فى منزل الأسيوطى ، يعمل الجميع على ساق و قدم ، فاليوم هو يوم عودة الغائب بعد فراق دام لسنوات ، سنوات لم يشعر أهل المنزل بمذاق السعادة التام ، سنوات عاشها الجميع بقلبا مكلوم ، و عيون لم يجف الدمع بها ، فمنهم من ينتظره باشتياق و لهفة ، و منهم من ينتظره على أحر من الجمر ، و منهم من ينتظره فى ترقب و فرحة عارمة ، و منهم من يخشى هذا اللقاء و بشدة .....
و ها هم الأطفال بين كل لحظة و لحظة يتسألون عن موعد وصول والدهم و كذلك غريب فهو مستاء من الإنتظار ، لا يدرى لماذا تمر الدقائق ببطء شديد ، يتمنى أن يراه فى الحال و يضمه إلى أحضانة . فصاح بأستياء قائلاً: أنا مش عارف عمر اتأخر كده ليه ، ده بقاله أكتر من ساعة ، مش معقول التأخير ده. أردفت سمية هى الأخرى بتأكيد: فعلاً اتأخروا أوى. ثم أكملت بلهفة و كأنها تذكرت شيئاً للتو:
ليكون رجع فى كلامه يا عهد ، و لا اللى اسمها فرحه دى تكون قالتله لا و هو سمع كلامه. ردت عهد باستنكار: أكيد لا يا ماما ، هو بس إنهارده الجمعة و الدنيا زحمة فتلاقى زحمة مرور مش اكتر. تفت أمينة بلهفة: أنا مش قادرة أستنى ، أنا أساساً مش عارفة أزاى أستنيت لحد دلوقتى و مروحتش له من ساعتها. أردف هشام بحكمة:
خلاص يا ماينو فات الكتير و باقى القليل ، هو حد يصدق أصلاً اللى حصل معانا ، ثم تابع بأمتنان و حمد؛ ده من لطف ربنا بينا و بالأطفال الصغيرين اللى حصل ده. رددت يسرا بفرحه: عقبال يارب ما فرحتنا تكمل ، لما ترجعله الذاكرة. أردفت سمية بتمنى: يارب يا يسرا ، يسمع من بوقك ربنا. كل ذلك يحدث و عهد شاردة الذهن تفكر فيما سيحدث معها على مدار الأيام المقبلة ، فهى لا تعلم كيف ستمر عليها ، و كيف ستتقبل وجود فرحه إلى جواره .
كيف لها أن تتحمل هذا الوجع ؟ فالمرة الأولى كان قرارها هو الإنسحاب ، و لكنها فى هذه المرة لا تستطيع فعل ذلك ، فهناك أطفال و حياة كاملة قائمة عليها ، تريده بشده و لكنها غاضبة منه . فأبتسمت بأستهزاء على حالها ؛ فهى حتى وهى غاضبة منه تحتاج إليه و إلى أحضانه ، تشتاق إليه حقا ، تريد عناقه منذ أن رأته أول مرة بالمشفى ، عناق واحد فقط و لا تريد بعد ذلك شيئاً ، و لكن كبريائها يمنعها عن ذلك ....
فاقت من شرودها هذا على صوت أمينة المردد بسعادة عارمة و لهفة: أنا سامعة صوت عربية شكلهم وصلوا. فأنطلقت مسرعة صوب الباب لإستقباله .....
على الجانب الآخر ، ما أن أنفتحت بوابة المنزل ، حتى فرغت فرحه شفاها فى صدمة من جمال المنظر ، فهى كانت تعتقد بأن هذه المبانى الضخمة و القصور الفارهة لن ترأها إلا بالتلفاز فقط ، و لكن فى هذه اللحظة رأت ما ظنته يوماً مجرد حلم ، فهى لم تصدق بعد بأنها ستعيش فى هذا المكان بدلاً من تلك الحارة التى كانت تقطن بها مع والدها رحمة الله عليه ، فترجلت من السيارة بذهول و هى تتطلع لكل أنش بتلك الڤيلا بذهول و سعادة.
و على الناحية الأخرى بمجرد أن توقف عمر بالسيارة حتى شعر عاصم بأرتياح غريب يشمله ، يشعر بشعور المسافر بعد عودته إلى وطنه و منزله ، لا يعرف من أين أتى له هذا الشعور ، و لكنه فى هذه اللحظة يشعر بسلام داخلى لم يشعر به قط طوال السبع سنوات الماضية ، فترجل من السيارة فى ترقب و شعور بسعادة لا يعرف من أين أتى له ، ففتح باب السيارة و ترجل منها و هو يتنفس نفسا عميق ، فهو يشعر و كأن رئته لم تتنفس يوماً طوال السنوات الماضية ، و ها هى قد عادت للتنفس من جديد .
فذهب إليه عمر قائلاً بحب: حمدالله على السلامه يا عاصم ، نورت بيتك. أبتسم عاصم بحب هو الأخر و لأول مرة منذ أن رأى عمر قائلاً: الله يسلمك يا عمر ، البيت منور بيكم. و ما أن هم جميعهم بالأقتراب إلى باب المنزل حتى أنفتح الباب و طلت منه فتاة قصيرة القامة مندفعه بسعادة و حب إلى أحضان عاصم ، فتلك الفتاة هى أمينة ، أندفعت داخل أحضان عاصم قائله بحب و لهفة: حبيبى وحشتنى أوى. ثم أجهشت بالبكاء؛ أنا عمرى ما تخيلت أنى هشوفك تانى.
ثم خرجت من أحضانة و وضعت وجهه بين راحتها و أردفت بوجع؛ أنا كنت ميته السنين اللى فاتت دى و محستش أنى عايشة غير لما عرفت أنك لسه عايش. ثم أندفعت من جديد إلى أحضانه ، كل ذلك يحدث و عاصم يقف متخشبا ، لا يعلم ما الذى عليه أن يفعله ، و لا حتى يعلم هويه الفتاة التى بداخل أحضانة ، و عندما شعر عمر بتصلب عاصم أردف بتعريف: دى أمينة أختك يا عاصم ، لما سبتنا كانت هى فى أولى ثانوى ، و دلوقتى هى عروسة و فرحها بعد شهرين.
فأبتسم عاصم بحب ثم هتف بمداعبه قائلاً لأمينة: يااااه هو أنا غبت كل ده. توهت أمينة و هى تعاود أحتضانه من جديد؛ أرجوك يا عاصم أوعى تسيبنا تانى بليز. هم عاصم بالرد عليها إلا أنه وجد عهد تخرج من باب المنزل ثم أقتربت منهم و هتفت و هى توجه حديثها إلى أمينة: ماينو كفاية و يلا أدخلوا لأن بابا جوه وضعه صعب ، و مش قادر يستنا أكتر من كده.
فابتعدت أمينة عن أحضان أخيها و أفسحت لهم الطريق حتى يدلفوا إلى الداخل ، تحت نظرات عاصم المذهولة ، فهو لم يتوقع رؤيتها بعدما حدث صباحاً ، و لكنها خالفت كل التوقعات. يتساءل كيف ستمر الأيام المقبلة ؟ و كيف سيكون تعامله معهم و معها هى بالتحديد ؟ و ما أن دلفوا جميعاً إلى غرفة الصالون حتى هب الجميع واقفا فى فرحه عارمة لا تخلو من عدم التصديق ، و أول من تحدث هو غريب قائلاً بدموع غزيرة: عاصم ...... أبنى .....
ثم أقترب بالكرسى الخاص به إلى حيث يقف عاصم ، و أردف باشتياق و لهفة: يا قلب أبوك ، وحشتنى أوى يا عاصم ، أنا مش مصدق نفسى. ثم فتح زراعيه له مرددا من بين دموعه؛ تعالى فى حضنى يا عاصم ، عاوز أحضنك و أشم ريحتك اللى وحشانى ، تعالى يا ابنى.
نظر إليه عاصم بتردد فهو يشعر بالألفة و الأمان تجاهه و لكنه يشعر بالغربة فى الوقت نفسه ، فجثى على ركبتيه أمامه فى تردد ثم أقترب من أحضانه و ما أن عانقه غريب حتى شعر عاصم و كأن ضرب بصاعق كهربائى ، شعر و كأن كيانه قد أهتز على أثر هذا العناق الملئ بالدفء و المحبة الخالصة فأدمعت عيونه ثم نطق بحب فهو حقا يشعر بالحب الشديد تجاه هذا الرجل العجوز دونا عن الباقية ، فتابع من بين دموعه هو الآخر: أهدى عشان خاطرى.
أردف غريب و دموعه مستمرة فى الهطول بغزارة: مش قادر يا عاصم. ثم أضاف و هو يتلمس ملامح وجهه بيديه؛ أنا مش قادر أصدق أنك لسه عايش يا حبيبى ، أنا حاسس و كأنى هتشل تانى من فرحتى. ثم أكمل بعدم تصديق؛ أنا مش قادر أصدق لحد دلوقتى أنك قدامى يا نور عينى ، أنا السنين اللى عدت عليا دى كلها كنت بموت فى اليوم ميت مرة بسبب حسره قلبى و قهرتى عليك يا عاصم. ثم عاود أحتضانه من جديد ، عشان خاطرى يا حبيبى ما تسبنى تانى.
تفوه عاصم و هو يخرج من أحضانة مقبلا يديه بحب: أوعدك يا بابا أنى هفضل جمبك على طول. فربت غريب على يديه بحب ثم هتف إلى الصغار قائلاً بسعادة: ليا ، عز ، زين ، تعالوا يا حبايب جدو سلموا على بابى. فأنتبه عاصم لحديث والده ثم ألتفت لينظر إلى الصغار. و هنا شعر عاصم بأن قدميه لم تعد قادرة على حمله. يشعر بقشعريره تسير فى جميع أنحاء جسمه على أثر رؤيته لأطفاله الثلاث إلى جوار والدتهم ، فهتفت عهد بحب: روحوا سلموا على بابى يلااا.
فهلل الصغار بحب و سعادة و هم يركضون باتجاه والدهم: باااااابى.
فجثى عاصم على رقبته فاتحا ذراعيه بكل قوته لأحتضانهم ، فهو حقا منذ أن رأئهم و هو يتمنى تلك اللحظة ، و بالفعل ركض الصغار إلى داخل أحضان والدهم فى حب ، و ما أن أحتضنهم عاصم حتى هطلت دموعه هذه المرة بغزارة يقبل كل أنش بهم ، يشعر و كأن روحه قد عادت إليه من جديد ، لم يتصور يوماً منذ أن علم بخبر وجودهم بأن يتلهف عليهم مثلما حدث الآن و تلهف على أحتضانهم ، ظل يقبلهم جميعاً و كذلك حال الأطفال ممسكين بأحضانة فى حب.
شعور يختبروا جميعاً لأول مرة منذ أن جاءوا لهذه الحياة ، فجلس على الأرضية و هو مازال محتضنا إياهم ثم أردف بحب بعد أن أخرجهم من أحضانه؛ مين فيكم عز و مين فيكم زين. نطق زين بحب معرفا نفسه: أنا زين يا بابى و ده عز و دى ليا. أردفت ليا بتساؤل ممزوج بحب: أنت بتعيط ليه يا بابى. أجابها عاصم بحب هو الأخر: بعيط من فرحتى بيكم يا حبيبتى و أنى شوفتكم. فتابعت الصغيرة بترجى: طب بليز يا بابى متعيطش ، عشان معيطش أنا كمان.
ثم مدت يديها و مسحت عبراته الهاطلة و وضعت قبله حانية على وجنته. نطق عز بنبرة طفولية يكسوها الحب: أحنا بنحبك أوى يا بابى. إجابه عاصم بحب و هو يهم بإدخالهم إلى أحضانه من جديد؛ و أنا بموت فيكم يا روح قلب بابى. كل ذلك يحدث و الجميع يراقب الموقف بعيون دامعة و قلوب فرحة على فرحه هؤلاء الصغار و جدهم ذلك العجوز. فاستطرد هشام بترحاب: حمدالله على سلامتك يا عاصم.
نظر له عاصم ثم أنتقل بعيونه إلى عمر دلالة منه على رغبته فى معرفة من يحدثه ففهم هشام المغزى من نظرته هذه و أردف بحب: أنا هشام المغربى والد عهد و حماك يا حبيبى ، حمدالله على سلامتك. أجابه عاصم باحترام: أهلاً بحضرتك. فهتف هشام بمرح: بلاش حضرتك دى و قولى يا H زى ما كنت بتقولى زمان. أوما عاصم برأسه بأبتسامة لم تصل إلى عينه فهو رغم مشاعر الحب التى يشعر بها إلا أنه لايزال يشعر بالغربة و يجهل هويه الجميع.
فأقتربت أميرة من عاصم ثم نظرت له بحب و هتفت بدموع: أنا أميرة أختك يا عاصم. ثم نظرت إلى صغارها و أكملت بسعادة و هى تقربهم منها؛ و دول ولادى عاصم و سارة. فأقترب منهم عاصم بحب ثم وجه حديثه إلى الصغير قائلاً: أنت أسمك عاصم على أسمى. أجابه الصغير بمرح طفولى: لا أنت اللى أسمك عاصم على أسمى. فأجتذبهم عاصم إلى أحضانه ثم قبل كلا منهم أعلى جبهته و ما أن أخرجهم من أحضانه حتى هتف مراد قائلاً بمرحه المعتاد:
و أخيراً رجعت يا أبو الصحاب ، يااااآه و هنرجع لأيام الجنتلة تانى. ثم نظر له بحب و تحدث؛ أنا مراد صاحبك من و أحنا قد كده. ثم أفتعل هذه الحركة بيديه 🤏 و جوزك أختك أميرة و لم يعطه مساحه للرد حتى أجتذبه إلى أحضانه قائلاً بحب؛ نورت بيتك يا صاحبي. أوما عاصم برأسه بتوهان فهو يحاول جاهدا تذكر كل هؤلاء الأشخاص و لكن محاولاته جميعاً تبوء بالفشل ، فاقتربت منه يسرا ثم اجتذبته إلى أحضانها قائله بحب أمومى:
حمدالله على سلامتك يا عصوم ، نورت بيتك يا حبيبى. فأبتعدت عنه و أكملت بحب؛ أنا يسرا مامت عهد و حماتك. نطق عاصم بأبتسامة: أهلاً بحضرتك. فأقتربت منه أمينة قائله بمرح: أقدملك بقا زياد خطيبى و أخو عهد. فنطر له عاصم ثم أبتسم له فأردف زياد بحب: حمدالله على سلامتك. إجابه عاصم بهدوء عكس ما بداخله من صراعات: الله يسلمك. فأردفت سمية أخيراً قائله بترحاي:
نورت بيتك يا نور عينى و رجعت فيه الحياة من تانى ، حمدالله على سلامتك يا عاصم. همس عاصم بأحترام: الله يسلم حضرتك. كل ذلك يحدث تحت نظرات فرحه المستاءه رغم تأثرها بكل ما يحدث إلا أنها تشعر بالغربة و عدم الراحة من وجود تلك التى تدعى عهد. فهتفت سمية بحب: طب يلا بينا نتعشا ، أنا عملالك بأيدى الورق العنب اللى بتحبه يا حبيبتى. نطقت عهد بحماس: طب ما نصبر شوية أنا شريف كلمنى و قالى أنه فى الطريق و قدامه ١٠ دقايق و يكون هنا.
كل ذلك و عاصم يقف مستمع لكل ما يحدث ، يشعر بأن بداخله بركان مشتعل ، فهو يشعر بالغيرة من مجرد ذكرها لأسم ذلك الرجل. يفكر بطبيعه علاقتها به ، و هل هو على معرفة به من قبل أم لا ؟ و عند هذه النقطة أردف قائلاً ببعض الحدة: مين شريف ده. نطقت سمية بأبتسامة: ده العقيد شريف المصرى ، أتعرفنا عليه من ٧ سنين لما عرفنا بالخبر بتاعك ، و أتعرف علينا و ساعدنا كتير و بقا واحد مننا. ثم أكملت و هى تتعمد أثارة غيرته؛
ده حتى دايما بيجى يزورنا و ساعات بيسافر يصيف معانا كمان و الولاد متعلقة بيه جداً. ها هى قد نجحت بالفعل بإشعال غيرته ، فوجهه مكفر الملامح يكاد يجزم الجميع بأنه باقى له ثوان و يخرج الدخان من أذنيه. يشعر بنيران بداخله لا يعلم مصدرها و لكنه سيحاول إخفائها ، و سينتظر لحين رؤية ذلك المدعى شريف ، و حينها سيعلم طبيعه علاقته حقا بتلك العائلة و خصيصاً عهده. فاق من تفكيره هذا على صوت أحدهما قائلاً بنبرة مرحه:
أنا جيت ، أتاخرت عليكم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!