في تمام الساعة الثامنة مساءً، يدلف عمر بصحبة عهد إلى داخل عيادة الطبيب النفسي. طلبت منهما المساعدة الخاصة به الانتظار لدقائق فقط في صالة الانتظار. بعد مرور عشر دقائق، اصطحبتهم المساعدة إلى غرفة الطبيب. حيّاهم الطبيب ودعاهم إلى الجلوس. هتف عمر بتقديم: في الحقيقة يا دكتور، إحنا جايين محتاجين استشارتك في حالة أخويا لأنه فاقد الذاكرة. نظر له الطبيب بانتباه وتابع وهو يدون ما يسمعه منه في دفتره الخاص:
طيب، هو فاقد الذاكرة بقاله قد إيه؟ أسرعت عهد بحزن: من ٧ سنين. أردف الطبيب باستغراب: ياااااا، من ٧ سنين. ثم أكمل بتساؤل: طيب، وليه استنيتوا كل ده عليه؟ أردف عمر قائلاً بأسف:
للأسف يا دكتور، هو فقد الذاكرة نتيجة حادثة، وافتكرنا إنه مات، ورجعنا شوفناه بالصدفة من كام يوم واكتشفنا إنه لسه عايش بس مش فاكرنا ولا حتى متقبلنا في حياته، ومش عارفين نتعامل معاه إزاي، ولا حتى عارفين نعرف ولاده الصغيرين الحقيقة، وخصوصاً إنه مش متقبلهم، فالموضوع هيكون صعب عليهم جداً. أردفت عهد باستفسار: إحنا المفروض نعمل معاه إيه يا دكتور عشان نحاول نساعده يفتكر، وكمان عشان يرجع البيت لأنه رافض وجوده وسطنا؟
أجابها الطبيب بعملية: للأسف مش كل حالات فقدان الذاكرة بينفع معاها تدخل دوائي لأن ده بيرجع لطبيعة الحالة، بس ممكن نعوض ده بحاجات تانية كتير. تساءلت عهد بلهفة: زي إيه يا دكتور طيب؟ أجابها الطبيب بتوضيح: يعني شوية ڤيتامينات، أوميجا 3، التغذية السليمة، الرياضة والمشي. تفوه عمر بتساؤل: يعني ده هيرجع له الذاكرة يا دكتور؟ أجابه الطبيب بنفي:
لا طبعاً، ده هيساعده بس على أن ذاكرته تقوى، وتساعده كمان على أنه يستعيدها تاني، لكن مش أمر حتمي أنها ترجع. أردفت عهد بتخوف: هي ممكن مترجعش يا دكتور؟ أجابها الطبيب بعملية: وارد أنها مترجعش، ووارد كمان أنها ترجع، بس ده هنعرفه لما يخضع للفحص الطبي، لأن حالياً الحالة مبهمة بالنسبة ليكم وليا. نطقت عهد بتساؤل: طيب، المفروض نتعامل معاه إزاي الفترة الجاية يا دكتور؟ رد الطبيب بعملية:
الدعم النفسي والأسري ده أهم حاجة لازم تعملوها معاه الفترة الجاية. لازم كمان تعرضوا له صور، فيديوهات، أي حاجة ممكن تساعده أنه يكتشف نفسه الحقيقية، وأنه يكتشف أهله كمان. بس الأهم من كل ده أنكم متضغطوش عليه، يعني سيبوا له وقته، متحاولوش أنكم تكشفوا الحقايق كلها قدامه مرة واحدة عشان ميتعرضش لإغماءات أو نوبة. وممكن تحطوه في مواقف كان دايما بيتصرف فيها بطريقة معينة، وتشوفوا استجابته للموقف هتكون حسب تعوده ولا هيكون له رد فعل مختلف.
أردف عمر بتساؤل: طيب يا دكتور، لو هيأخد ڤيتامينات زي ما حضرتك بتقول، إزاي ممكن يأخدها من غير ما نعرفه؟ رد الطبيب موضحاً: ممكن تحطوا الدواء في أي عصير فريش ويشربه. تساءلت عهد قائلة: طيب يا دكتور، هو في أمل؟ أجابها الطبيب مبتسماً: طبعاً، الأمل موجود طول الوقت. تفوه عمر بامتنان: شكراً جداً يا دكتور، مش عارف أشكر حضرتك إزاي. أجابه الطبيب بعملية: الشكر لله، ده واجبي.
ثم حيّاهم الطبيب مصافحاً إياهم، وذهب عمر بعد ذلك بصحبة عهد في طريقهما إلى المنزل. في منزل صالح، يجلس عاصم بغرفته التي يقطن بها بداخل شقة صالح، يشعر وكأنه كالغريق، لا يعلم ما الذي يجب عليه فعله. أيقبل بالأمر الواقع وينضم لتلك العائلة التي من المفترض أنها عائلته، ويترك فرحه، الذي ائتمنه عليها صالح الذي كان بمثابة أب له؟
أم يرفض وجوده وسط تلك العائلة، وخصوصاً وسط المرأة التي تدعي زوجته، الذي يشعر تجاهها بمشاعر عدة لا يستطيع تسميتها، والتي بمجرد تذكرها فقط تدخل على قلبه مشاعر يختبرها لأول مرة، لم يشعر بها من قبل وخصوصاً طوال السبع سنوات الماضية، ولكنه حقاً يشعر بسعادة مفرطة، يحب هذا الشعور حقاً ولكنه يخشاه في آن واحد. لا يعلم أيترك نفسه لهذه المشاعر لتقوده نحو تلك العهد وأطفاله الذين لم يعلم عنهم شيئاً قط؟
أم يرفض كل ذلك ويظل هنا بداخل هذا الحي، وإلى جوار فرحه التي هي بمثابة العهدة بالنسبة له الذي تركها له والدها صالح؟ يتساءل ما إذا علمت عهد بوجود فرحه بحياته وأنها زوجته هي الأخرى، ماذا ستفعل؟ هل ستتقبل الأمر أم لا؟ لا يعلم لماذا يخشى لهذا الحد جرحها أو أن يكون سبباً في ألمها يوماً. لااااااا، لااااا، لا يريد ذلك، فهي حقاً ناعمة لا تتحمل مثل هذا الجرح، ومن المؤكد أنها لن تقبل ذلك على كرامتها.
يتساءل أهي تحبه حقاً أم لاااا؟ لحظة... لحظة... فهي كانت شديدة اللهفة عليه عندما رأته في ذلك اليوم بالمشفى، وعلى ما يبدو أنها تعيش على ذكراه كل هذه السنوات، مع عائلته. ابتسم بسعادة على أثر حديثه مع نفسه هذا، فهي من المؤكد أنها تحبه بل تعشقه. فاق من شروده هذا موبخاً نفسه قائلاً بحدة: إيه يا عاصم، أنت ما صدقت ولا إيه؟ لاااا، أنا متعرفهاش عشان تحس تجاهها بالحب ده. ثم تابع وكأنه يحاول إفاقة حاله: لااااا، أكيد ده مش حب.
فأكمل بتساؤل: بس أنا مش فاهم إيه اللي بيحصلي، ليه كل ما بفتكرها بحس بأحاسيس مش عارف أحددها ولا أسميها. وعند هذه النقطة، هز رأسه بعنف في محاولة منه لنفض تلك الأفكار عن رأسه. ثم استطرد بحدة موبخاً حاله: وبعدين يا عاصم. ثم تابع باستغراب من نطقه لهذا الاسم: إيه ده اللي أنا بقوله، هو أنا صدقت ولا إيه، أنا اسمي صابر. فذهب إلى فراشه بحزن على حاله، وتمدد ثم نظر إلى سقف الغرفة، وإذا به يجد صورتها أمامه، بل ملتصقة في مخيلته.
فتقلب في نومته إلى الجانب الآخر واضعاً الوسادة أعلى رأسه في محاولة منه لحجم رؤيتها، فهو يريد أن يتوقف عن التفكير بها. وبعد مرور ساعة، غاص عاصم في نوم عميق بعد معاناة كبيرة مع أفكاره ومشاعره المتخبطة. على الناحية الأخرى، تدخل عهد إلى غرفة صغارها هاتفة بحب: كتكيتى الحلوين، عاملين إيه؟ ردد الصغار بحب: الحمد لله يا مامى. ثم تابع عز الدين قائلاً: وحشتيني أوي يا مامى، ماشوفتكيش طول النهار. أردفت عهد بحب وهي
تضع قبلة حانية على وجنته: أنت وحشتني أكتر أنت وإخواتك. ثم أكملت بحب: كان ورايا شغل كتير أوي النهاردة، خلصته وجيت جري عليكم. ثم وجهت حديثها إلى الصغار قائلة بحماس: أنا عندي ليكم حتة مفاجأة. هلل الصغار في سعادة ثم أردف زين الدين بتساؤل: إيه هي يا مامى؟ قولى بسرعة. أردفت عهد بحب وهي تعبث بشعر صغيرتها: بابي موجود وهييجي يعيش معانا قريب. نظرت لها ليا باستغراب هتفت بتشتت وتوهان: إزاي يا مامى؟ هو مش بابي راح عند ربنا؟
ونانا قالتلي إن اللي بيروح عند ربنا مش بيرجع تاني. أردفت عهد بحب ممزوج بسعادة: لا يا حبيبتي، إحنا كنا مفكرين بابي راح عند ربنا، بس عرفنا امبارح إن بابي لسه موجود ومراحش عند ربنا. نظر عز بتساؤل: طب هو مجاش معاكي ليه يا مامى عشان نشوفه؟ عهد وهي تهم باحتضانه: هيجي يا حبيبي وهتشوفوه، بس الأول أنا عاوزة أقول ليكم على حاجة مهمة. أردفت ليا بنبرة محببة: قولي يا مامى. أجابتها عهد بتوضيح:
بابي عنده مشكلة صغننة، وهي أنه مش هيقدر يفتكرنا. هتف زين بتساؤل: يعني إيه يا مامى؟ يعني بابي مش عارفنا ولا عارف إننا موجودين؟ أجابته عهد بحيرة في لا تعلم بماذا تجيب على صغارها، فأردفت قائلة: لا يا حبيبي، بابا عارفنا، بس هو تعبان الفترة دي ومش هيقدر يفتكرنا أو يتعامل معانا زي ما إحنا عاوزين، فإحنا المفروض نحاول نبين له أننا بنحبه وأننا فاكرينه عشان هو كمان يفتكرنا. أجابتها الصغيرة ليا بحزن: يعني إيه يا مامى؟
يعني بابي مش بيحبنا؟ صاحت عهد نافية: لا يا حبيبتي، مين قال كده؟ بابي بيحبكم أوي، بس زي ما قولتلكم هو تعبان شوية، وإحنا هنحاول نساعده عشان يخف ويفتكرنا. ثم أكملت بحماس: هااا، اتفقنا؟ هتف الصغار في سعادة: اتفقنا. ثم جذبتهم عهد إلى أحضانها قائلة بحب: مين هينام جنبي انهاردة؟ أردف الصغار في نفس الصوت: أنااااا. فابتسمت عهد بحب ورددت: طب يلا بينا على أوضتي بسرعة.
وبالفعل انطلق الصغار بصحبة والدتهم إلى غرفتها للنوم معها وهم في حماس شديد وفرحة، فها هو والدهم الذي تمنوا دوماً وجوده إلى جوارهم قد عاد بعد أن ظنوا جميعاً بأنهم لن يروه قط. وفي صباح اليوم التالي، يستيقظ عاصم من نومه، يشعر بصداع قوي يكاد يفتك برأسه. فرفع يديه واضعاً إياهما أعلى رأسه ضاغطاً بأصابعه على جبهته في محاولة منه لتقليل الألم. ثم اعتدل في جلسته و قام بخطى بطيئة واتجه يفتح باب الغرفة.
فوجد فرحه جالسة تشاهد التلفاز. وما أن رأته حتى هبت واقفة مردفة بحب: حبيبي، أحضرلك الفطار؟ أجابها عاصم برفض: لا يا فرحة، مش جعان. ثم أضاف وهو يرفع يديه إلى جبهته: معندكيش أي مسكن يا فرحة، عندي صداع هيفتك دماغي. أردفت فرحه بحزن على ألمه: ألف سلامة عليك يا صابر، ثواني وهجبلك المسكن، بس لازم تأكل الأول، مينفعش تأخده على معدة فاضية. هز عاصم رأسه في رفض وأكمل: ماليش نفس والله يا فرحة، مش جعان. أردفت فرحه باستنكار:
لا مينفعش، لازم تأكل قبل المسكن. ثم واصلت بحب: ثواني والأكل هيكون جاهز. وبالفعل ذهبت فرحه إلى المطبخ، وبعد مرور خمس دقائق كانت قد انتهت من إعداد الفطور ووضعته على السفرة. وبدأ عاصم بتناول الطعام، ثم أخذ بعد ذلك المسكن. وبعد مرور نصف ساعة، حضرت فرحه ومعها كوب قهوة ليساعده على التخلص من الصداع. وتفوّهت بحب: عملتلك كوباية قهوة مظبوط عشان تعدل دماغك. ثم أكملت بتساؤل: هااا، حاسس أنك بقيت أحسن بعد ما أخدت المسكن؟ أجابها
عاصم وهو يومئ برأسه: آه، الحمد لله قلل الوجع شوية. جاءت فرحه أن تنطق، ولكن صوت الطرق على الباب أسكتها. فاستطرد عاصم بتساؤل ممزوج باستغراب: مين هيكون جاي لينا الصبح كده؟ أردفت فرحه باستغراب هي الأخرى: مش عارفة. ثم تابعت وهي تتجه باتجاه الباب قائلة: هروح أشوف مين. وما أن فتحت الباب حتى وجدت امرأة غاية في الجمال والرقي. لقد تعرفت عليها منذ الوهلة الأولى، فهذه المرأة هي الفنانة الشهيرة (عهد المغربي)
التي دوماً كانت تتابع أفلامها ومسلسلاتها، وكانت دائماً ما تشتري الكتب خصتها. ولكنها لا تعلم لماذا حضرت إلى هنا، ومن هو ذلك الشخص الذي يقف خلفها، وتلك السيدة الكبيرة التي تقف إلى جوارها ويبدو عليها الوقار. فاقت من تأملها إياهم على صوت عمر المردف بتساؤل: هو ده منزل أستاذ صابر؟ أومات فرحه برأسها بذهول قائلة: أيوه، ده بيته. ثم أكملت بتساؤل هي الأخرى لا يخلو من الاستغراب والشك في آن واحد: حضرتكم مين، وعاوزينه في إيه؟
أردفت عهد بابتسامة: إحنا أهله، أنا عهد المغربي مراته وده أخوه ووالدته. شعرت فرحه وكأن الأرض تسحب من تحت قدمها وكأن هناك دلو ماء بارد قد سقط عليها، تشعر بالاختناق. أيعقل أن هذه المرأة الجميلة هي زوجته؟ أيعقل أن هؤلاء عائلته؟ أيعقل أنه سيتركها ويذهب معهم؟ هذه اللحظة تخشاها منذ أن أخبرها بحقيقة الأمر. فاقت من شرودها على صوت عاصم الذي جاء على أثر غيابها، فهي قد استغرقت وقتاً طويلاً حقاً في فتح الباب.
وما أن اقترب عاصم من الباب وفرحه الواقفة، حتى شعر بزلزال زلزل كيانه عندما وقعت عيناه على فاتنته. فاستطرد بصدمة: اتفضلوا. أول من دلف كانت سمية متفوهة بحب: إزيك يا عاصم؟ نظر إليها عاصم نظرات مبهمة لا يعرف ما الذي يجب عليه فعله الآن. فهو بموقف لا يحسد عليه، فهذه السيدة الوقورة من المفترض أنها والدته ولكن لا يتذكرها ولا يعلم كيف له أن يتعامل معها.
فهو يشعر بالألفة تجاهها ولكن في الوقت نفسه يجهلهم جميعاً ولا يعرف كيف كان يتعامل معهم في الماضي، وكيف كانت طبيعة حياته معهم. فأردف بتردد: الحمد لله. وهنا هتفت عهد بحب وابتسامة مشرقة: عامل إيه النهارده يا عاصم؟ نظر لها عاصم شارداً في ابتسامتها هذه.
تمر أمامه لقطات ومشاهد عدة لامرأة جميلة تبتسم مثل تلك الابتسامة الخاطفة للأنفاس، ولكن ما زال يجهل هويتها رغم شعوره القوي بأنها هي تلك الفتاة، إلا أنه يحاول مراراً وتكراراً أن يتجاهل هذا الشعور فهو لا يريد التعلق بها. وعند هذه النقطة تابع باقتضاب: الحمد لله. فأردف عمر بحب خالص: إحنا جينا النهارده نطمن عليك يا عاصم وعاوزين نتكلم معاك في موضوع مهم. هتف عاصم وهو يزيح حاله من أمام الباب:
طب اتفضلوا، أكيد مش هنتكلم عالباب كده. وبالفعل دلف الجميع إلى غرفة الاستقبال الذي يوجد بداخلها بعض الأثاث البسيط المتهالك. ثم أردف موجهاً حديثه إلى فرحه التي لا تزال واقفة تحت تأثير الصدمة لم تنطق بعد بنصف كلمة: فرحة، شوفي الضيوف تشرب إيه. وهنا استطردت فرحه وهي لا تزال في صدمتها: تحبوا تشربوا إيه؟ أردفت سمية باحترام: مفيش داعي يا بنتي، شكراً. فهتف عاصم قائلاً: خلاص يا فرحة، اعملي شاى.
وبالفعل ذهبت فرحه إلى المطبخ لإعداد الشاي وفي رأسها العديد من الأسئلة التي تخشى الإجابة عليها. فاستطردت سمية بحب: أنا جيت النهارده ليك يا عاصم، عشان أشوفك وأقولك أنك لازم ترجع بيتك يا ابني وسط أهلك ومراتك وولادك. تابع عمر قائلاً هو الآخر: صدقني يا عاصم، بابا هيتحنن عشان يشوفوك، ولولا ظروفه الصحية، كان زمانه دلوقتي معانا هنا. فأردفت عهد بعشق: والولاد كمان يا عاصم، من ساعة ما عرفوا بوجودك وهما هيموتوا ويشوفوك.
صاح عاصم بحدة: يعني أنتم تاعبين نفسكم، وجايين لحد هنا عشان تاخدوني أعيش معاكم؟ أردفت سمية بحب: أيوه يا حبيبي، أنت لازم ترجع تعيش وسطنا تاني، لازم ترجع تنور بيتك يا ابني. زفر عاصم بانفعال: يبقى بتحلموا، أنا استحالة أسيب حياتي وأسيب شغلي وكل حاجة وأرجع أعيش حياة أنا مش عارف عنها حاجة. رددت عهد بلهفة:
صدقني يا عاصم، أنت مكانك مش هنا خالص، أنت مكانك وسطنا زي ماما ما قالت، وشغلك في شركة والدك زي زمان. صدقني إحنا كلنا معاك لحد ما ترجع تفتكر كل حاجة تاني ولحد ما تتقبل وجودنا في حياتك. أنا عارفة إن اللي إحنا بنقوله ده صعب جداً عليك. فتابعت بترجّي:
أرجوك حاول، حاول عشان خاطر نفسك، وعشان خاطر باباك اللي من يوم فراقك وهو راقد على كرسي متحرك مش قادر يمشي على رجليه وكل مناه في الدنيا إنه يشوفوك تاني، حاول عشان خاطر ولادك يا عاصم اللي عمرهم ما شافوا باباهم ومعرفوش عنه غير قصص وحكاوى بنحكيها ليهم عشان نصبرهم على فراقك. أرجوك يا عاصم، إحنا حياتنا كانت صعبة أوي السنين اللي فاتت، فمتصعبهاش علينا أكتر من فضلك. أردف عمر بترجّي هو الآخر:
عاصم، صدقني أنت الأمل الوحيد يا عاصم في إن بابا ممكن يرجع يمشي على رجليه تاني لأن العجز اللي عنده نفسي مش عضوي، وكمان ولادك من حقهم إن يكون ليهم أب زي باقي أصحابهم. أرجوك فكر بعقلك يا عاصم. وعلى الجانب الآخر، يقف عاصم متأثراً بحديثهم بشدة. فعلى ما يبدو أنهم جميعاً قد عانوا في السنوات الماضية، ولم تكن المعاناة من نصيبه هو فقط. فأردفت سمية بترجّي:
أرجوك يا عاصم، متوجعش قلبي عليك يا حبيبي أكتر من كده، كفاية قهرة قلبي عليك السنين اللي فاتت دي كلها. فنظر لهم عاصم في حيرة ثم هتف بتردد: بس أنا مش هقدر أسيب فرحة لوحدها هنا، وأجي أعيش معاكم. نظرت له سمية بفرحة، فعلى ما يبدو أن ولدها على وشك أن يوافق على المكوث معهم. فتساءلت بنبرة مستفهمة: مين فرحة دي؟ وهنا أتاهم صوت فرحه الهاتف بقوة وكأنها بداخل حرب وليس مجرد سؤال طرحته تلك السيدة الراقية: أنا فرحة مراته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!