الفصل 6 | من 30 فصل

رواية عهد الحب الفصل السادس 6 - بقلم نور بشير

المشاهدات
21
كلمة
2,696
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

اليوم هو يوم عقد قرانه على فرحه. اليوم ستصبح فرحه زوجته أمام الله والناس جميعاً. ولكنه بداخله لا يريد هذه الزيجة، فهو لا يشعر تجاهها بأي مشاعر. لا يستطيع تصديق بأنها ستصبح زوجته. هو بالأساس لا يريد أن يرتبط ويؤسس عائلة، لأنه ببساطة يخشى ماضيه. يخشى أن يكون له حياة أخرى مجهولة يكون بها زوجة وأطفال لا يعرف عنهم شيئاً. يخشى ويخشى ويخشى.

ولكن اليوم سيتزوج وبمحض إرادته، وذلك رداً لجميل صالح عليه. فهذا أبسط شيء بإمكانه أن يقدمه له، بعدما فتح له منزله واستأمنه على ماله. والأهم من ذلك أن لولا صالح لكان ميتاً منذ زمن في سيارته المتفحمة. فهو ليس جاحداً لينكر فضل ذلك الرجل عليه. سيتزوج من تلك الفرحة اليوم حتى يستطيع إسعاد ذلك العجوز المريض البائس. وها هو يجلس المأذون يتوسط صالح وصابر، وإلى جوار صالح تجلس فرحه بفستانها الأبيض البسيط تفرك بيديها في توتر وخجل.

ثم أردف المأذون بابتسامة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." وهنا قام صالح باحتضان فرحه قائلاً بسعادة: "ألف مبروك يا نن عيني، عقبال ما أشوف عيالكم بيتنططوا حواليا." أجابته فرحه بسعادة هي الأخرى: "الله يبارك في حضرتك يا بابا يارب." ثم قام صالح باحتضان صابر بحب وعرفان بالجميل: "مبروك يا حبيبي، ربنا يتمم ليكم على خير." أجابه صابر بتسهيم: "الله يبارك فيك يا بابا."

ثم أغمض عينيه بألم. فمنذ أن حضر المأذون وبدأ في عقد القرآن وهو يرى أحداثاً في مخيلته لا يستطيع تحديدها بدقة. يشاهد الكثير من اللقطات، وعلى ما يبدو أنها لقطات للحظة شبيهة لتلك اللحظة، ولكن لا يستطيع تحديد الأشخاص بوضوح. ولكنه يجزم بأنه عاش مثل تلك اللحظة من قبل، ولكن مع من؟ أين؟ كيف؟ لا يستطيع أن يتذكر.

على الجانب الآخر، تجلس عهد على حافة حمام السباحة واضعة قدميها بداخله، شاردة الذهن. تفكر في محبوبها الراحل عن عالمها منذ ٧ سنوات. تسترجع كل ما حدث معها على مدار تلك السنوات القليلة الماضية، وكيف مرت وكأنها دهر وليس سنوات قليلة منذ عمر صغارها فقط. وعند هذه النقطة فرت دمعة ساخنة من عينيها. ثم أخذت نفساً عميقاً مخرجة تنهيدة حارة، وقامت بعد ذلك بوضع يديها موضع قلبها، فهنا يكمن حزن عميق ووجع بداخلها، لا يعلم به أحد، ولا هي

قادرة على الفرار منه. فهي ممتلئة بمشاعر كثيرة لا تستطيع تسميتها أو التعبير عنها، وفي نفس الوقت لا تستطيع كتمها أكثر من ذلك. تشعر وكأن خلايا عقلها تتصارع مع ذكرياتها معه في محاولة منها لقتلها. وها هي تموت ألماً ووجعاً على حبيبها وزوجها الذي فارق حياتها منذ سنوات. ففراق زوجها يحزنها ويوجعها ويؤرق نومها في كل ليلة وكأنها فقدت ألف شخص بألف وجع. منذ يوم فراقه وهي تشعر وكأنها هي من فقدت الحياة، وكأنها هي من ماتت وليس هو.

قلبها ينبض، ورئتها تتنفس، تنام، تأكل، ولكنها جسد فقط دون روح.

فاقت من وجعها هذا على صوت أمينة الهامس بجوار أذنها: "كان بيحبك أوي على فكرة." صاحت عهد بفزع: "أمينة، أخس عليكي فجعتيني." أجابتها أمينة بمرح: "فجعتك إيه يا بنتي، ده أنا قاعدة جنبك بقالي ساعة، كل ده محسيتيش بيا." أردفت عهد بتسهيم: "مأخدتش بالي، كنت سرحانة." أجابتها أمينة مرددة بحزن: "كان بيحبك أوي يا عهد، محبش ولا حب حد زي ما حبك." ثم أكملت بدموع:

"وحشني أوي، وحشني ضحك وهزاره معايا. من ساعة ما راح وسابني وأنا جوايا وجع كبير أوي. بفضل أفكر مع نفسي وأقول محدش هيتوجع عليه قدي. بس كل ما أبصلك وأشوف الوجع والحزن في عيونك، حتى وأحنا في أسعد اللحظات، بتأكد إنك موجوعة عليه أكتر مني بكتير، ويمكن كمان أكتر من بابا وماما." أردفت عهد بوجع ودموع:

"اتفقنا أنا وهو على حاجات كتير المفروض نعملها سوا. اتفقنا على أحلام كتير المفروض نحققها مع بعض. اتفقنا نبني حياتنا ونعمل عيلة مع بعض. اتفقنا على حاجات كتير أوي." ثم أكملت بقهرة: "بس متفقناش إنه يوُحشني بالشكل ده ومعرفش أوصله ولا أخده في حضني حتى." وهنا رددت أمينة بحزن:

"لازم تعيشي يا عهد، لازم تقوي عشاننا كلنا وعشان ولادك. صدقيني لو عاوزة عاصم يبقى مرتاح لازم تحاولي تخرجي من اللي أنتي فيه ده عشان خاطر ولادكم يا حبيبتي." مسحت عهد دموعها ثم تابعت بوجع:

"إنتي عارفة يا أمينة، أنا واحشني أوي إحساس إني أكون مستريحة في حياتي ومبسوطة من جوايا زي ما كان عاصم معايا. من غير ما أحاول أكذب أو أقول إني كويسة وأنا من جوايا بموت في الدقيقة ميت مرة من غيره. مش عارفة أتخلص من إحساس إنه لسه عايش ومعايا. حاسة إني طول السنين دي كلها عايشة في كابوس وهفوق منه ألاقي حبيبي جنبي وفي حضني. بس أنا عارفة ومتأكدة إن ده واقع مش كابوس." ثم هطلت دموعها بغزارة. فاحتضنتها أمينة وأكملت بنبرة حانية:

"هترتاحي صدقيني، وهتكوني مبسوطة وهتفرحي تاني من قلبك زي زمان وهتقولي أمينة قالت. إحنا كلنا بنستقوى بيكي هنا يا عهد، بابا وماما وأنا وعمر والولاد كلنا يا عهد." ربتت على ظهرها قائلة بحب: "إنتي قوية يا عهد، اجمدي عشان خاطر كل اللي بيحبوكي ومحتاجينك معاهم وفي ضهرهم." فخرجت عهد من أحضانها ثم رفعت يديها ومسحت دموعها وهتفت بصلابة وهي تحاول استجماع قوتها: "هحاول." ثم رددت مسرعة وهي تحاول رسم القوة: "حاضر حاضر، أنا قوية."

عودة إلى الحي الشعبي الذي يقطن به صابر، وخصوصاً داخل شقة عم صالح. حيث يجلس صالح على رأس مائدة الطعام، وإلى جواره يجلس كل من صابر وفرحه. فهتف صالح قائلاً بحب: "أخيراً يا صابر يا ابني بقيت ابني وجوز بنتي رسمي على حياة عيني." أجابه صابر بابتسامة فرحه من وراء قلبه يحاول رسمها لإسعاد صالح قائلاً: "ربنا يديك الصحة يا بابا ويطول في عمرك." فأردف صالح بسعادة وهو رافعاً رأسه للأعلى حامداً الله تعالى في شكر:

"الحمدلله، أنا كده تممت مهمتي واطمنت عليكم يا ولاد ومش عايز من الدنيا دي حاجة تانية." ثم ظل ناظراً إلى أعلى لفترة تحت عيون صابر وفرحه المستغربة. إلى أن رفع سبابته اليمنى وأردف بصوت عالٍ بعض الشيء والابتسامة لا تفارق وجهه قائلاً: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله."

ثم سقط على جانبه الأيمن مفارقاً الحياة بأكملها تحت عيون صابر المصدومة، وصريخ فرحه الذي اقتربت من والدها وقامت بإسناد رأسه على يديها. وجثى صابر هو الآخر على ركبتيه في محاولة منه لمعرفة إذا كان لا يزال على قيد الحياة أم أنه قد فارقها. ولكنها بالفعل وجده قد فارق الحياة. فنظر بحزن دلالة على أنه قد فارق الحياة إلى فرحه الناظرة إليه بتأهب وخوف. وهنا صرخت بكل ما لديها من قوة هاتفة بصريخ:

"باباااااا فوق والنبي، بالله عليك ما تعمل فيا كده يوم زي ده." ثم ضربت بيديها وجهه تحاول إفاقته: "أبوس إيدك يا بابااا فوق." ثم تركت رأسه وبدأت في لطم وجهها قائلة بصريخ وهستيرية: "أبويا مات، أبويا سابني، يا كسرة قلبي وفرحتي آاااااه." وبعد مرور ثلاث أيام. في منزل الأسيوطي، وخصوصاً على مائدة الطعام، يجلس الجميع يتناولون فطورهم في هدوء. فأردفت ليا موجهة حديثها إلى عهد: "مامى بليز توافقي أروح أحضر عيد ميلاد جودي صاحبتي."

أجابتها عهد برفض تام: "أنا قولت لأ يعني لأ." تابعت الصغيرة بدلال على جدها: "بليز يا جدو تقول لمامي توافق، عشان خاطري." أردف الجد بحنان فهو قد تأثر بأسلوب صغيرته قائلاً إلى عهد: "خلاص يا عهد سبيها ساعة واحدة بس، وأنا هخلي عم إبراهيم السواق يوصلها ويجيبها." استطردت عهد على مضض: "خلاص يا بابا موافقة." ثم واصلت بتحذير: "بس هي ساعة واحدة يا ليا وأنا هأكد على عم إبراهيم يجيبك على طول." صاحت الصغيرة بسعادة قائلة:

"thanks مامى." ثم وضعت قبلة على وجنة جدها وتابعت بحماس: "ميرسي جداً يا جدو." أجابها الجد بحب: "العفو يا عيون جدو." بالفعل ذهبت الصغيرة بصحبة عم إبراهيم (السائق الذي قامت عهد بتعيينه خصيصاً لحماها السيد غريب وزوجته بعد وفاة عاصم) إلى حفل ميلاد صديقتها، على وعد مع والدتها بالعودة بعد ساعة بالتمام.

وعلى الجانب الآخر في منزل العم صالح، يجلس صابر وفرحه يتناولون الفطور. كلا منهم في شرود وحزن تام. فها هو صالح قد مر على وفاته ثلاث أيام بالتمام والكمال، ومن المفترض أن أمس انتهت أيام الحداد. ولكن طوال الأيام الثلاث السابقة لم يكن هناك تعامل بين فرحه وصابر إلا في أضيق الحدود. حتى أن فرحه تنام بغرفة والدها، وصابر ينام في الغرفة الخاصة بفرحة. فهم من المفترض أن كان يتم زفافهم بعد شهر من موعد كتب الكتاب، ولكن الآن قد تغير كل شيء. ولا يمكن لفرحة أن تظل بمفردها. فاتفقوا سوياً على أن يظلوا معاً، ولكن كل منهم في غرفة منفصلة عن الآخر، لحين مرور تلك المحنة والموقف الأليم هذا.

وهنا أردف صابر قائلاً: "فرحه أنا هنزل النهاردة الشغل، لو عاوزتي أي حاجة كلميني أجبهالك معايا وأنا جاي." أجابته فرحه قائلة بحزن: "ترجع بالسلامة إن شاء الله." تمتم صابر في حزن: "الله يسلمك." ثم تركها وذهب إلى عمله. وها هو العم إبراهيم في طريق العودة إلى منزل الأسيوطي بصحبة الصغيرة (ليا)

. ولكن على ما يبدو أن بنزين السيارة قد أوشك على الانتهاء. فدخل العم إبراهيم إلى محطة البنزين، ومن ثم فتح باب السيارة وترجل ليحاسب عامل المحطة. وفي الوقت نفسه، رأت الصغيرة (ليا)

قطة صغيرة تعوي، محشورة في ممر ضيق بين سيارتين. فشعرت الصغيرة بالتألم من أجل هذه القطة. وبدون تفكير منها فتحت باب السيارة الخاص بها وترجلت وذهبت تعبر الطريق للوصول إلى الجانب الآخر وإنقاذ تلك القطة. وأثناء عبورها الطريق، جاءت سيارة مسرعة وقامت بضرب الصغيرة. وما أن شاهدها السائق تعبر الطريق فجأة، حاول أن يسيطر على السيارة ولكن لم يستطع فالطريق كان أمامه فارغاً وكان يسير بسرعة. وهذه الفتاة ظهرت أمامه من العدم، فكيف له أن يتخطاها دون إصابتها. وبالفعل قام بضرب الصغيرة بالسيارة. وما أن وقعت الصغيرة على الأرض، حتى توقف صاحب السيارة وترجل منها في فزع وخوف حقيقي.

وهنا جاء العم إبراهيم فزعا على أثر صوت الاصطدام ثم أردف بخوف: "ليااااا، ليااا فوقي." ثم بدأ يندب قائلاً: "هقول للست هانم إيه بس." فاستطرد صابر بخوف هو الآخر على تلك الصغيرة: "صدقني يا حاج أنا كنت ماشي وهي اللي ظهرت قدامي فجأة، أنا الطريق قصادي كان فاضي، وهي ظهرت مرة واحدة." ثم جثى على ركبتيه حاملاً للفتاة وتابع بزعر: "أحنا لازم نطلع بيها على المستشفى حالا."

وبالفعل قام بوضعها في السيارة الخاصة به، ثم صعد عم إبراهيم إلى جوار صابر في طريقهما إلى المشفى. وبعد مرور نصف ساعة، قد وصلت عهد بصحبة سمية وعمر إلى المشفى مسرعين في خوف وفزع حقيقي على الصغيرة. فعم إبراهيم أخبر عمر بالحادث منذ قليل، وما أن أخبر عمر من بالمنزل حتى بدأت عهد في الصراخ هي وسمية وانطلقوا مع عمر إلى المشفى.

وبمجرد ما أن وصلت عهد إلى قسم الطوارئ، حتى وجدت عم إبراهيم يجلس بالخارج وإلى جواره يجلس شخصاً آخر لم تدقق النظر به. ثم هتفت بفزع: "عم إبراهيم، قولي إيه اللي حصل أرجوك، طمنيني بنتي عاملة إيه." وما أن سمع ذلك القابع إلى جوار عم إبراهيم نبرة صوتها هذه حتى شعر بقلبه يخرج من صدره، فهذا الصوت يشعر وكأنه سمعه من قبل. ثم فاق من شروده وصدمته والتفت لها على أثر نبرتها الغاضبة وهي تصيح: "والأستاذ اللي خبطها ده، خبطها إزاي."

وهنا أردف صابر بتوضيح: "صدقيني يا مدام، أنا الطريق كان فاضي قدامي، وماشي في إشارتي، لكن هي طلعت قدامي فجأة." فالتفتت له عهد على أثر نبرة صوته التي تحفظها عن ظهر قلب في صدمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...