الفصل 3 | من 30 فصل

رواية عبق الماضي الفصل الثالث 3 - بقلم روز امين

المشاهدات
22
كلمة
3,193
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

ابتسمت بسمة، وردت عليه بابتسامة زائفة جعلته يكتم ضحكته بصعوبة بالغة: "أصل البط تقيل على قلبي ومبحبش أكله بالليل علشان ميكبسش على نفسي." أجابها بنبرة هائمة دون وعي منه، مما جعل أبصار الجميع تتجه إليه باستغراب: "سلامة قلبك! ابتلع لعابه خجلاً حين فوجئ بأنظار الجميع تتجه إليه، وتلبكت هي وأرتعب داخلها، فتحدث هو بنبرة جادة ليخرجها من هذا المأزق: "ابقي خدي برشام... ماما بتاخده بعد الأكل على طول لأنها كانت بتشتكي زيك كده."

أرجع ظهره للخلف منتصباً بجلسته قائلاً: "الحمد لله، سفرة دايمة يا جماعة." تحدث دياب إليه بنبرة شبه آمرة: "خلاص يبقى تاكل وتكمل نايبك." شرع هو بتناول الطعام مرغماً، ونظر لتلك الشامته وهي تنظر إليه بنظرات يملؤها التشفي، ولم تكتفِ بذلك فقط، بل أمسكت كتفاً من لحم البط كان موضوعاً أمامها ووضعته أمامه، وتحدثت بهدوء ونعومة كقطة سيامي: "منورنا والله يا باشمهندس."

نظر إليها بعيون متوعدة، مما أسعد داخلها أنها أخيراً استطاعت استفزازه ولو لمرة. *** عاد إلى الباخرة ودلف إلى داخل المرحاض الخاص بغرفته المشتركة مع صديقه، وبدأ بإفراغ ما بداخل معدته التي لم تتحمل كل تلك الكمية من الطعام الدسم الذي تناوله مرغماً لإرضاء أهل عروسه المنتظرة، والتي من الواضح أنها ستذيقه الأمرين، ولكنه نوى أن يرد لها الصاع صاعين، ولكن بطريقته الخاصة، طريقة رجال آل المغربي.

خرج من المرحاض يتحرك بحذر ممسكاً بمعدته، والتعب والإرهاق يظهران على ملامح وجهه. أرجع أشرف رأسه للخلف مقهقهًا بصوت عالٍ، مما استدعى غضب حسن وتحدث ناظرًا إليه بغيظ: "بتضحك على إيه يا جدع إنتَ؟ أردف قائلاً بنبرة مستفزة وما زال يطلق الضحكات الشامتة: "بصراحة شمتان فيك، شكل البنت الأسوانية وأهلها هيخلصوا منك ذنب العذارى اللي مجننهم معاك ومش معبر ولا واحدة فيهم."

جلس حسن فوق فراشه، وتحرك أشرف إلى الكومود وبدأ بإفراغ عبوة من الفوار المهضم في كأس من الماء وأذابه، واتجه به ليعطيه إلى صديقه وتحدث باهتمام: "اشرب الفوار ده وانت هتبقى زي الفل! تناول الكأس من يد صديقه وتجرعه على دفعة واحدة بهدوء، ثم أخذ أشرف منه الكأس فارغاً وأرجعه لمكانه وجلس مقابلاً له فوق سريره وتحدث بهدوء وبنبرة جادة: "بس إنتَ مش شايف إنك اتسرعت شوية في الموضوع ده يا حسن؟ مش المفروض كنت بلغت أهلك الأول؟

أجاب صديقه بهدوء: "أنا قلت آخد كلمة من باباها الأول وأضمن موافقتهم وكمان أضمن إن محدش يخطفها مني، وبعدين أبقى أبلغ أهلي." تنهد أشرف قائلاً بتوجس: "وإنتَ بقا للدرجة دي واثق إن أهلك هيوافقوا ومش هيعترضوا؟ نظر إليه بتعجب، فأكمل أشرف بتعقل:

"متزعلش مني يا ابن الأكابر، بس شكل الحب عمي لك عيونك ونسّاك إنت ابن مين في إسكندرية. تفتكر يا حسن إن عيلة المغربي بجلالة قدرها، أرقى وأغنى عائلات إسكندرية كلها هتوافق إن ابنهم الباشمهندس اللي زي القمر يتجوز بنت من أسوان أهلها على قد حالهم وكمان شغالة بياعة في حتة بازار؟ احتدمت ملامحه بغيرة وتحدث بنبرة محذرة: "أشرف، أنا ما أسمحلكش تتكلم بالطريقة الدونية دي عن البنت اللي هتبقى مراتي!

أنا حقيقي مش مصدق إن واحد متعلم ومدرك وفاهم زيك بيتكلم ويفكر بالطريقة الطبقية العفنة اللي عفى عليها الزمن دي! ولعلمك بقا يا باشمهندس، الناس دي ببساطتهم أحسن وأشرف وأرقى من ناس كتير عندهم ملايين وساكنين في قصور، على الأقل بيكسبوا مالهم بالحلال وعندهم كرامة وعزة نفس مبقتش موجودة عند ناس كتير في الزمن ده." وقف أشرف وتحرك إليه وجلس بجواره وأردف قائلاً بتوضيح:

"يا حسن أنا ما قصدتش خالص إني أزعلك أو أقلل من شأن الناس لا سمح الله، أنا مجرد بفكر معاك بصوت عالي وبنبهك باللي هيشوفوه أهلك وهيُعترضوا عليه! زفر حسن بضيق وتحدث بنبرة بائسة: "أنا عارف كل كلامك اللي قلته ده يا أشرف، وعارف إن للأسف معظم الناس بتفكر بطبقية ومتغافلين عن إن المفروض يقيموا البشر بقلوبهم مش بشكلهم ولونهم ولا بمستواهم المادي." أجابه أشرف بنبرة جادة محذراً إياه:

"إنتَ داخل على حرب مش هينة يا حسن، ربنا يقويك عليها وتخرج منها بأقل الخساير! قال تلك الكلمات وتحرك إلى سريره وتمدد، واثنانهم ظل كل منهما شارداً فيما حدث حتى غفيا بسلام. *** داخل مدينة الإسكندرية وفي تمام الساعة الحادية عشر ظهراً، كانت تقف داخل مطبخ منزل العائلة أمام الحوض، تشرع في البدء في غسل وتجهيز الخضروات بانتظار والدتها وزوجة عمها ليبدأن بتحضير وطهو وجبة الغداء للعائلة كما تعودن يومياً.

استمعت لصوت ذاك الفتى من خلفها يتحدث قائلاً بلباقة واحترام: "عمتي ثريا." التفت بجسدها تنظر إلى الخلف وابتسامة بشوشة كسيت وجهها الجميل حين استمعت لصوته المحبب لقلبها وأردفت قائلة بنبرة حنون: "نعم يا ياسين! أردف ياسين، الذي لم يكمل عامه الثاني عشر بعد، قائلاً باحترام: "جدي محمد بيقول لحضرتك تعملي له هو وبابا فنجانين قهوة وتطلعيهم بره." ابتسمت له وأردفت قائلة بنبرة حنون:

"حاضر يا حبيبي، روح قل له إني هجهزهم وأطلعهم حالاً." رد عليها الفتى بنبرة لبقة: "حاضر يا عمتي! بالكاد أكمل جملته وتسمر بوقفته حين استمع لصوت تلك الغاضبة التي دلفت إلى المطبخ للتو واستمعت حديث صغيرها مع تلك الثريا، إنها منال لا غير، التي تحدثت بنبرة حادة معترضة: "أنا كام مرة قلت لك يا ولد وحذرتك متقولش كلمة عمتي دي تاني؟ بقيت شوارعي وبت تقول عمتي زيك زي الفلاحين؟ تنهدت ثريا بأسى من معاملة تلك المتعالية لذاك الصبي

الخلوق وتحدثت بنبرة هادئة: "خلاص بقا يا منال، وياريت تخلي الكلام ده بينك وبين ياسين، مش قدامي." وأكملت باعتراض لعلمها ما تقصده تلك المنال بكلامها هذا، هي تقصد أبيها وعمها محمد لكونهما فلاحان ويمتلكان الكثير من الأراضي الزراعية: "وبعدين مالهم الفلاحين يا منال هانم، مش عاجبينك في إيه إن شاء الله؟ ردت عليها بنبرة حادة وتعالٍ:

"من فضلك يا ثريا، ما تحاوليش توقعيني في الغلط بسبب كلام بتفسريه على مزاجك، وياريت كمان ما تدخليش في الكلام بيني وبين ابني. أساساً إنتِ وجدته اللي شجعتوه لحد ما وصلتو للحالة اللي بقا عليها دي؟ أجابها الفتى بلباقة واحترام بعدما رأى حزن ثريا بعينيها:

"ياريت يا ماما تخرجي عمتي من الموضوع وما تتهمهاش بكلام ملهوش أي أساس من الصحة، عمتي ملهاش علاقة بطريقة كلامي اللي حضرتك معترضة عليها، أنا اللي حابب أتكلم زي بابا وجدي وأهلي." ردت عليه بنبرة حادة: "وليه متتكلمش زي أولاد الناس الراقية المتحضرة؟ شوف أهلي بيتكلموا إزاي واتعلم منهم التحضر واللباقة! أجابها الفتى معترضًا على حديثها:

"قلت لحضرتك قبل كده إني مبحبش كلمة طنط، ما بحسهاش، وعمري ما هقول بابي أو مامي زي ما حضرتك عاوزة لأني ببساطة مش حابب ولا عاوز كده. وأنا متعودتش أعمل حاجة مش حاببها لمجرد إني أرضي أي حد مهما كان الحد ده مين! وتحدث بلباقة إلى عمته وهو يتحرك إلى الخارج: "من فضلك يا عمتي، ياريت متنسيش تجهزي القهوة بتاعت جدي وبابا."

أومأت له ثريا مبتسمة بموافقة وتحرك هو إلى الخارج تحت استشاطة منال وغضبها من صغيرها العنيد ذو الرأس اليابس وتلك الثريا. نظرت بحدة إلى ثريا وتحدثت بنبرة ملامة: "شفتي يا ثريا آخر دلعك للولد، عاجبك كده؟ الولد بيرد عليا ويتحداني بكل وقاحة! تنهدت ثريا وتحدثت وهي تشرع بعمل القهوة كي لا تتأخر أكثر على عمها المنتظر:

"ابنك متربي وزي الفل يا منال، إنتِ بس خفي تحكماتك دي عليه وحاولي تصاحبيه بدل التنظير بتاعك اللي بيخنقه ويضايقه ده، الولد الله أكبر راجل من صغره وبيتخنق من التحكمات. ياسين حر زي أبوه وجده وعمامه وده اللي إنتِ مش قادرة تستوعبيه! أجابتها منال بكبرياء ونبرة ساخرة مقللة من شأنها: "هو إنتِ يا ثريا مبزهقيش من دور المثالية اللي طول الوقت عايشة لنا فيه ده؟ وكل ده ليه؟

علشان العيلة كلها يشوفوكي دايمًا البنت الهايلة أم تفكير عقلاني ويفضلوا يشيدوا بعقلك وحكمتك اللي ملهوشمش؟ أجابتها ثريا بهدوء متلاشية نبرتها الاتهامية: "ربنا وحده هو اللي مطلع على اللي في القلوب يا منال، ويعلم ربنا إني بتعامل مع الكل بضميري ومن اللي نابع من قلبي من غير أي زيف، وبالنسبة لياسين أنا بعامله زي أولادي بالظبط وربي شاهد علي."

رمقتها منال بنظرة غاضبة وزفرت بضيق وتحركت إلى الخارج من جديد تحت نظرات ثريا اليائسة من أفعال تلك المتعالية. *** بعد قليل، حملت القهوة بعد أن أعدتها وتحركت إلى خارج المنزل بتلك الساحة الواسعة التي تحيطها الأشجار من جميع الجوانب.

اقتربت على عمها محمد، والد زوجها، الجالس فوق الأريكة ويجاورها عز الذي انتفض بداخله رغمًا عنه كلما لمح طيفها أو اشتم عبيرها الطيب الذي يفوح منها كلما تحركت بجواره. فقد أصبح رغمًا عنه متيمًا بعشقها حتى أنه بات يشعر بقدومها ويتنبأه قبل أن يحدث. مسكين ذاك العز فقد أذاب العشق المستحيل قلبه وأنهى عليه. وقف سريعًا بلهفة يحمل عنها ما بيدها وتحدث بعيون هادئة محاولاً خلفهما تخبئة ذاك الاشتعال الذي ينتابه كلما هلت عليه ورآها:

"تسلم إيدك يا ثريا." أجابته بابتسامتها البريئة التي وإن علمت بما تفعله بذاك القلب العاشق المسكين لما فعلتها أبدًا: "بالهنا والشفا يا عز." ثم حولت بصرها إلى عمها وتحدثت بنبرة رقيقة هادئة: "أي خدمة تاني يا عمي؟ نظر لها محمد بعيون محبة وأردف قائلاً بابتسامة بشوشة لتلك الابنة البارة المطيعة: "تسلمي يا بنتي، روحي كملي اللي كنتِ بتعمليه." أردفت قائلة بنبرة حنون: "لو احتاجتوا أي حاجة يا عز انده عليا."

أجابها بقلب ينتفض من أثر استماع اسمه الذي يعشقه من بين شفتيها: "حاضر يا ثريا." دلف هي للداخل بهدوء وتحرك هو من وقفته المتسمرة ووضع حامل القهوة فوق المنضدة وحاول التماسك أمام والده الذي لا يبالي بأمره ولا يشعر به من الأساس، ليعودا من جديد لحديثهما ويكملانه محاولاً التناسي لأمر قلبه المتألم والتعايش المر مع واقعه الأليم.

كانت تنظر عليهم من شرفتها الخاصة في الأعلى بتعالٍ وداخلها مشتعل وهي تتابع أفعال تلك الثريا التي تستعمل خبثها لتستحوذ على عقول وقلوب جميع ساكني المنزل، حتى زوجها عز الذي لم يسلم من خداعها مثلما تظن هي وتفكر السوء بتلك البريئة. حدثت حالها باستشاطة ونار مشتعلة: "أيتها اللعينة الخبيثة، ما الذي تريدين الإيصال إليه بتلك المسكنة والوجه الماكر المزيف التي ترتدينه طوال الوقت؟

دائمًا ترتدين قناع البراءة كي تستحوذي على احترام وحب هؤلاء الفلاحين عديمي الخبرة والفهم، ولكن ألاعيبك تلك لم تنطلي علي، فأنا منال ابنة الحسب والنسب العالي، لست كهؤلاء الجهلاء المغيبين." *** عصرًا داخل البزار التي تعمل به بسمة مع صديقتيها، كانت تتحدث الإنجليزية بطلاقة مع أحد السائحين مثلها كمثل الكثيرون من أهل أسوان الحبيبة، وتستعرض له بعض التماثيل الصغيرة المصنوعة بحرفية ودقة عالية. ابتسم لها ذاك السائح وتحدث منبهرًا

بلغته الأم: "يا إلهي، ما هذه الدقة التي صنعت بها هذه التماثيل، دعيني أعترف لكِ أيتها السمراء أن تلك التماثيل لا تقل بجمالها عن سحرك وجمال عيناكِ." ابتسمت له بمجاملة وكادت أن تجيبه ولكنها وفي لحظة ارتبكت بوقفتها واهتز التمثال المتواجد بين يديها حين رأت ذاك الغاضب الذي ينظر إليها باستشاطة وغيرة واضحة من مجرد حديثها مع السائح. تحدثت إلى تهاني قائلة بنبرة هادئة: "تهاني، من فضلك تعالي كملي مع الزبون!

وتحركت إلى ذاك الواقف وتساءلت بنبرة صارمة توحي إلى كم الغضب المتواجد داخلها: "هي حصلت كمان تيجي لي لحد مكان شغلي؟ إيه، مكفيكش إنك جيت لحد بيتي ولعبت بمشاعر أهلي وهما يا حرام من طيبتهم صدقوك؟ ضيق عيناه ناظرًا إليها باستغراب وتحدث بنبرة ساخطة: "لعبت بمشاعر أهلك؟ تقصد إيه بكلامك ده، وإيه المعاملة الجافة دي؟ أردفت قائلة بنبرة حادة غاضبة:

"أقصد اللعبة غير الأخلاقية اللي لعبتها على أهلي امبارح، لا ملعوبة صح يا باشمهندس، بس اتعملت في كذا فيلم قبل كده. البيه الوسيم ابن الذوات حب يلعب على البنت السمرا الغلبانة ويتسلى بيها شوية في وقت فراغه، بس البنت صدته وملقاش منها فايدة فيعمل إيه؟

يروح لأهلها الغلابة ويستغل طيبة قلوبهم وسذاجتهم ويخدعهم ويطلب منهم إيد بنتهم بالوهم، وهما يا عيني يطيروا من السعادة ويرقصوا على حظ بنتهم النار. والبيه بقى يدخل ويطلع مع البنت بحجة الخطوبة المزيفة ويعيش له معاها يومين حلوين وبعدها يرميها في أقرب محطة عشان يشوف غيرها ويقرر لعبته." كان يستمع إليها بعدم استيعاب لحديثها المهين لرجولته وأخلاقه ومبادئه المتأصلة بداخله وأردف قائلاً بنبرة مستهجنة:

"للدرجة دي شايفني واحد رخيص من غير أخلاق ولا مبادئ؟ للدرجة دي مش شايفني راجل من الأساس قدامك؟ إيه اللي أنا عملته يا بسمة عشان يوصل لك الشعور ده وتفكري فيا بالطريقة الرخيصة دي؟ ده جزائي إني خفت عليكي من كلام الناس لما تلاقيني بحاول أقرب لك وأروح أي مكان بتكوني فيه عشان بس ألمح عينيك وأريح قلبي الموجوع بحبك من يوم ما شفتك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...