بعض الزهور تعتاد العين رؤيتها فتغدو كغيرها ولا ندرك جمالها الهادئ واختلافها المحبب إلا بعدما تقطف فتشعر العين بغربة وكأن الكون صار قاحلا ونبحث عما افتقدناه فلا نجده. داخل بيته المتواضع الذي لم يبق له من والده ذكرى سواه؛ بيت يحتاج إلى ترميم كي ينعم ببريقه السابق. "يا أمي يعني انتي مش عارفه اللي فيها؛ أنا راجل أجري ويوم شغال وعشرة مفيش أروح اخطب واحدة بنت ناس وأبهدلها معايا!
الأم بتردد: "يا بني ما إحنا هنشوف واحدة على قدنا وتكون عايزة تعيش." حامد بترقب: "وهي مين دي؟ الأم: "مالها فاطمة بنت عمك سيد؛ بت طيبة وبتحبك ومتربية على حجري من يوم ما أمها الله يرحمها ما ماتت." حامد: "وهبلة وفستها عايمة ومتنفعش تفتح علبة سردين تقومي تجوزهالي وعاوزاها تفتح بيت؛ دي بوقها مبيتقفلش ورغايه ولتاته." فاطمة وقد استمعت إلى ما يقول دون قصد منها فقد أتت لتجلس بصحبة ثناء إلى أن يعود حامد من عمله؛
اقتربت بمرح قائلة: "وفيها إيه يعني لازم واحد منا يبقى مفرفش وحبوب طالما التاني نكدي وبيضحك في المناسبات.. ولا أبقى بومة ووش فقر يعني؟! حامد بغضب: "شايفة قلة الأدب؛ هي دي عروسة الغبرة اللي بتقوليلي عليها يا أمي." فاطمة بغرور: "وحشة ولا وحشة ده أنا كل شباب الحارة بيتمنوني لولا بس العشرة ومرات خالي السكر دي." حامد: "الله الغني إحنا مش عاوزين نوقف حالك يا سكر؛ روحي الله يسهلك وشقتك أنا هدهنالك بنفسي."
فاطمة بغرور مصطنع: "طبعًا يا أسطى ماهي هتبقى شقتك برضو مش انت العريس يا عسل ولا إيه؟! حامد بصلها بتعجب ومشى بيضرب كف بكف وهي عيونها دمعت وقالت لوالدته: "شايفة ابنك يا مرات خال؛ خلاص أنا كده عملت اللي عليا وجيت على كرامتي ورخصت نفسي أكتر من مرة وهو سايق فيها." ثناء: "يا بت ظروفه صعبة ومش عاوز يبهدلك."
فاطمة: "لأ ابنك بيكرهني ومش طايقلي كلمة.. عمومًا قوليله يرتاح أبويا موافق على رضا ابن الحج رزق وكنت جاية استنجد بيكم بس مفيش نصيب." غادرت هي الأخرى وتنهدت ثناء بحزن فهي لا تريد أخرى زوجة لابنها ولكن يبدو أن القدر له كلمة مغايرة. -جلس حامد بصحبة صديقه بواحدة من المقاهي الشعبية القريبة من منزله؛ أمامهما طاولة خشبية موضوع فوقها بعض الشاي وصندوق الدومينو.
ألقى حامد حجر النرد بغضب قائلاً: "كام مرة فهمتها إني مش ناوي أتجوز؛ مقدرتي متسمحش يا عم وهي زي الشبطة مصممة تعلق نفسها بحبال دايبة." سمير بتعجب: "أمرك غريب يا جدع دي حتة قشطة؛ يمين تلاته لو ما كنت بحب مراتي لكنت اتقدمت لفاطمة وأنا مغمض." حامد بغضب: "ما تتلم يا جدع؛ هي ناقصاك انت كمان." سمير بتعقل: "يا مغفل البت متتسابش؛ وأبوها راجل غلبان ومعندوش غيرها وظروفهم محصلة ظروفنا يعني هيرضوا بقليلهم."
حامد: "يا عم يعني مش كفاية الفقر اللي أنا فيه أروح أفقرها معايا بزيادة.. ليه البهدلة دي." سمير: "وجايز تبقى وش السعد والدنيا تحلو على إيديها؛ وبعدين على حد علمي انت مفيش في بالك واحدة بعينها يبقى تتوكل على الله وتسمع كلام أمك وتلحق البت قبل ما تطير من إيدك." حامد: "يا سمير الحالة ضنك خالص؛ عالأقل عاوزالها شبكة ولا هخطبها على النوتة." سمير: "يا ابني هنتصرف؛ وعمك ما تروحله يمكن يخلي عنده دم ويساعد بأي حاجة."
حامد برفض: "أروح لمين يا ابني ده مش بعيد يبيع الشبكة لو في نصيب عشان ياكل ويشرب حاجة ساقعة." سمير: "يا ساتر يا رب ده راجل جلده؛ يلا سيبك منه إحنا نروح لعمك سيد ونشوف رأيه وبعدها ندور على الشبكة واللازم نعمله." حامد بهدوء: "بكرة؛ نروحله النهار له عينين." -اشتد الجدال الدائر بين كرم وزوجته فضيلة كالمعتاد لترفع السكين بوجهه قائلة: "عارف يا راجل انت لو مفتحتش باب التلاجة هعمل فيك إيه."
كرم برفض قاطع: "متقدريش تعملي حاجة يا فضيلة؛ وحطي في بالك إني فاهمك كويس وعارف عمايلك السودة دي." فضيلة: "عمايل إيه يا راجل يا ناقص؛ يا بخيل يا جلده انت." كرم: "بخيل ليه؛ انتي اللي مبذرة وإيدك مخرومة." فضيلة بغضب: "يالهووووي؛ مبذرة ده انت مجوعنا يا ظالم ولولا أبويا وإخواتي كنت مت من زمان أنا وعيالي." كرم ببلاهة: "وايه المشكلة إن أهلك يساعدوكي الناس لبعضها برده." فضيلة بجنون: "هتفتح التلاجة ولا أفتح كرشك يا راجل انت!
كرم بإصرار: "لأ؛ كله إلا التلاجة؛ اعقلي يا فضيلة واخذي الشيطان." فضيلة وقد فاض بها الكيل: "يمين بالله العظيم ما قعدالك فيها وهاخد عيالي وأروح لأبويا يطلقني منك وأبقى خلي الفلوس تنفعك." كرم لم يجبها بل اكتفى بالصمت فهو محال أن يتنازل عن عشقه من أجل أحد؛ عشقه الأول والأخير جمع الأموال.
-أصاب حامد شيء من التوتر بعدما ألقت والدته على مسامعه ما قالته فاطمة وتعجب من موافقتها على الارتباط بغيره فقد كان تمسكها به غير قابل للشك. تساءل بسخرية قائلاً: "وياترى بقى الست هتتخطب لواحد وهي بتحبني؛ ولا كانت بتمثل وهدفها توقعني وخلاص؟ ثناء: "بلا خيبة يا مكوس هتوقعك على إيه يا مكوس؛ انت حيلتك حاجة يا وله؟ حامد: "جرى إيه يا أم حامد؛ مش هي اللي كانت هتموت عليا؟!
ثناء: "عشان بتحبك يا مغفل؛ وأهي هتطير من إيدك ويابخته وهناه اللي هتتجوزه." حامد: "أموت وأعرف بتحبيها ليه كده! انتي أم مين فينا بالظبط يا نبع الحنان؟ ثناء: "يا وله بنات اليومين دول يندب في عينهم رصاصة والبت دي على نياتها متعرفش لولع ولا بتاعت حوارات.. صدقني." حامد بجدية: "خلاص يا أمي أنا مقدرش على زعلك؛ بكرة نروح نتقدم واللي ربنا رايده هيكون." ثناء: "لأ؛ لو هتتقدمالها جبر خواطر يبقى بلاش لا تظلمها ولا تظلم نفسك."
حامد مبتسماً: "ما خلاص بقى يا أمي؛ فاطمة حلوة وألف مين يتمناها؛ الحكاية وما فيها إن العين بصيرة والأيد قصيرة." ثناء: "أنا عاملة حسابي متشغلش بالك." حامد: "انتي بتحوشي من ورايا يا ثناء؟! وكزته بحب قائلة: "القرش الأبيض بينفع لليوم الأسود وانت يوم ما تتجوز هيبقى يوم الهنا والمنى يا وله بس انت قول يارب." -لم تتوقف فاطمة عن البكاء إلى أن صاح والدها بوجهها قائلاً: "يا بومة بتعيطي ليه من ساعة ما جيتي؛ مين مزعلك يا بت؟
فاطمة بتلقائية: "حامد هو اللي مزعلني." قهقه والدها بحب قائلاً: "حامد؛ تصدقي يا بت يا فطومة الواد حامد ده أرجل واحد في الشارع بس هي الدنيا كده دايما بتيجي على الغلبان؛ زعلك بقى في إيه وأنا أشدلك ودانه." عضت شفتيها في خجل ولم تدر ما تقول فهي ورغم بساطتها في الحديث ومشاكستها الدائمة لحامد إلا أنها شديدة الخجل مع الجميع. انتظر والدها أن تقص عليه ما تريد لكنها باغتته بقولها: "أنا موافقة على العريس اللي قولتلي عليه."
والدها بهدوء: "وإيه اللي جد من امبارح للنهاردة؟! فاطمة وقد عاودت البكاء: "مفيش حاجة؛ بس انت قولتلي إن العريس كويس وأنا موافقة وخلاص." جلس والدها إلى جوارها وضمها إلى صدره مقبلاً رأسها بحنو قائلاً: "ماشي يا ست البنات؛ بكرة الصبح هبقى أبلغه إنك موافقة." أجابته بفزع قائلة: "لأااا؛ بلاش بكرة قوله بعد بكرة." والدها ضاحكاً: "مش هقوله خالص يا فاطمة؛ قومي نامي يا بنتي وفوضي أمرك لله؛ تبات نار تصبح رماد."
تحركت بخضوع إلى غرفتها؛ مدت يدها تعبث بأغراضها الموضوعة بداخل الخزانة إلى أن أمسكت إحدى الصور المخبأة بين طيات الملابس. تطلعت إلى صورته بغضب قائلة: "بقى كده يا حامد؛ بتجرحني وتكسر قلبي ومش عاوز تتجوزني؛ بكرة تندم وقت لا ينفع الندم يا ابن ثناء." ازداد نحيبها لكن سرعان ما توقفت عن البكاء عندما تطلعت إلى شاشة هاتفها تعلن عن اتصال من ثناء؛ ترددت في الإجابة لكنها لم تستطع تجاهلها فهي ومهما حدث في مقام والدتها.
ثناء بسعادة: "أوعي تكوني نمتي يا بت؟ فاطمة بحزن: "لأ صاحية؛ كنت قاعدة مع أبويا." ثناء بمكر: "انتي معيطة يا بت؟ فاطمة: "هعيط ليه؟ لحظات وبدأت في البكاء من جديد ليرق قلب ثناء حباً وحزناً عليها فتباغتها بقولها: "قولي لأبوكي يا بت إننا جيينلكم بكرة المغرب؛ قوليله خالتي أم حامد بتقولك هنشرب الشاي وبعد منه الشربات بإذن الله." فاطمة بغباء: "شربات مين! وليه؟!
ثناء: "عوض علينا عوض الصابرين يا رب؛ هيكون شربات أبوكي يا بت؛ هنيجي بكرة نطلب إيدك لحامد ابني ولا ملكيش مزاج؟ قامت فاطمة بإنهاء الاتصال بوجه ثناء التي تطلعت إلى الهاتف بصدمة قائلة: "الواد حامد شكله عنده حق والبت دي فيوزها ضارب." ابتسمت ثناء بحب قائلة: "بس زي العسل وبكرة تعقل ربنا يسعدك يا ابني ويوسع رزقك ويهديكي يا فاطمة وتبقي من حظه ونصيبه."
-في مساء اليوم التالي تزينت فاطمة ولا تكاد تصدق أن حلم حياتها في الطريق إليها؛ حامد قادم من أجل خطبتها. مدت كف يدها إلى صديقتها الجالسة إلى جوارها قائلة: "اقرصيني يا بت يا سهى؛ هو اللي بيحصل ده حقيقة بجد؛ مش مصدقة.. يعني أنا مش بحلم!! قامت سهى بقرصها لتصرخ فاطمة بفزع قائلة: "آه يا معفنة؛ بتقرصي بجد يا بت! ابتسمت سهى قائلة بغيظ: "ما هو انتي زهقتيني من الصبح؛ شكلك اتهبلتي من الفرحة."
فاطمة بسعادة: "اصل أنا بحب حامد أوي يا بت يا سهى؛ ما انتي عارفة." سهى: "عارفة يا مكوسة بس متدلقيش عليه أوي كده يا بت.. الراجل لو مخدش على دماغه متعرفيش تمشيه.. اسمعي كلامي." فاطمة: "لأ طبعًا؛ حامد غير كل الرجالة." سهى بتعجب: "ليه ياختي إن شاء الله… هما بيزحفوا وهو بيطير؛ جتك نيلة في خيبتك وانتي قلبك هفأ وخفيف كده." فاطمة: "هشششش؛ اخرسي الباب بيخبط." سهى: "اوعي يا بت خليني أفتح لهم الباب."
فاطمة: "لأ استني الأول شوفي شكلي حلو ولا إيه؟ سهى بحب: "يا بت انتي زي القمر من غير حاجة أموت وأعرف مدهولة على عينك كده ليه؟! تركتها سهى وتوجهت لفتح الباب الفاصل بين فاطمة وحلمها الذي لم يراودها سواه. جلس الحاج سيد بمواجهة ضيوفه وعلى يمينه جلست فاطمة وثناء. تحدث سمير بمرح قائلاً: "جرى إيه يا حامد؛ ما تتكلم يا ابني بدل ما الحاج سيد يطردنا." ابتسم سيد قائلاً: "لأ سامح الله يا ابني ده بيتكم؛ وحامد زي ابني تمام."
ثناء: "ده العشم برده يا حج وعشان كده جاينلك وطمعانين متكسفناش." سيد: "برقبتي يا ست أم حامد؛ انتي صاحبة الغالية الله يرحمها وكنتوا أكتر من الأخوات." ثناء: "الله يرحمها يا خويا ويطول عمرك؛ إحنا طالبين إيد فاطمة لحامد." تطلعت فاطمة إلى وجه والدها وبادلها هو النظرات وكأنه يستأذنها في الموافقة؛ لاح بوجهها سعادة لم يعهدها من قبل فأجابهم دون تردد قائلاً: "وأنا مش هلاقي أحسن من حامد عريس لبنتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!