ركضت عهد مسرعة إلى غرفتها، وما أن دلفت من باب الغرفة حتى أغلقت خلفها، وأسندت بظهرها عليه، ثم رفعت يديها واضعة إياها أعلى قلبها في محاولة منها لتهدئة دقاته. ثم مسحت بيديها الأخرى وجهها، لا تستطيع تحمل كل تلك المشاعر، لا تستطيع تحمل اقترابه منها إلى هذا الحد.
هبطت دمعة ساخنة من عينيها، ثم أسرعت ماسحة إياها، فهي لا تريد أن تضعف أو حتى تتأثر بكل ما يفعله الآن. فهو لا يزال متخبطاً لا يستطيع معرفة ما يريد، حتى أنه ليس في استطاعته أن يتذكرها. معركة؟ نعم! فهي معركة حقاً، تخوضها منذ أن علمت بعودته وأنه ما زال على قيد الحياة. معركة تخوضها ليس فقط بينها وبين عاصم، ولكنها بينها وبين حالها، فهي في حرب دائرة مع ذاتها طوال الوقت لا تستطيع الفرار منها. تنهدت
تنهيدة مسموعة وظفرت بتأوه: آاااااه. ثم ضغطت بيديها الموضعتين أعلى قلبها وأردفت بوجع قائلة: يااااارب أنا تعبت يارب، يارب لو في ذنب أنا عملته واقف قصاد راحتي وسعادتي فأغفره ليا يارب. فأكملت بحزن دافين قائلة: أنا بموت كل ثانية بشوفه واقف فيها قصادي ومش قادرة أضمه أو أخده في حضني حتى، مش قادرة أنطق اسمه. فهبطت
دموعها بغزارة وأكملت: يارب لو أنت بتختبر صبري يارب ف أنا صبرت سنين كتير أوي وخلاص مش قادرة. أنا مش ناقمة يارب على عيشتي ولا حتى زعلانة لأني واثقة فيك وفي رحمتك بس أنا تعبت والله تعبت. ثم رفعت يديها الاثنتين وخبأت وجهها خلفهم وأجهشت في بكاء مرير. وبعد مرور لحظات فاقت من نوبة بكاءها هذه على صوت طرقات على باب غرفتها فقالت وهي تمسح دموعها بظهر يديها مسرعة: مين؟
أجابتها الخادمة باحترام: أنا عايدة يا عهد هانم، ست لؤلؤ تحت وعايزاكي. فأجابتها عهد وهي تحاول ضبط أنفاسها: عشر دقايق وهكون تحت. انصرفت الخادمة، ثم قامت عهد بترتيب ملابسها وذهبت إلى التسريحة الخاصة بها ووضعت بعض مساحيق التجميل لتداري بها وجهها الذي تكسوه الحمرة بسبب بكاءها المرير. وبالفعل هبطت عهد إلى الأسفل، وما أن رأت لؤلؤ حتى اقتربت منها محتضنة إياها بحب قائلة: وحشتيني، كده برضه تسبيني كل ده؟ فأجابتها
لؤلؤ قائلة بحب هي الأخرى: أنتي أكتر والله، بس أنتي عارفة بابا الفترة اللي فاتت كان السكر عالي عليه شوية وكان المفروض أكون جنبه ومينفعش أسيبه لوحده. أردفت عهد بنبرة حانية: طب وعمو نجيب عامل إيه دلوقتي بقا أحسن؟ أجابتها لؤلؤ بتطمين: الحمدلله بقى أحسن كتير. ثم أكملت بحماس: بكرة أول انترفيو ليكي بعد غياب فترة طويلة عن الميديا. أومأت عهد برأسها ثم قالت بحماس منطفئ: فعلاً بعد غياب سنين.
سكتت للحظات وأكملت بشرود: عمري ما كنت أتخيل إني هسيب الفن والتمثيل اللي كانوا بيجروا في دمي، عشان اقتصاد وتجارة. أنا كنت بزوغ من حصة الماث وأنا صغيرة بسبب الأرقام والحسابات لأنهم كانوا عقدتي. ابتسمت لؤلؤ
بفخر ثم نطقت بحب خالص: بس انهارده أنتي بقيتي علامة من علامات الاقتصاد في مصر والوطن العربي كله. ثم أكملت وكأنها تذكرت شيئاً هام، وبرغم كل اللي مريتي بيه وبعدك عن الميديا، أنك فضلتِ تكتبِ وعملتِ 3 كتب من أنجح الكتب في مسيرتك الأدبية خلال الخمس سنين اللي فاتوا. أجابتها عهد بحب: يا بكاشة.
ابتسمت لؤلؤ بحب: لا والله دي حقيقة فعلاً، أنتي عمرك ما فشلتي يا عهد، ولا حتى قصرتِ في أي حاجة عملتيها وأنا فخورة بيكي وعارفة ومتأكدة إنك مهما كان هتكوني هيكون النجاح حليفك. ثم أكملت بتساؤل: أنتي عاملة إيه مع عاصم صحيح، وإزاي متقبلة وجوده وسطكم؟ أجابتها عهد بابتسامة سخرية: متقبل وجوده وسطنا.
ثم أكملت بتصحيح: أنتي عارفة يا لؤلؤ ده بيتعامل معانا وكأننا قاتلين له قتيل، مش متقبل وجود حد خالص غير بابا غريب والولاد، وأي حد يكلمه بيرد عليه بالعافية ده لو رد حتى. نظرت لها لؤلؤ بأسف ثم قالت بتهوين: أنا عارفة ده قد إيه صعب عليكي، وعلى كل اللي في البيت، بس أنا واثقة إنه حاسس بيكم وبحبكم، لأن لو مش حاسس بالحب نحيتكم عمره ما كان وافق إنه يرجع وسطكم تاني. رفعت عهد يديها تفرك أعلى جبهتها في حركة دائرية في محاولة
منها لتخفيف الضغط عليها: والله يا لؤلؤ أنا تعبت خلاص ومش قادرة أتحمل وجوده قصادي كده. ثم أكملت بحسرة: تصوري ده راجع ومعاه واحدة وبيقول إنها مراته وقاعدة معانا هنا كمان. وضعت لؤلؤ يديها أعلى صدرها في صدمة مرددة بذهول: مراته؟ فأكملت بعدم تصديق: وقاعدة معاكم كمان في البيت؟ أنتي أكيد بتهزري صح؟ لاااا ده أنا فاتني كتير أوي اليومين اللي فاتوا. هزت عهد
رأسها بحزن ثم نطقت بمرارة: عمري في حياتي ما كنت أتخيل إني هعيش الوجع ده مرتين، بس الفرق الوحيد إن المرة دي بإرادتي عكس المرة اللي فاتت. ربتت لؤلؤ على يد عهد بحنو ثم هتفت: كل ده شايليه يا حبيبتي لوحدك؟ إزاي متكلمنيش وتقوليلي كل ده؟ إزاي تستحملي كل ده لوحدك؟ إجابتها عهد بحزن ثم فرت
دمعة ساخنة أعلى وجنتها: أنا عارفة إنك الفترة اللي فاتت كنتِ مشغولة بعمو نجيب وتعبُه غير الشغل وتحضيراتك لرجوعي للميديا تاني. محبتش أدوشك كمان بمشاكلي. نهرتها لؤلؤ بعنف وتابعت: أخس عليكي يا عهد، هو إحنا في بينا الكلام ده؟ ثم أكملت وهي تجذب عهد إلى أحضانها قائلة بحب: أنتي أختي يا عهد، وأكتر حد وقف جنبي الفترة اللي فاتت وخصوصاً بعد موت ماما، وكنتِ دايماً بتسمعيني وتوقفي جنبي، معنى كده إني كنت بدوشك أنا كمان.
نفضت عهد برأسها وهي تخرج من بين أحضانها: ما تقوليش كده، أنتي أختي فعلاً، ولو مكناش نستحمل بعض مين هيستحملنا؟ فأومأت لؤلؤ برأسها وأكملت هي الأخرى: أديكي قولتي أهو إننا أخوات والمفروض نستحمل بعض. ثم أمسكت بيد عهد وأردفت بحب: أنا عارفة إنك قوية، وإنك أقوى من الظروف ومن أي حاجة هتواجهك. نظرت
لها بحب ثم أكملت بتأكيد: زي ما أنا واثقة إن عاصم مهما شاف أو مر عليه أو حتى نسي هتفضلي أنتي في قلبه ليكي بصمة ووصمة مختلفة عمره ما هيقدر ينساها ومهما عاش وشاف عيونه وقلبه مش هيشوفوا غيرك أنا واثقة. أردفت عهد بحزن: إيه الثقة اللي أنتي بتتكلمي بيها دي جايباها منين؟ ابتسمت لها لؤلؤ بمراوغة ثم
هتفت بحب ونبرة ذات مغزى: جايباها منك، ومن كلامك اللي بتحكيه وبتقوليه على عاصم من ساعة ما عرفتك. ثم إن استحالة يكون في حد في حياته غير عهد ويقدر يحب بعدها، خدي بالك. ابتسمت عهد ثم نطقت بحب: ربنا يخليكي ليا بجد، أنا مش عارفة لولا وجودك في حياتي كنت عملت إيه. وهنا أتاها الرد من عمر قائلاً بمداعبة ممزوجة بحب خالص تجاه لؤلؤ: والله يا أوختشي وأنا كمان من غير وجودها في حياتي مش عارف كنت هعمل إيه.
قهقهت عهد ثم هتفت بمرح: ده إحنا شكلنا هنبل الشربات، وهنكتب الكتاب. فأجابها عمر بحماس يشوبه بعض المرح: وأنا هروح أجيب المأذون حالاً. نطقت لؤلؤ بخجل قائلة: عمر. أجابها عمر بحب: عيون عمر، وقلبه. هتفت عهد وهي تصطنع الحدة: ما تلم نفسك يا أخ، أنت بتعاكس البنية قدامي ولا إيه؟ ابتسم عمر ثم نطق بهيام وهو ينظر إلى عيون لؤلؤ التي تموت خجلاً،
والحمرة تكسو وجنتيها: ما لو الهانم تتكرم عليا وتوافق إننا نتهبل نتخبط كان زماني بعاكس فيها براحتي ومحدش هيقدر يكلمني نص كلمة حتى. رددت عهد بصدمة قائلة: تتخبط؟ ثم أكملت بمرح: هي مش كانت تتخطب برضو؟ هما غيروها إمتى؟ فطست لؤلؤ من الضحك، فالتفتت لها عهد قائلة: أنتي بتضحكي على إيه أنتي كمان؟ ليكي نفس تضحكي بعد اللي عملاه فيا؟ ثم أكملت بجدية يشوبها بعض المرح
وهي توجه حديثها إلى لؤلؤ: هااا الأميرة لؤلؤ هتوافق إمتى على خطوبتها من الواد الغلبان ده؟ أسرع عمر قائلاً بحماس: أيوه يا عهود قوليلها إني غلبان وكتكوت مكسور الجناح. وهنا هتفت سمية بمرح التي جاءت بالصدفة بصحبة عاصم واستمعوا إلى آخر جملة نطق بها: يا أختي بطة، ومين اللي كسر جناحك يا بيضة؟ فقهقهت عهد وأردفت بمرح من بين ضحكاتها القوية: الحب يا سوسو الحب. فهتفت سمية بمرح هي الأخرى: الولا عقله طار يا عيني.
فأكملت عهد بمرح: بركاتك يا شيخة لؤلؤ. فابتسمت سمية بحب قائلة: ما تحني على الواد يا لؤلؤ، أديكي شيفاه متشحتف يا عين أمه عليكي إزاي. كل ذلك ولؤلؤ تموت خجلاً، فهتفت بصوت متوتر من شدة الخجل: ما خلاص يا جماعة بقى. أردفت سمية بمرح قائلة: خلاص يا حبيبتي السكوت علامة الرضا، بلغي بابا إننا هنيجي الخميس الجاي نشرب الشاي عندكم. فهتفت عهد مصححة: قصدك شربات يا سوسو. وهنا أطلق عمر زغرودة من شدة فرحته مقلداً النساء بفعله هذه،
ثم أكمل بسعادة وبحماس: حلاوتك يا سوسو أنتي وقراراتك الجامدة دي، كانت فين من زمان. نظرت له سمية ثم نطقت وهي تضرب كفاً على كف في مرح: يا حول الله يارب، الواد مخه اتلخبط. ثم وجهت حديثها إلى لؤلؤ قائلة: أعملي حسابك إنك هتتغدي معانا النهارده. أردفت لؤلؤ مسرعة: لاااا يا طنط مش هقدر عشان بابا مستنيني على الغدا وعشان كمان أديه العلاج بتاعه، مرة تانية إن شاء الله.
هتفت سمية بحب: مش هضغط عليكي وهسيبك على راحتك عشان عارفة إن بابا تعبان، ومتنسيش تسلميلي عليه وتبلغي بمعادنا يوم الخميس الساعة ٧. ثم وجهت حديثها إلى عاصم بعد أن رأت لؤلؤ تقف دون أن تنطق بنصف كلمة من شدة الخجل، في محاولة منها لتغيير الحديث وإخراجها من هذا الخجل والحرج، فهتفت بحب: نسيت أقدم ليكي عاصم ابني وجوز عهد.
كل ذلك وعاصم يقف يتابع الجو الأسري الملئ بالحب والدفء، يشعر بألفة غريبة بينهم رغم أنه لم يشارك بحديثهم قط وكان مستمع جيد فقط يدرس ملامح كل منهم وردود أفعالهم، إلا أنه شعر بمشاعر جارفة مليئة بالحب تجاه هذا الجو الذي تمناه دوماً خلال السنوات القليلة الماضية. فهو برغم أنه عاش لسنوات إلى جوار صالح الذي كان يعتبره بمثابة والده وابنته فرحة، إلا أنه لم يشعر يوماً بهذه المشاعر أو حتى هذا الدفء بينهم على الرغم من حنو صالح عليه وحبه الشديد له، فهو كان يعتبره ولده حقاً.
فاق من شروده بهم على يد لؤلؤ الممدودة قائلة بترحيب: أهلاً وسهلاً يا أستاذ عاصم، حمد الله على سلامتك. ثم أكملت كاشفة عن هويتها: أنا لؤلؤ نجيب مديرة أعمال عهد وصاحبتها من ٤ سنين. أوما لها عاصم بترحيب هو الآخر قائلاً: الله يسلمك، اتشرفت بمعرفتك. أومات لؤلؤ باحترام: الشرف ليا. ثم وجهت حديثها إلى الجميع قائلة بحب: متنسوش تسلمولي على أونكل غريب. ثم ودعتهم وانصرفت عائدة إلى منزلها التي تقطن به مع والدها.
وهنا حضرت أمينة بصحبة السيد غريب، فهي قامت بإصطحابه إلى غرفة الجلوس ليجلس معهم لحين وقت الغذاء. فأردف غريب بحب موجهاً حديثه إلى عهد: أنتي رجعتي إمتى يا حبيبتي؟ ابتسمت عهد بحب ثم اقتربت منه محتضنة إياه واضعة قبلة رقيقة أعلى وجنته: رجعت من حوالي ساعة كده، بس لؤلؤ كانت هنا ولسه ماشية عشان كده معرفتش أجي لحضرتك من أول ما وصلت. فنطق غريب بنبرة حانية: حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
ثم تابع بتساؤل: بس إزاي لؤلؤ تيجي ومتسلمش عليا؟ ده أنا بقالي كتير ما شفتهاش. أجابته عهد بحب: هي كانت مستعجلة عشان أونكل نجيب تعبان وكمان كانت جاية تأكد عليا معاد الإنترفيو بكرة في التليفزيون. أردف غريب بحب وهي لا تزال محتضنة إياه، فرفع يديه ممسكاً بيديها المتعلقة في عنقه قائلاً: وأخيراً بنتي هترجع تاني تنور التليفزيون. فهتفت عهد بمرح قائلة: شوف شوف بيخطف قلبي إزاي. فوضعت قبلة حانية أعلى وجنته مرة
أخرى ثم هتفت بحب قائلة: ده في خبر أحلى كمان. أردف غريب مسرعاً: بجد؟ طب فرحيني، مستنية إيه؟ أجابته عهد بحب: هنروح يوم الخميس الجاي نخطب لؤلؤ لعمر. ابتسم غريب بسعادة ثم وجه حديثه بحب إلى عمر: والله وكبرت يا عمر وبقيت عريس. أردفت سمية بمرح هي الأخرى: العيال كبروا وبقوا عرايس يا غريب، ده أنا لسه كنت بغير له الكافولة أول إمبارح. نطق عمر بتقزز قائلاً: طب ليه السيرة النتنة دي. قهقهت أمينة
ثم هتفت بمرحها المعتاد: كافولة يا ماما، ده قديم أوي يا عمر على كده. نطقت عهد قائلة بمرح: الحمدلله على نعمة البامبرز، هو أنا فضية أغير كل شوية. ثم أكملت بتساؤل موجهة حديثها إلى سمية قائلة: إلا صحيح يا سوسو كنتوا بتجيبوا صحة منين تغيروا كل شوية. أجابتها سمية بمرح: بلا نيلة على بنات الأيام دي اللي مش نافعة في أي حاجة. أردف عمر قائلاً: يعني بدل ما تقولولي مبروك يا مورا، تقولولي كافولة وبامبرز.
فأردف عاصم قائلاً: مبروك يا مورا. فابتسم عمر ابتسامة واسعة تكشف عن أسنانه وتنُم عن مدى فرحته بتجاوب عاصم معه، ثم نطق بحب واضح وهو يهم باحتضان عاصم: الله يبارك فيك يا قلب مورا من جوه، مش زي الناس اللي تقول لي كافولة. فأردف غريب قائلاً بمرح: مبروك يا أبو كافولة. فقهقه الجميع في مرح ثم هتف غريب موجهاً حديثه إلى عهد قائلاً بجدية: إلا صحيح يا عهد هو أنتي هتكشفي عن خبر رجوع عاصم بالسلامة بكرة ولا إيه؟
نظرت له عهد ثم نطقت ب...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!