هطلع من هنا على بيتي ولما الحكومة تيجي وتسألني هقول لهم إني وقت الجريمة ما حصلت كنت عندك هنا بنتكلم في شغل! ثم حول بصره إلى بديع وتحدث مستشهدًا: "وبديع بيه هيشهد معانا وبكده أطلع أنا منها زي الشعرة من العجينة وأكون خلصت من اللي اسمه حسن وفي نفس الوقت حميت نفسك." كاد بديع أن يتحدث ولكن سبقه حديث مجدي الذي تحدث إليه بحدة وجنون:

"انت اتجننت يا بني آدم؟ انت عايز توديني في داهية؟ ثم شغل إيه ده اللي هيكون بيني وبين واحد زيك يا غبي." تحدث بديع بتخابث: "ماتخليش عقلك المشتت من اللي حصل يخليك تقول كلام مش محسوب يا ناجي، الشغل اللي بينك وبين البشوات كله في السر ومحدش يعرفه وحتى كل مقابلاتنا في أماكن سرية. ثم بالعقل كده، شغل إيه اللي هيبقا بينك وبين مجدي بيه صاحب شركات التصدير والاستيراد؟ تحدث ناجي ساخرًا:

"ده على أساس إن أسوان كلها متعرفش شغلكم الأساسي ولا ما يعرفوش إني شغال معاكم في الحفر عن الآثار وتهريبها برة البلد؟ أجابه مجدي بدهاء نافيًا: "دي مجرد شكوك يا سي ناجي، بس ما فيش مخلوق عنده دليل واحد يقدر يثبت بيه أي حاجة علينا، وانت بكلامك المعتوه ده عايزني أثبت عليا الإشاعات وكأني بقول للحكومة تعالي دوري ورايا." تحدث ناجي بحدة وجنون مهددًا مجدي:

"اسمع يا مجدي باشا، لو بتفكر تتخلى عني انت وبشواتك وتخلوني أشيل الليلة تبقوا غلطانين، أنا لو اتسجنت مش هتسجن لوحدي، لااااا، ده أنا هجركم معايا واحد واحد ونقضيها صحبة حلوة كده في السجن." تحدث مجدي وهو يخرج مسدسه المعبأ بطلقاته النارية ومجهز سلفًا من درج مكتبه ويضع به كاتم الصوت كي لا يصنع ضجة بالمكتب: "يبقى انت اللي حكمت على نفسك يا ناجي."

وبلمح البصر صوب المسدس نحو نقطة ما بين العينين بحرفية عالية وأطلق عليه تحت ذهول ناجي وعدم تصديقه بالتخلي عنه بتلك السهولة. وقع ناجي على الفور صريعًا بعد تلك الطلقة المدروسة القاتلة. تحرك بديع إليه سريعًا يختبر نبضه، وجده قد فارق الحياة على الفور. فتساءل مستفهمًا بلهفة ورعب دب بأوصاله: "هنعمل إيه في الجثة دي يا باشا؟ أجابه مجدي ببرود وهو ينظف مسدسه بنفخة به وكأن شيئًا لم يكن:

"الأول خد الخنجر من جيبه وخلّي الرجالة يروحوا يرموه بسرعة جنب المكان اللي اتقتل فيه المهندس عشان البوليس يتأكد من ارتكاب ناجي للجريمة بعد ما يلاقوله بصماته عليه." وأشار بيده على السجادة الموضوعة أرضًا: "وهاتي الرجالة ولفوه في السجادة دي واربطوها عليه كويس وخليهم يشيلوها عادي كأنهم مودينها للتنضيف وبعدها يرموه بيها في قلب النيل." وأكمل بذكاء:

"وم تنسوش تربطوا معاه حجارة كبيرة عشان الجثة تغطس وتستقر في القاع ومتطلعش لفوق عشان الطلقة اللي واخدها دي، خلي الحكومة تفتكر إنه خاف وهرب بعد ما قتل الباشمهندس حسن." واسترسل حديثه بتأكيد منبهًا إياه: "مش عاوز ديول تظهر للموضوع يا بديع! ثم أشار إلى الدماء المتناثرة فوق الأرض وتحدث باشمئزاز: "يلا هات رجالتك الموثوق فيهم ونضف لي القرف ده بسرعة! تحدث بديع بهدوء:

"أوامرك يا باشا، بس الأول هطلع أسرب السكرتيرة وأخليها تمشي عشان ماتحسش بحاجة من اللي هي هيحصل هنا." وبالفعل خرج بديع وأعطى للسكرتيرة إجازة عارضة بحجة ذهابهما هو ومجدي إلى الخارج، إذا لا داعي لتواجدها بالمكتب. وأيضًا اتخذ بديع كل ما يلزم من الحيطة لأمانهما وإبعاد الشبهات عنهما.

بعد مدة أخذ الرجال جثة ذاك الهالك الذي لم ينجي بحياته ولا حتى بمماته من كثرة ذنوبه التي اقترفها بدنياه ولم يضع الله أمام ناظريه ويعمل على إرضائه وكسب آخرته. *** بعد حوالي ثلاث ساعات

كانت قابعة أمام غرفة العمليات تجلس أرضًا بعينان متسمرتان لا يتحرك لهما رمش، لا دموع، لا وعي، ولا حياة من دونه. تشعر وكأن دقات قلبها توقفت مترقبة دقاته، فإن عاد عادت دقاتها، وإن فارقت فستلحق بها في الحال إلى حيث الفناء الأخير. فلا حياة لقلبها الضعيف بعد الرحيل. إنها ساحرته، بسمة الحسن. فإن عاد لها عادت له الأمل. وإن غابت شمس حياته، غابت بسمتها إلى الأبد.

فقد أتت إلى هنا بعد ذهاب أشرف إليها داخل البزار مهددًا إياها إذا حدث شيء لصديقه فسيجعلها تدفع الثمن باهظًا هي وأهلها وناجي الذي هددده. ولكن اضطر لاصطحابها معه إلى المستشفى بعد حالة الانهيار التي أصابتها من جراء تلقيها ذلك الخبر المشؤوم، مما أدى إلى تعاطفه الشديد معها بعدما كان ثائرًا عليها ويحدثها بحدة بالغة، وأيضًا لعلمه مدى عشق صديقه لها.

وقد ذهبت أمنية وأماني إلى بيت ابتسام وأخبرا والدها الذي أتى سريعًا إلى ابنته ليأخذها إلى البيت. ولكنها صممت بإصرار وترجته على أن لا تتحرك من أمام غرفة العمليات حتى يخرج أسر كيانها وتراه أمامها معافى البدن. في تلك اللحظات حضر الجميع من الإسكندرية وهم يسرعون بخطواتهم داخل رواق المستشفى بتخبط وتشتت. أسرع الأب الملكوم إلى أشرف وتحدث إليه متسائلاً بلهفة: "طمني يا ابني، حسن أخباره إيه؟

أجابه أشرف برأس منكس وعينان يسكنهما الألم حزنًا على ما حدث لصديقه ورفيق دربه: "ما أعرفش أي حاجة يا عمي، من وقت ما أخدوه جوه في العمليات من أكتر من تلات ساعات ونص، ومحدش خرج علينا ولا حتى طمنا على حالته." تحدثت عزيزة إلى عز بدموعها الغزيرة التي تُدمي القلوب: "اتصرف يا عز وشوف لنا حد في المستشفى دي يطمنا على ابني." أمسك عز يدها وأجلسها فوق إحدى المقاعد وتحدث إليها مطمئنًا إياها: "اهدّي يا مرات عمي وأنا هتصرف وهطمنكم."

وبالفعل تحرك الضابط المصاحب له والمكلف من رئيس المخابرات شخصيًا لتسهيل الأمور إلى سيادة العقيد داخل أسوان. تحرك وأبلغ إدارة المستشفى بشخصية عز المغربي وموقعه، مما أربك الإدارة وبعثوا له على الفور بطبيب ذي مكانة عالية بالمستشفى كي يطمئنهم على حسن. وبالفعل أبلغهم أنه الآن داخل العمليات وبصحته لفيف من أمهر الأطباء في هذا المستشفى المجهز والمخصص لخدمة الأجانب الوافدين إلى تلك المحافظة السياحية العريقة.

بعد انصراف الطبيب نظر عز إلى ثريا وجسدها المنهك وأشار لها بأن تجلس كي تريح حالها من عناء ومشقة السفر. فاستمعت إليه وبالفعل جلست. ثم تحدث إليها بقلب مفطور لأجلها: "من فضلك يا ثريا حاولي تهدي عشان حالتك الصحية مش متحملة توتر، وكمان عشان الطفل ما يتأثرش ولا قدر الله يحصل أي حاجة." أومأت له برأسها بطاعة وهدوء وتحرك هو إلى عمه وجلس بجانبه كي يخفف عنه توتره.

لفت انتباه ثريا تلك التي تفترش الأرض أمام غرفة العمليات بحالة مزرية وعينان منتفخة جراء بكائها المتواصل لمدة طويلة. وتيقنت بفطانتها أنها سمراء شقيقها وفاتنته. تحركت إليها بهدوء وتساءلت بنبرة متأثرة وهي تنظر إليها بتتمعن: "إنتِ بسمة؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...