ايش فيك يا أمي وإيش تقولين؟ اقول فيه بنية بالخارج غالتها اختكم عفراء والحين البنت تطعن بشرفها وتقول شفتها خارجه من غرفة راجل ومبيته عنده. اريد افتهم الحين إيش جابكم لهي الغرفة؟ ردت عليها العنود وهي ترتدي خفيها: القصة كلها يا أمي إن عفراء ماتحملت سخونة الجو بالأمس وعرفت إن هالمبنى به مكيف. فجات وطلبت من راعيه إنه يتركه لنا نبيت فيه؛ لأننا ما متعودين على هالزحمة. وهو ترك الغرفة لنا وراح وقال خذوا راحتكم.
ولكن الله ياخذكن انتوا وراحتكم بعد. الحين بسبب حفنة هوا صرتوا عار وتبيتون بغرف الرجال. قولولي ايش أقول لأبوكم وأهل القبيلة الحين؟ نوف: لا تقولين إحنا نقول. هيا يا عنود نشوف مين هي البنية، وإن لزم الأمر نكمل اللي بدأته عفراء. وخرجتا الفتاتين أمام أمهم ليجدوا رجوة جالسة على الأرض ومعزوزة بجوارها تحاول تهدئتها. أما عوالي فتريد الهجوم عليها ولكن مايزة متشبثة بها منعاً للمزيد من الفضائح، وحتى لا يكبر الموضوع ويصل للرجال.
ولكن هيهات، فلا أمر يحدث في القبيلة وخاصة بين النساء إلا وعرف به الصغير والكبير. غادر قياتي المجلس ومعه قصير وآدم ورابح والجميع فور سماعهم بأن رجوة تقاتلت مع ابنة قياتي. قصير: يا قياتي، لا توجع راسك بأشغال النساء واتركها لـ عمتك عوالي هي تحلها. قياتي: لا لا، بناتي طرف فيها وأخاف ما تنحل وتزداد سوء. هم يعرفون أعراف القبيلة، بس ما تعاملوا بها من قبل. وواثق إنهم الحين يشوفون الأمور غريبة واجد.
وصل قصير وقياتي للمكان، ووصل معه أيضاً رابح وسالم. وآدم الذي بمجرد اقترابه ورؤية رجوة بهذا المنظر علم أن كارثة حدثت، فتقدم على الجميع ووصل لرجوة أولاً وبصوته العالي تحدث قبل أن تفتح هي فمها وتحدث المزيد من الفوضى: آدم: انت! إيش تسوين أمام الغرفة؟ أنا مو مشدد إن ما حد يقترب من غرفتي، وخاصة أنتِ يا مهبولة! وهنا ردت عليه رجوة وهي غير مصدقة لما قاله:
إي مشدد ما حد يقترب، بس الفوانص الغرب يبيتون بها ويصير شي عادي معك ومقبول. آدم: رجوة، صكري فمك وقومي غادري الحين وما أشوف رجولك تقترب من غرفتي مرة ثانية. نظرت له بعتب فها هو يكسرها أمام الجميع وهي من خاضت معركة وهي تظن أنه ملكها ويحق لها الدفاع عنه. وهنا أتى صوت قياتي متسائلاً: أنا أريد أعرف ايش اللي صار بالضبط؟ رد عليه آدم سريعاً:
ولا شي يا عمي. بالأمس كريمتكم سألتني المبيت بالغرفة لأن بها مكيف، فتركت الغرفة لها ولأخواتها ومشيت على خيمة الشباب قضيت الليل بها. ولأن غرفتي ممنوع حد يقربها، أشوف هي المهبولة ماسكتة وقادت بها نار الغيرة. قصير: بارك الله فيك يا آدم، من يومك نشمي يا وليدي وصاحب مروءة. صاحت به رجوة:
نشمي وصاحب مروءة إذا الأمر يتعلق ببنيات غيرك، لكن إذا سويتها أنا وبتت بغرفته يوم أصير فنص من على الأرض، والفنص اللي بي ما شالته بنية قبلي. كثرت مكايبك اللي تكيل بها يا شيخ. قياتي: مين هي يا قصير؟ نظر قصير للأرض وأجاب قياتي بخجل حقيقي: هي فنص القبيلة.. بتي رجوة. تبسم قياتي على صراحة قصير وأردف: مبين عليك دللتها واجد يا قصير حتى صاير لسانها هيك طوله! ردت عليه رجوة متهكمة: دللني حتى طفح الدلال مني وغرق القبيلة بكاملها.
قصير: والله يا خوي أنا لا دللت ولا أعترف إن البنت تدلل، بس هي بالذات الدلال خرب أخلاقها وخلاها شوفة عينك. والله يسامح اللي دلل. قالها ونظر لسالم الذي كان ينظر لرجوة غير مهتم لأي شيء أو لأي كلام يقال، سوى بضع قطرات الدماء التي على وجهها، وجرح جبهتها الذي يجاهد كي لا يقترب منها ويضع يده عليه ويسألها إن كان يؤلمها كثيراً أم لا. فمنذ نعومة أظافرها وهو لا يتحمل أن يرى بها خدش أو شوكة تخترق أقدامها الترفة.
انتبه لنفسه على ضغطة بكفه يده فنظر ليرى رابح ينبهه بأن الجميع ينظر له في هذه اللحظة، فابتلع ريقه وغادر المكان على الفور. أما قياتي فرأى عفراء ابنته آتية من بعيد بعد أن ربطت الحصان في مكانه، فنظر لقصير وقال له بجدية: قياتي: قصير، أريدك تدعى للمجلس شباب القبيلة وتقول إن بنيات قياتي وصلوا لسن الزواج واللي يريد من أولاد عمومتهم ينهي على بنية منهم يتفضل. والجاهز للزواج يشيل. قصير:
يصير خير يا خوي. خلص أعطيني فرصة أخبر القبيلة كلها وأولادنا اللي بالخارج. وقت يصير عند الكل علم ينعقد مجلس رهن بنياتك. سمعت نوف هذا الكلام وترنحت وهي على وشك فقدان الوعي. أما العنود وعفراء فتسمرتا كتمثالين، فهم يعرفون أن زواجهم لا بد وأن يكون من شباب القبيلة، ولكن ليس بهذه الطريقة ولا بهذه السرعة!
كان صياح حاضراً وسمع كل هذا، وحين وصل الحديث لرهن بنات قياتي انفجر قلبه من الحسرة، فقياتي يمتلك أضعاف ما يمتلكه قصير، وتجارة السيارات مربحة أكثر من تجارة الأسلحة وأقل خطراً، وهذا بجانب الميراث الذي تركه له أبيه منصور. وهذه صفقة عظيمة خسرها صياح، وكل الذي كان سيفعله لكسبها هو رهن إحدى بنات قياتي والزواج منها.
عاد للخيمة محمل بخيبة كبيرة، وهو من كان ذاهباً يتشمت، فعاد متحسراً وترك رجوة لم يتفوه معها بكلمة أو يسألها عما حدث وسببه. وترك خولة واقفة على مسافة منها تراقب وتكاد تجن من فرط السعادة ولم يريد أن يقطع عليها متعتها. في الخيمة: إيش فيه يا صياح، أشوف وجهك ما يتفسر. لتكون عفراء أذت رجوة واجد؟ صياح: تؤذيها؟
للجهنم رجوة وأذاها. أنا الحين مو ببالي رجوة ولا زفت. أنا اللي ببالي الملايين الطايرات بالهوا وكان بأمكاني امد يدي وأكبش بس حظي الشين ما خلاني أتروى. خولة: ايش هالأحاجي يا وليدي؟ اجلس اجلس واحكي إيش مناسبة هالكلام؟ صياح: اليوم.. اليوم قياتي والشيخ منصور عرض بناته للرهن. بنيات مال وجمال وكل وحدة فيهن أضرب من الثانية. وأنا من حظي الحنظل رايح أرهن رجوة الفانص. وهنا ردت عليه خولة التي دخلت الخيمة تواً:
يا صياح، لا تطمع. وهو من كل عقلك قياتي يعطيك إذا طلبت؟ إذا رجوة وبألف دعوة أبوها وافق. ولو ما إنها فنص وعايفها سالم ما كنت تحلم تمسك جدايلها. جاي الحين تتحسر؟ أنت ما تسمع بنيات القبيلة إيش يقولون عنك؟ والله يقولون صياح أبو رجول طوال، ووقت سباقات الهجين يسألوني ليش ما شاركتوا بأخوكم صياح يا خولة بالسباق يجيبلكم المركز الأول. وتريد الصدق يا خوي أنت رجولك طوال واجد وأقدامك كبار وتحس رجولك بادية من عند صدرك. صياح:
الله يلعنك ويصب غضبه عليك يا مكسرة مجاديفي وحابطة عزيمتي يا بهيمة الوديان. خولة: صكري خشمك يا قليلة الحيا ولا تقولي لأخوك كلامك العلقم مرة ثانية وإلا بربي أقُص لسانك. وربي إن عيني ما تشوف أحلى ولا أجمل من صويح حبيب عين أمه. صياح: اي ومن يشهد له غيرك يعني؟ صالحة: يا خولة، روحي يم البنات وشوفي ايش يسوون وساعديهم. روحي حركي حالك وخلي العين تشوفك معدلة وتشتغلين مثل البنات. خولة:
زين رايحة.. بس قبل بمشي للشيخة عوالي أجيب من عندها كحل وحمرة. صاح بها صياح بغضب: ولك الله ياخذك أخذ عزيز مقتدر! الشيخ يموت وانت تريدين من أخته تعطيك حمرة وكحل! عرس بوك هو؟ خولة: كنت أتركها ليش تنبهها، لأجل كانت الشيخة عوالي كوتها بالنار في خشمها اللي تريد تحط فيه حمرة وخلت حمرته رباني.
حكت خولة في رأسها وقد تداركت أنه بالفعل ليس الوقت المناسب، وغادرت الخيمة تفعل مثلما قالت لها أمها، وتكمل شماتتها في رجوة فهي لم تكتفِ بعد. مر اليوم وبنات قياتي كانوا في محزنة حقيقية، وبدا الأمر وكأنهم أتوا للقبيلة لقضاء لم يتوقعوا حدوثه. العنود:
يا أمي أنا ما أريد أي نهوة علي الحين. أنا ما زال قدامي عام بجامعتي ومن بعدها أريد آخذ الدكتوراه وأشتغل بشهادتي. هي أحلامي منذ الطفولة وانت تعرفين إن الزواج مقبرة الأحلام. زين ليش أبوي يعلمني إذا بالنهاية يقبر أحلامي ويقبرني بالقبيلة؟ نوف:
والله والله إذا تحكمون علي أتزوج بالقبيلة لأصعد فوق أعلى بناية بليبيا وأرمي حالي وأموت أهون لي ولا أعيش كل عمري بين الهوايش والبهايم وأموت مسموطة بنار جهنم اللي هين أو أتحنط من برد الشتا اللي ما يحول بينه وبين الناس غير قطعة قماشة ما تحوش صقيع. وأصلاً أنا ما أحب القبيلة ولا عيشتها ولا ناسها ولا اللي يسوونه ولا اللي يقولونه. ردت عليها أمها بقلة حيلة: يا نوف، أبوك علمك الأعراف وما يصير تـ... نوف:
الله يلعن أبو الأعراف وعلى اللي سوى الأعراف. ياااخ أنا أكره الأعراف. الأم: شششش اصمتي يا نوف ما أريد حد يسمعك. ما أريد أهل القبيلة يقولون مرت قياتي وقت سكنت الحضر ما عادت تعرف الأصول ولا علمتها لبناتها. ما أريد تنزلون راسي وراس أبوكم. العنود: زين يا أمي أقول.. ما يصير تأجلون قرار الدفن هذا، يعني اعطونا وقت نستعد. ندري إننا مانملك حق الاختيار، بس عالأقل نملك حق التأجيل. الأم:
ما أدري يا عنود، أشوف أبوك وأرد عليك، أو نوجد حل. نظرت الأم لعفراء التي كانت جالسة تأكل في خبزة ساخنة أحضرتها من النساء وهي آتية للخيمة وسألتها بإستغراب: أقول يا عفراء، ماسمعت رأيك بالموضوع يعني؟ عفراء: ليش هو الموضوع به رأي.. اللي يحكم به الحجي قياتي يصير. ثم إنكم تعرفون إن أموت على حياة القبيلة وأحبها واجد، يعني ما عندي مشكلة إذا عشت فيها. نوف:
يارب يا عفراء يرهنك أبو شاب أبشع شاب بالقبيلة كلها وتعيشين هين عيشة الكلاب، وتتصلين تطلبين الغوث وماتلاقين، وتبلعك رمال الصحراء المتحركة. ولك يا غبية أنتِ هي حياة بدائية، تخيلي معي وأنتِ تتحممي بخيمتك والهوا طيّر الخيمة إيش وقتها تسوين بروحك وأنتِ ما تشوفين روحك إلا جالسة بمجلس الرجال من دون ملابس مثل ما ولدتك أمك والقبيلة كلها تنظر لك؟
سرحت عفراء في الموقف ولم ترد عليه سوى بضحكة مجلجلة عقبتها ضحكة من أمها واختها العنود. وانقلبت المناقشة الجدية لنوبة من الضحك لم تشارك بها نوف ولا حتى بابتسامة صغيرة، فهي تتحدث في أمر هام من وجهة نظرها ولا تعرف هؤلاء المعاتيه علامَ يضحكون؟! أما في خيمة الشيخة عوالي: قياتي:
يابوي من رخصتك أنا فتحت باب الرهن على بناتي. تعرف إني ما أجي للقبيلة إلا كل حين، وما أملك الوقت والبنات كبرن وصارن بسن زواج، وأنا ما أريد أنساهم بزحمة أشغالي. الشيخ: خير ما نويت يا وليدي، ستر البنية حمل ولزوم ينزاح من فوق كتفاك. بس يا قياتي ما تعطيهم إلا للي يشبههم، بناتك ما يوالمهم أي رجال. قياتي:
أعرف يا شيخ، والحين أنا قررت أخلي الاختيار بيدهم هم؛ لأني ما أريد أشيل وذرهم ولا أشوف اللوم بعيون وحدة منهم بيوم من الأيام. بمعنى إنهم يعرفون إن ما يصير يتزوجون إلا من القبيلة، بس يعني مو أي شخص بالقبيلة يقول رهنت أعطيه، ولا أنا غالط يا شيخ؟ الشيخ: لا يا وليدي ما غالط ولا شي، بس أنت لو عملت هيك بتفتح عيون بنيات القبيلة على الاختيار وتعطيهم حق ومثال للرفض. ونحن ما عندنا رأي لبنية بأمر زواجها وأنت تعرف هالشي زين.
قياتي: أدري يا شيخ بس هذا لا شرع ولا دين. الزواج عرض وقبول ورأي لبنية من قواعده وشروطه، ولزوم تشوف راهنها وهو يشوفها وتوافق عليه قبل ما نحكي تم. الشيخ: تدري يا قياتي.. أحمد الله إنك ما صرت شيخ للقبيلة من بعدي. كنت خليت الفنص فيها يوصل لعنان السما، وضحكت كل القبائل عليك وعلى القبيلة. قياتي: ليش أنا حكيت شي غلط يا بوي؟ الشيخ:
من شرع الله مو غلط، بس بشرع القبائل أبو الغلط. طيب احكي لي يا قياتي، إذا أنت ماناوي تعمل بأعرافنا وتمشي عليها، ليش جايب بنياتك يتزوجون من القبيلة؟ قياتي: لأن ما يصير يا بوي يتزوجون إلا من أولاد عمومتهم. الشيخ: زين.. مين اللي قال يصير وما يصير؟ الشرع والدين قالها يا قياتي ولا أعرافنا؟ قياتي: لا يا بوي أعرافنا. الشيخ: ودامك تعرف لا ليش ما خالفتها وزوجتهم من غير البدو؟ قياتي:
لأن ما يصير يا شيخ ولا أخلي دم أحفادي ينخلط بدم أغراب وما ينتمون لينا. الشيخ: أشوفك تاخذ من الأعراف اللي على هواك يا قياتي وترمي الباقي! يا ولدي هي الأعراف انوجدت للحفاظ على قبيلتنا، على دمنا وأصولنا وعلى نسلنا. وما يصير ناخذ منها شي ونرمي شي. قياتي: يعني يا بوي ما أخيرهم بمسألة زواجهم؟ الشيخ:
ما حكيت هيك. بس فيك تتحايل حتى ما تخرب وتضرب حجر بالمي الراكد تعكر صفوه ومن عندك تبدأ شرارة التمرد. شورهم بس بينك وبينهم وخلى الأمر وكأنك أنت صاحب القرار والراي والكلمة العليا. هز قياتي رأسه بموافقة على كلام أبيه، وأبيه بحكمته المعتادة أكمل:
لا تنسى يا قياتي تعلم بناتك إن مشاركتهم بقرار زواجهم استثناء حتى يحسون بتميزهم وعلو شأنهم عندك. ولجل ما يطمعون بحرية أكثر بباقي أمور حياتهم مع أزواج تربوا على الأعراف وما يملكون عقلية مثل عقليتك، ولا تفكيرهم مثل تفكير بناتك الفوانص. رد عليه قياتي بضحكة: ههه يا بوي وين فوانص بناتي؟ الشيخ: فوانص واجد يا قياتي. وأنت بعد صرت فنص من بعد غربتك عن القبيلة.
أمال قياتي على أبيه وقبل رأسه ويده وهو يضحك على مزحته الجميلة والتي تخفي خلفها لفت نظر بأن أفعاله باتت لا تعجب أبيه. أما عوالي فكانت في هذا الوقت تستعد لمغادرة القبيلة وشراء احتياجات النساء الشهرية، فبرغم مرض منصور إلا أنها لا تنسى واجباتها، واليوم سيأخذها سالم بسيارته. فرابح خرج للصيد وآدم أخبرها بأن هناك أشغال تراكمت عليه يجب أن ينهيها اليوم.
مرت عوالي من أمام خيمة مزيونة فدخلت عليها تسألها عن أحوالها وإن كانت تريد شيئاً: عوالي: يا مزيونة. مزيونة: هلا هلا بعمتي تعالي يا الغالية فوتي وباركي خيمتنا بخطواتك الطاهرة. قالتها وأسرعت تقبل يد عوالي بمحبة فربتت عوالي على ظهرها وهي تقول: عوالي: يا زين حسنك وزين أخلاقك وزين ترباية أمك فيك يا زينة بنيات القبيلة. قولي لي يا مزيونة بنفسك شي أجيبه لك من الحضر؟ مزيونة:
لا والله يا عمتي ولا أي شي أريد بعد ما أخذت اللي بنفسي وحمدت ربي عليه. عوالي: مرتاحة يا مزيونة؟ مزيونة: واجد مرتاحة يا عمتي وكل ما قلبي يفكر أنه يعترض ويثور أضربه بعصى الرضى وأقول له نص العمى يا منكر النعم ولا ظلام الحرمان. عوالي: الله يكملك بعقلك ويديم عليك نعمة الرضى يا زينة الصبايا. زين قولي لي اللي تشتهين تاكليه أو ثياب تشتهين تلبسيها لسلومة، ولا أجيب لك أنا على عجب عيني؟ مزيونة:
والله يا عمتي كل شي ما أريد. ولا أقولك.. جيبي لي سفرجل روحي رايحة له. عوالي: قولتي لي سفرجل! بس السفرجل ما تروح له إلا النفس الوحمانة يا مزيونة. لتكون سويتيها؟ تبسمت مزيونة ونظرت للأرض بخجل وأومأت برأسها تؤكد شكوك عوالي، فصاحت بها عوالي: ياااا كلبة من متى تعرفين وما قلتي لي لا أنت ولا سويلم الردي اللي كل الوقت بخيمتي ما جاب لي سيرة؟ مزيونة:
لا ماتظلميه يا عمتي والله بعده ما يدري ولا قلت له شي. أنا من يومين تأكدت من عمتي جنديه ونبهت عليها ما تقول شي. وكل ما أجى أبشر سالم أشوف الوضع مو تمام، وما أريد أزف له الخبر إلا بالوقت اللي أحس أنه راح يفرق معه ويعطي الخبر حقه من الفرحة. عوالي: زين.. الله يتمم حبالك على خير يا بنيتي وتجيبي اللي يأكل عقل سويلم وعلى وجهه يشوف كل الخير. بس إذا وليد ما تعطيه عيونك الناعسات ماناقصنا فنص من بنيات القبيلة وهم يتعاركون عليه.
ضحكت مزيونة وضحكت معها عوالي وهمت تغادر الخيمة فقالت لها مزيونة: ما تنسي السفرجل يا عمتي. سمعت أنه يزيد جمال المولود وإذا بنية أريدها تكون أجمل بنيات القبيلة. عوالي: أعرف إن السفرجل يزيد جمال الوليدات، وما هنسى أجيب لك وبس يعرف سالم راح يعبيلك الخيمة سفرجل. أبشري. ذهبت عوالي للسيارة وركبت في المقدمة وكانت مايزة تجلس بالخلف، وانطلق بهم سالم، وكان طول الطريق متعجباً من نظرات عوالي له وابتسامتها التي لم تختفِ!
وصلا المكان وبعد أن اشترت عوالي كل اللازم وقفت أمام ملابس الأطفال ونادت لسالم وقالت له: عوالي: سويلم تعال نقي معي ملابس لوليد صغير. سالم: أنا يا عمتي؟ ومن وين أنا أعرف بملابس الصغار؟ عوالي: يا ولد جرب ايش بتخسر. وبعدين من يدري يجوز فال زين والله يرزقك عن قريب بوليد، ووقت تيجي تختار ملابسه تكون عارف إيش تختار. سالم:
لا يا عمتي إذا عالوليد ما راح أختار ملابسه غير أمه، هي أبسط حقوقها وفرحتها وأنا عاهدت نفسي إني ما أحرمها من شي طول ما أنا قادر أسويه. عوالي: والله إذا هيك يا سويلم، حتى اللي كنت أريد أختار لها ملابس وليدها ما راح أختارهم، وتبقى تجي بروحها للسوق تختار وتفرح. سالم: زين ما تسوي يا عمتي، والحين بالأذن بمشي لدكان الحلويات أريد أجيب شي حلو لمزيونة. عوالي: أقول يا سويلم هات لها سفرجل، هي وصتني على سفرجل وأخاف أنسى. سالم:
عيوني لها، أطيب سفرجل بالسوق يجيها. قولي لي أنت نفسك بشي أجيبه لك؟ خالة مايزة نفسك بشي حلو أجيبه لك؟ أجابته عوالي: من وين لنا سنون للحلو يا وليدي، جيب الحلو للحلو وتوصى. قالتها وتبعتها بغمزة من عينها، فضحك سالم عليها وغادر المكان وترك عوالي تنظر إليه بمحبة وهي حائرة في أمره!
فحين يتعلق الأمر بمزيونة يبدو عاشقاً حتى النخاع، وحين تُدار الدفة على رجوة لا يخفى على الناظر أنه يذوب عشقاً. فعلى أية قبلة نوى قلبه الاستقامة، أم أنه سيظل يتخبط بين القبلتين لا توبة له ولا استقامة؟
انتهوا من كل شيء وعادوا للقبيلة، وصُدمت عوالي بتعب منصور المفاجئ وتدهور أحواله وهي من تركته يتحدث ويجادل قياتي ويعطيه دروس في الأعراف والعادات والتقاليد. ومن ساعتها وانقطع منصور عن الحديث وتدهورت أحواله وتأجلت كل خطط أهل القبيلة، وحتى آدم أبى الرجوع للقاهرة في ظل هذه الظروف، وأرسل لوالديه أحضرهم للقبيلة تحت حراسة مشددة حتى يودعوا الشيخ منصور. ولم يبرحوا القبيلة إلا بعد أسبوع كامل من وفاته. (عودة للوقت الحاضر) صالحة:
يا صالحة، خذي الحليب ولا تعطي خولة منه شيء. أخذت صالحة سطل الحليب من ولدها ونظرت فيه ثم نظرت لبرق وصاحت به: وهو وين الحليب من الأساس اللي أعطي منه لخولة إذا ما يكفون حتى أتسمم أنا؟ برق: يما والله حلبت ثلاث معزات بالسطل، ايش فيك تريدين برميل حليب؟ ردت عليه خولة بضحكة:
أي أمك ما تشبع، أصلاً دورت بطنها كله على ظرف قلت أكيد إلا ما ألاقي بطنها مظروف وينزل منه الأكل بس ما لقيت. اسمع يا برق وقت تروح تجيب لها حليب انتبه لأي معزة تبول وخذ بولها بالسطل يزود الحليب وأمك تشبع، أنا دوم أسويها. سمعت صالحة كلمات خولة وجحظت عيناها وصاحت بصوتها العالي: حيييه عليكي وعلى أبوك وعلى اليوم اللي بشرتني القابلة بيك وقالت جبتي رزية. جد تسويها ولا تمزحين؟ انطقي الحين يا خولة. خولة:
وربي ما أمزح، لكن من وين أملأ السطل اللي يكفي كل القبيلة حليب أنا كل يوم؟ وأنا اللي لو حلبت كل معزة القبيلة بأغنامها بنسوانها المرضعات ما أملاه! صالحة:
ملاكي الجرب اللي يخليك تتمرغين بالرمل مثل الثعبان المشطوش راسه يا معدومة الضمير يا اللي ما تخافي الله. وأنا أقول ليش أشرب الحليب وانكفئ على بوزي ما أشوف من الدنيا شي لن يطلع النهار. والله اليوم يا أنا يا أنت، امسكها لي يا برق، امسك وإذا فلتت منك أدج راسك بحجر أشقه نصفين وتاخذ أنت العقاب بدالها. امسك الفانص اللي ذبحها اليوم على يدي. هجم برق على خولة فأخذت تراوغ داخل الخيمة وهي تقول لأمها:
يا صالحة ايش مشكلتك إذا تأكلين وتشبعين. وبعدين ماهي غريبة يعني شرب البول مانحن نشرب بول الإبل والناس تجي لقبيلتنا مخصوص تأخذه للعلاج وتشربه هو وحليب الإبل ويخلطونه، إيش فرق بول الإبل عن بول الغنم والماعز؟ صالحة: صكري خشمك ولا كلمة أريد أسمع، تعي اقتربي ومن دون نفس تتحملي اللي تقدر ذراعي عليه من ضرب. وبالأخير أذبحك وما أريدك ترفعي يد ولا رجل ولا حتى يرفلك جفن. خولة: والله؟ ليش يعني مفكرة روحك تذبحين دجاجة ميتة أنت؟
وربي ولا أتحمل ذراعك ولا رجولك، وفايت لك الخيمة وهاجرة وما أرد إلا وقت تهدين وعيونك الحُمر اللي صايرة عيون غولة يرد لها اللون الأبيض. قالتها ثم انطلقت للخارج، ولم يجد برق بُداً من أن يغادر الخيمة مسرعاً هو الآخر خلفها خوفاً من أن ينال العقاب بدلاً عن خولة، ولم يكف عن اللحاق بها ومحاولة إمساكها حتى وهي تقع وتنهض إلى أن وصلت خيمة الشيخة عوالي فوضعت إصبعها أمام وجهها وقالت له محذرة:
والله إذا اقتربت أشكيك للشيخة وأخليها تقتص لي منك. هيا غادر هي منطقة خيام لبنيات وما يحق لك تكون فيها بهالوقت من الليل. تلفت برق حوله وخاف أن تنفذ تلك المجنونة تهديدها فغادر وتركها، وهو لن يعود لخيمة أمه إلا في الصباح على أية حال. أما خولة فوقفت أمام خيمة عوالي وطلبت الإذن بالدخول. ولما أُذن لها دخلت، وبخطوتين كانت فوق رأس الشيخة عوالي المتكئة على الفراش وتحدثت بإندفاع: خولة: يا شيخة زوجيني أريد أتزوج الحين.
إعتدلت الشيخة عوالي في جلستها ونظرت لخولة بإستغراب ولاحظت أنفاسها العالية وحبيبات العرق المتجمعة على جبينها وثيابها المتربة وقالت: يا منجي نجي، إيش جاك بهالليل يا بت صالحة ووين كنتِ ومع من وايش قاطع أنفاسك؟ مايزة قومي الظاهر قيامة القبيلة بتقوم الليلة. قومي وشوفي اللي عيني تشوفا! مايزة: إعتدلت وهي تفرك عينيها لتتضح الرؤية ثم نظرت لخولة وسألتها: ايش فيك يا خولة وايش جايبك بهالوقت؟ صالحة:
قولي لها يا بت صالحة إيش جابك وعيدي عليها اللي قلتيه لي. خولة: أنا قلت للشيخة أريد أتزوج. عوالي: وقلتي الحين. خولة: اي إذا أمكن الحين. وهنا همست مايزة بصوت خائف: ياااأرض انشقي وابلعي الفوانص. وليش هبت عليك الهبة يا خولة. إيش جرالك ومن ايش ثيابك معفرات؟ خولة: تيابي معفرات من طيحتي عالرمال وأنا أرمح من أخوي برق وهو يريد يمسكني لأمي لجل تذبحني. وهنا صرخت عوالي:
واااااك عليكي يا بت صالحة. وصلت للذبح. هاد يعني إن اللي خطر ببالي هو الصواب. قومي يا مايزة جيبي الخنجر المسنون وامسكي لي هي الفانص اللي هاربة من الذبح لخيمتي مفكرة إني أستر عليها وما أذبحها أنا بيدي. قومي يا مايزة قومي. قومي كتفيها وأنا أجيب الخنجر. حكت خولة في رأسها بعدم فهم، ونهضت مايزة وعوالي معاً وأمسكتها مايزة بإحكام. أما عوالي فآحضرت الخنجر ووقفت أمام خولة وأمسكتها من تلابيبها وسألتها وهي تجز على أسنانها:
انطقي من اللي سواها وتريدين تتزوجيه الحين. قري واعترفي يا فانص.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!