أردف عمر قائلاً برزانة: من ٩ سنين و يمكن أكتر ، حضرت حفلة رجال أعمال يا عاصم و هناك قبلت عهد و برغم أنها بعيده عن مجالنا و شغلنا إلا أنها كانت موجوده فى الحفلة بحكم أن والدها رجل أعمال مشهور. أردف عاصم بغرابة قائلاً: أزاى بعيده عن المجال ، و أزاى هى رئيسة مجلس الإدارة دلوقتى. نطق عمر بهدوء:
هفهمك أهو ، عهد كاتبة و ممثلة مشهورة جداً ، و لما أنت قبلتها فى الحفلة أنبهرت بيها ، و حبيتها أوى ، و هى كمان حبيتك أوى ، ساعتها صممت تتجوزها عهد ، و طبعاً بابا و ماما رفضوا الموضوع جامد و دخلت فى مشاكل كتير معاهم ، لأنهم رافضين عهد لأنها من وسط فاسد هى و عيلتها من وجهه نظر بابا و ماما ، و مينفعش أنها تكون زوجة ليك و لا أم لولادك ، أنت وقتها كنت مصر على قرارك لحد ما بابا و ماما بعد ضغط كبير منك وافقوا على جوازكم ، و
اتجوزته و الحق يتقال يا عاصم كانت أحلى سنة فى عمرك و ده كان كلامك أنت اللى كنت بتقوله دايما فى أى قعدة ، و لكن خلال السنة دى ربنا ما أردش أنكم تخلفوا ، ساعتها روحتوا لدكاترة كتير أوى و كلهم قالوا أن الموضوع مسأله وقت و أن مفيش حاجه تمنع الخلفة.
ثم سكت للحظات يستجمع ما سيقوله بعد ذلك. فتحدث عاصم بترقب فقلبه يحثه على أن القادم سيكون صدمة أخرى له: كمل سكت ليه. ظفر عمر بعد أن أخذ نفسا عميقا: من هنا المشاكل بدءت و ساعتها ماما و بابا مقدروش يستنوا لحد ما ربنا يأذن بالخلفة ، و غصبوا عليك تتجوز غيرها و إلا هيغضبوا عليك ليوم الدين. فأكمل عاصم بصدمة و كأن الدماء سحبت من عروقه: لاااا متقولش يا عمر. ثم هز رأسه قائلاً بصدمه: اتجوزت عليها. أردف عمر قائلاً بأسف:
للأسف يا عاصم أتجوز فعلاً. ثم أكمل بتساؤل قائلاً: عارف أتجوزت مين. هز عاصم رأسه دلاله على عدم معرفته و هو لايزال تحت صدمته ، فتابع عمر حديثه بأسف: أتجوزت بنت صاحبه ماما ، اللى كانت دايما بتكره عهد ، و بتحاول بكل الطرق أنها تشعلل غيرتها عليك كل ما تتيح ليها الفرصة. أردف عاصم بتوهان و هو يهز رأسه فى صدمه مرددا: مش معقول. ردد عمر بقلق على أخية: عاصم أنا شايف نكمل كلام بعدين لأن أنت شكلك تعبان و مش عاوز اضغط عليك.
صاح عاصم ببعض الحدة: و هفضل تعبان لحد ما أعرف كل حاجه. ثم أكمل بترجى: أرجوك كمل يا عمر من فضلك. وافق عمر على مضض و بدء يكمل حديثه قائلاً:
عهد عرفت بإنك هتتجوز يوم فرحك ، عن طريق رسالة وصلت ليها على التليفون ، و جت فعلاً لحد البيت و شافتك و أنت بتكتب كتابك على ميرا ، اتصدمت فيك جامد و اتوجعت أوى ساعتها أنت حاولت تتكلم معاها و تفهمها بس هى رفضت و راحت على بيت أهلها ، و بمجرد ما وصلت وقعت من طولها و حصل لها إنهيار عصبى و الدكتور بلغ أهلها أنها حامل ، طبعاً محدش فينا عرف بالخبر ده خالص و قعدت فترة فى بيت أهلها حاولت أنت خلال الفترة دى أنك تتواصل معاها بشتى
الطرق و لكنها كانت رافضة الكلام معاك نهائى ، لحد ما فيوم عمو هشام باباها كلمك و أتفق معاك أنك تطلقها ، و أنت وافقت بعد ألحاح كبير من الكل أنك تطلقها ، و اليوم اللى المفروض يحصل فى الطلاق ، المأذون كان موجود و كل حاجه كانت جاهزة ، أنت محضرتش ، الكل فكر أنك مش هطلقها عشان كده مروحتش ، لكن اللى حصل أنك عملت الحادثة و أنت رايح و قالوا أن جثتك اتفحمت مع العربية و مت ، ساعتها شريف هو اللى عرفنا الخبر و بابا مستحملش وقع من
طوله و من ساعتها و هو راقد كده ، و عهد أول ما عرفت بالخبر قلبها مستحملش و جالها ذبحة صدرية و قضت معظم فترة الحمل فى المستشفى ، فى الوقت ده ميرا أختفت تماماً بعد ما عرفت خبر إفلاسنا لأن الحادثة دى كانت مدبرة من عدو لشركتنا ، عشان يأخد المناقص اللى ورقها كان موجود معاك أنت ، و بعد ٧ شهور بالظبط عهد خلفت جابت زين الدين و ليا ، و يشاء القدر أن ميرا هى كمان تكون حامل و تخلف هى كمان بس بعد ٧ شهور مش ٩ ، جت هنا و رمت لينا
عز و هو عمره أيام ، ساعتها بابا قرر أنه يتسجل بأسم عهد و فعلاً عهد حبته جدا و رحبت بالموضوع و سميته عز الدين و أعتبرته أبنها فعلاً زى زين و ليا ، و هو كمان لحد الآن مدرك أن عهد مامته و أنه تؤام لزين و ليا و عهد مقصرتش معاه نهائى ، حبته و عطفت عليه كأنه إبنها و أكتر و بقا كل خوفها فى الحياة أن ميرا تظهر من جديد و تطالب بإبنها ، ساعتها هى مش هتستحمل أنه يبعد عنها ولا حتى عز هيستحمل أنه يبعد عن عهد لأنه متعلق بيها جداً
، طبعاً لما بابا و ماما عرفوا بخبر وفاتك ، قربوا من عهد و حبوها بجد من قلبهم لأنهم كانوا عارفين أنت بتحبها قد إيه ، و عهد كمان مقصرتش ، عملت كل اللى تقدر عليه مع بابا و ماما حاولت بكل قوتها أنها تعوضهم عن غيابك و تبرهم زى ما كنت أنت بتعمل طول حياتك ، وقفت معانا و بقت شريكة لينا فى كل حاجه حتى البيت بعد ما حجزوا عليه قعدنا فترة فى بيت أهلها لحد ما رجعنا و وقفنا على رجلينا من جديد و اشترينا البيت ده ، و لو عايز الحق ،
فالمفروض يكون كل ده ملك لعهد فى الأساس مش لينا أحنا ، بس هى بأصلها و معدنها الطيب وقفت جمب بابا و وقفت أسم الأسيوطى على رجليه من جديد و رجعنا سيطرنا عالأقتصاد ففترة قصيرة جداً و الفضل كله يرجع لربنا سبحانة و تعالى و لعهد فى كل اللى أحنا وصلنا له دلوقتى ، و بعد ما كان الوسط اللى هى منه من وجهه نظر بابا و ماما وسط فاسد ، بقا بالنسبة ليهم طوق النجاة اللى أنقذهم من الغرق على أخر لحظة ، و عهد كمان بقت بالنسبة ليهم فى
غلاوة أميرة و أمينة و يمكن أكتر كمان ، لأن اللى عملته مع العيلة دى مش هين ولا حتى قليل عهد عملت كتير أوى عشان إسم العيلة يفضل ، و صانت إسمك يا عاصم و حفظت عليه ، لحد ما فيوم ليا أصرت على أنها تروح حفلة عيد ميلاد لصاحبتها ، عهد رفضت لأن كان عندنا ضغط شغل ، لكن بابا هو اللى قال لعهد توافق على شرط أن ليا متتأخرش و فعلاً ليا راحت العيد ميلاد ، و لكن و هى راجعه كان عم إبراهيم فى البنزينة بيفول العربية ، و هى ساعتها شافت
قطة محشورة بين عربيتين فنزلت تساعدها ، فطلعت قدامك فجأة و خبطها و روحت بيها المستشفى ساعتها شوفناك و الباقى أنت عارفة يا عاصم.
ثم أنهى حديثه مستنشقا نفسا عميقا ، فهو يشعر بأن كان هناك حملا على صدره و قد زاح بحديثه هذا مع عاصم.
كل ذلك و عاصم مصدوما ، يجلس و كأنه تمثال من حجر ، من يراه لا يستطيع تحديد أهو مصدوما أم موجعا أم حزينا ، فملامحه غير مفهومه ، مبهمه بالنسبة لمن يراه ، يشعر و كأن الأرض تسير من تحت قدميه ، يشعر بدوار يخبط رأسه لا يستطيع الفرار منه فأرجع رأسه للخلف فى محاولة منه للسيطرة على رأسه ثم أغمض عينيه لبضع ثوان ، لا يستطيع تصديق ما فعله بها ، أيعقل أنه فعل بها نفس شئ مرتان ؟ أيعقل أنه جرحها بهذا الشكل مرتان ؟
لا يستطيع تصديق ما فعله ، فالعاشق حقا لا يخون ، لا يغدر ، لا يطعن معشوقة فى صميم قلبه ، هل هأنت عليه قديما ليفعل بها تلك الفلة الشنيعة من وجهه نظره ، لا يعلم كيف يستطيع عاشق أن يخون معشوقه و دعس كرامته مثلما فعل هو ، بدء يشك بالأساس فى حبه لها ، فليس من المنطق أن يفعل بها كل ذلك هو يعشقها لا تعقل... و ليس من العدل أيضاً أن يفعل ما فعله بها مرتان...
يشعر بمدى حقارته ، يتسأل كيف له أن يتزوج غيرها رغم حبه لها ، كيف له أن يلمس امرأه أخرى و هو يحبها بل يعشقها ، كيف له أن يوافق يوماً على تركها و قهرها بهذا الشكل ، كيف لأم أن تترك ضناها مثلما فعلت تلك الحقيرة المدعية بميرا ، كيف أن تتقبل عهد ولده من أخرى و تتعامل معه بكل ذلك الحب فهو لم يشك لوهلة بأنها ليست والدته ، فطوال الوقت يرأها تغدق عليه بالحب و الحنان مثلما تفعل أى أم مع إبنها .. كيف لها أن تفعل كل ذلك بكل هذا الحب بعدما فعله بها...
كيف و كيف و كيف.... فاق من دوامته هذه على صوت عمر قائلاً بنبرة قلقه للغاية: عاصم أنت كويس. عاصم لا رد... فهز عمر عاصم فى ذراعه بقلق: عاصم رد عليا أرجوك أنت كويس. ثم تابع بلهفة: أطلب ليك دكتور. أردف عاصم بتوهان: أنا كويس ، كويس أوى. ثم نظر إليه بتوهان و تخبط: أنا هطلع أوضتى استريح شوية.
ثم قام بالفعل هو متخبطا لا يستطيع ضبط توازنه ، قطرات الماء تسيل من أعلى جبينه من شده تعرقه ، فعلى ما يبدو أنه كان بسباق ركض و لكنه بالحقيقة كان بسباق من نوعاً الآخر ، سباق ملئ بالصراعات و المعارك الدائرة بينه و بين ذكرياته ، فهم عمر بأسناده فنزع عاصم يديه من بين يدى عمر قائلاً بحده: متلمسنيش ، أنا كويس قولت.
ثم سار باتجاه الباب و خرج من الغرفة فى اتجاه غرفته ، و ما أن وصل إلى غرفته و أغلق الباب خلفه ، حتى ذهب إلى التسريحة الخاصة به و رمى بجميع ما عليها بالأرض ، ثم دلف إلى المرحاض الخاص به و قام بفتح صنبور الماء و وقف أسفله بملابسه ، ينظر إلى الحائط أسفل الماء ، دموعه تسيل أعلى وجنتيه معلنه عن مدى وجعه الذى يشعر به و بمدى حزنه الكأمن بقلبه ، فهو يتألم ، نعم يتألم..دموعه تسيل و تسيل ، يشعر بأن أنفاسه ستنقطع من شدة انفعاله
، و كأن قلبه سيتوقف عن العمل فى هذه اللحظة من فرط الألم الذى يفتك به ، فهو لم يكن يوماً مريضا أو يعانى من أمراض القلب ، و لكن ما يشعر به الآن هو ألم نفسى ، و هذا أصعب ألم ممكن أن يشعر به المرء طيلة حياته ، يشعر و كأنه يموت من فرط الألم حقا ، و عندما تفاقم الألم بداخله كور يديه ثم ظل يضرب بها الحائط فى محاولة منه لتخريج هذه الشحنات التى من المؤكد بأنها ستقضى عليه ، ثم أطلق صرخه مكتومة لا يستطيع أحد سماعها فهو كان حريص
على ذلك كما أنه أسفل الماء ، ظل يلكم الحائط بيديه حتى انجرحت يداه من شدة اللكم ، و لكنه تفاجئ بباب المرحاض ينفتح و إذا به يلتفت و يجد عهد أمام عيونه ، أخر شخص توقع أن يراه الآن ، فهى كانت تمر من أمام غرفته بالصدفة ذاهبة إلى غرفتها و إذا بها تستمع إلى صوت قوى لا تستطيع تحديد ماهيته يأتى من غرفة عاصم ، تشعرت بالقلق يساورها ، فأندفعت باتجاه غرفته بلهفة دون تفكير ، و إذا بها تقترب من باب المرحاض و تستمع بوضوح إلى صرخه
حبيبها المكتومة ففتحت الباب بلهفة و خوف حقيقى و أقترب منه ثم سحبت يداه من تحت الماء لترى ما بها فالدماء
تدفق منها بشده قائله بفزع: عاصم إيه ده ، مالك فى إيه.
كل ذلك و هو ينظر إليها نظرات ساكنه على عكس ما كان به منذ لحظات ، ينظر لها بمنظور جديد و كأنه يراها لأول مرة ، نعم فهو الآن يراها بعين المحب ، العاشق ، فهو منذ أن علم بأنها زوجته و هو يجاهد شعوره هذا تجاهها ، و لكنه اليوم بمعرفته ما فعله بها و ما فعلته هى بدورها ، و هو يشعر بمشاعر حب بل عشق جارفة تجاهها ، فهو الآن يكاد يجزم بأنه يميت بها عشقا ، يشعر و كأن مكانتها زادت فى نظره ، و بالمقابل يشعر بالحقارة تجاه نفسه ، فكيف هانت يوما عليه ، فمن وجهه نظره أنه لا يوجد رجل بالعالم يهون عليه امرأه حبها يوماً ، فكيف لها أن تهون عليه هكذا ، كيف له أن يفعل ذلك بها ، فاق من شروده هذا على صوتها العذب
و هى تقول بنبرة حانية: عاصم ، إيدك مالها رد عليا. عاصم لا رد.... و لكنه مستمر بالنظر إليها ، فقامت هى بسحبه من يديه الأخرى ثم أجلسته على المرحاض و اتجهت إلى الرف الخاص بالإسعافات الأولية و جذبت منه معقم الجروح و الرباط الطبى الأبيض ، ثم عادت إليه و بدءت فى تنظيف جرحه تحت نظراته العاشقة ، و المشفقة فى آن واحد ، يتابع كل تحركاتها ، ينظر إليها بحب شديد لا يعلم سببه ، و لكنه لايزال يشعر بالحب و الصدمه ، فرفعت عهد عينيها
إليه ثم همست بنبرة حانية: أنا كده عقمت ليك الجرح و لفيته ، هسيبك تغير هدومك و ترتاح شوية.
فهم أن ترحل و تتركه إلا أنه نهض و اجتذبها مسرعا من معصمها مقربا إياها من أحضانة ، فردت عهد إلى أحضانة بعنف ، ثم رفعت عيناه و همت أن تردف بانفعال و عصبية إلا أن عيونها ألتقت بعيونه ، و شعرت بأن الزمن قد توقف بها ، شردت بداخل عيونه و تذكرت أياما جميلة مضت و هى بداخل أحضانة فبدءت ملامح وجهها بالين ، و على الجانب الآخر ، شعر عاصم برغبه قوية بالأقتراب منها و سحقها إلى داخل أحضانة و ما أن أقترب منها يهم بأحتضانها حتى اشتم
رائحتها و آااااه من رائحتها و كأنه مادة مخدرة تسللت إلى أنفه شعر بنشوة رهيبة تتسلل إلى جسده محدثه قشعريرة لذيدة ، و هنا فاقت عهد من شرودها فى بحر عيناه و ابعدته بيديها ثم انطلقت تركض باتجاه غرفتها ، تاركها عاصم خلفها يتأكل من شوقه و نيران حبه ، و لكنه لايزال متخبطا فرق بيديه جبهته ثم أردف موبخا حاله قائلاً بضيق
هو يسير بيديه أعلى خصلاته: مكانش ينفع اللى أنا عملته ده ، مكانش لازم أعمل كده ، أنا لازم أحدد مشاعرى ، و أعرف مشاعرى ده بناءا على ايه ، و هل هى مشاعر حب فعلاً ، و لا مشاعر عرفان بالجميل اللى عملته. نفض رأسه سريعا ثم أكمل حديثه برقض و أستنكار: إستحالة تكون مشاعر جميل أو رد معروف لأن لو دى مشاعرى فعلاً كنت هحس كده تجاه فرحه ، لكن لا أنا شكلى بحبها فعلاً.
فهز رأسه قائله مره أخرى ، بس برضو لا يمكن أكون بحبها إستحالة أكون كنت بحبها و أعمل فيها كل ده ، مش منطقى. ثم تابع بضياع: يارب أنا تايهه و مش عارف المفروض أعمل ايه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!