الفصل 23 | من 30 فصل

رواية عهد الحب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نور بشير

المشاهدات
16
كلمة
2,554
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

صدمة ألجمتهم جميعاً، وألجمت عهد على وجه الخصوص. أيعقل أنه سيطلقها من أجلها؟ أيعقل أنه سيترك فرحه، زوجته، من أجلها هي فقط؟ أم أنه سيتركها لسبب آخر؟ لم يستمع عاصم وفرحه إلى أي رد منهم، فالصدمة تبدو واضحة على وجه الجميع. فأردف عاصم بنبرة حانية وصوت دافئ: "أنا وفرحه قررنا ننفصل بشكل رسمي، ولأن فرحه أمانة في رقبتي، عم صالح الله يرحمه أمنّي عليها، فهي مش هتطلع من البيت ده وهتفضل عايشة هنا زي أمينة وأميرة بالظبط."

هتفت غريب بتساؤل: "يعني إيه زي أمينة وأميرة؟ نظر له عاصم نظرة ذات مغزى تفهمها غريب جيداً، فتابع عاصم: "فرحه هتعيش وسطنا هنا لحد ما أسلمها بأيدي لعريسها وأطمن عليها وأتأكد أني تممت الأمانة على أكمل وجه." نظر له غريب بفخر وسعادة: "يا أهلاً وسهلاً بيها يا حبيبي وسطنا." ثم أكمل داعياً لها: "ربنا يعوضها خير إن شاء الله ويسعدها." تمتم الجميع عدا عهد: "آمين." هتف غريب بجدية:

"أعمل حسابك يا عاصم إنك هتنزل من بكرة الشركة مع عهد وعمر وهما هيفهموك الشغل ماشي إزاي." أومأ له عاصم برأسه سريعاً وهو يختلس النظر من وقت لآخر إلى عهد دون أن يلاحظ أحد عليه ذلك، ونطق بجدية هو الآخر: "إن شاء الله يا بابا." وانصرفوا بعد ذلك ذاهبين إلى مكتب المأذون الشرعي، حتى يتم الانفصال بشكل شرعي وقانوني. وبمجرد انصرافهم، حتى هبت عهد واقفة واتجهت راكضة باتجاه غرفتها.

ظلت تجوب الغرفة هنا وهناك، لا تستطيع أن تركز، لا تستطيع لم شتات نفسها، لا تستطيع تهدئة ضربات قلبها التي تشعر وكأنه سيخرج من موضعه. وقفت أمام الفراندا الخاصة بها، مسندة بيديها أعلى الجدار، تفكر وتفكر. تفكر كيف لها أن تتقبل هذه الفعلة؟ كيف لها أن تتعامل معه بعدما أصبح حراً؟ ماذا تفعل، وماذا سيكون رد فعلها عند عودته؟ تشعر بالسعادة في داخلها، ولكنها تأبى الاعتراف بها.

تشعر الآن بأنها تعشقه فوق العشق عشقاً آخر، ولكنها لا تزال تأبى الخضوع لهذا العشق. فاقت من تفكيرها هذا على صوت غريب قائلاً بنبرة حانية: "الغالية مرات الغالي بتفكر في إيه؟ نظرت له عهد بفزع وأردفت بنبرة لاهثة وكأنها خارجة من سباق: "بابا، حضرتك خوّضتني." نظر لها غريب نظرة ذات مغزى ثم هتف بمراوغة: "اللي واخد عقلك يا ست عهد. وفاء (الخادمة)

خبطت كتير على الباب ولما ملقتش رد قلقت عليكِ وقولت لها تدخلني، ولقيتك هنا واقفة في دنيا تانية." عادت عهد تستند على حافة الجدار ثم هتفت بتسهيم وشرود: "فعلاً كنت سرحانة، ما أخدتش بالي من الباب، ولا حتى من حضرتك لما دخلت." ابتسم غريب ابتسامة ذات مغزى ثم نطق بمداعبة: "بتفكري في صح؟ نظرت له عهد بابتسامة خجلة وتابعت: "هو أنا مفضوحة قوي كده؟ قهقه غريب وتابع بمرح: "عيونك هي اللي فضحتك يا عهد.

وضاف بنبرة حانية: الحب باين في عيونك يا حبيبتي، عيونك اللي ما تعرفش الكره أبداً." أخرجت عهد تنهيدة حارة من بين شفتيها ثم قالت بشرود: "عمري في حياتي ما عرفت أكره، الدنيا هي اللي كرهاني يا بابا وكاره تشوفني فرحانة من قلبي بجد." ثم التفتت له وتابعت بعيون مرغرغة بالدموع: "أنا كل ذنبي في الدنيا إني حبيت، وكأن الدنيا مستكتره عليا الحب ده، مستكتره عليا أعيش حياة طبيعية مع الراجل الوحيد اللي حبيته."

عند هذه النقطة هبطت دموعها بغزارة. هتف غريب بحزن: "ليه، ليه كل الدموع دي؟ ليه بتعملي في نفسك كده يا حبيبتي؟ ملعون أبو الدنيا وأي حد يزعلك وينزل دمعة من دموعك اللي زي اللؤلؤ دي يا عهد." ثم تابع متنهداً: "يا حبيبتي أنتي بنتي اللي مخلفتهاش مش مرات ابني بس، وأنا ويصعب عليا اللي أنتي فيه ده دلوقتي وميهونش عليا دموعك دي، وبندم في اليوم ميت مرة على اللي عملته فيكِ زمان، والجرح اللي علم جواكي، اللي كنت أنا وسمية سبب فيه."

فجثت عهد على ركبتيها أمامه وسحبت يديه، واضعة قبلة حانية على كفه وهتفت بحب: "أوعى تقول كده يا بابا، اللي حصل زمان حصل خلاص وأنا سامحت فيه، بس وجعي من ابنك هو اللي تاعبني لحد دلوقتي." فأضافت بوجع:

"أنا بحاول أتأقلم مع الوضع وبحاول أهدي نفسي، بس أنا في جوايا نار قايدة مش بتتطفى. لما شفته في المستشفى يوم حادثة ليا، قولت الدنيا هترجع تضحك ليا تاني وهيلم شملنا من جديد، وملحقتش أفوق من الطعنة القديمة لقيت طعنة جديدة جت في نص قلبي. صدقني يا بابا أنا كل اللي قولته امبارح ده غصب عني من النار اللي جوايا." رفع غريب يديه ماسحاً دموعها وردد في ألم: "أنا حاسس بيكي يا حبيبتي، وحاسس بوجعك اللي وجعني أنا كمان." وتابع في أمل:

"بس أهو عاصم حس بحجم الغلطة اللي عاملها، وأنا أقصد بكلامي ده جوازه من فرحة اللي خارج عن إرادته، وفرحة كمان طلعت عندها أصل وأخلاق وتفهمت الوضع وهينفصلوا بهدوء، خصوصاً إني عرفت من سمية إن جوازه منها جواز على ورق يعني مجرد كتب كتاب بس." صدمة. صدمة تلقتها الآن في تلك اللحظة. فهي علمت للتو بأن زواجه من تلك الفرحة ليس زواجاً رسمياً، فهو مجرد كتب كتاب فقط لا غير. فأردفت عهد بارتباك: "يعني إيه اللي حضرتك بتقوله ده؟

يعني عاصم كاتب كتابه بس على فرحة؟ أومأ غريب برأسه عدة مرات ثم هتف بمراوغة: "أيوه بالظبط. هو أنتي كنتي عاوزاه جواز كامل ولا إيه؟ هتفت عهد سريعاً: "لااااا لاااا طبعاً، أنا بسأل بس مجرد سؤال." نظر لها غريب وابتسم بسمة طفيفة وتابع: "وريني همتك بقى ووريني هترجعيه لحضنك تاني إزاي." ارتبكت عهد بشدة وهتفت بنبرة خجلة:

"مبقاش ينفع يا بابا رجوع خلاص. أنا وعاصم بقينا زي الشمس والقمر صعب يتلاقوا، ووجودي في البيت هنا عشان خاطر ولادي ونفسيتهم، ولما يكبروا ويدركوا كويس اللي بيحصل حواليهم ساعتها هقدر أنفصل عن عاصم بشكل رسمي. غير كده أوعى تفكر يا بابا أنت أو أي حد إن ممكن نرجع تاني." استطرد غريب بتساؤل ممزوج باستغراب: "يعني إيه الكلام ده يا عهد؟ إيه اللي أنتي بتقوليه ده يا بنتي؟

ده بيتك وده مكانك أنتي وولادك، وعاصم جوزك ولازم تحاربي عشانه. أنا مكنتش فاكرك ضعيفة بالشكل ده، أو إنك ممكن تتنازلي عن حقك في عاصم بالطريقة دي." فتابع باستنكار: "لااااا يا عهد استحالة تعملي كده يا بنتي فينا وفي ولادنا." نظرت له عهد وهتفت بدموع: "مش هقدر أدوس على كرامتي أكتر من كده يا بابا مش هقدر، أنا كرامتي اتهانت قوي." أسرع غريب بنفي:

"ما عاش ولا كان اللي يهين كرامتك يا حبيبتي، وأنتي كرامتك في البيت ده من كرامتي أنا شخصياً ومحدش يقدر يهوب ناحيتها. وبعدين اللي بيحب بينسى كرامته يا عهد، هما مش بيقولوا الحب مفهوش كرامة، وبيقولوا كمان مراية الحب عامية." هزت عهد رأسها مسرعة وصاحت برفض:

"الحب اللي من غير كرامة يا بابا ميبقاش حب. تخيل معايا كده إن حد بيحب حد فيضيع كرامته، أومال لو كان بيكره كان عمل فيه إيه. استحالة يكون اللي حضرتك بتقول عليه ده يكون حب استحالة." نظر لها غريب ثم تفوه بحيرة من أمرها: "أفهم من كلامك إنك هتستسلمي يا عهد؟ هتتنازلي عن حقك في الدنيا؟ هتتنازلي عن حب عمرك وعن تعبك وعذابك طول السنين اللي فاتت؟

أنتي صبرتي كتير يا عهد وربنا عمره ما ضيع صبر حد أو ظنه فيه. هتيجي أنتي على آخر لحظة وتضيعي كل ده؟ أنا مش هسمح بكده صدقيني." ثم تابع بنبرة حانية:

"طوعي قلبك يا بنتي، ربك رب قلوب. اسمعي قلبك بيقولك إيه واعمليه. متضيعيش الفرصة يا بنتي، في غيرك يا حبيبتي بيتمنوا ربع الفرصة دي، غيرك كتير قوي حصل معاهم زي ما حصل معاكي وفقدوا أزواجهم للأبد، وبيتمنوا لحظة بس يعوضوا فيها اللي راح، وأنتي ربنا عطاكي عمر بحاله عشان تعوضي فيه حياتك اللي اتسرقت منك زمان." فتابع بهمس مؤكداً على كل حرف يتفوه به:

"أوعي تضيعي الفرصة يا عهد، أوعي تضيعي عمرك يا حبيبتي. العمر واحد والحياة واحدة، لو معشتهاش زي ما أنتي عايزة، مش هيكون عندك أوبشن تاني عشان تعيشها مرة تانية. راجعي نفسك يا عهد وأنا واثق إنك هتعملي الصح، واللي قلبك هيقولك عليه." و أضاف بنبرة يكسوها الحزن المخلوط بالقليل من الأمل: "وأعملي حسابك عاصم هينزل الشركة من بكرة."

ثم تحرك بالكرسي الخاص به تاركاً إياها، دون سماع ردها، ذاهباً صوب الباب، يهم بالعودة إلى غرفته، تاركاً عهد خلفه تقف مشدودة تشعر بالتوهان والحيرة، تفكر في كل كلمة تفوه بها، ترن بآذنيها تلك الجملة التي أخبرها بها منذ قليل، الذي قد أخبرها بها عم هلال هو الآخر من قبل: (ربك رب قلوب) ظلت تفكر كيف ستتعامل مع الفترة القادمة، فهو سيكون أمامها طوال الوقت بالعمل وبالمنزل. كيف لها أن تتحمل كل هذا الوجع يا الله؟

ظلت تفكر وتفكر، إلى أن شعرت بصداع شديد يكاد يفتت رأسها، فذهبت إلى التسريحة الخاصة بها وأخذت من الدواء الذي قد أعطاه لها الطبيب أمس، ثم اتجهت إلى المرحاض وقامت بملء حوض الاستحمام (البانيو) لتنعم بحمام دافئ لعله يهدئ منها قليلاً ويقلل من توترها ويشعرها بالقليل من الاسترخاء.

وبعد مرور عدة ساعات، تجلس عهد أعلى سطح الفيلا في المخدع القابع أعلى المنزل، تستمتع بالهواء الطلق، تستمع إلى أنغام أم كلثوم في تلك الأغنية المحببة إلى قلبها، تستمع إليها وهي شاردة بكل كلمة تنطق بها، فهي عاشقة لكوكب الشرق ولهذه الأغنية بالتحديد، وظلت تدندن معها بصوتها العذب الجميل في انسجام شديد، فعلى ما يبدو أنها أصبحت بحالة أفضل عن الصباح، تدندن بهيام شديد وشرود في الوقت نفسه. الهوى عطشان في قلبي بيندهك

يا أرق من النسمة وأجمل من الملاك إنت روحي وكل عمري ونور حياتي يا حياتي إيه أنا بالنسبة لك حبيبي ده أنا مخلوق عشانك يدوب عشانك عشانك انت وقلبي عاش على لمس حنانك يدوب حنانك حنانك انت حلوة حلوة الأيام حلوة الأحلام حلوة حلوة حياتي حلوة حلوة يا سلام حلوة حلوة بتمر قوام حلوة ويا حياتي يا زمان يا زمان يا ليالي طويلها أحلامها جميلة وحالتي معاك يا زمان يا ليالي بتجري بتطوي آمال وتفوتها رماد فيها لو تنسي اتنين اتنين في الحب

اتنين في الحب اتنين للحب دايبين عايشين عايشين نقول للدنيا بحالها ولكل قلب بدقته حس يا دنيا حبي وحبي وحبي ده العمر هو الحب وبس واسقيني واملا واسقيني تاني من الحب منك من نور زماني اسقيني ياللي من يوم ماشوفتك حسيت كأني اتخلقت تاني ظلت تدندن بهيام وهي تداعب خصلاتها، ناظرة إلى السماء في شرود، فعلى ما يبدو أن حالتها المزاجية جيدة للغاية، أنها بتلك اللحظة تعيش لحظة سلام قد افتقدتها منذ الكثير.

كل ذلك وعاصم يقف يراقبها من بعيد، يستمع إلى نبرتها المحببة إلى قلبه وصوتها العذب وتلك الأغنية المفضلة إلى قلبه. شعر بسعادة تغمره، وكأن قلبه يترقص بداخله، بمجرد أن لمحها سعيدة، أو يبدو عليها السلام والراحة، فهو سعيد لرؤيتها هكذا. تمنى لو بأمكانه احتضانها الآن، يريد أن ينعم بأحضانها، يريد أن يعيش تلك اللحظة التي عاشها أمس وهي بداخل أحضانه، يريد ذلك الشعور وبشدة.

فحانت منه ابتسامة ساحرة إلى جانب شفتيه، وهم بالذهاب إليها، فهو قد حسم على التحدث إليها الآن. فأقترب منها يقدم خطوة ويؤخر الأخرى في تردد، فهو يخشى ردة فعلها حقاً. فأقترب منها وهتف بنبرة مترددة: "عهد ممكن أتكلم معاكي شوية؟ رفعت عهد نظرها إليه ثم هتفت بنبرة صافية خالية من أي ضغينة: "اتفضلوا." بالفعل جلس عاصم قبالها ونظر بداخل عيونها ونطق بصوتاً رحيم ونبرة يكسوها الحنين والاشتياق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...