بعد مرور يومين، ذهبت ثريا بصحبة أحمد وطفليهما إلى الشاليه المملوك للعائلة والمتواجد بمنطقة العجمي ليحصلوا على بعض الاستجمام والراحة بعيداً عن زحمة الحياة وروتينها الممل. قد أتوا بمفردهم وذلك بعدما قرر أحمد مؤخراً أن لا يحضر إلى الشاليه مع باقي أفراد العائلة كقبل لأسباب ترجع إليه ويحتفظ بها لنفسه. وفي كل مرة كان يختلق عذراً جديداً.
وكانت آخر حجة اختلقها قبل أسبوعين أنه لم يستطع أخذ إجازة من عمله بسبب تراكم الأعمال المطلوبة منه. داخل مياه البحر الدافئة، كان يحمل صغيره فوق ظهره ويسبح به بمهارة عالية تليق بشاب ساحلي تربى داخل أحضان مياه البحر وعشقها وعشقته. أما تلك التي تجاوره، ممسكة بأيدي صغيرتها، التي تحدثت بإستمتاع وهي تسبح بمهارة كوالدها: "الماية حلوة أوي يا ماما." ابتسمت لها ثريا وأيضاً أحمد. وأكملت الصغيرة باعتراض ونبرة كسي عليها الحزن:
"بس أنا كان نفسي أجي الإسبوع اللي فات مع أعمامي وأولادهم. ده ياسين قال لي إنهم انبسطوا كتير وكمان عزة بنت خالو فريد قعدت تغيظ فيا وقالت لي إنها لعبت كتير مع ياسين وطارق ووليد وسمر. لكن أنا مش لاقية حد ألعب معاه غير رائف وهو لسه صغير ومش بيعرف يعوم كويس ولا حتى بيعرف يلعب كورة." وأردفت قائلة باعتراض وغضب طفولي: "أنا مش عارفة إحنا ليه مش بقينا بنيجي البحر مع باقي العيلة زي زمان؟
تنهدت ثريا لصحة حديث صغيرتها، ولكن ما بيدها لتفعله أمام رغبة زوجها وإصراره، والتي لا تعلم مغزاها ولكنها تستمع وتطيع أوامره بدون نقاش، ويرجع ذلك لشدة عشقها الهائل له وثقتها به. أجاب أحمد صغيرته وهو يحتضن كف يدها الصغير ويحتويه بحنان وتحدث إليها بهدوء: "أنا آسف يا حبيبتي إني زعلتك أوي كده، بس انتِ كمان لازم تعذري بابا وتقدري ظروف شغله. يعني كان ينفع تيجي معاهم انتِ ورائف وماما وتسيبوني في البيت لوحدي؟ هزت الصغيرة رأسها
بنفي وأردفت قائلة باعتذار: "لا طبعاً يا بابا، أنا آسفة لو كنت زعلت حضرتك." أجابها بابتسامة مرحة وهو يعطي رائف إلى ثريا ويلتقط تلك الصغيرة واضعاً إياها فوق ظهره وبدأ بالعوم السريع لداخل البحر مع ضحكات الصغيرة لمداعبة والدها الحنون لها. وبعد مدة، أخرجا الصغيران وأجلست ثريا أطفالها بجانب هنية، تلك العاملة التي تعمل لدى آل المغربي. وأردفت بتحذير:
"خلي بالك من الأولاد كويس أوي يا هنية، أوعي عينك تغيب لحظة واحدة عنهم، سمعاني يا هنية." أجابتها هنية بطاعة مطمئنة إياها: "ما تقلقيش يا ست ثريا، انزلي انتِ البحر وانبسطي، وإطمني والولاد هحطهم جوة عنيا." اطمأنت ثريا ونزلت إلى البحر من جديد بصحبة متيمها. لفت ساعديها حول عنقه وتعلقت بكتفيه من الخلف وبدأ هو بالعوم بها وتعمقا لداخل المياه. فتحدثت هي بنبرة مترجية: "كفاية لحد كده يا أحمد إحنا بعدنا أوي عن الشط."
أردف متسائلاً بنبرة حنون: "خايفة يا ثريا؟ نزلت من فوق ظهره واعتدل هو ليواجهها. فتحدثت هي بنبرة صوت هائمة وعيون عاشقة لمتيمها: "عمري ما أخاف وأنا معاك يا حبيبي، كل الحكاية إني خايفة للأولاد يقلقوا علينا لما يلاقونا دخلنا لجوة أوي كده." أجابها وهو يسحبها لداخل أحضانه ويلتصق بجسدها: "ولو قولت لك إني تعمدت إننا نتعمق علشان نبعد عن الكل ونبقى على راحتنا، بردوا هتقلقي؟
ابتسمت له خجلاً ومال هو على شفتيها وألتقطهما بين شفتيه وذاب معاً داخل قبلة ساخنة بث لها فيها مدى عشقه واشتياقه وغرامه الهائل لها. ضل يزيدها من قُبلاته الحارة الشغوفة التي أنعشت روحيهما وجددت الشغف لحياتهما سوياً. أبعدها قليلاً حتى يستطيعا أخذ بعض الهواء لرئتيهما كي يستطيعا التنفس براحة. ثم تحدث إليها متسائلاً بنبرة حذرة: "ثريا، هو أنتِ كمان زعلانة زي بنتك علشان بطلنا نيجي هنا مع العيلة؟ نظرت إليه
باستحياء وأجابته باستغراب: "أنا مبعرفش أزعل منك يا أحمد، أنا بس مستغربة إيه اللي غيرك مرة واحدة كده. من بعد ما أنا خلفت رائف وانتَ اتغيرت أوي، مبقتش أحمد بتاع زمان." حاوط وجهها بكفيه محاوطاً إياه برعاية وتحدث إليها بغيرة ظهرت بعينيه: "اعتبري إني غيران عليكي يا ثريا ومش حابب أي عيون تلمحك وانتِ في الماية غير عيوني." ضيقت عيناها باستغراب وتساءلت: "بتغير عليا من مين يا أحمد؟ من إخواتي وإخواتك اللي هما بردوا إخواتي!
أجابها بنظرة عين حادة ونبرة صارمة: "وأغير عليكِ من عمي صلاح نفسه يا بنت قلبي." وأكمل مبرراً: "يا ثريا أنا بحبك وبغير عليكِ بجنون وكل اللي بطلبه منك إنك تتحمليني وتعذري غيرتي المرة عليكِ." اقتربت عليه واحتضنته وباتت تتلمس ظهره بحنان وتحدثت إليه بهيام: "وأنا بعشقك يا أحمد ومرحبة جداً بغيرتك عليا، ولو حتى وصلت بيك إنك تحبسني في شقتي وتحكم عليا ما أخرجش منها صدقني هيبقا على قلبي زي العسل." أجابها بشقاوة وهو يجذبها إليه
بشدة لترتطم بصدره العاري: "وأنا هحبسك جوة قلبي يا روح قلبي." ومال من جديد على شفتيها ليشرب من بحر عسلها المكرر حتى يروي ظمأه تحت استجابتها وسعادتها التي غمرتها. *** داخل مدينة أسوان الحبيبة. وبعد مرور أربعة أيام، كانت تتحرك بجانبه داخل معبد أبو سنبل بقلب سارح بسماء الهوى، تشعر بأنها امتلكت العالم بأثره بامتلاكها لقلبه الحنون. وما كان حاله ببعيد عنها فقد شعر بأحاسيس تجتاح عالمه لم يشعر بمثلها من ذي قبل.
تحدثت إليه بنبرة حماسية: "تعرف يا حسن إنك حمستني أوي إني أشوف مامتك وأتعرف عليها، حبيتها من كلامك عنها وحبيت ثريا وحاسة كمان إننا هنبقى أصحاب." أجابها بنفس درجة حماسها: "وأنا متأكد من إنهم هيحبوكي جداً وخصوصاً لما يعرفوكي كويس ويعاشروكي." نظرت إليه وتحدثت بنبرة متوجسة: "تفتكر فعلاً إنهم هيحبوني يا حسن؟ أجابها بعينيه العاشقة: "لو شفوكي بعيوني مش بس هيحبوكي يا بسمة، دول هيدوبوا في حنيتك ويعشقوا كل تفاصيلك!!
ثم غمز لها بعينيه وأردف قائلاً بنبرة دعابية: "وبعدين يا أستاذة انتِ عاوزة حبهم في إيه مش فاهم أنا." وأكمل مغرماً بعيونها: "مش كفاية عليكي قلبي اللي خطفتيه ودوبتيه برموش عيونك يا سمرا." ابتسمت برقة وسحبت بصرها بعيداً عن مرمى عينيه خجلاً وحياء. وتحدثت إليه بتمني: "تعرف إن أمنية حياتي من زمان إني أروح إسكندرية؟ وأكملت بنبرة حماسية:
"سمعت كتير عن جمالها وسحر بحرها، ومن كتر ما سمعت بقا نفسي أشوفها أوي ودعيت ربنا إني أزورها." ابتسم لها وأردف قائلاً بنبرة حنون: "وأهو ربنا سبحانه وتعالى استجاب دعوتك ومش بس هتزوريها، ده كمان رزقك بشاب إسكندراني علشان يضمن بقائك هناك معظم الوقت." ابتلعت لُعابها رعباً من فكرة أن تترك أسوان، بلد الأصالة والجمال وترحل وتبتعد عنها وعن تلك القلوب الصافية المليئة بالطيبة والحنان.
فمن المعروف أن أهل أسوان يمتلكون قلوباً من ذهب، قلوب مازالت بالحب عامرة، لا تعرف الكره ولا الحقد ولا النفاق، قلوب لم تتأثر بتقلبات الزمن ولا غدر القلوب وشحن النفوس. ليست جميعها بالتأكيد، فكل مكان به الصالح والطالح، ولكن الأغلبية العظمى هكذا تسكنهم الطيبة. تحدثت إليه بارتياب وترقب: "حسن، هو إنتَ لو اتجوزنا ممكن ترجع تعيش تاني في إسكندرية وتستقر هناك؟
هز رأسه نافياً كي يطمئن قلبها من هلعها الذي رآه وليد اللحظة بعينيها عندما غزت عقلها مجرد فكرة رحيلها عن مكان نشأتها والإبتعاد عن أحبائها. "إطمني يا حبيبتي، أنا عمري ما هقلعك من جدرك وأزرعك في مكان إنتِ مش حباه." وأكمل مبتسماً ليزيد من طمأنة روحها: "طب أقول لك على سر علشان تطمني أكتر." نظرت إليه بتمعن منتظرة باقي حديثه بلهفة وهي تميل له رأسها بموافقة. فأكمل هو بعيون مسحورة:
"أول مرة جيت فيها أسوان كنت لسه طالب في ثانوي وكان في الشتا، جيت مع عز وعبدالرحمن أولاد عمي." وأكمل بعيون وكأنها تحولت إلى مسحورة: "من أول ما نزلت من القطر وشفت معالمها وأنا وقعت في غرامها، حسيت إنها شبه روحي، كل حاجة فيها كانت بتجذبني وتجبرني إني أفضل فيها." وأكمل:
"النيل وصفائه، الزرع اللي حواليه ومدي له حياة ورونق خاص، وشوش الناس الطيبة وضحكتهم الصافية اللي خارجة من القلب وواصلة لقلب اللي قدامهم بكل سلاسة، عيونهم اللي كلها طيبة وحنية." "ساعتها قررت من جوايا إن البلد دي هيكون فيها داري واستقراري." وأكمل مفسراً: "وبعد ما اتخرجت اتعرض عليا شغل كتير في إسكندرية وبمرتبات مغرية، لكن أنا كنت عارف هدفي ومحددة."
"روحت لبابا وبلغته إني نويت أسافر أسوان وأشتغل فيها، طبعاً اعترض على فكرة سفري وبعدي عنه وقال لي إنه هيدور لي بنفسه على شغل كويس." واسترسل حديثه ضاحكاً: "توهته وقولت له إن أصحابي اللي اتعينوا بيشتكوا من ضعف المرتبات، وإن نظام الشغل مش كويس." وأكمل بتأكيد: "والحقيقة إني أنا كنت راسم حلمي ومحدد وجهتي وكان لازم أوصل له بأي وسيلة." وأكمل ناظراً لعيناها بعينيه العاشقة ونبرة صوته الهائمة:
"أتاريني كنت جاي علشان أدور عليكي يا سمرا، كنت بدور على بسمتي اللي كان ربنا شايلها لي عوض لسنين صبري، كنت بدور على سكن روحي وراحة قلبي، واللي لقيتهم لما لقيت عيونك يا سمرا." كانت تتحرك بجانبه وسعادة الدنيا تسيطر على كيانها وهي تستمع لحديثه بقلب هائم ذائب بعشقه.
ابتسم لها وأخرج شيئاً من جيب سترته، كان كيساً صغيراً وفتح كف يده وأفرغ ما بداخله، وإذ بها قلادة صغيرة رقيقة مصنوعة من معدن الفضة، تتعلق بمؤخرتها دلاية صغيرة تحمل حرف الـ H. وقد قرر ذاك العاشق أن يهديها الحرف الأول من اسمه في أولى خطواته لإثبات ملكيته لقلبها النفيس!! تحدث إليها بعيون عاشقة وهو يضعها بداخل كف يدها الرقيق: "عقبال شبكتك يا حبيبتي." ابتسمت له وهي تمسك بتلك القلادة بين يديها وترفعها لمستوى عينيها وتنظر
إليها بانبهار وحب وتحدثت: "جميلة أوي يا حسن، قد إيه ذوقك حلو جداً وراقي." ابتسم لها وأردف قائلاً بعيون متمنية: "كان نفسي ألبسها لك بنفسي، بس ده مش من حقي، أول ما تكوني خطيبتي رسمي تأكدي من إني هعمل كده!! ابتسمت له وأكملا حديثهما. وبعد مدة طويلة تحركت مغادرة المكان تحت أنظاره الحامية والمراقبة لها بعناية حتى تأكد من وصولها لنقطة الأمان وتحرك هو عائداً إلى مقر عمله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!