كان يجلس بجوارها داخل ذلك المكان المُزين بشكلٍ بسيط ببعض أفرع النخيل و البالونات و الزهور،، هذا المكان المُخصص لجلوسهما المسمي " بالكوشة " و التي و برغم بساطة تزيينها إلا أنها سحرت كُل من تطلع إليها. نظر لداخل عسليتاها الساحرة بلهفة و ولع روحه المُشتاقة يتأكل بعيناه كٌل إنشٍ بوجهها الصابح و تحدث بنبرة هائمة: " مبروك يا حبيبتي،، مبروك يا فرحة عمري اللي إكتملت إنهاردة بيكي يا بسمة."
كانت تنظر إليه خجلة من نظراته الجريئة المتفحصة لملامحها و كأنهٌ يراها لأول مرة و يٌريد حفرها داخل رأسه للإحتفاظ بها. تحدثت إليه بتساؤل لطيف: " مبسوط يا حسن ؟ أجابها بسعادة: " مبسوط دي كلمة فقيرة أوي قدام اللي أنا حاسة يا بسمة ،، أنا حاسس إني دخلت جنتي و أنا لسه علي الأرض." إشتعل قلبها عشقً و فرحً من كلماته المعبرة و تحدثت بعدم تصديق:
" تعرف إني لحد الوقتِ مش مصدقة اللي حصل ،، حاسة إني في حلم جميل و خايفة أوي اصحي منه و ما ألقكش جنبي." أمسك كف يدها الرقيق و ضغط علية بطريقة أذابت قلبها البرئ و تحدث و هو ينظر داخل مقلتيها: " ده مش حلم يا حبيبتي ،، ده أجمل واقع حصل لنا ،، خلاص يا بسمة ، من إنهاردة مش هخرجك من حضني تاني ابداً." إبتسمت بسعادة و تحدثت كي تُغير مجري الحديث كي لا تُزيدها علي حالها و تنهار حصونها أمام الجميع:
" ياااه يا حسن ، أنا مبسوطة أوي علشان حلمي هيتحقق بكرة و أخيراً هشوف إسكندرية." إبتسم لها و أردف قائلاً بنبرة حنون: " ربنا يقدرني و أحقق لك كل أحلامك يا حبيبتي." *** أما منال التي كانت تجلس بجانب والدتها مجيدة التي همست إليها بكبرياء و هي تتطلع إلي ما حولها بإشمئزاز: " ده أية النسب اللي إبن عم جوزك دبسكم فيه ده ؟ و أكملت بكبرياء:
" هو ده نسب يليق بعيلة المغربي اللي مناسبه أكبر عائلات إسكندرية،، و عيلة العشري أكبر دليل علي كدة ! و أكملت مستغربة: " ثم إزاي عز يوافق علي المسخرة دي ؟ ثم أكملت ساخرة: " لا و اللي يشوف عم جوزك و هو حاجز للمعازيم طيران خاص و حاجز لهم في أكبر أوتيل في اسوان كلها علشان يباتوا فيه،، يقول إننا هنيجي نلاقي نسب و فرح محصلش و لا هيحصل." تحدثت إليها منال و هي تترقب وتنظر حولها بحذر:
" إسكتي يا ماما من فضلك لحد يسمعنا ،، أنا مصدقت إن علاقتي بعز تتحسن و ترجع زي الأول ، و كله بسبب إعتراضي علي المستوي اللي حضرتك شيفاه بعيونك ده." إستغربت مجيدة حديثها و تساءلت: " ليه، هو عز مكنش مُعترض علي الجوازة دي ؟ أجابتها منال بنبرة ساخرة: " معترض ، ده إتخانق معايا و راح نام إسبوع بحاله في أوضة ياسين و طارق علشان إعترضت علي الجوازة و حاولت أتدخل علشان أمنعها بطريقتي." تنفست مجيدة عالياً ثم آسترسلت
حديثها بإهتمام قائلة: " سيبك بقا من موضوع حسن و جوازته اللي مش هتفيدنا بحاجة دي و خلينا في المصيبة اللي إحنا داخلين عليها." نظرت إليها منال بهلع و تساءلت بإستفهام: " مصيبة أيه يا ماما اللي بتتكلمي عنها دي ؟ فأجابتها مجيده بدهاء: " إسمعيني كويس وركزي في اللي هقوله لك ده يا منال." نظرت لها منال بتدقيق تنتظر باقي حديثها بتمعن حين أكملت مجيدة قائلة:
" أنا عوزاكي تخلي بالك من جوزك كويس أوي اليومين دول ،، و عوزاكي تهتمي بنفسك أكتر و تدلعيه و تعلقيه بيكي علي قد ما تقدري ،، مش عاوزة عيونه تشوف ست غيرك في الدنيا دي كلها،، مفهوم كلامي يا منال ؟ تساءلت منال بإستغراب و فضول: " و أية مناسبة كلامك الغريب في الوقت ده بالتحديد يا ماما ؟ إبتسمت مجيدة و أكملت حديثها بطريقة آمرة: " إسمعي كلامي و نفذية من غير نقاش يا منال ،، و كمان عوزاكي تجيبي له طفل تاني."
جحظت أعين منال و تحدثت بإستنكار و نبرة مُعترضة: " قصدك طفل رابع يا ماما." ثم ضيقت عيناها بإستغراب وأسترسلت حديثها بتساؤل: " و بعدين أية اللي حصل فجأة كده و خلاكي تغيري مبدأك و تحولي كلامك بالشكل الغريب ده ؟! إنتِ مش طول عمرك بتقولي لي إتقلي علي جوزك و بلاش تدلقي عليه و تظهري له حُبك علشان مياخدش مقلب في نفسه و يتغر و يتقل عليكي يا منال ؟ أجابتها مجيدة بذكاء و دهاء:
" الوضع هيبدأ يتغير يا منال و عرشك في مملكة عز المغربي أصبح في خطر." و أكملت مفسرتً لها مغزي حديثها السابق: " أحمد سلفك خلاص ، بقا علي وشك الموت و كل يوم الموت بيقرب منه أكتر ،، و أكيد حماكي مش هيسيب بنت أخوة اللي لسه في عز شبابها تقعد أرملة كدة و تكمل باقي حياتها لوحدها ،، ده غير ولاد إبنه اللي هيحتاج يطمن عليهم قبل ما يموت هو كمان ، و بالتأكيد هيفكر يجوزها لحد من أولاده." و أكملت بحقد:
" و طبعاً لأنها مٌدللة العيلة و بنتهم الوحيدة هيختارو لها أحسن و أقوي واحد من ولادهم علشان يقدر يحمي الولاد و يربيهم كويس ،،" و أكملت بإحباط: " و زي ما أنتِ عارفة عبدالرحمن سلفك طول عمرة ضعيف الشخصية و سلبي وزمش حمل مسؤليه." و أكملت و هي تنظر داخل عيناها بتأكيد: " يبقا العيون كلها هتبقا علي سيادة العقيد ،، الراجل القوي حامي الحمي لأهله."
إرتعبت منال و شحبت ملامح وجهها و حولت بصرها سريعً إلي عز الجالس بجانب أبية يتحدثان بملامح حزينة و هذا أصبح الطبيعي لدي جميع العائلة بعدما علموا بمرض عزيز أعينهم و غاليه. تساءلت منال بإرتاب: " تفتكري يا ماما إنهم ممكن فعلاً يفكروا في كده ؟ أجابتها مجيدة بيقين و تأكيد:
" أنا متأكدة إنهم مش هيفكروا غير كده ،، و لو مكنوش هيفكروا في ده علشان خاطر خوفهم علي بنتهم و ولاد إبنهم ، يبقا هيفكروا علشان الورث الكبير اللي هيورثوة أولاد أحمد بعد ما حماكي قرر يخالف شرع ربنا و يكتب لهم نصيب أحمد كامل علي حسب كلامك اللي بلغتهولي ، و ده طبعاً غير اللي ثريا نفسها هتورثه من الحاج صلاح." و أكملت بتذكير لإبنتها:
" إنتِ ناسية إن أهل جوزك من أغني أغنياء إسكندرية ،،ده كفاية بس الأراضي و جناين الفواكة اللي بيملكوها." و أكملت بتساؤل: " تفتكري يا منال بعد كل اللي قولتهولك ده أهل جوزك هيترددوا لحظة واحدة من إنهم يجبروا عز علي جوازة من أرملة أخوة ؟ و طبعاً لأن جوزك عامل لي فيها حامي الحما هيوافق مٌرغم علشان يحافظ علي الأولاد." إرتعبت منال و ظهر الهلع فوق ملامحها و أمسكت كف يد والدتها و تحدثت إليها بإستعطاف:
" و العمل أية يا ماما ،، أنا ممكن أموت فيها لو ده حصل و عز لمس ست غيري." ربتت مجيدة فوق كف يدها و أردفت بإبتسامة مُطمئنة إياها: " إهدي يا منال ، أنا مش عوزاكي تخافي طول ما أنا و بباكي جنبك ، بس أهم حاجه تسمعي كلامي و تنفذية بالحرف الواحد ،، و أهم حاجة لازم تعمليها و فوراً هي إنك تشيلي الوسيلة و تحملي ،، و ياسلام لو الحظ كان حليفك و جيبتي لهم ولد ثالث." و أكملت مبتسمة بإستهزاء:
" ما أنتِ عارفه إن الفلاحين مفيش حاجة بتسعدهم و بتعزز مكانة الست عندهم قد خلفة الصبيان." إبتسمت لوالدتها و أماءت بموافقة و شعرت بالإطمئنان و نظرت أمامها في ثبات تنظر بكبرياء للحضور كعادتها. ***
كانت تقف أمام المشعل داخل المطبخ تبكي بمرارة علي حال زوجها و ما أوي إليه و هي تصنع لحبيبها الطعام الخاص به و بها أيضاً ، فمنذٌ أن إشتد علية المرض و أمتنع من تناول معظم الأكلات إلا من البسيط منها ، و هي تشاركه وجباتة كي لا يشعر بالحرمان و الملل و السخط.
و من حيثُ الجانب النفسي كان هذا عقابها التي أختارتة لنفسها علي تقصيرها الغير مقصود الذي سيٌكلفهم هي و معشوقها و غواليهم الثلاثة ثمنً باهظً ،، ألا و هو فقدان حياة معشوقها و متيمُ عيناها ،، ستخسرهٌ للأبد هي و غواليها اللذين سيصبحون بدون سند ،، بدون حماية ،، بدون حنان ،، بدون أب و هم في بداية عمر الزهور. جففت دموعها بكفيها و نظرت للأعلي تطلب من الله سبحانه و تعالي أن يمدها بالصبر كي تتحمل ما هي عليه.
رصت أواني طعامهما فوق الصَنية المخصصة بعناية و أهتمام ثم أخذت نفسً عميقً و زفرته بهدوء في محاوله منها بتهدئة حالها ،، ثم حملت الصَنية بين يديها و تحركت بها إلي خارج المطبخ. وجدته يجلس بجانب يسرا و رائف و يحمل بين ساعدية صغيرته نرمين التي بالكاد أكملت شهرها السابع ، كان يٌزيدها من قبلاته التي يتيقن أنها ستٌحرم منها و للأبد في القريب العاجل.
وضعت الطعام فوق الطاولة الموضوعه بالصالة و تحركت إلية قائلة بنبرة حنون و هي تحمل عنهُ صغيرتها و تُعطيها إلي يٌسرا التي حملتها بحنان: " يلا يا حبيبي علشان ناكل و تاخد علاجك." ثم نظرت إلي يٌسرا و تحدثت مٌحذرتً إياها بهدوء: " خلي بالك من أختك يا حبيبتي و أوعي توقع منك ! تحدثت الصغيرة إلي والدتها بإبتسامة حنون: " ما تخافيش يا ماما ، أنا هدخلها جوة حضني أوي و أمسكها كويس علشان مش تقع."
منيو أكمل رائف بنبرة طفوليه لطفل بالكاد أكمل عامه الثالث والنصف: " مش تقلقي يا ماما ،، أنا كمان هخلي بالي منها علشان الوَحش ميجيش و يخطفها." إبتسم له أبيه و ملس علي رأسة و قبلها بحنان كمودع ،، و تحرك بجانب حبيبته ليتناولان طعامهما و ذلك بعدما أعدت ثريا الطعام لطفليها يسرا و رائف و أطعمتهما بعيداً عن مرمي والدهما.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!