كان الجميع يجلس ببهو المنزل بإنتظار ذاك الحسن الذي طال غيابه وتخطي الشهرين. رفع عز وجهه عالياً ناحية الدرج، وجد أميرة أحلامه، متيمته وملهمة روحه السارحة تهبط الدرج بجانب ذاك المحظوظ شقيقه الغالي. كانت تتدلى بدلال كحورية هبطت للتو من الجنان. أشاح ببصره سريعاً عنها كي يغض بصره ويحفظ عرض أخيه الغالي. أخرج تنهيدة من داخل أعماق صدره محملة بوجع العشق الممنوع الذي لازمه طوال سنواته العديدة المنصرمة.
حزن من داخله على تلك المشاعر التي مازالت متواجدة إلى الآن، بل يومًا عن الآخر تتزايد وتشتعل وتتوغل داخله بتوحش رغماً عنه وعن قلبه. فبرغم محاربته لشعوره بعشقه قديم الأزل لتلك ثريا إلا أنه يتزايد ويتوسع وينتشر داخله بشراهة كادت أن تنهي على قلبه المسكين. اقتربت من الجميع وتحدثت كعادتها بابتسامتها الخلابة ونبرة صوتها الرقيقة. "مساء الخير." رد عليها الجميع باهتمام. "مساء النور."
وأشار إليها صغيرها رائف الذي كان يجلس داخل أحضان منيرة جدته لأبيه. توجهت إليه واحتضنته حاملة إياه بعناية وقبلته بوله، ثم توجهت وجلست بالمقابل لجلسة عز والذي نظر أرضاً مشيحاً عنها ببصره. حين تحرك عاشق عيناها إلى أبيه وتحدث باحترام وهو يبسط كف يده ماداً إياه بتلك الأوراق التي يحملها قائلاً: "ده الورق اللي طلبته مني علشان أجهزه لك يا حاج."
تحدث الحاج محمد إلى ولده المحبب والمقرب لدي قلبه دائماً وذلك لطيبته الزائدة واحترامه للصغير قبل الكبير داخل العائلة. "تمام يا أحمد." ثم نظر أباه إلى وجهه متفحصاً إياه برعاية وأردف قائلاً بتساؤل قلق: "مالك يا أحمد، وشك أصفر ومخطوف كده ليه يا ابني؟ حزنت ثريا وشعرت بغصة داخل قلبها أثر حديث عمها. أما أحمد فنظر لأبيه وتحدث بنبرة كاذبة كي لا يدع القلق يتسلل لداخله ويقلقه عليه.
"سلامتك يا حاج، أنا زي الفل بس مرهق شوية من ضغط الشغل وكمان لأني ما عرفتش أنام بالليل كويس من عياط رائف." هز أباه رأسه بتفهم وأردف قائلاً باهتمام وتوصية: "إبقى نام في أوضة تانية بعيد عن ثريا والولد علشان تاخد كفايتك من النوم وتقوم فايق وتعرف تركز كويس في شغلك." أومأ بموافقة لحديث والده ثم تحرك من جديد وجلس بجانب ثريا. نظر إليه صغيره وابتسم له ضاحكاً وأشار عليه كي يلتقطه أباه.
فحمله أحمد وقبل وجنتيه الناعمتين الملمس بحنان، واستكان الطفل داخل أحضان أبيه الحنون مستمتعاً بدفئهما. نظرت ثريا إلى أبيها وأردفت قائلة باستفهام: "هو حسن اتأخر يا بابا ولا أنا اللي بيتهيأ لي؟ تحدث إليها والدها مطمئناً إياها بهدوء: "ما اتأخرش ولا حاجة يا بنتي، عبدالرحمن كلمنا من ساعة إلا ربع تقريباً وقال لنا إنه وصل المحطة، يعني هانت، إن شاء الله هما خلاص على وصول."
لم يكمل جملته حتى استمعوا إلى صوت ذاك الحسن وهو يتحدث من الخارج بحسه الدعابي كعادته. "حسن المغربي وصل يا إسكندرية." انتفضت ثريا من جلستها وجرت للخارج لاستقبال شقيقها الغالي الذي اشتاقت رؤياه حد الجنون. رآها حسن وجري عليها محتضناً إياها وبدأ يدور بها بسعادة تحت سعادتها هي الأخرى. هدأ قليلاً وبدأ بتقبيل وجنتيها بالتبادل قائلاً بنبرة حنون حماسية: "وحشتيني يا حبيبتي." أردفت قائلة بنبرة شديدة السعادة:
"وانت كمان يا حسن وحشتني أوي أوي." أسرعت إليه والدته عزيزة واحتضنته بسعادة قائلة بنبرة حنون من بين دموع الحنين التي هبطت حين رأت صغيرها أمام ناظريها. "حمد الله على السلامة يا حبيبي، نورت بيتك يا قلبي." وأكملت بنبرة لائمة: "بقا كده يا حسن، هٌنت عليك تسيبني كل ده؟ قبل مقدمة رأسها بحنان وتحدث بنبرة حانية: "علشان خاطري بلاش دموعك دي النهارده يا أمي، أنا جاي فرحان ومشتاق لك وعاوز أشوف ضحكتك اللي وحشتني."
وتحرك إلى والده مقبلاً يده ومقدمة رأسه باحترام متحدثاً بوجه بشوش. "وحشتني يا حاج صلاح، أخبار صحتك أيه؟ ربت الحاج صلاح على كتفه وهو يشدد من احتضانه وأردف قائلاً: "في نعمة الحمد لله يا ابني." وتحرك أيضاً إلى عمه محمد وزوجته وتبادلوا السلام. حتى وصل إلى عز الذي احتضنه بعناية مرّبتاً على ظهره بحنان وهو يوشوش بجانب أذنه قائلاً بمداعبة:
"أنا عارف إن جمال وسحر بنات أسوان والسائحات الساحرات اللي هناك ينسوا الواحد نفسه، بس أهلك ليهم حق عليك بردوا يا باشمهندس، ولو إيه!! أجابه حسن هامساً: "وانت تعرف عني كده بردوا يا باشا؟ "يا ابني ما تبقاش مغربي لو مكنتش كده وأبو كده كمان." جملة أجابه بها عز مداعباً بها ابن عمه الغالي. قهقهوا معاً برجولة. أما أحمد فأقترب منه محتضناً إياه مرحباً به:
"حمد الله على السلامة يا حسن، إسكندرية كلها نورت من جديد برجوعك يا هندسة." أردف أحمد قائلاً بنبرة صادقة: "حبيبي يا أبو حميد، إسكندرية منورة طول ما أنتَ فيها يا باشا." وبعد تبادل السلامات والأحضان دلف الجميع للداخل كي يبدأوا احتفالاتهم بحضور عزيزهم الغالي.
وبعد قليل كان الجميع ملتف حول طاولة الطعام الكبيرة التي رص عليها كل ما لذ وطاب من طعام صنع بحب من أيدي نساء العائلة، وبدأ الجميع يتناولون طعامهم بشهية مفتوحة ويتبادلون الأحاديث بسعادة. أما منيرة الواقفة توزع الطعام داخل أطباق أحبائها باهتمام وحب فقد تحدثت إلى زوجة ابنها ثريا. "حطي دنيس وكابوريا من جنبك في طبق عز يا ثريا علشان مش طايله طبقه." أجابتها بطاعة واحترام. "حاضر يا مرات عمي." نظر لها عز بإستحسان وعيون شاكرة.
كادت أن تقف وتسكب له الطعام امتثالاً لحديث والدة زوجها، وجدت من يقف ويتحدث إليها بنبرة حادة بعض الشيء. "خليكي مكانك، أنا هغرف له." ابتلعت لُعابها وحزن داخلها من هيئة وجه زوجها الغاضب وحزنت من داخلها على حالة الغيرة التي وصل إليها مؤخراً من شقيقه. سكب أحمد لشقيقه الطعام بهدوء. شكره عز الذي لم يلاحظ تغيرات وجه شقيقه وحدته لإنشغاله بالحديث مع والده.
وجلس أحمد من جديد ليكمل تناول عشاءه بجانب زوجته الرقيقة تحت غيرته وناره الشاعلة داخل قلبه والتي يحاول جاهداً ألا تظهر للعلن حفاظاً على كرامته وأيضاً مشاعر شقيقه الذي لم يرد خسارته ولا الإساءة لشخصه. تحدث حسن بنبرة حماسية وهو يتناول طعامه بشهية عالية. "الواحد مهما يلف ويدور وياكل من جميع مطابخ العالم عمره ما بيعرفش يستطعم أي أكل زي ما باستطعم أكلنا." وأكمل بإطراء.
"حقيقي مفيش زي الأكل الإسكندراني وبالأخص نفس ستات عيلة المغربي." ثم تبادل النظر ما بين والدته وزوجة عمه وثريا وأردف قائلاً بنبرة ممتنة. "تسلم أديكم، حقيقي الأكل عظيم." في تلك الأثناء نظرت راقية إلى منال بنظرات ساخرة تصديقاً على حديثها السابق التي أسمعتها إياه منذ قليل، فأبتسمت منال بجانب فمها بطريقة ساخرة وفضلت كلاهما الصمت والاستماع وفقط. أما ثريا التي أجابت شقيقها من بين ابتسامتها الهادئة.
"بألف هنا على قلبك يا حبيبي." حين وجهت والدته بصرها اتجاهه وتحدثت إليه بنبرة ملامة مستغلة حديثه. "ما أنتَ اللي باعد ورايح تشتغل لي في آخر الدنيا وحارم نفسك من أكل أمك اللي زي الفل." وأكملت بنبرة حزينة كي تستدعي تعاطفه وإشفاقه على حالتها. "وحارمني من إني أطمن عليك وأنا شيفاك قدام عيني كل يوم." أجابها بدعابة متغاضياً عن تلك النبرة التي يحفظها عن ظهر قلب وبات يعرف مغزاها جيداً.
"هي أسوان بالنسبة لك بقت آخر الدنيا يا ماما؟ أجابته عزيزة باقتضاب ونبرة معترضة. "طول ما أنتَ بعيد عن عيني ومبعرفش أشوفك كل يوم ده يبقا بالنسبة لي آخر الدنيا." أما عن صلاح فقد استغل الوضع وحديث زوجته كي يطرح على مسامع صغيره سؤال كل إجازة الذي لا يكل ولا يمل من طرحه عليه. "هو أنتَ مش ناوي تعقل بقا وتسيبك من الشغل في أسوان وتيجي تشتغل هنا في إسكندرية؟ ابتسم له حسن وتحدث إليه بنبرة حماسية.
"أسيب أسوان إزاي بس يا حاج بعد ما أثبت نفسي وجدارتي في شغلي هناك، ده أنا بقيت مهندس أول وبقا لي اسم بيرن زي الطبل هناك في مجالي وأنا لسه في سني ده ويعتبر في بداية مشواري."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!