سقطت عهد بداخل أحضان عاصم، غارقة في دمائها، فاقدة للوعي. وسقط عاصم أيضًا معها وهو لا يزال محتضناً إياها، في صدمة وذهول مما حدث. رفع يديه ووجدها مليئة بدماء زوجته، فنظر لها بصدمة وبدأ في هز جسد عهد بصراخ ونبرة مرتجفة: "عههههد، عهد فوقي، عهد متعمليش فيا كده لااااااا لااا، أنتي مش هتسبيني دلوقتي صح؟ عند هذه اللحظة، اقتربت منهم سمية صائحة بصراخ وهي تجذب يد عهد إليها مقبلة إياها:
"بنتتتتااااي، عهد، لاااااا لاااا أنتي بتهزري أكيد صح، لااااا لاااا أنتي مش هتعملي فينا كده دلوقتي مش هتسيبينا صح؟ ثم هزت رأسها بعنف وأكملت بعدم تصديق: "لاااااا لاااا" وفي هذه اللحظة حضر عمر، فهو كان بالخارج وعاد للتو، فوجد المشهد كالتالي: الجميع تلجمهم الصدمة، يقفون كالتماثيل. والصغار يقفون يبكون دون أن يفهمون شيئاً. فهم لا يعلمون ماذا حدث؟ ولماذا والدتهم فاقدة للوعي هكذا؟ ولماذا الجميع يصرخ ويبكي؟
وعاصم محتضناً عهد الغارقة في دمائها، يقبل كل شبر بها بصراخ هستيريا. ووالدته جالسة على الأرض تقبل في يد عهد بلهفة وعدم تصديق لما يحدث. فأسرع عمر إليهم بصدمة جاثياً على ركبتيه يتحسس نبضها قائلاً بنبرة فزعة وخوف شديد: "النبض ضعيف أوي، يلا بينا بسرعة على أقرب مستشفى."
فلم يستمع عاصم لباقي حديثه، وهب واقفاً حاملاً إياها بين يديه راكضاً باتجاه السيارة. ففتح له عمر الباب الخلفي. فمدد جسدها على الأريكة وصعد معها واضعاً رأسها أعلى قدميه، يبكي ويعول كالطفل الصغير الذي على وشك أن يفقد والدته. يبكي بحرقة بكاء لم يبكي أحد من قبل. فهو على حافة الجنون، لا يستطيع تصديق ما يحدث، لا يستطيع تصديق بأنه على وشك أن يفقد محبوبته بهذه السرعة. ظل يبكي وهو يقبل يديها بترجٍ من بين دموعه:
"أرجوكي، أرجوكي يا عهد متسبينيش." ثم هطلت دموعه بغزارة: "مش بعد ما بقينا مع بعض وصدقت لقيت نفسي ولقيتك تسبيني كده وتمشي؟ ثم جثى بجسده عليها حاضناً إياها وأجهش في بكاء مرير لم يسبق له من قبل أن يبكي هذا البكاء بحياته قط، حتى عندما كان طفلاً صغيراً لم يبكِ هكذا. فشعر عاصم بأن جسد عهد ينتفض من بين يديه، فشدد من احتضانه لها وأردف بعنف موجهاً حديثه إلى عمر: "بسررررعة يا عمرررر بسررررعة، مراتى بتموت."
فنطق عمر بزعر وخوف شديد: "خلاص يا عاصم وصلنا خلاص." وبالفعل هبط عمر من السيارة ثم فتح الباب لعاصم. فهبط هو الآخر حاملاً عهد بين يديه مسرعاً بها إلى داخل المشفى. وبمجرد دلوفهما إلى الداخل حتى أتى الطبيب مسرعاً برفقة مساعديه. ووضع عاصم عهد أعلى الترولي وأسرعوا في أروقة المشفى في طريقهم إلى غرفة العمليات.
وعندما وصلوا إلى قسم العمليات، منعهم الطبيب من الدلوف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه. وهنا وصلت أمينة بصحبة والدتها ووالدها. فهتفت سمية بلهفة ودموع: "طمنوني بنتي عاملة إيه؟ ثم تابعت بصراخ: "حد يرد عليا." فأجابها عمر بهدوء مصطنع، فهو يحاول أن يطمئنها برغم الذعر والخوف البادي على ملامحه: "إن شاء الله هتبقى كويسة يا ماما، هي دلوقتي في العمليات." فتحدث غريب داعياً بدموع وقهر:
"يارب، يارب متوجعش قلبي عليها، أنا خلاص والله ما حمل وجع تاني، والمرة دي هروح فيها بجد، يارب احفظها لشبابها ولجوزها ولأولادها ولينا كلنا يارب." ثم أجهش في البكاء من جديد. فجثى أمينة على ركبتيها أمامه قائلة ببكاء وصوت مخنوق: "اهدأ يا بابا، اهدأ وادعيلها وهى هتقوم بالسلامة والله، عهد قوية أنا عارفة وهتستحمل."
لكنها هبت واقفة عند مجيء شريف برقّة هشام ويسرا وزياد. فهي قد أخبرتهم منذ قليل بما حدث وها هم قد حضروا جميعاً في غضون دقائق فقط. فصاحت يسرا ببكاء وانهيار تام: "بنتتتتي، حد يطمني عهد عاملة إيه؟ ثم وجهت حديثها إلى سمية الباكية مردفة بذعر: "انتي بتعيطي ليه بنتي مالها يا سمية حد يرد عليا." ثم أكملت بتساؤل ولهفة: "هي فين دلوقتي؟ فأجابتها أمينة بدموع: "عهد في أوضة العمليات يا طنط، ادعيلها هي دلوقتي محتاجة الدعاء أوي."
فرد زياد بانفعال: "إيه اللي حصل طيب؟ حد يقولنا." فاستطردت سمية ببكاء وشحفة: "عاصم كان بيلعب مع الولاد في الجنينة ومرة واحدة سمعنا عهد بتصرخ باسمه ونزلت جري من الأوضة وأول ما وصلت حضنت عاصم وسقطت غرقانة في دمها ومحدش عارف لحد دلوقتي إيه اللي حصل."
عند هذه النقطة استمعوا جميعاً إلى صوت صراخ عاصم. فهو منذ أن دلفت عهد إلى الداخل، وهو يقف في عالم آخر بعيد كل البعد عن هذا العالم. فهو منذ ذلك الوقت وهو يسترجع كل ما حدث له طيلة حياته بذاكرته. يسترجع الحادث الأليم الذي تعرض له وكيف نجى منه. يتذكر أول لقاء جمعه بمحبوبته، وكيف تزوجها وظفر بها بعد معاناة مع عائلته. تذكر كيف جرحها وكسر قلبها الذي أحبه وبشدة. تذكر لحظات حياته جميعها التي مر بها.
لكنه استوقف عند حدثين من أهم أحداث حياته، وهما الحادث الخاص به الذي أسفر عن فقدانه لذاكرته وهويته، وهذا الحادث الذي حدث الآن مع زوجته. ظل يصرخ ويصرخ قائلاً بعصبية وانهيار تام: "آااااااااه، آاااااه." ثم رفع يديه واضعاً إياها أعلى رأسه، جسده يتصبب عرقاً غزيراً، يبكي ويصرخ في آن واحد. ظل يمرر عينيه بين الحضور جميعاً. كل هذا وهو يضع يديه أعلى جبهته يحاول أن يوقف سير كل هذه الذكريات، ولكن لم يقدر. ظل يصرخ ويصرخ.
الجميع يحاول الاقتراب منه لمعرفة ما به، إلا أنه لم يشعر بهم، لم يعطِ لهم الفرصة حتى لتهدئته، فأبعد الجميع عنه بعنف. ثم اقترب من الحائط وبدأ يلكم بيديه الحائط لكمات قوية وعنيفة، إلى أن سالت الدماء منها. فحاول شريف وعمر وزياد توقيفه، ولكنهم فشلوا جميعاً في ذلك.
ثم نظر إليهم جميعاً بثقوب يهز رأسه بعنف وهو لا يزال يبكي ويصرخ، وبدأ بالطرق على رأسه في محاولة لإيقافها، إلا أن قواه قد خارت ولم تصبح قدماه قادرة على حمله، فسقط على الأرض وظل جسده ينتفض. يصرخ ويصرخ. وبدأ جسده بالتشنج مصدراً حركات غريبة وكأنه مصاب بمرض الصرع وليس فاقد الذاكرة، إلى أن فقد وعيه.
فجلست سمية على الأرض رافعة رأسه بين راحتها، وأسرع الجميع إليه في خوف وذعر شديد. فما حدث للتو لم يحدث له من قبل. فهم منذ عودة عاصم إلى المنزل من جديد لم يروه قط بحالة مثل هذه الحالة. فصاحت سمية بصراخ: "ابني، عااااصم، حد ينده الدكتور بسرعة." وبالفعل حضر الطبيب وأدخله إلى غرفة خاصة به وأعطاه إبرة مهدئة. وأخبرهم بأنه يعاني من حالة انهيار عصبي شديد وأنه سيفيق بعد مرور عدة ساعات.
وبعد مرور ثلاث ساعات. في المشفى وتحديداً بداخل غرفة عاصم، يبدأ عاصم بفتح عينيه بألم شديد. فهو يشعر بصداع مميت برأسه، رافعاً يديه مدلكاً بها أعلى جبهته. فلمح هذا الخيط الأبيض الملتف به يديه، فاستغرب كثيراً لهذا. ثم بدأت عيناه تدور في جميع أنحاء الغرفة، إلى أن استوعب للتو مكانه، مسترجعا ما حدث له منذ عدة ساعات. فهو لم يعرف كم من الوقت استغرق في تلك الغرفة، ولكن الوقت يشوبه الظلام وعلى ما يبدو أن الليل قد حل.
تذكر عهد، عهده. فهب واقفاً بسرعة شديدة. وما أن وقف على قدميه حتى شعر وكأن الأرض تدور من تحت قدميه. فلم يبالي بدواره هذا وأستند إلى الحائط يحاول أن يستعيد توازنه. وأسرع إلى غرفة العمليات حيث تقبع زوجته. وما أن وصل حتى صاح بلهفة وهستيريا: "عهد فين؟ عاملة إيه دلوقتي؟ فالتف الجميع حوله بلهفة مردفين في نفس واحد: "عاصم أنت كويس؟ فتجاهل عاصم حديثهم هذا ونطق بلهفة أكبر ونبرة يشوبها الحدة والانفعال: "مراتى عاملة إيه؟ انطقوا."
فهتفت يسرا ببكاء: "ادعيلها يا عاصم، بقالها 3 ساعات في العمليات ومحدش بيطمنا، أنا قلبي مش مستحمل والله كل ده." وما أن أنهت حديثها حتى انفتح الباب سريعاً وخرج منه الطبيب. فأسرع إليه الجميع مرددين بلهفة: "طمنا يا دكتور من فضلك." فنطق عاصم بذعر ولهفة: "مراتى عاملة إيه يا دكتور، أرجوك طمني." فأجابه الطبيب بعملية: "قلبها حالته وحشة أوي، ومستحملش للأسف." ثم هز رأسه وتابع بأسف: "البقاء لله." صرخ الجميع وصرخت سمية بعدم
تصديق قائلة بقهر ووجع: "بنتتتتي، عهد، بنتي ماتت." أكملت وهي تلطم وجهها بعنف: "يارب هي متستاهلش النهاية دي يارب، يارب خد من عمري وأديها يارب، يارب عشان خاطر شبابها يارب." ثم صرخت بعدم تصديق: "يارب، يارب أنا مقدرش أدخل البيت ولا أعيش في ثانية من غيرها يارب." فأضافت بذهول وذعر وهي تستمر في لطم وجهها: "طب هقول إيه لولادها، هقولهم إيه؟ فنطقت بحسرة:
"هقولهم أمكم ماتت وسابتكم، هقولهم أنتم مش مكتوب عليكم تفرحوا وتعيشوا بين أبوكم وأمكم." "يا جمال قلبك يا عهد، ويا وجعي عليكي يا حبيبتي." فرفعت يديها مخبية وجهها خلفها وهي لا تزال تبكي وتصرخ. وبدأت أمينة هي الأخرى بالبكاء وأسرعت باحتضان زياد يبكيان سوياً بكاء يقطع له نياط القلب. وغريب يجهش في بكاء مرير، ظل يبكي ويبكي إلى أن شعر بأن قلبه يكاد أن يتوقف وتابع بألم ووجع دافين:
"ياااارب، ياااارب، هو أنا مكتوب عليا أودع عيالي واحد ورا التاني يارب، يارب ليه كده يارب." ثم أكمل بهستيريا: "أنا عملت إيه وحش في حياتي بتعاقبني عليه بالشكل ده يارب، يارب خدني أنا مكانها، أنا خلاص ماليش لازمة في الدنيا دي، بس هي ولادها وجوزها محتاجينها يارب، يارب خدني أنا وبلاش هي يارب." "آااااااه أهههههى أهههههى." ثم أضاف بصراخ: "يا مقرب البعيد يارب، يا مقرب البعيد يارب." وعاد للبكاء من جديد.
وشريف وعمر يقفان كالتمثال لا يفعلان أي شيء سوى البكاء، فدموعهم تهطل دون صوت من شدة صدمتهم. الجميع يمتلكهم الصدمة، فهشام هوى على أقرب كرسي واضعاً يديه أعلى قلبه قائلاً بنبرة مكسورة وصوت مخنوق من شدة دموعه يشوبه عدم التصديق: "لااااااا، لاااا يارب مش بسرعة دي تسبيني وتمشي كده لاااا، يارب خدني أنا." ثم تابع بهستيريا:
"أنا عشت كتير وفرحت ياما بس هي لاااا، هي لا فرحت ولا عاشت يوم حلو حتى، يارب خدني أنا ورجعها هي لولادها ولشبابها يارب، يارب أنا خلاص راجل كبير المرض هدني وقربت أروح، فخدني أنا وسيبها هي." ثم أضاف بصراخ: "يااااااااااااارب يااااااااااب ياااااااااار." ويسرا تقف قدماها غير قادرة على حملها، فهوت هي الأخرى على الأرض وصرخت صرخة مدوية مفرغة من خلالها وجعها وقهرتها على فقدانها لصغيرتها صارخة بتأوه:
"آااااااااااااااه، قلبي قلبي." ثم بدأت تأخذ أنفاسها بسرعة شديدة وواصلت بانهيار تام وعويل: "يا وجع قلبي عليكي يا بنتي، يا حسرة قلبي عليكي يا عهد، يا عمري اللي راح، يا حياتي اللي هتندفن في التراب، كده هتمشي وتسبيني وتسيبى ولادك بالسرعة دي، ده أنا ملحقتش أفرح بيكي يا حبيبتي، ملحقتش أشوفك فرحانة من قلبك يا عهد، فرحتي ناس كتير يا حبيبتي بس انتي ملحقتيش تفرحي." فأقترب منها شريف محتضناً إياها وأجهش هو الآخر في البكاء.
كل هذا يحدث في ثانية واحدة، الجميع يبكي ويصرخ ويعول على فراق عهد. وفي نفس الوقت الذي يصرخ فيه الجميع، اقترب عاصم في صدمة من الطبيب، ممسكاً إياه من تلابيبه قائلاً بعصبية وعدم وعي: "انت إيه اللي بتقوله ده." ثم أضاف بعدم تصديق: "أنا مراتي ما ماتتش انت فاهم، عهد عايشة انت اللي حمار ومش فاهم حاجة." ثم صرخ بأعلى صوته يملكه: "حد يشوفلي دكتور تاني غير الحمار ده، أنا عايز دكتور هنا بسرعة."
ثم زج بالطبيب بعيداً عنه وركض إلى غرفة العمليات حيث تقبع حبيبته، ووجد الممرضة ترفع الغطاء لتغطي وجهها. فأمسك بيديها مسرعاً ثم صرخ ببكاء: "انتي بتعملي إيه يا غبية انتي، أنا مراتي عايشة ما ماتتش، انتي فاهمه." ثم صرخ بهم جميعاً قائلاً بانفعال شديد: "برررررره اطلعوا بررررره." وبالفعل شعر الجميع بالخوف من نبرته هذه وابتعدوا عنه مسرعين.
فالتفت عاصم بجسده إلى عهد ناظراً إليها بوجع نظرة مكسورة يشوبها الضعف. ثم اقترب من وجهها ملامساً إياه بحب شديد وتابع بأستعطاف ونبرة مكسورة مختنقة ودموعه لا تزال مستمرة في الهطول: "انتي هتمشي خلاص، هتمشي يا عهد." ثم نظر إليها بأستعطاف ونبرة متقطعة مختنقة بالبكاء: "مش أنا وعدتك أني أعوضك عن كل حاجة وحشة حصلت لينا؟
أحنا لينا بيت وأحلام عاوزين نحققها سوا. طب بلاش عشانى أنا، أنا عارف أني مستاهلش حاجة خالص، بس ممكن تقومى عشان ولادنا، عشان عز وزين و ليا." ثم أضاف بوجع وأستعطاف: "لا لاااا أنتي هتقومي عشانى أنا كمان، أنا هموت من غيرك يا عهد." فرفع رأسها بين راحته ضاماً إياها إلى داخل أحضانه مؤكداً على حديثه السابق وهو يهز رأسه بتوهان ووجع: "ايوه ايوه هتفوقي عشانى أنا عارف." ثم هتف بلهفة وكأنه قد تذكر شيئاً للتو:
"مش أنا رجعت أهو وهنكمل حياتنا سوا، ليا بقاااا انتي عاوزة تسيبني دلوقتي، أحنا متفقناش على كده يا عهد متفقناش على كده." ثم أكمل بصراخ وصوت عال: "انتي مش بتردي عليااااا ليه؟ ثم وضع رأسها بين يديها يهز إياها بعدم تصديق: "ليه يا عهد ليه، ردي يا عهد ردي عشان خاطري." فاحتضن بطنها قائلاً بانهيار تام وبكاء ممزوج بتأوه: "آاااااااه يا عهد آاااااه، متسبنيش، متسبنيش يا عهد، أنا كده هموت بعد ما دبت فيا الروح تاني."
ثم رفع رأسه ناظراً إليها من جديد وهو يحتضن بشرتها بين يديه قائلاً بجنون ولهفة: "مش أنا افتكرت كل حاجة." ثم تابع بتأكيد وهو يهز رأسه بجنون: "آه والله افتكرت كل حاجة يا عهد، افتكرت كمان كنت بحبك قد إيه، طب انتي عارفة أنا كمان افتكرت إيه تاني؟ فنطق بوجع ودموع غزيرة: "افتكرت لما قولتيلي أنك نفسك نعيش في بيت أسوان طول العمر أنا وانتي ومنخرجش منه أبداً." فهطلت دموعه بغزارة فرفع يديه ماسحاً إياها مسرعاً:
"ساعتها أنا قولتك ياريت بس مش هقدر عشان الشغل وبابا والعيلة." فتابع ببكاء ونبرة مستعطفة: "أنا موافق، موافق أعيش اللي باقي من عمري معاكي لوحدينا في أي مكان، أنا موافق أسيب الدنيا كلها وأكتفي بيكي وبحضنك، بس فوقي يا عهد، فوقي عشان خاطري." ثم انخرط في بكاء مرير وهو محتضنها بين أحضانه مقبلاً كل شبر بها: "أنا بحبك يا عهد بحبك ومش هقدر أعيش وأكمل من غيركو."
عندما شعر باليأس رفع عينيه إلى أعلى متحدثاً بنبرة يشوبها الانكسار مليئة بالقهر والوجع والدموع: "ليييييه يارب، يارب أنا صبرت كتير أوي واتعذبت أكتر، يارب أنا مش قد ده كله، أنا مش هقدر أكمل من غيرها يارب." فأضاف بصراخ ممزوج ببكاء: "يارب انت لو بتختبر صبري فأنا صبري خلاص نفذ، صبري نفذ ياااااااارب."
فأجهش في البكاء من جديد. ظل يبكي ويبكي مترجياً المولى عز وجل تارة ومتراجياً إياها تارة أخرى حتى فقد الأمل وشعر باليأس وأحس بأن روحه تحترق من شدة الألم وكان على وشك أن يعلن استسلامه. لكنه في هذه اللحظة استمع إلى صوت صفير جهاز القلب الخاص بها معلناً عودته مرة أخرى إلى الحياة، ينبض نبضاً جديد، نبضاً معلناً معه حياة جديدة لهذا الجسد الساكن، وحياة جديدة أخرى لكل من تعلق بهذا القلب المحب قلباً وقالباً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!