فهمت جيدًا. سأقوم بتنفيذ التعديلات المطلوبة بدقة تامة. *** فهي تعرف هذه النبرة جيدًا. وما أن التفتت له حتى شعرت وكأن الأرض تدور بها. صدمة! حقا هي صدمة! حبيبها، زوجها. يقف الآن أمام عيونها. من اعتقدت أنه مات وفارق الحياة منذ سنوات يقف الآن أمامها. يقف بشحمه ولحمه أمام عيونها. اقتربت منه ثم هتفت دون وعي: عاصم!
على الجانب الآخر، سقطت سمية مغشى عليها في صدمة. فحقا الصدمة كبيرة عليها. لم تعد أعصابها قادرة على تحملها، فقدت وعيها من هول الصدمة. وعمر يقف مشدوها. لا يعرف ماذا يفعل أو ما الذي يمكنه فعله الآن. أهذا أخيه حقا أم شخص آخر يشبهه؟ فهناك مثل شهير يقول (يخلق من الشبه أربعين) . أيعقل أن يكون هذا واحدًا من الأربعين خاصته؟ لا، لا. هذا أخيه، هو يعلمه من نبرة صوته. قلبه يشعر به.
فاق من صدمته هذه على صوت ارتطام والدته بالأرض، وصوت عهد عندما اقتربت من عاصم. ونطقت بصدمة وهي ترفع يديها تحيط وجهه بحنان واشتياق قائلة بولعه: عاصم، حبيبي. أنت عايش، أنت موجود، ما مت صح؟ هنا، أردف عاصم باستغراب وهو يحيد بيديها عن وجهه قائلاً بتساؤل: عاصم مين؟ وحضرتك مين؟ استطردت عهد بفرحة: عاصم جوزي. ثم تابعت بنفس الفرحة وهي لا تزال لا تصدق: أنت عاصم. أيوه، أنت جوزي. وهنا فرت دموعها بغزارة قائلة من بين ضحكاتها:
أنت عايش، ما مت صح. ثم ضمت يديها إلى صدرها قائلة بامتنان: شكراً يارب، شكراً. فهتف عاصم بعصبية. فهو لا ينكر أنه تأثر بها وشعر بالألفة والحب تجاهها، لكنها لا تزال مجهولة الهوية بالنسبة له. لا يعلم عنها شيئًا سوى إحساسه بها فقط. فتابع بتوضيح: عاصم مين يا مدام؟ أنا اسمي صابر. أجابته عهد قائلة بحب: لااااا. أنت عاصم جوزي. أنا عارفة. أنا لو توهت عن الدنيا كلها مش هتوه عنك ولا قلبي هيقدر يتوه عن قلبك. أجابها عاصم وقد
أوشكت أعصابه على الانفلات: يا مدام، عاصم مين؟ وجوزك مين؟ أجابته عهد وهي تقترب منه تحيط بيديها وجهه قائلة بوجع ممزوج بحيرة: عاصم، أنت مش فاكرني؟ أنا عهد مراتك، حبيبتك. ثم أضافت بتساؤل: أنت إزاي مش عارفني؟ أجابها عاصم وهو يرفع يديها عن وجهه قائلاً بانفعال: أنا معرفش حضرتك، ولا أعرف عاصم اللي أنتي بتتكلمي عنه ده. ثم سكت قليلاً يحاول تهدئة حاله ونجح بالفعل. واستطرد بعد تفكير: حضرتك جوزك ميت من أمتى طيب؟ ممكن أعرف؟
أجابته عهد بدموع قائلة: من ٧ سنين. صدمة أصابته هو هذه المرة، وكأن زلزال بقوة خمسة ريختر ضرب به. فتابع بصدمة أكبر: طيب ممكن أعرف مات إزاي؟ وهنا جاء عمر بعد أن أدخل والدته غرفة خاصة وقام أحد الأطباء بعمل اللازم معها. متفوهًا بلهفة: في حادثة عربية. صدمة أخرى تلقاها. لم تعد قدماه قادرة على حمله. فأرجع ظهره للخلف ثم قام بسند ظهره على الحائط. عقله غير قادر على استيعاب كل ما يحدث الآن. أيعقل أن له عائلة؟
أيعقل أنه زوج لتلك السيدة؟ لا ينكر بأنه شعر تجاهها بمشاعر عدة لم يشعر بها قط طوال السبع سنوات الماضية. ولكن، ما زال غير قادر على استيعاب ما يحدث. فاق من تفكيره هذا على صوت عهد قائلة بلهفة: أنت كويس؟ أومأ لها وهو لا يزال تحت تأثير الصدمة. فتفوه في محاولة منه لفهم ما يحدث من حوله:
بس أنا مش فاكركم ولا فاكر أي حاجة من اللي أنتم بتقولها دي. أنا فعلاً عملت حادثة من ٧ سنين وفقدت الذاكرة. ومش قادر أستوعب اللي المدام دي بتقوله. أجابته عهد بلهفة: طب أنا عندي حل كويس. منه نتأكد إنك عاصم فعلاً، ولو إني عارفة ومتأكدة إنك عاصم. ومنه كمان أنت تطمن لينا وتحاول تفتكرنا. أردف عاصم بتساؤل: إيه هو؟ إجابته عهد مسرعة: هنعـمل تحليل DNA ليك وليا بنتك. ولو النتيجة تطابقت يبقى أنت عاصم الأسيوطي فعلاً. صاح عمر مسرعًا
هو الآخر: فكرة حلوة جداً. إيه رأيك يا عاصم؟ أجابه عاصم بحنق: أنا اسمي صابر. عاصم اللي أنتم بتتكلموا عنه ده أنا معرفش عنه حاجة. أجابه عمر بتفهم: أوكيه يا صابر. ممكن تقول لينا رأيك إيه؟ أجابه عاصم وهو يشعر بخوف كبير بداخله قائلاً بتردد: موافق. وهنا خرج الطبيب من قسم الطوارئ. فأسرعت عهد إليه في لهفة. فهي قد نسيت أمر صغيرتها وما حدث لها. فأردفت بقلق: طمنّي يا دكتور، بنتي عاملة إيه؟ أجابها الطبيب بعملية:
البنت زي الفل، متقلقيش يا مدام. هو بس في كسر في الدراع واتجبست، لكن هي كويسة جداً والإغماء كانت نتيجة الفجعة بس مش أكتر. وتقدر تخرج على بكرة إن شاء الله، بس محتاجين نعمل محضر وإثبات حالة. هتف عمر مسرعًا: مفيش داعي يا دكتور. أنا اتكلمت مع الأستاذ وعرفـت إن البنت هي اللي غلطانة، فمالوش داعي طالما هي بخير وكويسة. أومأ الطبيب برأسه وتابع بنفس العملية: مفيش مشكلة. فأردفت عهد بلهفة: ممكن أشوفها يا دكتور؟
أجابها الطبيب بابتسامة: طبعاً. هي دلوقتي هتتنقل أوضة خاصة بيها وتقدروا تشوفوها. فابتسمت عهد ثم زفرت بامتنان: شكراً جداً يا دكتور. أجابها الطبيب بابتسامة: على إيه يا مدام عهد، ده واجبي. ثم انصرف الطبيب بعد ذلك تاركًا الجميع يقف. منهم من يقف وهو في غاية سعادته، ومنهم من يشعر بالضياع، وآخر يقف ولا يفهم شيئاً بالمرة. فأردفت عهد موجهة حديثها إلى عمر بقلق: ماما فين يا عمر؟ أجابها عمر بنبرة هادئة:
لما شافت عاصم مستحملتش الصدمة، وقعت من طولها. ضغطها على فجأة، ودلوقتي في الأوضة معلقة محلول. هتفت عهد بلهفة: طب هي كويسة دلوقتي؟ أجابها عمر برزانة: الحمدلله. الدكتور قال إنها هتفوق الصبح إن شاء الله ووقتها نقدر ناخدها ونمشي. ثم أكمل مطمئنًا إياها: متقلقيش يا حبيبتي، هي بخير دلوقتي. وهنا التفت عمر إلى عاصم الذي يقف يراقب الحوار بتركيز قائلاً بابتسامة: يلا نروح نعمل التحليل.
همس عاصم بتردد. فهو لا يعلم ما الذي يجب عليه فعله. فهو لم يحسب لذلك اليوم حسبانًا من قبل. ماذا يفعل إذا لم تكن هذه العائلة عائلته حقًا؟ يشعر وكأن أمله الوحيد سيضيع من بين يديه. وغير ذلك، فهو تعلق بهذه المرأة الواقفة أمامه بشدة. يشعر وكأن قلبه مربوط بها. لا يعلم متى وكيف، ولكن يشعر بذلك وبشدة. ماذا يفعل إذا كان حقًا ابن لهذه العائلة؟ كيف سيعيش وسطهم وهو يشعر بالغرابة عنهم، فهو قد ابتعد عنهم سبع سنوات بالتمام والكمال؟
ماذا ستقبل هذه المرأة خبر زواجه من فرحة؟ هل ستطلب الطلاق منه؟ هل هذه الطفلة الذي قام بضربها بسيارته هي طفلته أيضًا؟ هل لديه أطفال أخرى غيرها؟ من هو ذلك الشاب الوسيم الذي يدعى عمر الذي يقف إلى جوارها؟ من هي تلك السيدة التي فقدت الوعي منذ قليل؟ أيعقل أنها والدته أم والدة تلك عهد؟ كل هذه الأسئلة وأكثر تدور بداخل رأسه، ولكنـه فاق من تفكيره هذا على أثر حديث ذلك عمر له. فأردف بارتباك وقلق قائلاً: يلااااا.
وبالفعل ذهب عاصم بصحبة عمر إلى القسم الخاص بالتحاليل الطبية. ثم قام الطبيب بأخذ عينة دم منه. وكذلك ذهب عامل التحاليل إلى غرفة الصغيرة وقام بسحب عينة دم منها. ومن المفترض ظهور النتيجة في اليوم التالي. وبعد خروج عاصم وعمر من غرفة التحاليل، تساءل عاصم بفضول: هو ممكن أعرف أنت تقرب إيه لعاصم وللمدام اللي تحت؟ أجابه عمر بابتسامة حب خالصة: أنا أخو عاصم. والمدام اللي تحت دي تبقى مرات أخويا. فتابع عاصم بتساؤل:
طيب والست الكبيرة اللي وقعت من طولها دي تبقى والدتك ووالدة عاصم ولا والدة المدام اللي تحت؟ أجابه عمر وهو لا يزال مبتسمًا. فهو أكيد من أن هذا الواقف أمامه هو أخيه. فأضاف بحب: الست اللي تحت دي تبقى والدتي ووالدة عاصم وجدته ولاده وحماه المدام اللي تحت كمان. ردد عاصم في صدمة: ولاده.... أجابه عمر قائلاً: أيوه ولاده. ثم أكمل موضحًا: عاصم عنده 3 أطفال تؤام. ولدين وبنت. عز الدين وزين الدين وليا. عمرهم 6 سنين.
ثم تابع بحماس: مش حابب تطمن على ليا؟ أردف عاصم بصدمة. فهو يشعر بالضياع. من وقت معرفته بالأمر يشعر وكأن ألف فكرة بألف شخص تدور برأسه. يريد أن تتوقف رأسه عن التفكير ومحاولاتها المستميتة لتذكر أي شيء عن ماضيه. ولكنـه لا يستطيع إيقافها، ولا يستطيع مواجهة أي منهم الآن. فأردف وهو لا يزال تحت صدمته: أنا مش هقدر أشوف حد دلوقتي. أنا عايز أروح. أجابه عمر بتفهم:
تمام. أنا مقدر وضعك وصدمتك ومش هضغط عليك. بس ممكن تديني رقم تليفون ليك وعنوانك عشان أول ما تطلع نتيجة التحاليل أعرف أتواصل معاك. هز عاصم رأسه دلالة على موافقته. ثم تبادلا أرقام بعضهما وأملى عليه عاصم العنوان الخاص به. ثم رحل وهو لا يزال تحت تأثير صدمته. وفي غرفة الصغيرة، لياتدخل إليها والدتها قائلة في لهفة: لي لي، عاملة إيه يا روح مامّي دلوقتي؟ أجابتها الصغيرة بتألم: دِراعي بيوجعني أوي يا مامّي. أردفت عهد بتألم
هي الأخرى على ألم صغيرتها: ألف سلامة عليكي يا روحي. إن شاء الله أنا وأنتي لا. ثم أكملت بعتاب: بس برضو أنتي غلطانة يا لي لي. إيه اللي خلاكي تنزلي من العربية من غير ما تقولي لعم إبراهيم؟ وليه تنزلي أصلاً؟ أجابتها الصغيرة بصدق: صدقيني يا مامّي، أنا مكنتش هتحرك من مكاني أبداً. بس شوفت قطة صغيرة مزنوقة بين عربيتين ومش عارفة تتحرك. صعبت عليا ونزلت أساعدها. وماخدتش بالي خالص من العربية. هتفت عهد وهي تحتضن
إياها قائلة بامتنان لربها: الحمدلله يا حبيبتي. الحمدلله إنها جت على قد كده، وأنك كويسة دلوقتي. وهنا دخل عمر من باب الغرفة قائلاً بحب: حبيبة عموري، عاملة إيه دلوقتي؟ أجابته الصغيرة بدلال: كويسة، بس دِراعي واجعني أوي. أجابها عمر بابتسامة: معلش يا روحي. شوية والعلاج يعمل مفعول والوجع يروح. فأردفت عهد بتساؤل ممزوج بلهفة: هو فين؟ أجابها عمر بنبرة هادئة: روح. شكله تعبان أوي، وشكلنا ضغطنا عليه من غير ما نحس.
أجابته عهد بانفعال: إزاي يا عمر تسيبه يمشي؟ إزاي هنعرف نوصله بعد كده؟ أجابها عمر بهدوء: متقلقيش يا بنتي. أنا أخدت رقمه وعنوانه. وهنتواصل مع بعض أول ما نتيجة التحاليل تطلع بكرة. أجابته عهد بقلق: أنا خايفة أوي لأ نتيجة التحليل تثبت إنه مش عاصم. حاسة إن هيجرالي حاجة لو طلع مش عاصم. مع أني واثقة ومتأكدة إنه هو، بس مش قادرة أمنع قلبي من الخوف. رغم أن قلبي عرف قلبه من أول ما سمع صوته. أجابها عمر بأمل:
صدقيني يا عهد هو. أنا واثق زي ما أنتي واثقة بالظبط إنه هو. ثم تابع بحمد: الحمدلله إن ماما دلوقتي نايمة، لأنها مكانتش هتقدر تتحمل كل اللي حصل ده. ولا كانت هتقدر تتحمل لحد ما تطلع النتيجة بكرة. إجابته عهد مرددة هي الأخرى: الحمدلله. أردف عمر وهو يمسك بهاتفه: أنا هكلمهم في البيت أطمنهم على ليا وأعرفهم إننا هنبات هنا إنهاردة. هتفت عهد مسرعة:
بس أوعى تجيب لهم سيرة عن موضوع عاصم لحد ما تطلع نتيجة التحاليل. مش عاوزين نقلقهم عالفاضي. أجابها عمر برزانة: متقلقيش. أنا كمان نبهت على عم إبراهيم ميجبش سيرة باللي حصل هنا لأي حد. أجابته عهد بهدوء: طب الحمدلله، كويس إنك عملت كده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!