نظرت خولة للخنجر وردت على عوالي وهي تزدرد لعابها بخوف: -ياعمتي هدي حالك والله ماكنت أدري إن اللي تريد تتزوج يذبحونها؟ -لاموا اللي تريد تتزوج، اللي تسوي سواتك يذبحونها. -ياعمه والله أنا ماكنت ناويه شر وكنت مفكرة إنه شي عادي. -إيش هو الشي العادي ياقليلة الحيا، والله ما مر علي بحياتي كلها بنية سوت اللي سويتيه. -ياناس إيش اللي سويته كلها حفنة بول ماعز وصالحة عايشة ما ماتت ولا جرا عليها شي. -بول.. بول إيش يامخبولة؟
-بول ماعز ياعمتي، بس أريد أعرف إنت متى دريتي، هو أنا هربت من الخيمة وجيت طوالي، وربي إذا الكلمة تطير أنا بكون وصلت قبلها! إنت مخاوية جن ياعمتي وتسمعين اللي ينقال بالخيام؟ -جن يجننك ويجنن أمك.. مايزة اتركيها وروحي جيبي صالحة أريد أعرف بيش تخربط وتهذي هي المخبولة. أسرعت مايزة نحو خيمة صالحة وأحضرتها لخيمة الشيخة عوالي على الفور، وحين دلفت صالحة ورأت خولة هجمت عليها تريد ضربها، فأوقفتها عوالي بغضب:
-كُفّي يدك بحضرتي ياصالحة واتركي عقابها لي، إنت بس احكيلي إيش اللي صار وماعليك بها. فاخذت صالحة تقص على الشيخة عوالي ماحدث، وما إن وصلت عند جزئية بول الماعز انفجرت عوالي في الضحك وحتى مايزة لم تسيطر على فمها وضحكت، وخاصة حين أمسكت صالحة بطنها بألم وكأنها تتوجع. ونظرت عوالي لخولة وقالت: -تعرفي إنك السبب بأول ضحكة تطلع مني من بعد موت خوي منصور ولزوم تتعاقبين لأنك قطعتي حدادي.
-ياشيخة أعرف إن اللي يضحك حد ياخذ حلوان مو يتجازى ويتعاقب! -لا أنا غير.. أنا اللي يضحكني بحدادي على خوي أعاقبه وأكويه بالنار. -لا بالله عليك ياشيخة أحب على رجولك أنا ما أتحمل كي بالنار، احرقيني كلي ولا تكوي مني جزء. أنهت كلماتها وخرت تحت أقدام عوالي وأمسكتهم وقبلت ركبتيها وهي تنظر لها، وحين اطمأنت لابتسامتها قالت:
-أقول ياشيختي.. اكويني كي صغير بس زوجيني، والله مليت من صالحة وأفعالها وخدمتها هي وولادها، وغير هيك أريد أجيب ولاد ألعب بهم وأضربهم وأتفشش فيهم إذا حد زعلني. -يبعتلك وبا يا خولة ينهي عمرك قولي أمين.
-أعرّس واللي يجي يجي.. بس أمانة عليك ياعمه شوفيلي عريس زين، أنا ماراح أعطيك أسماء من شباب القبيلة إنت وذوقك واختيارك، وإذا اللي اختارتيه لي شاف روحه ورفض قوليله خولة عندها ٥ غنمات ملك وعنزتين، ومستعدة أعطيهم له كلهم، وإنت وشطارتك ياعمة إذا خليتيه يفوت لي منهم شي خديه إنت لكي حلال عليك. ضحكت عوالي أكثر على صفقة خولة وأشارت لها بيدها كي تغادر الخيمة، وبالفعل غادرت.
وصرفت صالحة أيضاً بعد وعد منها بعدم التعرض لخولة وأن تسامحها، وطمأنتها أن لا قلق من بول الماعز عليها مادامت خولة تسقيه لها منذ فترة ولم يحدث لها شيء. وبعد أن غادرتا الخيمة نظرت عوالي لمايزة وأردفت بجدية:
-مايزة بعيد عن الضحك وهبال خولة بس أنا عرفت الحين إني مقصرة واجد بأمور مشيختي وفيه أشياء ما منتبهتلها.. البنيات اللي ما حد يقرب صوبهم وينهي عليهم بدهم مساعدة منا، وبنفس الوقت الشباب اللي ما يعرسون لجل ما معهم قروش لزوم نحصرهم ونوفقهم بالحلال وما نترك بنت بالقبيلة بدون زواج ويصير حالها مثل حال خولة وما نلاقيها إلا هاجمة عالخيام تقول أريد أتزوج.
وإذا خف عقلها تهجم على خيام الوليدات، وأنا بديت أخاف ومتل ما تشوفين الفوانص كثروا بقبيلتنا ولزوم نسيطروا عليهم. -معك حق ياشيخة، أنا غدوة بجمع كل حرمة حداها ولد شاب وسنة كبر ونخلوها تخيره بين بنيات القبيلة اللي كبرن ونوفقهم بينهم، واللي يريد مساعدة على الله وعلى الشيخ قصير وهو ما يتأخر. -وعلي أنا من بعده والله يقدرني. أما في وقت سابق..
عاد سالم من الحضر وأحضر معه لمزيونة كل ما لذ وطاب والكثير من فاكهة السفرجل حسبما اشتهت، ودخل عليها الخيمة وكانت جالسة تغزل الصوف، فاقترب منها وهمس: -حيالله المزيون اللي يغزل بيديه الحلوات. -يا هلا وكل الهلا بنبض القلب وضو العيون، توا الخيمة زاد نورها ورقصت من فرحة رجوع راعيها. -تعالي تعالي شوفي إيش جبت لك. اقتربت منه مزيونة وجلست بجانبه وقبل أن ترى شيئًا امسكت كفة يده وقبلت باطنها بعد أن همست له:
-تسلم اليد اللي شالت وجابت. تبسم سالم ورد لها القبلة على جبينها، فأمسكت هي واحدة من السفرجل وقضمتها على الفور وهي تقول: -الف حمد لك ياربي كنت خايفة ماتلاقي سفرجل والولد ما يجي حلو، والحين بس ارتاح قلبي. -عن أي ولد تتكلمين إنت؟ -ولدنا ياسويلم، ولدك.. بذرتك اللي انزرعت بحشاي وتكبر كل يوم. -نظر لها ثم سألها وهو غير مصدق: -بربك تحكي الصدق يامزيونة؟ -وربي ما قلت إلا الصدق، أنا حبلى بولدك ياسالم.
أمسك يدها وجذبها برفق لأحضانه وضمها لقلبه، لم ينطق بلسانه ولكن فرحته كانت تغني عن الكلمات، فمنذ زواجهم ولليوم لم يجلس معها إلا وسرت خاطره وأسعدت قلبه، وهاهي الآن تحقق له أعظم أمانيه، وتعطيه الابن الذي كان يحلم به. ابتعدت عنه ونظرت لعينيه وهي مبتسمة، فرد لها الابتسامة وتاه في بريق عينيها الذي يعكس فرحتها، ثم اخذها بين ذراعيه وبدأ يكافئها على هذا الخبر العظيم بطريقته الخاصة. أما عند رجوة في الخيمة..
-بربك يامسك سمعتي رابح يقول عقاب جاي؟ -أي والله سمعته يحكي معاه بالنقال ويقوله غدوه لزوم تيجي قبل سفر عمي قياتي، رابح رايد يشتغل بالسيارات ويريد عقاب يفتهم من عمي قياتي وبعدها يفهمه ويساعده يسوي شركته. دارت رجوة حول نفسها بفرحة، فها هو عُقابها يعود لها مرة أخرى، وستضع الآن كل النقاط على الحروف. وبالفعل حضر آدم في اليوم التالي، وكانت رجوة في استقباله على مشارف القبيلة، والغريب أنه لم يعيرها أي اهتمام، وكأنها هواء!
وما أوجع قلبها حقاً هي الحلويات التي أحضرها معه من الحضر وأعطاها كلها لبنات قياتي ولم يكلف خاطره أن يعطيها منهم! وهو يعلم أنها تحب الحلويات وتشتهيها، فمنذ وقت طويل لم تتذوق شيئًا، منذ أن توقف سالم عن إحضارهم لها. أما آدم فكانت حركة متعمدة منه كي يشعرها بأنه ليس فانوسًا سحريًا آخر كلما فركته أتى لها بما تحب ووقتما تحب.
فعادت للخيمة مكسورة الخاطر، وأجهشت بالبكاء وهي تشعر بأنها واقفة على أعتاب حياة آدم، لا تعلم إن كانت ستدخلها أم ستظل دائمًا هكذا على الأعتاب تطرق الأبواب ولا مجيب يفتح؟!
مرت ساعات النهار وخيم الليل، وتأخر الوقت كثيرًا، وأخيرًا قررت رجوة مغادرة الخيمة والبحث عنه؛ هو غالبًا يظل مستيقظًا بهذا الوقت وكانت تعرفه من ضوء غرفته المضاء، ونظرًا لأن غرفته محتلة الآن بحثت عنه في كل الأماكن الأخرى حتى وجدته جالسًا عند البئر يتحدث بالجوال، تقدمت منه بغضب وبأقدام تضرب الأرض ثم هدرت به دون سابق إنذار:
-ياعقاب أريد لي بر أرسي عليه الحين.. إنت تريدني ولا ما تريدني، ناوي تأخذني لك ولا بس معشمني عشم كذاب؟ أريد جواب والحين. -إيش هالطريقة وهالأسلوب يارجوة! من متى وإنت أو غيرك تحكي معي هيك؟ -بالله عليك اتركني الحين من الطريقة والأسلوب وجاوبني.. قديش راح أضل متعلقة بالهوا معك ما طايلة سما ولا أرض؟ صمت آدم ولم يجبها ونكس رأسه أرضًا، فتجمع الدمع في مقلتيها وارتجفت شفتيها وهي تهمس له:
-من السكوت عرفت الجواب.. طلعت كذاب ياعقاب. قالتها وابتعدت بخطواتها للخلف ثم استدارت وأسرعت ناحية الخيول وقامت بفك وثاق أحدهم وركبته وانطلقت به بأقصى سرعة. كل هذا تحت ناظري آدم الذي ضرب حافة البئر بقبضته وهو يراها تنطلق في الصحراء غير آبهة لا بوقت ولا بظلام، فنهض وتوجه لمكان الأحصنة وأخذ حصانًا آخر وانطلق خلفها. -وقفي يالمهبولة وقفي لوين ودك توصلي. -اتركني بحالي ليش لاحقني، عاااود عاود.
اقترب منها أكثر فترك لجام فرسه وحرر أقدامه من السرج واستعد للقفز، وبحركة سريعة قفز على حصانها ليكبلها بجسده فوق الحصان، ويلتقط منها اللجام ويتحكم بها وبالحصان معًا ويوقفه. ثم همس لها وهو يصك على أسنانه: -ويش قولك لو أربطك وأتركك فريسة للضباع الليلة والصبح تجي الغربان تتريق باللي ضل منك وبعدهم آجي أنا آخذ عظامك وأدفنهم وأرتاح منك ومن هبالك.
اردفت بصوتها الذابل من قربه وهي تحاول تهدئة قلبها الذي يستغيث الآن من هذه الرائحة التي تشبعت بها أنفاسها، والتي تعشقها حد الجنون: -اربطني واتركني لو هالشي يريح بالك.. أنا أي شي منك راضية بيه وأي شي تسويه فيني خدامتك وماراح تشوف مني غير الطاعة.
تنهد بقلة حيلة وقفز سريعًا من فوق الحصان ناهيًا لهذا القرب المهلك، فهي جميلة حد اللعنة وتعشقه وتبدو بين ذراعيه كقطعة من الحلوى، وبمفردهم تحت جناح الليل، وهو شاب يحترق حرمانًا، ولو أنه بقي قريبًا أكثر لضعف متناسيًا صديقه وحبيبته ومتناسيًا العالم، فهو بالنهاية رجل، ولا يوجد رجل يستطيع مقاومة كل هذه المغريات، ففاتنة البادية بين يديه ترجو وصاله، ولولا أنه قوي لنضبت قوة تحمله ورضخت مبادئه لسطوة شيطانه الآن.
سار هو يمسك بلجام حصانها بيد ولجام حصانه باليد الأخرى حتى وصل أطراف البادية، متجاهلاً رجائها له طوال الطريق بأن يهبها فرصة واحدة فقط وتعده بأنه لن يندم إن فعلها، وتحاول التأثير فيه بكل ما تعرفه من عبارات تفتت قوة الرجل لو كان صلبًا كالحجر، ولكن كعادته لم يتأثر ولم يرف له جفنًا إلى أن توقف بالأحصنة.
فأنزلها وتركها واقفة تتأمله والحسرة تأكلها، وأخذ الأحصنة يعيد تقييدهم، وانتظرت هي عودته لتحاول معه مجددًا بلا كلل، ولكنه تركها مبتعدًا، ودلف سريعًا لخيمة الشباب هاربًا منها، وهو لا يعلم سبيلًا للتخلص من شعوره بالندم على ما سوله له عقله لجزء من الثانية، فهي في نظره خيانة لا تغتفر، والخيانة ليست من طباعه ولم يكن يومًا لها أهلًا.
تفحص صياح من وسط النيام فوجده يغط في نوم عميق، فرفع جزءًا من الخيمة وخرج من الخلف حتى لا تراه إن كانت لازالت واقفة، وأخرج هاتفه بعد أن تمدد فوق الرمال وقام بالضغط على رقمها، وفور أن أجابته بصوتها الناعم الناعس همس منتشيًا: -يااااابااااه دخيل هالصوت وصاحبته، أحبك وربي وأروح لك فدوة وإشتقتلك ووااااجد. -وإحنا إيش حكينا قبل؟ -اعذريني بس وقت يزورني الشوق ما أملك من أمري قلبي شي ولا أقدر أتحكم بروحي.
-آدم جلسة ماما اتحددت في المحكمة الأسبوع الجاي. وهنا عاد آدم من عالم أحلامه وانتبه للوضع الحالي وتذكر كل شيء، تذكر مدحت الذي مات غدرًا ولولا ستر الله لكان هو مكانه الآن تحت التراب منسيًا، وعاد لرشده وهتف لنفسه بأن أولاده يستحقون أن يتخير لهم الدماء التي ستجري بعروقهم، ولو كان الأمر يخصه وحده ما تردد لجزء من الثانية. أنهى معها المكالمة وعاد للتفكير.
هو الآن تائه لا يعرف ماذا تخبئ له الأيام، وقلبه المتمرد يطالبه في حقه بالعشق، وإن لم تكن حياة فلتكن غيرها، يفكر جديًا أن يفعل مثل سالم ويأتي بحبيب يفل الحبيب وخاصة أنه يرى أن سالم بدأ يجني ثمار تخليه راحة بال، وحياة مستقرة، والمحبة آتية لا ريب.
مر باقي الليل على رجوة وآدم وكلاهما مستيقظ يراجع حسابات قلبه، ولم يقتصر السهر عليهما فقط، بل بنات قياتي الثلاثة لم يذقن النوم، فغدًا يوم مصيري بالنسبة لهن ولا يعلمن ما تخبئ لهن القبيلة من مفاجآت هي وأعرافها، وكانت نوف الأكثر خوفًا بينهن. وأخيرًا أتى ضوء النهار الذي تأخر كثيرًا اليوم على غير عادته!
بعد إعداد طعام الإفطار وفطر جميع من في القبيلة، تحدثت عوالي مع قصير في حضرة قياتي عما تنوي فعله، فأيدها وبارك مسعاها، وقياتي أيضًا تبرع بمبلغ من المال لشباب القبيلة وفتياتها حتى يسهل عليهم عبء الزواج، وآدم شارك ورابح وسالم، وكعادة القبيلة تضافرت الأيدي وتسابقت لفعل الخير وجمعت مايزة النساء لخيمة الشيخة عوالي وبدأ مجلس الزواج الأول، والذي انتهى بالتوفيق بين أكثر من ثلثي عوانس القبيلة شبابًا وفتيات، وحلت الأزمة التي كانت عوالي غافلة عنها، وحتى خولة كان لها في الاختيار نصيب، فقد بذلت الشيخة عوالي قصارى جهدها حتى تقنع أم شاب يسمى سعود، فقير معدم وكل عمله الذي يعرفه في الحياة هو رعي الأغنام بأجر.
فرأت عوالي أنه الأنسب لخولة، ولكنها اشترطت على أمه أن تبتعد عن خولة نهائيًا إن كانت تريد العيش بسلام، وفي المقابل هي ستتكفل بكل ما تحتاجه من ملبس وعلاج ورعاية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!