الفصل 31 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
18
كلمة
5,036
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

غادر أدم الشركة تاركاً عمه وابن عمه يستشيطان غيظاً. عاد للقصر وأخبر والده بما حدث معه، وأنه استعاد المخازن ولن يحتاج لأوراق ملكيتها. فقد علم أنها مسجلة في الشهر العقاري، وكل ما سيتطلبه الأمر هو الذهاب للشهر العقاري واستخراج أوراق ملكية بدل فاقد. وأما بخصوص حماية المخازن، فقد ولى عليها من هو أشد إجراماً وبطشاً من رجال عمه. وعمه قصير والشيخ منصور هم من رشحوهم وكلفوهم بتنفيذ المهمة هاتفياً.

تناول طعام الغداء الذي أعدته مايزة مع أبيه وأمه ومايزة، ونهض ليتوجه إلى غرفته، بعد أن وزع نظراته بين كارمن وحياة وهو يختار من منهم التي سيبدأ بها أولاً. فقرر بأنه سيبدأ بكارمن، فهي تبدو أقل رزانة وأكثر انجذاباً إليه، حيث أن عيناها لا تفارقانه مادام أمامها. أما حياة فنظراتها له كانت مغلفة بالحرص على ألا يلاحظها أحد. ولكن العقاب ليس بأي أحد، فهو يستطيع الشعور بالعيون التي تراقبه حتى دون أن يلتفت إليها.

جلس على فراشه وفتح حاسوبه وقام بالبحث عن حسابها الخاص بالفيس بوك. وفي أقل من خمس دقائق كان يلج إليه ويخترقه دون أدنى جهد، وأخذ يتفحصه جيداً. فعرف من تصادق ومع من تتحدث، وعرف هواياتها من مقترحات التطبيق على صفحتها. استمع لمحادثاتها مع صديقاتها، وعرف من خلالها مدى إعجابها به، فقد كانت تصفه وتتغزل به. وليس هذا كل شيء، بل وهاتفها الذي اخترقه للتو كان مليئاً بصوره، كانت تلتقطها له طوال الوقت وهو غافل في أوضاع مختلفة. ومنها تأكد بأن مهمته يسيرة جداً، فالإعجاب موجود والتقرب لن يستغرق سوى بضع كلمات.

أغلق حسابها، ولج لحسابه، وبدأ في مراسلتها على الفور: السلام عليكم.. كيفك يابنت العم عساكي بخير. لم يلبث سوى دقيقة واحدة وجاءه الرد منها: عرفت حسابي منين؟ -الناس ترد السلام أولاً. ولولا أبوك وأمك ما علموك. -وعليكم السلام وكل حاجة، بس برضو عرفت حسابي منين؟

-ليش حسابك بده تعب ليعرفه الواحد.. الحساب باسمك وما شاء الله حاطة صورتك عليه، ما عندك حشمة ولا حيا. لا وايش كمان متصورة بشعرك وبملابس ما يلبسنها غير العوالم.. بس العيب مو عليكي، العيب على التيوس اللي مسؤولين منهم. -إيه ده يابني، إنت وهو، إنت داخل تتعارك معايا؟ فيها إيه لما أتصور بشعري، دي حرية شخصية. وبعدين مسمحلكش تتكلم عن بابا وإخواتي كده وتقول عليهم تيوس.

-لا تسمحي، غصباً عن بوزك، ما منتظر سماحك. بس للأمانة هم تيوس.. يعني أنا إذا معي أخت مثل القمر هيكي بخلي كل اللي رايح والجاي يشبع من جمالها. ولا أحطها في قارورة من الألماس وأقفل عليها مية باب وباب لغاية ما يجي راجلها ياخذها وما أخلي عين تنضرها.. أصلاً اللي راح يتزوجك ماراح يسامحك لأنك خليتي الكل يشاهد شيء ملكه هو لحاله. بس إيش نقول، البنت برغم جمالها غبية والأهل تيوس.

لم تعرف بماذا ترد عليه، فكلامه عبارة عن إطراء كبير ولكنه مغلف بالسب والتوبيخ. فهل تصده وتدافع عن أهلها، وربما في هذه الحالة ينهي المحادثة ولا يعاود الكرة مرة أخرى أبداً؟ أم تتغاضى وتنتهز فرصة باتت تحلم بها أياماً؟ فها هو الوسيم تاجر الأسلحة ذو المكانة العالية التي يتحدث عنها الجميع، لم يستطع مقاومتها وأتى صاغراً ملبياً لنداء جمالها الفتان. فقررت التجاهل وردت عليه قائلة: طيب ودا أسميه إيه بقى؟

-سميه مثل ما بدك، كل المسميات أمامك. -يعني لو سميته غيرة عادي عندك؟ -أي، ويش فيها يعني. سميها غيرة، وهي عن جد غيرة. اللي ما يغار على لحمه ما يحق له لقب أنه يكون رجال. وأنا رجال وإنتِ بنت عمي.. وما زلتي صغيرة وبدك من يوجهك ويعلمك الغلط من الصواب. -أنا مش صغيرة على فكرة، أنا عندي.. -أعرف عمرك وأعرف تاريخ ميلادك، وأعرف كل شيء عنك. -اممم.. دا اهتمام بقى! -أي اهتمام أكيد، مو قلتلك إنتِ بنت عمي ولحمي.

وعرضي. وتوا ودي أحكي معاكِ شوي ونتعرف عليكِ. ودي أعرفك أكتر وأكتر. -ليه؟ -ما ندري، هادا اللي نريده توا. صار هيكي، عندي رغبة نتعرف. وشيء ثاني، من اليوم صار عندك رجال يهتم ويغار، وبيحاسبك. يعني ما في طلعة بشعرك، وما في لبس ضيق، ما في أصدقاء رجال على الفيس أو أي مواقع تواصل. والأهم.. ما في جلوس بملابس البيت هادي اللي تجلسين بيها قدام أولاد خالتك وعيونهم تاكل وتشرب فيك.

تبسمت وصمتت ولم تجبه، فهذا هو ما تريده تماماً. هذه هي صفات فارس أحلامها، غيور وقوي ويهابه الجميع، وفي نفس الوقت وسيم وذو طلة خاطفة. فمن هي الغبية التي تقاوم كل هذا وترفضه؟ أما هو، فلما طال سكوتها علم أنه لمس أوتارها الحساسة واستطاع اختراق نقاط ضعفها. فهي كحال كل الصبايا في عمرها، ينجذبون لمن يشعرهم بأنهم ملكه هو فقط ويستطيع تدمير العالم لأجل حبيبته.. والمهم أنه يغار.

استأنف حديثه معها، واندمت هي في الحديث وفتحت أبواب قلبها لهذا الشعور الجديد الذي يتسلل إليها. وكان هذا أول انتصار لآدم ونجاح في اختراق صفوف العدو وتدميرها، حتى وإن كان الدخول من أضعف نقاطه. فهذه استراتيجية قتالية بحتة، إذا كنت تريد تدمير شيء فاستهدف نقاط ضعفه. أنهى حديثه الطويل معها، والذي أسفر عن نجاحه المؤكد في ثاني خطواته. ثم استوى على فراشه وأخذ يفكر في الخطوة القادمة. أما في القبيلة...

رجوة: هاه ياسلومتي، امتى راح نمشي لعقاب؟ متى راح ينتهي رابح من تجهيز حاله؟ ليه ساعات يتسبح؟ قوله الوصخ ما ينضف لو إيش ما عمل، وخليه يطلع. وهو: إتقول حنش قاعد يصلخ في جلده. -ويش فيك يارجوه ليش متعجلة؟ بعد ساعة، بعد اتنين رايحين رايحين. طولي بالك واجلسي وحطي صرة ملابسك هادي على الأرض، ليش متلفحة بيها؟ وبعدين ليش كل هاد؟ هو يوم أو يومين هنقعدهن هناك، ما مطولين لحتى تاخذي كل ملابس وكأنك راح تسكنين؟

أهمدي وما ياخدك العشم أكتر من هكي. -ويش فيها إذا أخذت واجد ملابس؟ إنت تعرف إني أحب أبَدل ثيابي كل شوي، وكمان عشان أهل الحضر ما يقولون شوفوا بنت البادية المسكينة ما عندها ملابس، بس قطعة تنام بيها وتقوم. أنا أريد أكون واجهة كل بنات البدو من نظافة للبس وكل شيء. -راح تسوين عرض أزياء باين هكي؟

-إي، وراح نمشي عارية، ما نستر إلا قليل من جسمي، ونسبل شعري، ونمشي نتمختر شمال ويمين ونضرب بقدامي ليرن صوت أكعوب نعولي متل ما كانت البنات تمشي بالتلفزيون. عقاب، وألبس النعل هاااك طولا وأنخلي الكل يصفقولي. -أي، احلمي احلمي وكتري، ما عليها ضريبة الأحلام. قال تلبس عارية وتمشي تتطوح؟ والله نقنصك وأنموتك بأرضك وندعس على راسك. -وانهون عليك سلومتتي؟

تنهد وهو ينظر إليها ويتأملها. وقبل منها يتأمل حال قلبه الذي ينقلب من النقيض للنقيض فقط بكلمة منها، ويبيع جميع القضايا بإبتسامة، ويعلن الخضوع على الفور ما إن تناديه بأقرب الأسماء لقلبه على الإطلاق "سلومتي". فأردف لها في قرارة نفسه: والله تهون الروح ولا تهونين على سلومتك يانبض سلومتك إنت، تدللي علي كيف ما تريدين يارجوتي.

تنحنح وحاول العودة من العالم الوردي الذي تاخذه إليه بكلمة واحدة ويذهب معها دون أدنى اعتراض. وبدأ في هندمة ملابسه التي لا تحتاج لهندمة ورد عليها بخشونة مصطنعة: تهونين ونص إذا ودك تصيرين فانوس العربان كلها، مو بس فانوس قبيلتنا. أنهى حديثه وتحرك من أمامها على الفور، فهو يعرف جيداً ما القادم إليه. وقد كان، فقد بدأت رجوة تقذفه بوابل من الشتائم جعلت ابتسامته تتسع مع كل كلمة تخرج منها: ويش قلت.. أنا فانوس؟

يعني حتى إنت يا تيس صرت تقولي فانوس، كيف القبيلة؟ ولك روح الله يبعتلك ذيب ياكلك ما يبقى فيك شيء. الهي تعشش بجثتك البراغيث يا سالم وتمشي تحك جلدك بالصخور مثل الصخال المبرغثة.. ألله يقطع هاللسان اللي صار ينقط سم.. الله... كان قد ابتعد المسافة الكافية وبدأ صوتها ينخفض ويتلاشى، حتى وصل عند أبيها، عمه قصير، فقال له: هااا عمي، ما قلتلي اتوصى على شيء من الحضر؟ -لا ما ودي شيء ياسالم، ما ودي إلا تدير بالك على بلوتك اللي معك.

-لا تشيل هم ياعمي، رجوتي بعيوني والله. -بعرفك كفووو يا ابن أخي. ولو ما هيك ما بعثتها معاك لأي مكان بعيد، وهي دوبك رهينتك ما عقدتوا عقد. بس أنا أعرف سالم ابن أخي زين، ينآمن على العرض وعلى الروح.

-والله ياعمي، إذا تعرف سالم زين، ما تحاول تعطيه رسايل بطريقة غير مباشرة وانت تعرف زين إنه يفهم عليك. وإذا على حكي القبيلة وأنه سالم خذ بنت عمه وطاف بها بالبلاد، فهذا اتركه على عمتي عوالي. هي راح تفهم الكل إنه نزلنا نجيب حاجات للعرس. -أي عرس هذا ياسالم؟ لتكون ودك تعرس قبلي! والله لو سماك إذا حصلت لنحرق الخيمة اللي راح تتزوجون فيها وأنتم جواها وبليلة عرسكم. يعني أنا أصبر سنين وييجوا الصغار يتزوجون قبلي!

كان هذا صوت رابح الغاضب، فأجابه قصير على الفور: هدي حالك يارابح، مين جاب سيرة زواج واعراس؟ إنت صارلك عفريت اسمه زواج. وبعدين من يزوج المهبولة للتيس بهذا العمر؟ ما زالوا صغار كتير.

وبالمناسبة، جوازك من معزوزة مرهون بيك إنت، يعني لو جيتني وقلت ياعمي أنا جاهز للزواج، إيش اللي يأخرني أنا. ثم إن عمك الشيخ منصور بذاته كلمني من نقال قياتي ووصاني عليك وعليها، ويقول كافي صبروا لمن مل منهم الصبر زوجهم. قللتوا والله التقاعس أصبح من رابح مو مني. رابح: خلص ياعمي، إذا الأمر مرهون بي، راح أوكل مهمة تجهيز العرس لعمتي عوالي، والخيمة بتتنصب من غدوة، وأنا بس أعود من عند عقاب يتم العرس باليوم التالي.

وتوا الإذن منك نعدي أزف البشرى لمعزوزة بروحي وأنفرحها وأنخليها تستعد للعرس. -أذنت لك يا يابوي، اربح افرح وخبر خطيبتك. تحرك رابح سريعاً يتسابق مع دقات قلبه حتى يزف البشرى لمعزوزته. وفور أن رآها تخرج من خيمتها، وقف أمامها يلتقط أنفاسه بصعوبة، وعلت وجهه ابتسامة جعلتها تبتسم تلقائياً مع دقات قلبها التي بدأت تضطرب وهي تقرأ في عيونه سبب فرحته. وسألته هامسة: خلص يانبض القلب، آن الأوان.

أومأ لها برأسه مجيباً، ثم اقترب منها أكثر، ولم يعد يفصلهما غير بضع إنشات، وهمس لها:

باقي بس أيام يا معزوزة والروح ترد لجسدها وتدب الحياة فيها.. باقي بس أيام وتصيري أم بيتي وأم قلبي وأم أولادي بمشيئة الله. باقي بس أيام وتتحقق كل الأحلام اللي ظنيت بيوم أنها ما راح تتحقق.. الحين أنا مسافر لعقاب وهنن يومين بس وأنرد لك يانبض القلب وضي العين.. ودي أنرد ألقاكي أحلى عروس.. ودي أعاود ألاقيكي بانتظاري كيف ما تنتظر الجنة التقى.. ودي أنعم بيكي يا جنتي.. استعدي لعرسك يا عزيزة القلب ومعزوزة الروح، لقروش كلهم معك،

بس يطلب منك مرسول أعطيه، هو راح يعمر الخيمة ويجيب أغراضها من الحضر، أنا بوصيه. واللي تطلبه الشيخة عوالي وأمي للعرس، أعطي. والدبايح من حلالي، قولي لأبوك وهلال يختارون الأعفى والأعتى من بينهم وكل يوم يذبحون كبشين للقبيلة كلها لحين أرد.. الفرحة بدت من اليوم.. وأنت ياروح الروح خذي كيف ما بدك مصاري وأنزيلي الحضر مع عمتي عوالي وجيبي اللي تطيب عليه نفسك، ماتبخلي على نفسك بشيء.. كل اللي تهواه عينك جيبيه وأنا ماراح أقولك إيش

جبتي وإيش صرفتي وقديش بقيتي.. رابح وأموال رابح فداء لك يا عرق عيني.

-الله يحفظ لي رابح ويسعد لي قلب رابح ويهنيني برابح اللي ما في متله بكل الدنيا لو غربلوها غربلة.. أبشر ياحبيب الروح والقلب والعين.. بس ترد راح تلاقي عروسك منتظرتك وكل شيء جاهز، ما باقي غير أقولك زوجتك نفسي وأنت تقول قبلت وتلتقي الأرواح. غاصت العيون في نظرة تمني طويلة قطعها الصوت الذي يبغضه رابح كثيراً:

مووو كافي ياعنتر البوادي وإنت ماتستحي ياعبل القبايل.. ماتقول ورانا سفر وطريق طويل ونترك التسبيل لبعدين.. هاي أموركم الفارغة تنتظر، أما الطريق والسفر ماينتظرون. إستدار نحوها رابح وهو يعض على شفته السفلى بغضب وهمس لها من بين أسنانه: انقلعي انتظريني بالسيارة ياراس البين وبلا كثرة حكي.

-واللله ما أتحرك من هين إلا ورجلي على رجلك، ليش ما أعرفك أنا وقت تصفن علي معزوزة يتوقف بيك الزمان وتصير مثل صخرة، لو الدنيا خربت من حولك ما تبالي. هيا يارابح ومعزوزة باقية والتسبيل باقي، ماراح يروح لمكان. نظر رابح لمعزوزته مرة أخرى وقال لها: معزوزة، أعطي لهلال قروش يشتري لك نقال وخط من الحضر وخلي يدق علي منه، ودي ماينقطع عني صوتك. كنت ناوي أجيبا لك بس بكل مرة ما أعرف إيش يعطلني.

-أبشر ياربح قلبي، كل اللي تريده راح يتم. سافر وكون هاني، ودير بالك على حالك أمانة عليك، ورد لي سريع يارابح وماتزود البعاد ساعة إذا بتقدر تنهيه. -حاضر ياعيون رابح.. يلا استودعك ربي يا أغلى روحي. أنهى حديثه وانطلق مبتعداً على الفور من أمامها، فهو مثل ما قالت رجوة تماماً، ينسى دنياه ونفسه إن وقف أمامها ويتوقف به الزمان. ونظر لرجوة وقال لها آمراً: هيا يالفانوس، اتبعيي.

وصعد ثلاثتهم السيارة وبدأت رحلتهم نحو آدم، ورحلة رجوة نحو تحقيق أهدافها. وصلوا إلى القصر بعد رحلة استغرقت عدة ساعات لم تكف فيهم رجوة عن الثرثرة إلا عند تناولها الطعام أو الشراب. ورابح صنف الرحلة بأنها رحلة جحيمية بمصاحبة هذا المزياع بغيض الصوت الذي يقاطع أفكاره ويطرد طيف معزوزته من أمام عينيه كلما استدعاه بصرخة قوية تهز بدنه كلما رأت شيئاً غريباً، مما يجعله يسبها في السر والعلن بشتى أنواع السباب.

أما سالم، فكان يسبح فوق الغيوم من فرط سعادته بقربها وأحاديثها التي لا يمل منها أبداً. ينظر إلى فمها وينتظر منه الكلمة، وفرحته تشبه فرحة طفل لرؤية هلال العيد. ولا يصدق أن رجوته قريبة منه لهذا الحد الذي جعله ينهل من ملامحها حد الثمالة ويهيم قلبه على وجهه لا يعرف له ملجأ إلا عينيها. وتمنى لو انقضى العمر وهو على نفس جلسته أمامها وتوقف الوقت وتعطلت الساعات. ولكنها تظل أمنيات..

وصلوا إلى القصر ودق سالم على جوال آدم الذي لم يصدق حين أخبره سالم بأنهم أمام القصر. طلب منهم الدخول وغادر الشركة على الفور راكضاً حتى يلاقي رفقاء الروح والقلب. وفور مغادرته، دلف ياسين إلى مكتبه الذي اغتصبه من أبيه وأخذ يقلب في كل الأوراق فيه. واتكأ بعدها على الكرسي يواصل التفكير في خطته التي عزم على تنفيذها فور اكتمال أركانها رغماً عن اعتراض أبيه والجميع.

داخل القصر.. كان الاستقبال لسالم ورابح ورجوة ملكياً من محمود وعايدة. وحتى مايزة التي شمت بهم رائحة قبيلتها التي اشتاقت لها وبدأت تشعر بالاختناق هنا تحت الأسقف وبين الحوائط التي تمنع عنها البراح، وجلسات السمر مع نساء القبيلة... والأهم من هذا كله، شيختها "عوالى".

بدأت رجوة تلتفت حولها وتتفحص القصر وجميع زواياه بفم منفرج انبهاراً، فما رأته كان أجمل من كل الكلمات التي وصفته عن لسان رابح وسالم. فالحقيقة دائماً تختلف عن الخيال، إما أجمل أو أقبح، ولكن التطابق نادر.

انتهت مراسم الاستقبال ومحمود أخذ رابح وسالم لحديقة القصر وتطوعت عايدة بإعداد الطعام بيديها للجميع هذا اليوم. وتركت مايزة تنفرد برجوة، فقد رأت حاجتها للحديث معها. وقد كان، فأصطحبت مايزة رجوة على الفور لغرفتها واجلستها أمامها بعد أن رمت صرة ملابسها على الأرض وهي تصيح بها: ويش هاد؟ طويتي خيمة بوك وامك وجبتيها بالصرة، انقلبتي جايبة كل هادي الصرة مثل ما تكوني مهجرة؟

-ويش فيك يامايزة جايبة ملابسي، ولا ودك البس معك بملابسك وأصير عجوز البادية متلك؟ -عجوز البادية لما ياكلك يافانوس يا أم اللسانين، والله ودك كوي بسيخ عوالي وبس أرد للقبيلة أنا بروحي اللي راح أحطه على النار وأخليه يتنار وأقولها ادفسيه بكل مكان بجسم هالفانوس. -اللي يرد معكم للقبيلة سيخوه. -ويش تقصدي؟ -سلامتك ياعجوز القبيلة.. وأكملت وهي تنظر حولها متفحصة غرفة مايزة وفراشها وخزانتها:

والله ونضفتي يامايزة وصرتي تنامين على سراير من بعد ما كان النمل وحشرات القبيلة واخدينك عشوش ليهم، وبس كنتي تحكي جسمك ينزل النمل والخنافس.. زمن دوار والله. -نمل وخنافس لما ياكلونك حية. -ششش، صكري فمك يامايزة واحترمي صاحبة القصر اللي لامك ومنضفك. -والله إنك انهبلتي والله.. المهم فوتينا من أهبالك واحكيلي يالفانوس ويش علوم القبيلة وأهلها وناسها الجبير والصغير وحلالها وجمالها وخيلها وحتى رمالها، أوصفيلي حالهم.

وبدأت رجوة تقص عليها أخبار القبيلة وتجيبها على كل أسئلتها، وتنقل لها أخبار كل من سألت عنه. وظلت هكذا إلى أن ألمت مايزة بجميع المستجدات في قبيلتها الحبيبة. وسكتت رجوة عن الكلام حين سمعت صوته الذي زلزل كيانها، فتركت مايزة وخرجت تتقصى مكانه. وفور أن رأته بهيئته وهندامه، بحلته التي جعلته يبدو مثل أمراء الحكايات، مع قصرة مع الهالة التي حوله انطبق عليه التشبيه، وبدا كأنه أمير هارب من زمن الأساطير.

وأثناء تأملها له، دلفت من باب القصر كارمن التي جعلتها تفتح عينيها على وسعهما. كانت ترتدي زي مدرسي وتربط فوق رأسها قماشة بالكاد تغطي الجزء العلوي وتتطاير خصلاتها بعشوائية حول وجهها الأبيض المستدير، فبدت جميلة حد الفتنة. وغير هذا، رأت نظرة آدم الجانبية لها، فشعرت بناقوس الخطر يدق في روحها. ولم تلبث أن تتجرع الصدمة حتى دلفت من الباب فتاة أخرى، ولكنها كانت محجبة وتبدو أقل جمالاً من الأخرى، ولكنها حازت على نظرة جانبية أخرى من عقاب. فدقت داخلها جميع نواقيس الخطر في آن واحد. فرفعت رجوة يديها

فوق رأسها وهمست بغيظ: حييييييه عليكي يارجوة حييييه، زوز فانص ياعقاب معك عايشين وأنا اللي أنتظرك ترد للقبيلة مرة ثانية، والله إنك ماراح ترد وتترك هدول الفانص. ولم تكن الوحيدة التي لاحظت نظرات آدم، فقد لاحظها سالم أيضاً، وخاصة نحو كارمن والتي قوبلت بابتسامات خجولة منها، فقلق سالم من وضع آدم، فقرر أن يتقصى أمره ولكن فيما بعد.

وبعد أن سلم آدم على الجميع واطمأنوا على أحواله، جلس معهم يتجاذب أطراف الحديث حول البادية وأحوالها ويصف شوقه إلى الصحراء الواضح في كل حرف من حروفه. غادرت رجوة لمساعدة مايزة وعايدة في إنهاء تجهيز طعام الغداء. ونهض محمود وذهب إلى مكتبه لينهي بعض الأعمال، وبقي ثلاثتهم، آدم وسالم ورابح، فاستدار سالم وواجه آدم وسأله بشك: عقاب، في شيء عم يصير معك مووو؟ -إيش لاحظت؟ -واااجد أشياء ومستغرب من السرعة.

ضحك آدم فقد فهم عليه وعرف إلى ماذا يرمي، فرد عليه ببساطة: خوي، لا تشغل بالك وكون هاني، عقاب مو صغير. انتبه الجميع على صوت مايزة آت من الداخل وهي تصرخ: واااااك عليكي يافانص، حلي عني وغوري. فضحك الجميع عليها، ورفع آدم عيناه على صاحبة الظل التي ظهرت فجأة بينهم، فوجد كارمن تقف في شرفة غرفتها المطلة عليهم، فتبسم لها وردت له الابتسامة. وهنا لم يستطع سالم كتمان ما يجول في نفسه وقال له غاضباً:

ما تقول لي إيش فيك، أحس عيونك زاغت ياخوي، واللي مراقباه العيون مابه خير. ويش فيك ياعقاب، معقولة يكون عقلك بطل يفكر زين، بس شفت بنات الحضر وزينتهم؟ معقولة راح تقع بهذه الغلطة العظيمة وتنسى كل شيء؟ معقولة تحب من نسل عمك؟ -ليش ياسالم، هو كل النظر حب؟ ولا كل التفاتة مصحوبة بتمني! روق ياضلع وما تفقد ثقتك بعقاب وتخلي عقلك اللي خربته رجوة يحط افتراضات خربانة مثله. -فهمني لكان؟

-بعدين بتفهم كل شيء. والحين قوم خد بلوتك هي اللي جلطت مايزة سبع جلطات من ساعة اللي وصلت وكل شوي مايزة تصيح واااك منها، قوم فررها شوي هون وهون. خد السيارة وروحوا لحالكم، ولا تخبر مايزة، راح تدقها ألا تروح معك. وإذا بدك مصاري بالغرفة بخزانة ملابسي خد اللي يكفيك ويفيض واشتري لها كل اللي تشتهيه. رجوة إذا شافت شي عجبها وما طالته وجابته بتقوم قيامتها.

-لا ياخوي، معي خيرات الله وأجيب لها كل اللي تريده. ياريت كل هموم الدنيا كانت قروش، والله ما كان حد شال هم.

وبالفعل نهض وأخبر رجوة بأنه سيأخذها بجولة. وحين علمت أن عقاب لن يكون معهم رفضت، وأصرت على البقاء معه بالقصر ومراقبته مع الكارثتين المحيطتين به. ولكن سالم لم يستمع لها وأجبرها على الخروج معه، وأصطحبها بالإكراه بعد أن تناولا طعام الغداء. وبالرغم من أنه قضى ساعات طويلة في السفر وجسده منهك، إلا أنه وجدها فرصة للتقرب لا تعوض وقرر أن يستغلها.

ونتيجة ذلك لم تكن النزهة كما خطط لها في عقله، بل كانت عبارة عن تجاهل وصمت مطبق من رجوة، وعدم تجاوب مما جعله ينهيها سريعاً ويعود بها للقصر مرة أخرى خائب الرجاء. وفور وصولها للقصر أسرعت تجلس بجوار آدم وهي تتفحصه بعينيها وكأنها تريد إلتهامه. فوقف سالم مشدوهاً من لهفتها. وكالعادة، حارب عقله الذي يحاول أن يخبره بأن هناك شيء خاطئ يحدث، وأجهض أفكاره قبل أن تتكون. إقترب منها وجلس بجوارها وسألها هامساً:

عجب لحالتك، شايف ضيقتك اختفت يعني وملامح وجهك ارتاحت وضحكتك عادت، اتقول كنتي ميتة وردت فيك الروح. انتبهت إليه وردت على كلامه قائلة:

حاسدني على هادي ياسالم واسمعها مني. أي ما أنا من البداية حكيت لك واااجد ما نريد نطلع، بس إنت اللي ركبت راسك. من يوم وعيت لك على الدنيا وأنت تعمل اللي براسك ولا تهتم إذا رجوة راضية ولا لا. كل اللي يفرحك إنت ويسعد قلبك تسويه، وما تفكر غير براحتك وبس.. إنت أكتر واحد أناني بالعالم ياسالم. مهما عملت وعطيت وزاد كرمك للناس، هتفضل تحب نفسك أكتر من أي شيء وحاططها فوق الكل. وما بعدك حريقة.

-تحكي من جدك إنت، ويش هادا اللي تقولينه يارجوه؟ معقولة أنا هكي؟ يعني هادي نظرتك لسالم يابنت عمي؟ -أي ياسالم هادي هي نظرتي لك. بالأول ما كانت هكي بس إنت بدلتها بأنانية اللي كل ما تكبر بالعمر تكبر معاك وتزيد لما بقت عالعلن مثل قرص الشمس، ومتشايفة للأعمى. أخذ نفساً عميقاً وحبسه بداخله لثوانٍ راجياً أن يطفئ لهيب فؤاده من كلماتها اللاذعة، ثم أخرجه دفعة واحدة ورد عليها معاتباً:

والله إن سالم ماتغير ولا جد عليه شيء، ولا بيوم كان أناني، ومن يوم يومه يبديك على روحه ويرخصلك الغالي وما يستخسر فيكي نجوم السما لو تطلبيهم.. بس الظاهر إن إنتِ اللي تغيرتي، ومو عاجبك اللي كنتي ترتاحي إلا معاه، يارجوة، مو أنا اللي ذكرتيه سابق. والظاهر إن كلام جدي منصور بدأ توا يتفسر ومعانيه تلوح..

القلب اللي تربى على يد سالم وكان يحب كل شيء منه، اليوم كبر وصار بده يخرج عن طوع حبيبه ويشوف له راعي جديد.. بس حسافة عليكِ إذا كان اللي نفكر فيه صحيح ومن بين كل الناس ما اخترتي راعي لقلبك غير اللي عيونك محاوطينه. وقتها راح تكوني رميتي قلبك للي ما راح يرفع عينه ويبص له نص بصة، ولا راح يهنا لك بال بعدها. تعرفين ليش يارجوه، ولا ماتعرفين؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...