الفصل 8 | من 10 فصل

رواية عفريت مراتي الفصل الثامن 8 - بقلم نداء علي

المشاهدات
21
كلمة
2,179
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

بعض الأحيان تتألق الأرواح ويشتد بريقها، تبلغ أوجه جمالها، ثم ما تلبث أن يأتيها الخريف فتذبل ويخبو بريقها، ويمحو بيده الجافة نضارتها. فلا ذاك يدوم ولا هذا دائم، لذا تقبل كل شيء تمر به، فما حياتنا إلا فصول تدور وتتجدد. فاطيمة: يعني إيه مش عاوزني أروح كتب كتاب بنت عمك؟ مش أد المقام يا حامد ولا مش أد المقام؟

حامد بغيظ: يا رب صبرني. افهمي يا فطوم، إنتي حامل والحركة والسفر غلط عليكي. إنتي هتفضلي مع عم سيد لحد ما أرجع أنا وأمي. فاطيما بإصرار: لأ. مليش دعوة، أنا عاوزة أروح الفيوم وأشوف السواقي اللي كنا بناخدها في المدرسة. حامد: سواقي إيه وزفت إيه، إحنا رايحين سدر. فاطيما: إنت بتشخط فيا يا حامد وأنا حامل؟ نهارك مش فايت. حامد بهدوء: مبشخطش، بس إنتي شبطانه زي العيال الصغيرة وزهقتيني.

أدمعت عيناها، فتراجع قائلاً: والله المشوار طويل هتتعبي صدقيني. فاطيما برجاء: عشان خاطري. أنا عمري ما اتحركت برة القاهرة. حامد بتحذير: ماشي يا فاطيما، هاخدك بس ورب الكعبة لو حصل حاجة ما هعديهالك. فاطيما: يا عم متقاطعش وتقول عليا كده. أمال ده جامد. نظر إليها بغيظ وغادر، لتهرول مسرعة إلى ثناء قائلة: ثنااااء، أنا جاية معاكم. ثناء بتردد: يابت بلاش لتتعبي.

فاطيما: لأ إن شاء الله مش هتعب. أنا عاوزة بقى آكل بلح أسمر. الواد عايز كده. ثناء بدهشة: إنتي هبلة يابت؟ واد مين؟ استغفر الله العظيم منك ومن وحمك. فاطيما بتفكير: ابني يا ثناء. طب بلاش بلح، هاتيلي طعمية. ابتسمت ثناء بيأس قائلة: حاضر، هقوم أعملك طعمية. فاطيما: بالسمسم. ثناء: بالسمسم يا أم حسن؟ فاطيما بتعجب: حسن مين يا ثناء؟ ثناء: أبويا يابت الله يرحمه. يكونش مش عاجبك ولا إيه؟

فاطيما بتركيز: حسن أبو علي. مش بطال عشان خاطرك بس يا ثناء. ثناء: إن شاء الله يا فاطيما. فاطيما: ولو بنت بقى نسميها ثناء. ثناء بسعادة رغم اعتراضها: لأ ده اسم قديم. جلست فاطيما إلى جوارها ووضعت رأسها بحجرها قائلة: أنا بحبك أوي يا ثناء، بحبك أكتر من أمي. أصل أنا مش فكراها. ثناء: الله يرحمها، كان دمها زي الشربات. إنتي طالعلها يابت يا فطوم. الله يرحمها كانت مجننة أبوكي بعمايلها برضه. فاطيما بترقب: بجد؟

ثناء: أه والله يابنتي. دي لما كانت تقعد وتهزر كانت بتهلك الشارع كله من الضحك. بعد مرور ثلاث سنوات. تبدلت الكثير من الأشياء، ولكن بعض الأشياء تبقى ثابتة. صفات يصعب التخلي عنها، وصفات تزداد وتيرتها. في شقة ثناء، التي لا يفارقها حامد وزوجته وطفليهما المشاكسان. فاطيما بإلحاح: وليه لأ؟ أنا عاملة الجمعية وإنت متعرفش عنها حاجة، ولازم تجيبلي غسالة أطباق. إيديا اتهرت من غسيل المواعين، وكفاية عليا عيالك القرود.

ثناء: ياختي صلي على النبي، هتحسدي العيلين. أنا ابني وحيد وغلبان. فاطيما: يا حماتي مش موضوعنا، خليكي محضر خير. الله يكرمك. ثناء: شوفي البت قليلة الأدب. محضر خير ليه يا بنت سميرة؟ شيفاني محضر شر؟ فاطيما: لا ياستي مقصدش، خلينا نتكلم عن الغسالة دلوقتي وبعدين نشوفك بعدين. ثناء: صحيح ما إنتي متربية على رجل الدادة. فاطيما: أومال إيه؟ ماهي نفس الدادة اللي مربياكي يا خالتي إنتي وأمي.

ثناء بحزن: أمك. وهو كان فيه حد زي أمك في أدبها وجمالها وكمالها؟ معرفش إنتي طالعة لسانك زالف ومخك طاقق لمين. ثناء: أكيد ليكي يا ثناء. أمسكت ثناء وعاء معدنيًا وأسرعت خلف فاطيما، التي هرولت تخشى أن تلحق بها حماتها، لكنها تعثرت ووقعت أرضًا. أسرع إليها حامد متلهفًا يتطلع إليها بقلق، ولكن سرعان ما اقتربت ثناء واختطفتها بخوف، تضمها إلى صدرها بقلق ورهبة قائلة: إنتي كويسة يا بت فاطيما؟

فاطيما وقد اشتد بكاؤها مما أفزع حامد ووالدته. سألها حامد بترقب: أوديكي للدكتور؟ فاطيما: أنا حامل تاني يا حامد، ولازم تجيبلي غسالة الأطباق. شددت ثناء من احتضانها قائلة: هجيبلك الغالي كله يا قلب خالتك، ومتشليش هم حاجة أبدًا. المهم تخلي بالك من روحك. بس وتقومي بالسلامة. فاطيما: كل ده عشان حامل؟ ثناء: أومال يعني عشان سواد عينيك يا بنت سيد. أنا اللي يهمني ابني يبقى له عزوة، مش كفاية إنه وحيد.

فاطيما: أه قولي كده بقى، وأنا قلت إنك توبتي. بس على رأي المثل: يموت الزمار وصوابعه بتلعب. ماشي يا ثناء. ثناء: عاوزاني أموت يا بنت سميرة؟ فاطيما بصدق: لا يامه، ربنا يجعل يومي قبل يومك. أنا مبقاليش غيرك. ثناء: بعد الشر يا بنتي، ربنا يخليكي لولادك وتفرحي بيهم وتشوفي عيالهم. أنا خلاص كبرت وشبعت من الدنيا. حامد: تصدقوا بالله أنا تعبتلكم سلف، إنتوا مبتزهقوش. وبعدين حمل إيه دلوقتي يا فاطيما وعيالك الاتنين فوق بعض؟

ثناء بغضب: جرى إيه يا ولد إنت وهي؟ جايباه من برة؟ ماهو ابنك. فاطيما بحزن: والله غصب عني، أنا باخد الحبوب مظبوطة. ثناء: ولا تعبريه، ده عيل وش فقر زي أبوه الله يرحمه. مد إيدك يا خويا نقومها، خليني أعملها حاجة تغذيها وتروق دمها بعد الكلمتين الفاضيين بتوعك دول. بلا هم. ابتسم حامد قائلاً: عارفة ياما، فاطيما دي ذنب وربنا بيخلصه مني ومنك. ثناء بحب: دي نعمة من ربنا ووش السعد، بس إنت مش فاهم حاجة.

فاطيما: أيوه صح يا خالتي، أنا نعمة ولازم تقدرها لحسن تزول يا خويا. حامد بغيظ: هتزول فين ياختي، ده إنتي لازقة ألماني. أدمعت عينا حامد بعدما تذكر تلك السنوات التي قضاها بسعادة وحب لم يقدرهما كما يجب، وها هو يبحث عنها ولا يجدها. وضع حامد رأسه بين كفيه يتطلع أمامه بحزن وندم واشتياق. كم يود عودتها إليه، ولكن يبدو أن الأمر صار محالاً.

أغمض عينيه بتعب، لكنه هب واقفًا يلتفت يمينًا ويسارًا بفزع، وقد أحس بيدها تلامس جسده. نظر إليها عن قرب فوجدها كما هي، نائمة منذ شهور. تنهد بحزن قائلاً: شكلك اتجننت يا حامد وبتتخيلها. عاكسيني يا فاطيما، مكنتش مقدر قيمتك. تحدثت هي بغيظ وكأنه يسمعها: أه يا خويا، ماهو على رأي المثل: بعد ما دخل المقبرة؛ بقى حتة سكرة. ما كنت قدامك ومش حاسس بيا، دلوقتي جاي تتشحتف؟ بس مهما عملت مبتهونش عليا يا حامض.

قهقه بسعادة، فكم كانت تستفزه بقوله ذاك الاسم. اقترب هو من جسدها الممدد بالفراش ونام جوارها يتحدث بندم لم يفارقه قائلاً: العيال متبهدلين من غيرك، وأنا وأمي. ارجعي بقى. أجابته هي بحزن: يا ريت بإيدي يا قلبي. أنا متشعبطة هنا زي ما عمرو دياب بيقول، عايش ومش عايش. في عالم لا يدخل إليه الأحياء ولا الأموات، ملكوت آخر تعلق بداخله بعض النفوس التي تهفو إلى شيء لا يوجد بدنيانا. كانت فاطيما جالسة تطلع إليها بملل.

تحدثت إليها والدتها قائلة: مبوزة ليه يا فطوم؟ فاطيما: حامد وثناء وعيالي وحشوني، وأبويا ياترى عامل إيه؟ سميرة: يعني إنتي زهقتي مني؟ فاطيما: لا بالعكس، ده أنا مبسوطة أوي إني شفتك. بس ليه مترجعيش معايا بدل ما أجلك أنا؟ سميرة: هو فيه ميت بيرجع تاني؟ فاطيما: بس إنتي قولتي إني مش ميتة. سميرة: أه، ولو عاوزة ترجعي هترجعي. فاطيما: إزاي بس؟ أنا خايفة قاعدتي تطول هنا وحامد يلعب بديله.

سميرة: متقلقيش، لو بيحبك هيصونك وإنتي غايبة عنه. تنهدت بحب قائلة: زي سيد ما عمل كده. ياااه أنا فرحت أوي لما عرفت منك إنه متجوزش بعدي. فاطيما بتردد: بس حامد معرفش بيحبني ولا لأ. هو طول عمره ملوش ملامح كدهون ومحيرني. عاد حامد إلى بيته متعبًا، استقبله طفليه حسن وفارس بسعادة وابتسامة قائلين: كنت فين يا حامض؟ تحدثت ثناء من خلفهما قائلة: كان بيشوف ماما يا حبايبي. حسن: هي هتفضل نايمة كده كتير؟ إيه مش هتصحى أبدا؟

تأففت فاطيما التي لا يراها أحد قائلة: أه يابن الهبلة، مش عاوزني أصحى ليه؟ مش كفاية الورطة اللي أنا مش عارفالها آخر دي. وحشتوني أوي يا كلاب. ثناء بحزن: إن شاء الله هتقوم وترجع بالسلامة. فاطيما: طول عمرك أصيلة يا ثناء، أنا قولتي إنك بحبك قبل كده كتير، بس بعد موقفك ده حبيتك بزيادة. حامد بحزن: المشكلة يامه إن المستشفى طلبت مني أنقل فاطيما لمستشفى تانية. بيقولوا خلاص مفيش عندهم مكان وفي غيرها أولى. بيقولوا إن مفيش أمل.

فاطيما بغيظ: حسبي الله عليهم. يابني أنا أهو، بس معرفش محدش شايفني ليه. يكونش أنا بقيت شبح؟ أوعى تسمع كلامهم يا حامض وتدفني بالحيا. ثناء: متشيلش هم يابني، أنا هروح لمرات عمك، هطلب من فضيلة فلوس وننقل مراتك مستشفى نضيفة يمكن ربنا يكتب لها عمر جديد. حامد بتوتر: لأ، بلاش عمي، مش عاوزين منه حاجة. ثناء بترقب: ليه، إنت طلبت منه فلوس؟ جلس حامد قائلاً بتعب: لأ، هو اللي كلمني، قالي هديلك الفلوس اللي تطلبها بس تتجوز ريم.

ضربت فاطيما على صدرها، بينما صاحت ثناء قائلة: جنازة لما تشيله. البت مكتوب كتابها وبتحب عريسها، لولا بس يا عيني اتاخد في الرجلين في قضية ملوش يد فيها. حامد: ما أنا رفضت يامه، هو أنا معقول أتجوز غير فاطيما؟ اقتربت فاطيما منه وكأنه يحتضنه لتهمس إليه عله يسمعها. روح لحضرة الظابط وليد، هيساعدك يا حامد ويمكن تقدر تطلع الواد جوز ريم. حامد بسعادة: أنا هروح للظابط وليد يامه. فكراه؟

ثناء: أه يابني، ده كان بيعز فاطيما أوي وجدع ابن حلال. حامد بغيرة: أه، بيعزها حبتين بس مضطر أروحله يمكن يساعدنا ونطلع الواد فادي، ده عيل أهبل ولا في السياسة ولا يعرفها من الأصل. ثناء: وماله يابني، ربنا بيجعل لكل شيء سبب. تحدثت بصوت شجي قائلة: يا حبيبتي يا فاطيما، حتى وإنتي غايبة بتنفعي غيرك يابنتي. يارب رجعهالنا بالسلامة. فاطيما: يارب يا ثناء، يارب. لأحسن أنا مش فاهمة أيتها حاجة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...