تقدم آدم من والديه قبلهما وجلس بجانبهم، مرر عيونه على الجميع وابتسامة جانبية لاحت على وجهه لتلك النظرات التي يرمقونه بها. يعرف ذلك الخليط جيداً، كره، على غيرة، على حقد. ولكن هناك نظرات إعجاب من بينهم، عيون تتمنى وتشتهي، وهذه النظرات هو خبير بها، ولطالما رآها في عيون فتيات القبيلة. فهتف في قرارة نفسه: "وليش لا، والله يامراحبا بأبواب جديدة تنفتح وتعطى فرص أكبر." وجه حديثه لوالده قائلاً:
"ها يابوي، تريد تيجي معاي عالشركة اليوم ولا مازال ماتقدر؟ بس وجودك بأول يوم لإبني بالشغل ضروري لتفهم كيف تصير الأمور فيها وكيف التعامل." ضحك ياسين ضحكة عالية لم يستطع كتمانها، وهو يتخيل ردة فعل آدم وهو يدلف لشركته التي يظن أنها لازالت قائمة، ويجدها خاوية من كل شيء، وبعد أن تأنق ليراه الموظفون، سيذهب لمبنى مهجور لن يسمع فيه إلا صدى صوته. نظر آدم إليه وتجاهله، ثم نظر لأبيه وأكمل: "ها، ايش قلت يالغالي؟
تحدث محمود مع آدم، وافترض أنه لا يعلم إلى أين آلت الأمور، فقال بحسرة: "شركة إيه بس يابني اللي هنروحها، هي فين الشركة دي؟ الشركة والمصنع والمخازن بقوا هجاج، بقوا خرايب مفيهمش حد ولا فيهم حاجة." ليأتيه رد آدم الذي صدم الجميع: "ومين جاب سيرة شركتك القديمة؟ أنا نقصد شركة عمي، الشركة اللي انبنت على أنقاض شركتنا، وحيطانها قامت من هد حيطانا. إحنا رايحين لشركة 'كارمديا' للاستيراد والتصدير."
توسعت أعين الجميع، وهتف له ياسين ساخراً: "إيه يا وسيم الصحراء، الظاهر إن عقلك لسع من كتر الشمس اللي بتقور فيه ليل نهار. شركة إيه يا حبيبي اللي عايز تروحها دي؟ هي وكالة من غير بواب ولا فاكرها سايبة؟ "أي سايبة ومالها رداد متلك أنت وبوك. وإذا الشغل بشركات الغير سيابه، ليش كان بوك يشتغل بشركة بوي؟ ليش كان ممسكه كل شيء وحاطه فوق روس الخلايق؟
اسمعني زين يا ابن فريال، هادا وقت سداد الديون واسترداد الحقوق، وكل اللي خد شيء يرجعه لأصحابه." "والله اللي ليه حاجة يشاور عليها وياخدها بالقانون."
"لا يا غالي، ابن عمك اللي اتاخد منه بالذراع ما يرجع إلا بالذراع. مع إن بالقانون نقدر نوديك ورا عين الشمس أنت وبوك وخوك. بس لا، أنا مانريد حدا يرجع لي حقي. العقاب مو ضعيف ولا قاصر. وتوا أنا معدي للشركة وراح نقعد خلف المكتب اللي يعجبني. واللي يفتح فمه منكم راح أصكره له بطريقتي، بمكالمة تلفونية بنفيه ورا عين الشمس وما يبقى منه غير ذكراه."
نظر ياسين لأبيه وتبادلا نظرات القلق مع فريال، فبعد الذي رأوه في قسم الشرطة، هو قادر على تنفيذ تهديده، ومن سيقف أمامه هو خاسر لا محالة. فصمتوا جميعاً، وكان هذا الدرس الذي قصده آدم من وراء لعبة الأسلحة أمام ياسين والبقية، وهو أن يعرف الجميع لأي مرحلة قد وصلت سطوة آدم. وإن هدد فهو قادر.
ونهض آدم وغادر وهو يعرف وجهته جيداً. دلف مقر الشركة بخطوات واثقة تخبر الجميع بأن له شأن كبير في الشركة حتى دون أن يعرف أحد هويته. قرأ اللافتات المعلقة على أبواب المكاتب وتوقف عند لافتة مكتب المدير العام. أمسك مقبض الباب وأداره ودخل المكتب ووقف يتأمل الكرسي واسم عمه يحيى المكتوب بماء الذهب على لوحة فوق المكتب، وهمس لنفسه بأن هذا المكتب بكل ما ورائه من سلطة من حق أبيه، هو إحدى مسروقات عمه التي سطا عليها، والآن عليه استردادها.
تحرك نحو المكتب وامسك اللوحة وألقى بها بعيداً وجلس على المكتب. وما هي إلا ثوانٍ ودلفت سكرتيرة حسناء للمكتب باندفاع وصاحت به بغضب: "حضرتك مين ودخلت المكتب هنا إزاي؟ اتفضل لو سمحت أخرج بره، دا مكتب المدير ودخولك ليه هيعرضني لمشاكل." رد عليها آدم وهو يتفحصها: "وين كنتي وقت دخلت المكتب؟ "كنت في الـ WC حضرتك."
"إنتِ مهملة بعملك وصار لازم تنفصلين. وتوا تفضلي بره وانتظري مديرك القديم وقت يجي وقوليله مدير الشركة الجديد فصلني. وبالمرة قوليله يشوف له مكتب تاني غير هادا. وتوا انقشعي من قدامي وابعتيلي المدير التنفيذي للشركة والمهندس المسؤول عن المصنع ومدير الحسابات، ولا أقولك خبري الجميع إن فيه اجتماع طارئ من مدير الشركة الجديد لكل مسؤولي الشركة وخليهم يتجمعوا بقاعة الاجتماعات. وهي آخر مهمة إلك بالشركة، نفذيها لجل تاخذين مكافأة نهاية الخدمة."
نظرت إليه السكرتيرة وظلت صامتة تفكر ماذا تفعل، ومن هذا الذي اقتحم المكان وبدأ في إعطاء الأوامر. وخرجت بعد أن هدر بها آدم بغضب: "ويش تنتظرين؟ وفور خروجها هاتفت يحيى وأخبرته بما حدث، وهو أخبرها بأن تنتظر ولا تفعل شيء لحين وصوله، وأنه سيكون بالشركة في غضون دقائق. وقد كان. فبعد دقائق معدودة كان يحيي وياسين ابنه يدلفان للمكتب بغضب عارم. أما في القبيلة. في الوادي عند مرعى الأغنام.
"ويش فيك ياسالم مهموم ومالك خُلق وتتعارك مع ذبان وجهك؟ زرعتها ورد طرحت شوك؟ "والله ياخوي ما طاِيق حالي، من صوب رجوة وأفعالها معاي، أي زرعت ورد طرح شوك. ومن صوب عقاب وخوفي عليه، قلبي قايد نار وخايف من أيادي الغدر تطاله والقاصد غالب ياخوي." "لا ياسالم لا تخاف عليه، هادا العقاب."
هم سالم أن يرد عليه ولكنهم سمعوا صوت أقدام خيل تقترب، فنظروا صوب الصوت وكانت رجوة وهلال يتسابقان. وصلت رجوة الأولى وترجلت عن الحصان واقتربت منهم، ومن بعدها هلال. ألقوا التحية عليهم وردها رابح. أما سالم فلم يرد وأشاح بنظره بعيداً عنها، فقد داهمته جيوش من المشاعر المختلطة فور أن رآها، مشاعر حنين واشتياق وغضب ورغبة عارمة في العتاب كظمها كي لا ينتقص من قدر كرامته أكثر.
جلست رجوة ولم تهتم لسالم ولا لغضبه ومشاعره. أما هلال فاخذ يتفحص المكان من حوله وأردف: "والله الوادي والقبيلة كلها مالها عازه بلا عقاب. حاسس إن فيه شيء ناقص، استاحشته واااجد واشتقت لكلامه وعراكه معي. مانعرف ليش الله وضع كل هي المحبة ليه بقلبي. والله إني أحبه أكتر من هلي. والله إنحسه أبوي مو قصير."
تنهدت رجوة وقد كتمت في جوفها رداً لو ردته عليه لتصدع بدن سالم كلياً. كتمت حقيقة أن هلال باح بما في داخلها هي أيضاً، وكأنه نظر داخل روحها وعلم بماذا تشعر ونقله على لسانه. نعم، فهي مشتاقة وتشعر بالحنين والغربة بدونه، تشعر بأن كل شيء جميل في القبيلة رحل معه وأصبح المكان خالياً من الحياة. نظر سالم لهلال ورد عليه بحسرة:
"ايش راح نسوي ياهلال حين يطول غيابه ونحن من كم يوم غياب بدأ الشوق يلعب بينا والخوف ياكل بقلوبنا عليه. ما نتوقع راح نعتاد الغياب." "أنا أقول ايش قولك ياسالم لو نسافر أنا وانت نزوره ونطمنوا عليه ونعرفوا ايش أخباره. أنا صحيح نكلمه من نقال أبوي بس أنحس كلام النقال مو كافي." وهنا انتفضت رجوة وتحدثت بلهفة: "أنعدي معاكم رجولي قبل رجولكم. نفسي أغير جو القبيلة." نظر لها رابح وتحدث بغيظ:
"أي ماهي كمان الصحراء وراح تسرحي وتمرحي فيها بكيفك؟! "يارابح ويش فيها، أنا أقول إذا رحتوا بتاخذوني معكم. والله اشتقت لمايزه وجاي ع بالي نزور أولياء الله الصالحين ونشوف قصر عقاب وأهله وعيشته، متمنية إني أشوف القاهرة اللي يحكون عليها." "حضر مثل الحضر اللي هانا، ماتزيدين شي." "بعد أشوف بعيوني أحكم يارابح."
"صكري فمك يارجوة ومو كل من حكى كلمة أنعدي معاكم. خدوني معاكم وحاسبي حالك راجل من ضمن الرجال. انقبري هانا وكوني مثل صبايا القبيلة ثقيلة وبطلي خفة." نظرت إليه رجوة بغضب وتهديد ولكنها لم تتحدث، تركت مهمة الدفاع عنها لسالم كالعادة. ولكن كانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها شخص يتحدث معها بهذا الأسلوب ويسكت.
نظرت له معاتبة فتجاهلها أكثر، فقامت هي بالرد على هلال وتوبيخه. وما حدث أن رابح أيد كلامه، ووجدت نفسها وحيدة تحارب الكثرة، وتخلى عنها داعمها الوحيد فشعرت بأن درعها فقد. فما كان منها إلا أن تحاول استعادته. فنظرت لسالم وأردفت بنبرة هي واثقة تمام الثقة أنها ستأتي بثمارها: "عاجبك هكي ياسالم؟
يعني هلال يشتمني وده يمشي كلمته على رقبتي وإنت موجود، وحتى رابح بعد. يعني هما ما يعرفون إن الكلمة الأولى والأخيرة بأمري لسلومتي ومن بعدها يموت كل الكلام. ما يعرفون رجوة لمن مرهونة حتى كل واحد يحكيلي حكي شكل. ما يعرفون إن ماحد له كلمة من بعد كلمتك على رجوه؟
انتبهت جميع حواس سالم، فها هي رجوة تعود لسابق عهدها معه، ها هي تلاطفه حتى لو بكلام غير مباشر. والأهم من كل هذا نادته بأحب لقب لقلبه "سلومتي". فبإضافتها لتاء الملكية تملك قلبه في كل مرة من أول وجديد. فرد على هلال وهو ينظر إليها: "هلال مالك شغل برجوة، إذا بنروح للحضر رجوة تروح معنا ومافي قول بعد قولي." "ياسالم هكي ما يصير، كون رجال أكتر من هيكي. أنحس رجوة تسوقك وإنت ماشي وراها كيف التيس."
هم أن ينهض له ليلقنه درساً عقاباً له على ما تفوه به، ولكن رجوة كانت أسرع وسبقته إليه، وبدأت في ضرب هلال بكل ما تملك من قوة. فتقاعس سالم وجلس ينظر إليها بفخر وفرحة وهو يراها تدافع عنه كالنمِرة، وارتوى قلبه أكثر وهو يسمعها تقول لهلال من بين الدفرات والضربات: "والله ماتيس غيرك، سلومتي ينقال عليه تيس؟ ياتيس التيوس أنت، هاد سيدك وتاج راسك وراس القبيلة كلها." نظر رابح لرجوة ونظر لسالم وضرب كفاً بكف وأردف:
"وهي انكلبت وهادا فشخ ضبه وراح فيها المسكين هلال. فنهض يدافع عنه ويخلصه من بين مخالبها وهو يقول لسالم: قوووم ياتيس رجوة جزها معاي راح يضيع الوليد بيد المكلوبة، هادا أمانة قصير عندي الله لا يوفقك ولا يوفقها. صدق من قال لو تفرط للصبايا الحبال يقيدوا بها الرجال." انتهى القتال وأخذ سالم رجوته وأبتعد عن هلال ورابح، وجلس بها على ربوة وأخذا ينظران إلى البراح أمامهما. وبعد فترة من السكوت سألها بهمس مستغلاً
هذه الفرصة النادرة: "رجوة تحبيني؟ نظرت إليه وأخذت تبحث في ملامحه عن عقاب فلم تجده. عادت للنظر بعيداً وأجابته باقتضاب: "أي أنحبك ياسالم." "قديش تحبيني يارجوة؟ "واااجد أنحبك ياسالم." "لكن ليش تعامليني هيك؟ ليش ماتحني على قلبي اللي ذايب فيك وترحمى شوقي وحنيني؟ ليش تغيرتي معي يارجوة؟ ليش أنحسك قاسية علي وماعدتي رجوة زمان؟ أنحسك ماعاد تحبي سالم ولا عاد يعنيلك! "تتوهم.. ليش ما أحبك يعني؟
إنت اللي ربيتني ياسالم وانت اللي قدمتلي اللي مافي حدا يقدمه لحد، وعشان هيك أنا أنحبك." "ويش هادا يارجوة! معنى كلامك تحبيني حب امتنان، حب شكر ورد جميل، ومو هادا الحب اللي نقصده." "كله حب ياسالم مافي فرق، من طول الواحد غالي على قلبنا معناها نحبوه، وما يهم نوع المحبة."
"لا لا يارجوة غلطانة أنت.. هداك الحب اللي نقصده حب المرة للراجل، حب البنت للولد، الحب اللي يخليك تحبي كل شيء أنا أحبه، الحب اللي يخليك تشوفيني بقلبك وتحسي بوجودي قبل عينك تلمحني. حب الزواج اللي يتعمر بيه بيت وتنولد بعده أولاد على هي الدنيا. معاكِ أنا كل هادول عادي يتموا بدون محبة، لكن بالمحبة غير يارجوة، بالمحبة تصير الحياة أحلى. فهمتي علي يابنت هالقلب؟ "أي ياسالم فهمت عليك." "طيب ايش قولك؟ "في ايش؟
"بأنك تحبيني مثل ما نريد تحبيني، تحبيني حب مختلف عن حب البنت لأبوها هاد اللي تحبيهولي." صمتت ولم تجبه ودفنت رأسها بين ساقيها، فكيف لها أن تعده بما لا تملك منه شيئاً، فالقلب ليس باليد ولا يُعاهد بدوام مشاعره، فهو بيد مقلب القلوب. انتظر طويلاً أن ترفع رأسها وتنظر إليه وتعاهده، ولكن طالت دفنت رأسها كالنعامة التي تهرب من الخطر، فغير دفة الحديث حينما افترض خجلها منه، أو افترض أن لسكوتها أسباب تود الاحتفاظ بها. وألتمس
لها آلاف الأعذار وقال: "هاه، قوليلي ايش بنفسك تجيبيه من الحضر من بلد آدم؟ وهنا رفعت رأسها أخيراً وأجابته بفرحة: "والله ما أريد شيء، ولااا شيء، بس خدني هناك وما تحمل هم. ماراح أنكلك ولا راح أدفعك قرش زايد عن حق المواصلات والسفر لا تخاف." "ومن إمتى أنا أحمل هم القروش ولا أخاف تطلبين مني شيء؟ الخزي عليك يا كلبة القبيلة. أنا غاية سعادتي وقت تطلبين مني شيء وتتمنين علي وأنا أنحقق أمنياتك. وهو سالم لمن يجمع القروش هااا؟
مو عشانك وليكِ يا نبض القلب." نظرت رجوة للفراغ وردت عليه: "تعيش ياسالم والله إنك أبو الكرم والجود كله وأنا عارفة إنك ما تقصر معاي. بس أنا والله غير السفر مانريد. وإذا ودك تسعد هالقلب قولي إمتى هنشد الرحال للقاهرة. ينفع نسافر بكرة؟ "لا ما يصير، تعرفين الشيخ منصور مسافر بعد يومين ولازم نودعه قبل سفره ونسلم عليه. هو أكد إن كل يوم سفره يكون متواجد كبير وصغير، بده كل القبيلة تكون حاضرة وما يغيب منها حدا."
"نصبر إحنا إيش عندنا غير الصبر نصبر. الله يجيبك يا صبر ويا طول البال."
وصمتت بعدها وهي تحدث نفسها بأنها تصل عنده فقط ولن تعود إلى هنا مجدداً، وستفعل معه المستحيل حتى ينتبه لها. فهذه فرصتها الأخيرة معه، فهو ابتعد ولن تراه إلا كل حين وحين، ومن الحين للحين لن تفلح المحاولات. فالأمر يشبه الطرق على الحديد يجب أن يتم تباعاً وأثناء سخونة الحديد، فإن توانت الضربة برد الحديد وصعب تشكيله والتأثير فيه. وكذلك الطرق على القلوب يجب أن يكون بلا توقف. أما عند آدم في الشركة.
وصل عمه يحيى إليه وابنه ياسين أيضاً. دلفا للمكتب ورأوه جالس يقلب في الأوراق على المكتب. نظر يحيى إلى اسمه الملقى على الأرض وبغضب قال لآدم: "هي إيه قلة الذوق دي؟ وبعدين مالمكاتب كتيرة إشمعنا مكتبي يعني؟ "هادا اللي عجبني. خد ابنك واطلعوا بره المكتب وبلغهم يسولوا لي اجتماع طارئ ودي الكل هانا حالا، وما نريد مماطلة. لو انت حنش أنا ذيلك، يارب اتكون فاهم عليا." "يابني إنت مجنون ولا إيه حكايتك بالظبط؟
جاي وقاعد على المكتب وبتتأمر فاكرها شركة أبوك ولا إيه؟ أجابه آدم دون النظر إليه: "لتكون شركة أبوك أنت وأنا ماندري؟
أي يا قلبي هي شركة أبوي، وأنا جالس على مكتب أبوي، وكل هادا اللي حولك ملك لأبوي. وهااا جهز القروش اللي أخذتها من المزارعين يايحيي لتعطيهم أرضي لأني من غدوة راح أسترد الأرض وأعرف كيف أنزعها من فم السبع، وبعدها راح يجولك اللي ودفعوه. تعرف هادول الناس ياكلوا أقروشهم، مافي شيء يحوشهم. ونصيحتي ماتتهاون بحقهم. والمخازن كمان راح أستردها، وكل شيء سرقته ياحرامي هترجعه. سوا بالهداوة أو بالقوة الأمر يرجعلك وياريت تحكم عقلك وما تسترعن وتسوي أمور العويل لأنه كله يصب في خزنتك السودا عندي."
"أعلى ما في خيلك اركبه يا ابن محمود. الناس اللي واخدة الأرض وضع يد اللعب معاهم بالموت، والمخازن اللي ماجرينها بلطجية ولو قدرت تطلعهم منها ابقي قابلني." "راح نقدر وبتشوف. وأعلى خيلي إذا ركبته راح أدعك الكل دعك تحت أقدامه. وتو أصحاب المخازن البلطجية تبعك أعطيني بس كم ساعة وراح تسمع نواحهم وعويلهم كيف الصبايا على نقالك. بس بالأول راح أمر على المصنع وأشوف كيف شغلي ماشي."
أنهى حديثه ثم غادر المكتب تحت أنظارهم ونظراتهم الساخطة، وأخذ يتفقد كل شبر في الشركة والمصنع. أما ياسين فقال لأبيه وهو ينظر إلى آدم:
"يابا اللي بيعمله الحيوان دا مش هينفع، إحنا لازم نتخلص منه بسرعة. أنا سمعتك قبل كده بتتكلم إنت وماما وبتقولوا إنكم سبتوه عايش عشان الوصية والفلوس. دلوقتي لا فيه فلوس ولا حاجة هتتأثر بموته. كام فدان أرض والشركة والمخازن ودول عملنا أكتر من تمنهم بكتير، والقصر أوراقه معانا وبقى بتاعنا ومحدش يقدر يقرب له. يبقى إيه بقى؟
"لا مش دلوقتي يا غشيم. الواد راجع مسنود ومنعرفش مين وراه ولانعرف لما يموت هيعملوا فينا إيه وكل أصابع الاتهام هتتوجه لينا. إحنا نستحمله وكل حاجة تمشي عالهادي وقضاء وقدر، ولما يتم المراد يختفي زي الاختفاء الأولاني ومحدش يعرف لجثته طريق. وبكده لا وصية هتتنفذ ولا نخسر أي خسارة من أي نوع. إنت عارف الكام فدان والمخازن اللي بتتكلم عليهم باستخفاف دول يسووا كام دلوقتي؟ إنت غبي ياياسين ولا إيه؟
"مش غبي بس مابحبش وجع الدماغ. واللي بيعمله الأخ دا معصبني." "معلش نستحمله فترة بس وأنا هخطط له فحاجة متخرش الميه." "بس بالله عليك ياشيخ بلاش سم الموضوع بقي فاكس أوي، خليها طلقة في نافوخه ونخلص مش لسه هنسمم ونستنى. بلاش طرق الأبيض والأسود في الموت دي." "هسيبلك إنت المهمة وانهيها زي ما تحب، بس أهم حاجة مفيش شيء يتم إلا لما أديك أنا إشارة البدء." "تمام."
لم يلبث الاثنان إلا ساعتين بعدها يتباحثان في أمور العمل داخل مكتب ياسين. ورد ليحيى اتصال من رقم مجهول، وحين رد عليه جاءه صوت مستأجر المخازن غاضب مستغيث: "يحيي بيه فيه جيش هجم علي المخازن طلع كل اللي فيها رماها في الشارع وهددوني إني لو قربت ناحية المخازن تاني هيخلصوا عليا. هو فيه إيه؟ "مفيش، ابقى تعالالي الشركة بكرة خد فلوسك وشوفلك مخازن تانية." أنهى مكالمته ونظر لياسين وتحدث بنبرة ذات مغزى:
"مش قولتلك ابن الحرام دا مسنود سنده جامدة وكلامه مش مجرد تهديد." صمت ياسين وهو يفكر في الطريقة التي سيتخلص بها من هذا المزعج الذي أتى ليحتل كل شيء ويعكر صفو حياتهم.
عاد آدم للقصر في نهاية اليوم، بعد عشرات المكالمات من أمه وأبيه للاطمئنان عليه، ومثلهم من عمه قصير ورابح وسالم، والشيخ منصور على رأسهم. وهو من تم الاستيلاء على المخازن بفضله، فقد أسند هذه المهمة لمن يعلم جيداً أن لا أحد لها غيره. وقد تمت كما أرادها هو وآدم. وعاد أول حق مسلوب لأصحابه.
والخطوة الثانية التي خطط لها آدم هي البدء في تعمير المصنع وإعادته كما كان، وأقسم على أنه سيلتهم به السوق ويجعل أباه يتربع فوق عرش السوق مجدداً ويجعل عمه وأولاده يموتون حسرة وجوعاً وقهرًا، قبل أن تأتي مرحلة القصاص الأخيرة، والتي ستكون كالسعير تحرق كل ما تبقى منهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!