الفصل 21 | من 30 فصل

رواية عهد الحب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نور بشير

المشاهدات
17
كلمة
2,738
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي، في منزل الأسيوطي، وتحديدًا داخل غرفة عهد، كان عاصم مستلقيًا. تداعب شمس الصباح بشرته، فتململ في نومه، ثم بدأ يفتح عينيه تدريجيًا. بمجرد أن استوعب موضعه وأحداث الأمس، هب واقفًا بفزع، يتساءل كيف له أن يغفو هكذا؟ كيف له أن يغفو وقلبه لم يطمئن بعد على محبوبته؟ كيف له أن يغفو كل هذا الوقت دون أن يشعر بالقلق؟ أيعقل أنه بمجرد أن نام بفراشها شعر بكل هذا السلام والأمان، ما إذا غفى بداخل أحضانها.

نفض رأسه من تلك الأفكار، وذهب راكضًا باتجاه الصالون، لعله يستمع إلى أي خبر يبرد قلبه ويطمئن حاله عليها. وما أن وصل إلى غرفة الصالون، حتى وجد الجميع على نفس حالهم أمس، جالسون والهم والحزن يشوب ملامحهم. كانت يسرا جالسة ودموعها لم تتوقف منذ أمس. هتف عاصم بقلق ولهفة حقيقية: "هاااا يا جماعة محدش عرف أي حاجة عن عهد؟ أجابه عمر بحزن: "للأسف مقدرناش نوصل لحاجة خالص." استطردت سمية باستغراب: "أنت كنت فين يا عاصم؟

اختفيت فين من امبارح؟ توتر عاصم كثيرًا، وشعر وكأن الحروف قد هربت منه. فأحست أمينة بحرجها، وأردفت وهي توجه حديثها إلى والدتها: "عاصم كان في أوضة عهد يا ماما." عندما استمعت يسرا إلى هذه الجملة، صاحت ببكاء: "بنتي، أنا عايزة بنتي، هاتولي عهد! هتف هشام بانفعال: "يسرا أبوس إيدك اهدى، أنا أعصابي مش متحملة، ولا في حد فينا يتحمل أي حاجة. فرجاءً اهدى، وإن شاء الله ربنا هيطمنا عليها وهترجع بالسلامة." صاحت يسرا ببكاء وغضب:

"ترجع بس؟ ترجع وإلا أنا استحالة أسيبها هنا دقيقة واحدة." فأردفت سمية قائلة بحزن: "كده برضه يا يسرا؟ ده اللي إنتِ بتقوليه ده؟ هتف زياد في محاولة لتخفيف حدة الأمر: "يا جماعة مش وقته الكلام ده، نطمن عليها الأول بس." ثم وجه حديثه إلى شريف قائلاً: "مفيش أي أخبار؟ محدش قدر يوصل لحاجة من صحابها؟ هز شريف رأسه في يأس وهتف بحزن: "للأسف محدش وصل لأي حاجة. أنا كلمت كذا حد أعرفه، وإن شاء الله في أسرع وقت هنطمن كلنا."

كل ذلك وعاصم يقف، وكأنه قد افتعل فعله، وهو هكذا، أوجعها كثيرًا. جرحها... بشدة، جرحًا غائر. هو من أذاقها العذاب، عذبها كثيرًا، بقصد ودون قصد. فعل بها نفس الفعلة مرتين. مرتين. نعم. فهو قد غدر بها مرة وهو متذكرها، والمرة الأخرى وهو ناسيًا إياها. جعلها تعيش الوجع مرتين. يلوم نفسه بشدة، يشعر بالحقارة تجاه حاله، يشعر بالرخص. أيعقل أن يكون هناك شخص يحب أحدهم ويغدر به إلى هذا الحد؟ كيف لها أن تهون عليه؟

كيف له أن يفعل فعلته تلك بها؟ حسرة كبيرة بداخله، لا يعلم كيف له أن يصلح ما كسره؟ كيف له أن يسترضيها؟ كيف له أن يعوضها على ما قد اقترفه بحقها؟ تنهد تنهيدة حارة مليئة بالوجع، ليس وجعًا عليه، ولكن وجع منه وعلى ما فعله بزوجته، بحبيبته. وجع لها و عليها. أغمض عينيه بألم، عاصرها، محاولًا تمالك حاله، فهو يشعر وكأنه على حافة الهاوية. ولمرة لم يشعر بالضياع مثلما يشعر به منذ أمس. يا الله، يا الله، كيف له أن يستريح من هذا الحمل؟

لو بأمكانه لكان زال كل الوجع الذي يكمن بداخلها ووضعه بداخل صدره هو. فهو يستحق هذا الوجع، لكنها بريئة، بريئة من كل هذا الوجع والحزن هذا. ***

عودة إلى أسوان. تجلس عهد في المخدع الخاص بها وبحبيبها. تحاول أن تستجمع شتات نفسها، تحاول أن تهدأ من حالها بعيدًا عن ضغط عاصم وقربه لها، وبعيدًا عن ضغط العائلة بأكملها. حتى صغارها، لا تريد أن تؤذيهم بأي فعل يصدر عنها خارج عن إرادتها. لا تريد أن تجرحهم أو تجعلهم يعيشون الحياة من دون والدهم مرة ثانية. فهم فرحون بشدة بوجود والدهم وعودته لهم، يبنون أحلامًا وأشياء كثيرة يريدون فعلها برفقة والدهم. هي أيضًا تريده وتريد قربه وبشدة، ولكن كبرياؤها يمنعها عن ذلك.

ها هي هائمة في بحر من التفكير. هناك الكثير من الخيوط بداخل رأسها، لا تعرف كيف لها أن تعيد ترتيب نفسها من جديد؟ كيف لها أن تعود عهد كما كانت قديمًا منذ سنوات كثيرة مضت؟ عهد السابقة التي لم تعرف يومًا للحزن بابًا، أو للفراق والهجر عنوانًا. كيف لها أن تعود من هذا الطريق الذي تسير به منذ ٧ سنوات؟

طريق ملئ بالحزن والشجن، لم تعرف فيه محطة واحدة من الفرح والسعادة. فمنذ رحيله، رحلت معه عهد، تلك الفتاة الباسمة المليئة بالحيوية والبهجة والحب. فبرحيله عنها، رحلت عهد هي الأخرى عنها. فاقت من تفكيرها هذا وشرودها على صوت العم هلال قائلاً بنبرة حانية: "اللي واخد عقلك يتهنى بيه." نظرت له عهد بحب، وحانت منها ابتسامة جميلة من الخارج، ولكنها حزينة، مكسورة من الداخل: "عم هلال، تعالى اقعد يا حبيبي."

نظر لها عم هلال بطيبة، ثم جلس قبالها متكئًا على عصاه الأبنوس كالعادة، وأردف برزانة: "كيفك اليوم يا بتي؟ ثم تابع بنبرة حانية: "شايفك زينة عن امبارح." همست عهد بابتسامة حزينة: "فعلاً أنا أحسن كتير من امبارح. الجو هنا والناس كفيل أنه يحسسني بالسلام النفسي ولو لشوية صغيرين." ثم رفعت

عينيها إليه وتابعت بحسرة: "كل ما الدنيا بتضيق بيا، وتقسى عليا، مش بلاقي أحسن من هنا ولا أحن من قلبك عليا عشان آجي وأتِرمى في حضنه وأحكيله كل اللي واجعني وتاعبني. ما عندكش فكرة مجرد كلامي مع حضرتك بيريحني قد إيه." نظر لها عم هلال وتابع بتقدير: "متجوليش أكده يا بتي، أنا دايماً موجود ليكي وفي أي ساعة احتاجتي أي حاجة، أنا موجود. إنتي ما تعرفيش غلاوتك عندي قد إيه عاد، إنتي في مكانة اسمي بنتي." ثم ربّت على يديها بحب وحنان

وأضاف بنبرة ذات مغزى: "فكرتي يا بتي في حادتنا امبارح؟ تهربت عهد بعيونها عنه ووضعت وجهها بالأرض. فشعر عم هلال بارتباكها هذا وأردف بحب: "يا بتي متوجعيش قلبي عليكي عاد، ريحي قلبي يا بتي وقوليلي فكرتي في إيه؟ نظرت له عهد هذه المرة وهي ترفع كتفيها دلالة على أنها لم تصل لحل إلى هذه اللحظة، وتابعت بحزن:

"دماغي واقفة يا عم هلال، مش عارفة إيه الصح وإيه الغلط. وفي نفس الوقت مش عايزة أتصرف أي تصرف أأذي بيه ولادي." ثم نظرت له وكأنها تحثه على الحديث وواصلت بنبرة يكسوها الحيرة والألم: "شاور عليا يا عم هلال، أنا تعبانة أوي ومش عارفة أعمل إيه ولا أتصرف إزاى." نظر لها عم هلال وتابع بهدوء: "وإنتي هتعملي اللي هقولك عليه؟ أومأت عهد برأسها عدة مرات، وفي حركة سريعة، وتمتمت بنبرة لا تحمل الشك:

"كل اللي هتقول عليه هعمله، بس أرجوك قول لي أعمل إيه." نظر لها عم هلال بقوة وهو ينظر بداخل عيونها، وأردف بحكمة ورزانة: "شوفي قلبك بيقولك إيه يا عهد وسويه. ربك يا بتي رب القلوب. وإنتي قلبك يا حبة عيني أنقى من اللبن الحليب. وعاصم كمان كيفك يا بتي. وربك بيقول كمان في كتابه: (الطيبون للطيبات) . توكلي على ربنا يا عهد، وارجعي لجوزك وعيالك وأهلك اللي بيحبوكي يا بتي." نظرت له عهد بعيون مرغرغة بالدموع، أردفت

بدموع حبيسة تأبى النزول: "وكرامتي... تابع عم هلال بصوت رحيم: "كرامتك فوق الكل يا عهد. إنتي غالية يا بتي وكرامتك أغلى من كنوز الدنيا كلها." ثم نظر بداخل عيونها وأضاف بنبرة حانية: "ابكي يا عهد، ابكي يا بتي وخرجي كل اللي في قلبك." كأنها كانت تريده أن يسمح لها بذلك حتى تجهش بالبكاء. ظلت تبكي وتبكي وكأنها قد فقدت للتو عزيزًا عليها. فأقترب عم هلال منها وأخذها بداخل أحضانه، في حضن أبوي خالص، وتابع بحزن على حالها:

"وووه وووه، كل ده بكي عاد؟ ليه كل ده يا بتي؟ ليه يا عهد تسوي أكده في حالك؟ فأضاف بهدوء: "ابكي يا بتي، ابكي وطلعي كل اللي جواكي. أنا زي أبوكي يا عهد، ابكي يا حبة عيني." ظلت عهد بداخل أحضانه تبكي لما يقرب النصف ساعة، إلى أن خرج ما بداخلها من شحنات وطاقات سلبية. فهي كانت كالبالون المليء فوق طاقتها بالهواء، ومع أقل نفس انفجرت بوجه من أمامها. بدأت تهدأ وتستجمع أعصابها، فربت عم هلال على ظهرها ونطق بحب: "كيفك يا بتي دلوقت؟

نظرت له عهد بخجل وهي تمسح دموعها بحركة طفولية، وتابعت بنبرة مرنة: "أنا الحمد لله بقيت أحسن كتير. أنا آسفة يا عم هلال على اللي حصل من شوية، وأسفة إني فقدت أعصابي كده قدام حضرتك، بس غصب عني والله." ابتسم لها عم هلال واستطرد بنبرة حانية مليئة بالحب: "متجوليش أكده يا بتي، أنا جلتلك إنتي كيف اسمي بنتي بالظبط، وربنا يعلم معزتك في قلبي قد إيه." ثم تابع بحب:

"توكلي على اللي خلقك يا حبة عيني، وربك يكتبلك اللي فيه الخير. وأنا واثق إن عاصم بيعشقك عشق. بس محتاج منك إنك تنفضى قلبه من العفارة اللي جواه، عشان قلبه يرجع يلمع بحبك تاني يا عهد." ثم ضغط على كف يديها بحب يحثها على تصديق ما يخبرها به والمضي في تنفيذه، مع ابتسامة حانية من شفتيه.

فابتسمت له عهد، ووجهها بدأ ترتسم عليه بعض ملامح الراحة والهدوء والسكون. ثم رفعت عيونها إلى أعلى، تنظر إلى السماء بامتنان، تشكر الله على أنه قد أرسلها في الوقت المناسب لذلك الرجل العجوز الذي يبلغ من الطيبة والحكمة ما يكفي قبيلة بجميع أفرادها. تشعر بالامتنان لما فعله هذا العجوز معها، وتشعر أيضًا بالامتنان والشكر لربها على أنه قد وضعه بطريقها ليرشدها وينتشلها مما هي به من ضياع. *** وبعد مرور ٤ أيام.

في القاهرة، بداخل منزل الأسيوطي، لم يذق أحد منهم مذاق الراحة أو النوم منذ أن فارقت عهد المنزل. فهم لهم ٤ أيام لم يقدر أحد منهم على الوصول إلى أي خبر عنها. الجميع حالتهم لا ترثى لها، وأطفالها أيضًا يشعرون بتوتر الجو من حولهم، ويسألون كثيرًا على والدتهم، ولكن سمية وأمينة يخبروهم دوماً بأن عهد قد ذهبت لعمل هام خارج البلاد، وستعود خلال أيام قليلة. ويسرا لم تجف لها دمعة من يوم غياب صغيرتها، قلبها يؤلمها كثيرًا، تتمنى ولو تطمئن قلبها عليها أو تسمع صوتها فقط.

وفرحة مختفية بغرفتها منذ اختفاء عهد، تراقب كل تصرف، وكل حركة صادرة عن عاصم. تراه بحالة لا ترثى لها منذ أن تركت عهد المنزل، تراه سيفقد عقله من كثرة جنونه عليها، وهذا يؤلمها وبشدة ويجعلها أكثر تخبطًا.

وها هو عاصم معتزل الجميع، لا يتحدث ولا حتى يتناول أو يشرب شيئًا. فهو يشعر بالذنب، والوجع، والضياع، والحب أيضًا. يلوم نفسه كل ثانية على كل مرة أوجعها فيها بقصد أو دون قصد. يشعر بألم دافين يستوطنه لمجرد ما أن يخطر على تفكيره فكرة أنه من الممكن أن يفقدها إلى الأبد. فهبطت دمعة ساخنة من عينيه. فهو منذ أن فارقته من ٤ أيام وهو تمر بمخيلته لحظات وذكريات كثيرة تجمعه بها. على الرغم من أنه لم يتذكر شيئًا بعد أو حتى قادرًا على معرفة هويته أو هوية من حوله، إلا أنه يمر بمخيلته مشاهد كثيرة جمعته بمحبوبته. يجهل حقيقة الزمان والمكان، لكن قلبه لم يجهلها يومًا منذ أن رآها أول مرة بالمشفى حتى الآن.

فاق من تفكيره ووجعه هذا على صوت شريف وهو يدخل من باب الفيلا يهتف بصوت عال: "لقيتها، لقيتها، لقيت عهد يا جماعة! هب عاصم واقفًا في مكانه ثم ركض باتجاه شريف قائلًا بلهفة: "هاااا فين يا شريف؟ انطق أرجوك." هتف شريف بحماس: "أنا كنت مكلف واحد صاحبي في شركة أمن يحاول يعرف أي حاجة عنها. لقيته بيكلمني من شوية وبيقولي إن في حجز تذكرة باسمها من ٤ أيام لأسوان." هتف الجميع في صدمة مرددين: "أسوان." ثم همس عمر

وهو يخبط بيديه أعلى جبهته: "أوف، إزاي مخطرش على بالي بيت أسوان؟ إزاي؟ انطق عاصم بلهفة: "بيت أسوان؟ هو أنتم عندكم بيت في أسوان؟ استطرد عمر بهدوء يشوبه بعض الحزن:

"البيت ده بتاعك إنت وعهد. كنتم بتقضوا فيه شهر العسل ومن حبكم في المكان والبلد اشتريته البيت. وهي كل فترة لما بتحس إن الدنيا قفلت معاها جامد أو تكون عايزة تحس بوجودك حواليها كانت بتروح البيت ده تقعد هناك، خصوصًا إن فيه راجل هناك طيب اسمه عم هلال، راجل حكيم وحنين وكان بيحبك جدًا إنت وعهد. وعهد كمان بترتاح معاه في الكلام أوي." هتف عاصم بلهفة: "طيب تعرف توديني البيت ده؟

هم عمر أن يجيبه إلا أن أتاه صوت يعلمه جيدًا، محفور بقلبه وليس بأذنيه فقط. صوتًا يردف بقوة: "مش محتاج تعرف مكان البيت يا عاصم، لأني رجعت خلاص."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...