الفصل 17 | من 30 فصل

رواية عبق الماضي الفصل السابع عشر 17 - بقلم روز امين

المشاهدات
19
كلمة
3,154
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

بعد مرور يومان داخل مدينة أسوان، كان ناجي ووالدته يجلسون داخل منزلهم الفخم بأساسه الفاخر، والذي كونه بأموال نهب وسرقة آثار وحضارة البلد وبيع تاريخها العظيم. استمعا معاً إلى صوت جرس الباب ليعلن عن وصول زائرتين. تحدثت نجية بكبرياء، منادية بأعلى صوتها على تلك العاملة: "بت يا نرجس، شوفي مين على الباب." في حين تحدث ناجي إلى والدته بفخر:

"البهوات جاي لهم ضيوف بعد يومين وعاوزين ياكلوا مشلتت وملوحه يا أم ناجي، عاوزك تخلي البنات يعملولهم مشلتت ما داقوش زيه طول حياتهم." ضحكت وأجابته بسعادة وانتشاء: "بس كده من عيوني يا غالي، إنت تؤمر إنتَ والبهوات." وكادت أن تكمل حديثها لولا دخول تلك الغاضبة التي تحدثت بصوتها الهادر وهي تنظر إليه بعيون حادة تطلق شزراً: "إنتَ عاوز أيه مني بالظبط يا ناجي؟

وما أن رأى وجهها المنير أمامه حتى انتفض قلبه ودق بوتيرة عالية، ووقف منتصب الظهر، وقد لمعت عيناه ببريق العشق عندما رأى بسمته أمامه في منزله. فكم تمنى أن يدخلها إلى هنا كعروس حاملاً إياها ببن ساعديه القويتين. تمالك من حاله إلى أبعد الحدود كي يخرج صوته بثبات، ثم تحدث إليها بنبرة أهدأ وأرق مما هو عليه صوته الطبيعي: "ابتسام، ده إيه المفاجأة الحلوة دي، نورتي دارك يا بنت عمي." حدقت به وعيناها تطلق شزراً، وأردفت

قائلة بنبرة غاضبة حادة: "دي مش داري ولا عمرها هتبقى يا ناجي، وده اللي إنتَ مش قادر ولا عاوز تفهمه طول المدة اللي فاتت دي." "براحة على نفسك شوية يا سنيورة ليطق لك عرق ولا يجري لك حاجة، مالك داخلة علينا زي الفرسة المطلقة اللي مش لاقية لها خيال يشكمها ولا يلمها كده ليه؟ كانت تلك كلمات وجهتها نجية إلى ابتسام وهي ترمقها باستهزاء وتحادثها بنبرة ساخرة. هدر بها ناجي بنبرة صوت عالية حادة:

"أمااا، مالهوش لازمة الكلام بتاعك ده." ثم حول نظره إلى تلك الغاضبة وتحدث وهو تتأكل جسدها بعيناه، ممرراً بصره عليه من أعلاها لأسفلها: "الغالية تعمل وتقول كل اللي على كيفها ويحلالها، وأنا أستحمل دلالها ويبقى على قلبي أحلى من الشهد كمان." وأكمل بغمزة وقحة من عيناه وهو يشير على جسده بيداه رافعاً قامته لأعلى بتفاخر: "وإن كان على خيالها موجود ويسد عين الشمس، بس دلال الغالية ليه حكم على قلبي؟

لوت نجية فمها بعدم رضا عن أفعال وأقوال ولدها العاشق، ولكنها لم تستطع صد حديثه أو اعتراضه خشية غضبته، فكظمت غيظها داخل قلبها عنوةً عنها. أما ابتسام فقد رمقته بنظرة مقززة حين رأت نظراته القذرة وهي تمشط جسدها بتمنٍ. وأردفت قائلة بنبرة حادة: "طب اسمعني بقى كويس يا ناجي علشان أنت خلاص، الذوق ما بقاش يجيب نتيجة معاك ولازم تفوق." وأكملت بنبرة صادمة له وهي ترمقه بنظرة اشمئزاز:

"لازم تعرف كويس إني عمري ما حبيتك ولا حتى شفت فيك فارس أحلامي والراجل اللي بتمنى أكمل عمري معاه، وعمري ما فكرت إني ممكن أتجوزك ولو إنتَ آخر راجل في الكون ده كله يا ناجي أنا أفضل إني أقعد باقي عمري من غير جواز على إني أربط اسمي باسم واحد زيك." ثم نظرت إلى والدته وأكملت بنبرة غاضبة وهي تشير إليهم بسبابتها:

"وأوعى خيالك المريض يصور لك إن تهديدك إنتَ وأمك لأهلي هييهزني ويخليني أغير رأيي وأوافق على الجواز منك، بالعكس، ده خلاني مصرة على رفضك أكتر وأكتر بعد ما شفت وشوشكم البشعة وبجاحتكم." وأكملت لتشعل روحه وتنهي له أية آمال متبقية بداخله: "وبعدين أنا مش فاهمة إنتَ بتفكر إزاي بجد، أنا خلاص اتخطبت لراجل محترم وبيكسب ماله من الحلال، وموافقة عليه وهو عاوزني، وقبلها رفضت عرضك ست مرات." وأكملت وهي تنظر إلى عيناه بقوة واشمئزاز:

"إيه، ما فهمتش من رفضي المتكرر ليك إني ما بقبلكش ومبطقش حتى أشوفك قدامي؟ كان يستمع إلى حديثها القاتل لقلبه ورجولته بجسد يشتعل وينتفض وصدر يعلو ويهبط من شدة غضبه. بصعوبة بالغة تمالك من حاله وسيطر على غضبه كي لا يتهور ويحزنها. وأكثر ما أشعل جسده وجعل روحه تتألم هو ذكرها إلى ذاك الشاب الإسكندراني بهذا التفاخر والتباهي. نظر لها ثم تحدث إليها بفحيح كفحيح الأفعى:

"قولتي كل الكلام اللي في نفسك يا مالكة القلب والروح، اسمعي بقى آخر الكلام ومسكة وركزي كويس أوي فيه علشان أنا مش هعيده تاني." ثم استرسل حديثه بشر وهو يشير إلى حاله بثبات وتأكيد: "من الآخر كده وعشان تريحي نفسك وتريحيني معاك، لازم تتأكدي إنك مش هتكوني لحد غيري، واللي هيفكر بس يمسك ولا يقرب لك أنا هبعته في رحلة مستعجلة للأخرة." جحظت عيناها من تهديده الصريح، ثم نظر هو بعيون تطلق شزراً وأكمل بنبرة غاضبة:

"مفيش راجل غيري هيلمسك يا غالية ولو ده حصل هيبقى أكيد على جثتي، ولو كنتي خايفة على المهندس ده بجد، إبعديه عنك على قد ما تقدري." وأكمل مهدداً بشر: "وإلا ورحمة أبويا الغالي أبعته لأهله في إسكندرية متحمل في صندوق خشب." نظرت إليه وتحدثت بقوة زائفة عكس ما بداخلها من رعب وارتجاف: "اتكلم على قدك وياريت تعرف حجمك كويس يا ناجي، ولو كنت فاكر إنك هتتعرض للباشمهندس وتضايقه وهو هيقف يتفرج عليك تبقى غلطان." وأكملت

بنبرة استفزت بها داخله: "ويكون في معلومك، حسن من عيلة كبيرة أوي ومعروفة في كل إسكندرية، ولا أنتَ ولا شلة الحرامية اللي حواليك دول تقدروا عليه." نظر لها وابتسم بتسلي متحدثاً: "بكرة نشوف مين فينا اللي هيقدر على التاني يااااا، يا قلب ناجي من جوة."

ارتاعت داخلها من نظراته الغريبة وتحركت سريعاً متجهة إلى الخارج تحت نظرات ذاك المستشاط التي اشتعلت النيران بقلبه حين لمح رعبها وقلقها على ذاك الدخيل. وأكثر ما جعل الغل والحقد يستوحشان بداخله هو نطقها لاسمه بكل هذا الدلال والتباهي. ضغط على كف يده بغيظ وغل حتى ابيضت يده وبرزت عروقها من شدة غضبه. حين تحدثت إليه نجية بنبرة حادة غير راضية عن كل ما جرى أمامها، ولكنها فضلت عدم التدخل امتثالاً لأوامر ولدها:

"أنا مش عارفة إنتَ ليه ماسك في البومة اللي مش عاوزاك دي ومصمم عليها، من قلة البنات يعني، طب شاور بس بصبع إيدك الصغير وأنا أجيب لك ست ستها، وفي خلال شهر واحد أكون مجوزاك أجمل وأحلى بت فيكي يا أسوان وأقهرها هي وأمها وجدتها وأعرفهم قيمتهم بجد." نظر إلى والدته بهدوء وتحدث بنبرة حنون لرجل عاشق حتى النخاع: "بسمة ملهاش زي عشان يبقى لها ست يا أم ناجي، بسمة ست البنات كلهم واللي تملكه ما فيش حرمة غيرها تعرف تديهوله."

وأكمل باستكانة وهو يجلس فوق مقعده الوثير مرة أخرى: "كل ما في الموضوع إنها عارفة غلاوتها عندي وإنها مالكة القلب والروح عشان كده بتدلع عليا وده حقها يا أمي." وحك ذقنه وتحدث وهو يمرر لسانه فوق شفته باشتياق ونشوة: "ويليق لها الدلع بنت دياب."

كانت تنظر إليه بغضب ونار الغيرة تشتعل داخل صدرها لحالة العشق الواصل لها ولدها، لوت فمها باعتراض وفضلت الصمت كي لا يصيبها غضبه ويمنع عنها تدفق الأموال الكثيرة التي يغمرها بها طيلة الوقت. *** مرت خمس أيام على آخر مكالمة تحدث بها حسن إلى بسمة، وبدأ القلق يقتحم عالمها ويتسلل إلى داخلها من ابتعاده وانسحابه من وسطها بهذا الشكل المفاجئ.

كان الليل قد أسدل بستائره منذ وقت بعيد، وعم الهدوء والسكون على المكان. صعدت إلى سطح منزلها، ثم رفعت وجهها إلى السماء تنظر إلى ذاك القمر المنير حيث اكتماله بليلة النصف من الشهر العربي. نظرت إلى القمر ونجومه اللامعة المنتشرة حوله تقتبس من نوره وتتراقص حوله فرحاً. وبدون سابق إنذار نزلت دموعها الساخنة تجريان على وجنتيها. جففتهم بكفوفها الرقيقة وبدأت بمحادثة حالها بقلب يتمزق ألماً:

"ماذا دهاك خَليلي، أحقاً تخليتٌ عني مثلما تحدثٌني وتلومني نفسي السيئه؟ أيمكن أن يكون غرامك لي مجرد نزوة وانتهت؟ لا، لا عاشقي ومبتغاي، لا تفعلها أرجوك، سأصاب بالجنونِ حتماً إذا تأكدت ظنوني." ثم رفعت وجهها ونظرت إلى السماء وبدأت بمناجاة خالقها ومولاها بتوسل وتضرع، ومن لنا سوى الله نلتجأ إليه حين نضيع من أنفسنا وتتقطع بنا السبل.

في نفس التوقيت بمحافظة القاهرة، كان يقف داخل شرفة غرفته بالأوتيل، مستنداً عليها بجسده بتراخي واستسلام، يناجي الله ويستعطفه كي لا يتركه وحيداً بذاك الطريق الصعب. "حدث حالة بأسي، تٌري كيف هو حالٌكِ الأنَ بدوني سمرائي؟ أتشتاقيني وعيوني مثلما بجنونِ أنا أشتاقِ؟ أم أنَ طول الجفاءِ والبعدِ أنساكِ؟ أعرفٌ تماديتُ على قلبك الرقيق بسخاءِ! فالعفو كل العفوِ أرجوكِ مولاتي!!

أخشى محادثتك بصوتي هذا ونبراتيو ما تحملهٌ من خٌزلانٍ ويأسٍ وحصراتِ! ستكتشفي خيباتي من بين كلماتي! وهذا كٌلٌ ما أخشاهٌ عليكي حسنائي! تنهد بأسي ورفع رأسهٌ من جديد إلى السماء مناجياً الله: "يالله كٌن معي وبعوني ولا تتركني إلى نفسي طٌرفة عينٍ." *** بعد مرور أسبوع على جميع أبطالنا.

انتهت إجازة حسن وعاد من جديد إلى أسوان منذ ثلاثة أيام، ولكننه أمضاهم داخل الباخرة حيث أنه ما زال تحت تأثير الصدمة من قرارات والده الظالمة. لم يستطع الذهاب إلى ابتسام ولا إلى أهلها، فبما سيبرر لهم عدم حضور عائلته وإتمام خطبته من تلك السمراء التي سحرته. فضل المكوث حتى يهدأ وبعدها يبدأ بالمواجهة. فقد قرر بين حال نفسه أنه لم ولن يستسلم لأوامر والده وسيُحاول معه مراراً، ولن يتنازل أبداً عن عشق سمرائه الذي أسر روحه.

كانت تجلس فوق سطوح منزلها، ممسكة بتلك الحمامة البيضاء التي تؤنس وحدتها منذ أن انسحب ذاك العاشق من حياتها غير مبرراً. تُطعمها بيدها وهي حزينة شارده وقد ذبل وجهها ونحل جسدها وفقد بعض وزنه من تأثير ابتعاد الشاطر حسن عنها.

وأكثر ما أحزنها وجعل الخيبات تتسلل إلى أعماق كيانها وجعلها تتأكد من تخلي حبيبها عنها هو علمها بمجيئه إلى أسوان منذ ثلاثة أيام. حيث كانت صديقتها المقربة تهاني تتواجد داخل مطار أسوان تجاور صاحب البزار الذين يعملون به كي يستقبلان وفداً أجنبياً جاء خصيصاً من رحلته في القاهرة لزيارة البزار واقتناء ما يلزمهم منه. وبالصدفة رأت حسن يهبط من الطائرة بصحبة صديقه أشرف، وبالطبع أبلغت بسمة بما رأته بأم عينيها.

ومنذ ذلك اليوم وهي تنتظر أن يأتي إليها حبيبها بشغفه المعهود ولهفته عليها ويقدم لها مبرراته ل ابتعاده المفاجئ والتي بالطبع سيقبلها قلبها العاشق ويسامحه ويسترجعا معاً وصلة عشقهما من جديد والتي بالطبع ستختلف بعد إعلان خطبتهما أمام العلن. ولكن للأسف دائماً يخزلها الانتظار، وتأكدت شكوكها بأنه بالفعل قد تخلى عنها وقرر نسيانها وذبح روحها والحكم على قلبها بالإعدام بعداً.

أخرجها من شرودها صوت شقيقتها نورا التي صعدت إليها دون أن تشعر الأخيرة بها، ثم تحدثت بنبرة مشفقة على حال شقيقتها: "وبعدين معاكي يا بسمة، هتفضلي قاعدة فوق السطوح لوحدك كده كتير، طب اتكلمي معايا وخرجيلي اللي في قلبك وتاعبك أوي كده." وأكملت بنبرة حنون: "مش يمكن أقدر أساعدك أو حتى أخفف عنك وجعك." أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء وتحدثت بنبرة صوت حزينة:

"جربتي إحساس إنك تلاقي حلمك اللي عشتي عمرك كله تحلمي بيه واللي كنتي فكراه عبارة عن خيال ومجرد أحلام يقظة ملهاش وجود، فجأة تلاقيه بيتحرك قدام عيونك وخلاص قرب منك وقربتي تلمسيه بإيديكي وتحسيه وتعيشي جوة دائرته." وأكملت بعيون حزينة وملامح وجه يشوبها الإحباط: "وفجأة تلاقي حلمك ده اختفى بعد ما علقك بيه وخلاكي ترسمي دنيتك اللي جايه كلها عليه، ومن غير حتى ما تعرفي أيه هي أسباب البعد ده، وكأنه كان سراب، مجرد سراب واختفى."

تنهدت نورا بأسى ثم تحدثت إلى شقيقتها بنبرة معترضة: "طب وإنتِ ليه بتقدري البلا قبل وقوعه، مش تستني لما يظهر وييجي يتكلم معاكي الأول، مش يمكن عنده أسباب شديدة ومقنعة هي اللي منعته من إنه ييجي ويقابلك؟ وأكملت بحيرة: "أو يمكن كلام اللي اسمه ناجي ده وتهديده ليه قلقه وخوفه وخلّاه يقرر يبعد شوية لحد ما يشوف هيرسي على إيه ويتصرف إزاي؟ نظرت لها بشراسة وتحدثت بنبرة حادة:

"لو ده فعلاً السبب اللي خلاه يبعد يبقى ما يلزمنيش رجوعه ليا تاني ولا وجوده في حياتي من الأساس." وأكملت بتأكيد: "علشان مش أنا اللي هحب وأتجوز راجل ضعيف وجبان." أجابتها نورا بهدوء: "يا بنتي بقولك يمكن، إنتِ ليه بس مصرة تسبقي الأحداث وتحكمي على الجدع من قبل حتى ما تسمعي منه." ردت عليها ابتسام بنبرة غاضبة:

"وأنا بقا ما بقاش يلزمني لا كلامه ولا حتى تفسيراته، لو كان عاوز يتكلم كان جه في التلات أيام اللي قعدتهم الباخرة على المرسي قبل ما تتحرك في النيل." نظرت لها نورا بحزن وهي ترى تألم شقيقتها وحيرتها وحزنها الذي تملك من ملامحها البريئة وتمكن من إطفاء بريقها ومرحها، وكأنه حولها من فتاة عشرينية مليئة بالحيوية، إلى امرأة في العقد السابع من عمرها فاقدة الشغف لكل متع الحياة من حولها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...