انتشر الخبر في القبيلة سريعاً ووصل لمسامع خولة. فقامت ترقص وتغني قبل أن تعرف هوية العريس. ولما سمعت الاسم توقفت عن الرقص ويداها معلقتان في الهواء، وهمست بعدم تصديق: -سعود الشحاذ؟! سعود الأسود فحام الطناجر! سعود اللي مايستحم وريحته قالبة كل القبيلة والناس تحيد من غير طريق إذا جالس بمكان؟ حيّيه عليا وعلى حظي الأغبر.. إي أنا أعرف إن عقاب مستحيل، بس يعني ما أنزل بأحلامي من عقاب يحوم بالسما لفار يتخبى بشوق الأرض! صالحة:
-صكري فمك. أنت ماشفتي إيش سوت الشيخة حتى تقنعه هو وأمه بيك؟ وإذا على غنماتك حطت فوقهم أربع حتى رضوا بيك. -إيش تقولين؟ أنا خولة زينة بنات القبيلة ما يرضى بي سعود الخايس؟ والله عقلي يقول أروح أدجه بحجر أفتح راسه وأسحبه للبير وأسبحه قدام كل أهل القبيلة الأجرب وأخليه يشوف الوصخ لينزل منه حتى يعرف قيمته ومقامه. صالحة:
-شوفي بلا كتر وجيج راس. هو سعود الموجود، رضيتي به ولا أمشي للشيخة أقولها خولة ما وافقت، شوفيله عروس غيرها. ترددت لحظات قبل أن ترد: -بس طولي بالك شوي. أنا إيش قلت يعني! خلص سعود سعود.. بس والله عقاب اللي كان بنفسي. -قطع أنفاسك.. والله ما أدري أنت إيش شايف بروحك وتنظرين للعالي؟ -ولا عالي ولا واطي.. انقطع حبل الأحلام وطاحت كلها عالأرض وما بقالي إلا سعود الأجرب. هرولت نحو خيمة عوالي تجلب الأعشاب.
دلفت أم سعود للخيمة وبحوزتها كيس بلاستيكي أبيض كبير يشف ما بداخله، وكان عبارة عن ثوب زفاف بدوي. فجلست في المكان الذي دعتها إليه صالحة ونظرت لخولة الواقفة في إحدى زوايا الخيمة تمثل الخجل، وأشارت لها كي تقترب وهي تقول: -إقتربي يا خولة، تعي اجلسي جواري أريد أفرجك شي. هرولت خولة وقفزت لتجلس بجانبها وتتربع وتعود لخجلها الكاذب، مما جعل أم سعود تتفاجأ من حركتها وتشعر بخوف سرعان ما اختفى. ثم ربتت على ظهر خولة وقالت لها:
-يا خولة جيتك اليوم خطابة وأريدك لولدي سعود بالمحبة.. وسعود اختارك من بين كل بنيات القبيلة لجل عيونك السود ويريدك تعمري بيته وتجيبيله وليداته. -ولجل غنماتي وعنزاتي. صمتت أم سعود وردت عليها صالحة سريعاً: -تمزح.. تمزح خولة يا أم سعود، هي تحب المزح متل عيونها. -آ.. أي الله يديم روحها الحلوة ومزحها. أقول يا خولة خذي هالثوب وقيسيه، هاد ثوب عرسي وجبته لك تتباركي به وتلبسيه بعرسك والله يبعتلك على وجهه أيام حلوة.
-أتبارك بثوب عرسك؟ أنت تدرين من متى وأنت معرّسة؟ تريدين تعطيني حظك الأغبر وزوجي تاكله الضباع ويطلع ما يرد وأجيب وليد متل سعود ولدك ويطلع مامنه نفع؟ -ولك الله يبعتلك وبا يا خولة على كلامك الحنظل.. صالحة: -الله يسود وجهك يا كلبة البوادي يا عديمة الحيا.. السماح منك يا أم سعود هي ماتعرف إيش تقول وماتقصد. -لا أقصد.. جايه ومتعنية وجايبه ثوب قديم وفاله شوم وتريدني ألبسه وأصكر خشمي؟
والله إذا ما جاني ثوب جديد ومغزول ومشغول باليد وبسلوك الذهب ما ألبس ولا أتزوج. -إن شاء الله مالبستي ولا تزوجتي. هاد عندي وهاد اللي يقدر وليدي عليه، ولو ما عجبك بلاها البيعة. -أي بلاها.. أنتي وولدك قبل ما تيجو ماسألتم لمين جايين خطابة؟ ما تعرفون خولة إيش تكون وإيش وضعها بالقبيلة ووضع أهلها؟
خولة اللي عندها غنم وعنزات، وأمي عندها قروش ملو صندوق كل ليلة تعد وتنام قبل ما تخلصهم عد من كثرها، ولا خواتي اللي كل واحد فيهم عنده صندوق معبى قروش وكلهم بالصندوق الكبير الأسود. تلفتت أم سعود حولها حتى لمعت عيناها حين وقعتا على صندوق أسود اللون ضخم في زاوية الخيمة. كانت صالحة تسمع وهي مذهولة من كذبات ابنتها المتواصلة، ولا تعرف كيف لها أن تسترسل هكذا، فهمست لها: -من وين أمك عندها قروش وتعد كل ليلة؟ الله ياخذك!
-لا تخافي خالتي أم سعود ماتحسد، وإذا كان تم الزواج كانت بتصير أمي الثانية وقروشك قروشها، بس يلا ما في نصيب، وقف الزواج ثوب العرس. قامت أم سعود بإعادة الثوب لمكانه مرة أخرى وهي تقول: -لا يا خولة الزواج ما وقف ولا شي. أجمل ثوب عرس مشغول بالخيوط الذهبية يحضر لجل عيونك وتلبسيه وتكوني أحلى عروس بالقبيلة، والسماح منك يا أم صياح، أنا جايه وقاصدة خير والثوب ما جبته إلا للمباركة وما كنت أدري خولة تضوج مني وتزعل.
تبسمت خولة وأخذت تلاعب حاجبيها لأمها كلما نظرت أم سعود بعيداً. وردت صالحة عليها: -أدري بك طيبة القلب وماتقصدين إلا الخير يا أم سعود، وماتآخذي خولة على كلامها، هي هيك من صغرها تدج كلامها دج. -بعدها صغيرة وتتعلم مع الأيام يا صالحة، أنت بس اتركيها لي وأنا بعلمها لك الأدب. تمتمت صالحة لنفسها: -والله لتعلمك أنت وولدك وسلف سلفك الأدب وتمشيك عالصراط مثل عنزاتها.
غادرت أم سعود وجلست خولة مع أمها يتباحثن في أمر العرس والتجهيزات. بدأت صالحة توصي خولة بالوصايا التي توصي بها كل أم ابنتها المقبلة على الزواج، على الرغم من أنها تعلم أنها حين تنتهي لن تتذكر خولة حرفاً واحداً مما قالته لها. أما عند قياتي وقصير، فبدأ المجلس ينعقد، وحضره الجميع. واستهل الكلام قصير قائلاً:
-يا إخوان، يا أهل القبيلة تعرفون إن اليتغرب عنا أصولنا واعرافنا تضل عايشة بعقله وقلبه وروحه لجل أنها معجونة فيه وما تفارقه لو راح آخر الدنيا. ولهيك اليوم قياتي يسأل خوانه من يريد منكم بت من بناته يتفضل يقول.. وأنا بفتح أول باب الرهن وأقوله أريد عفراء لولدي هلال. هم قياتي أن ينطق ولكن قاطعه هلال قائلاً: -من بعد إذنك يا بوي أنا أريد نوف ما أريد عفراء.
-هي أخت هي يا هلال، وما دامك قنصت نوف خلص يا قياتي هلال يريد يرهن نوف. بالتأكيد بعد أن طلب هلال رهن نوف لم يجرؤ أحد على طلب رهنها من بعده. فكان الطلب على العنود وتقدم أكثر من عشرة لخطبتها من زينة شباب القبيلة، ومن ضمنهم طلب لشاب يدرس بالحضر وقرر أبوه خطبتها له. أما عفراء فلم يتقدم لرهنها أحد بالمرة!
انتهى المجلس وبعث قياتي بمرسال لبناته وزوجته أن يجتمعوا في خيمة عوالي، وذلك كي تقوم عوالي بالتعريف عن كل خاطب من المتقدمين وتذكر كل المعلومات عنه أمامهم جميعاً. وبعدها يترك للعنود القرار.. أما في خيمة معزوزة: -يا رجوه امشي للشيخة عوالي وقولي لها معزوزة تريد أعشاب حرقة المعدة، ما قادرة آكل شي والنار قايدة بجوفي ماتنطفي. -تم الحين بمشيلها وأجيب لك أعشاب وأغليها لك، كله لجل أسد الصحاري الجاي.
هرولت نحو خيمة عوالي تجلب الأعشاب. وفي هذا الوقت حضروا بنات قياتي ودخلوا الخيمة والخوف يسيطر على خطواتهم، وجلسوا ثلاثتهم وأمهم معهم. وجلس قياتي أمامهم وبدأ يعطي لعوالي الأسماء وهي تعرف. ولما انتهت الاختيارات صمتت العنود فقال لها أبوها: -هيا يا العنود وازي بينهم وشوفي الأنسب لك وبلغيني بقرارك. -أصلي وأشور ربي ويصير خير يا بوي. نظر بعدها قياتي لنوف وقال: -وأنت يا نوف أمرك يسير، ما تقدملك غير ابن عمك قصير.. هلال.
بلعت نوف لعابها بصعوبة، فابن شيخ القبيلة يعني أن قبرها في القبيلة قد حفرت وستدفن للأبد. فدفنت رأسها في حضن أمها وأجهشت بالبكاء.. قياتي: -إيش فيك يا نوف، ليش تبكين يا حبيبة أبوك؟ الزواج ماراح يتم الحين، ما زال الوقت طويل وهو بس رهن. -والرهن إيش آخره يا بوي، آخره زواج وأنت تدري أني ما أحب القبيلة ولا حياتها. عوالي: -والقبيلة بعد ماتحبك، بس مو كل شي يصير بالمحبة، فيه شي يصير بدش الراس.
-لا يا عمتي ما في دش روس ولا شي، هادول بناتي وما عاش اللي يجبرهم على شي وأنا عايش وأتنفس. إحنا نقبلوا النهوة الحين وقدام يحلها الحلال. صمت قياتي وصمته طال وعفراء صبرها نفذ، فتنحنحت وقالت: -وأنا يا بوي الدور علي. -أنت يا عفراء ما في حد جا صوبك ولا نطق اسمك. -ولا حتى جمل من جمال عمي قصير قال أريد عفراء؟ -ولا كلب من كلاب القبيلة؟ -ليش يا بوي، انكسر خاطري والله. وهنا ردت عليها عوالي بغضب: -ماتعرفي ليش يا فانص؟
من الرفس اللي شفتوك ترفسيه لبت قصير برجليك، من ياخذ له وحدة رفاسة إذا تزاعل معها ترفع ثيابها وتشغل رجولها رفس، لا ويقولون رجولك توصل لفوق راسك وتقفزي متل القرود والكل ماله سيرة غير رفسك. -هاد كراتيه اسمه كراتيه يا عمتي. -كرت عليك وبا وخذك، خلي الرفس ينفعك يا فانص والله لتبورين وتجلسي بزور أبوك.
صمت قياتي، فبالفعل لم يكن يجدر بابنته ممارسة رياضة الدفاع عن النفس في القبيلة، فعندهم لا ترفع الفتيات أرجلها ولا تفعل مثل هذه الحركات أبداً، وكل غريب عندهم عار. وأكملت حديثها مع العنود: -وأنت يا زينة الصبايا، صلي ووازني وردي علي قبل لا تردي على أبوك وأنا بقولك الزبدة بعدين. -أمرك يا عمتي. -ما يؤمر عليك ظالم يا عيون عمتك.
في هذه الأثناء كانت رجوة وصلت أمام الخيمة وسمعت حديثهم، فأقتحمت الخيمة مما جعل الجميع يقفزون من المفاجأة. ونظرت لعوالي بشر وهدرت بها: -يا أخ ما أدري من وين جات اللطافة هي كلها، لا وتقولها وازي وقوليلي قبل ما تردي خبر لأبوك، ووحدة غيرها تترهن ومالها رأي وإذا اعترضت تصير فانص وتنكوي بالنار، وين يا عمتي سكينك الحامي ولا بس لرجوة يطلع؟
طلع الكل مخبي مكيال ويكيل بيه وقت يختلي بروحه، بس تعرفي أنت ما عليك لوم، اللوم على قصير اللي ما ضمني وقال لا تخافي اللي تريديه يصير وما حد يقدر يجبرك وأنا عايش وأتنفس. بس هو كل اللي قاله لي واللي يقوله أنه يريد يموتني بس سالم مانعه.. كل يوم يمر أتأكد إن عزة البنية من عند أبوها وأمها تبدأ.. قومي يا مايزة جيبي أعشاب حرقة المعدة لمعزوزة وإذا حداك أعشاب لحرقة الدم جيبي لي معاك.
قامت مايزة وأحضرت لها الأعشاب وأخذتهم رجوة وانصرفت والدمعة على أهدابها تصارع للنزول. أما قياتي فنظر لعوالي وسألها: -إيش بيها هي البنية يا عمتي، وليش تحكي معك هيك؟ -هي موالها موال يا قياتي، مسكينة أمها مكاسب وقصير خلوها تطلع شوفة عينك لسانها ما في أطول منه وعقلها ما في أصغر منه. وبدأت تقص عليهم قصتها، لتلمع عينا العنود مع كل كلمة تقولها عوالي حتى انتهت، فكانت عيناها متقدتين بالحماس. وأردفت بسعادة:
-والله وجيتي للقبيلة ما بتروح هدر، وأخيراً لقيتها، هي الحالة اللي كنت أدور عليها، شخصية معبايه عقد وراح تكون مادة دسمة لرسالة الدكتوراه اللي راح أحضرها.. أبوي بعد إذنك أنا باقية بالقبيلة شوي، ما راح أرد ليبيا الحين. قياتي: -إذا الأمر يتعلق بدراستك وبه منفعة لك ابقي كيف ما تريدين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!