في الصباح الباكر خرجت سدينة من الخيمة مسرعة، واخذت تتقيأ خلفها. وعلى صوتها خرجت مكاسب من خيمتها الملاصقة لها، واخذت تنظر إليها وهي ترى بشائر الحمل تعلن عن حدوثه. فهي اكملت أكثر من شهر منذ زواجها من قصير، وها هي بذرة الزواج تنبت داخلها، وقريباً ستجني هي وقصير الثمار، ومكاسب ستجني الخيبات.
فـعادت إلي خيمتها ووجدت رجوة تبكي، فحملتها ونظرت اليها ثم رمتها على الفراش بعنف جعلتها تصرخ على اثر ارتطامها بالأرض. وتوالت عليها بيدها ضرباً وكأنها تحاسبها على زواج أبيها بـأخرى فور قدومها، وكأنها هي السبب، وكأن قدومها أتى بالخراب وعليها دفع ثمن الأضرار التي لحقت بأمها. فافاقت معزوزة من نومها على صوت بكاء أختها الغير طبيعي! وجحظت عيناها وهي ترى أمها تضرب قطعة اللحم الحمراء هذه التي لا حول لها ولا قوة!
فاختطفتها منها وضمتها لصدرها تحميها. وبغضب سألت أمها: "ويش تسوي إنتي، ويش سوتلك هي الصغيرة، عليش تحاسبينها؟ ما رق قليبك وانت توجعينها بيدك، ليش كل هاد لييش؟ مكاسب: "اتركيني أخلص عليها، وجها وجه البوم، من ساعة اللي جات وجابت معاها الويل، أبوها راح لغيري وراح يجيه الولد واللي يحصل القعدة معو ساعة بالسنة مرة يكون فاز." معزوزة:
"بوي كلنا نعرف أنه بيتزوج بيتزوج، لا تضحكي اعلا روحك وتحملي الصغيرة ذنب ما فعلته، خدي يمه بنيتك واعطيها حليبك وحنانك واستغفري ربك، وادعيه يحنن قلب بوي اعليكي وما تكفري بقضاه. تدابير ربك هي لا تعترضي." نظرت مكاسب للطفلة ورقت لحالها وهي تستمع لشهقاتها، واخذت تلوم نفسها على تصرفها الأهوج هذا، فهي بالفعل طفلة لا حول لها ولا قوة، ما ذنبها الذي ضربت لأجله!؟
حملتها وبدأت في إرضاعها لتكف عن البكاء وتهدأ شهقاتها الصغيرة التي تسببت لها بها. واغمضت عينيها وهي تتجرع شعورها بالوجع من جميع الاتجاهات. وفور إشباعها للصغيرة تركتها وتركت الخيمة وخرجت لتجهيز طعام الإفطار مع باقي نساء البادية، فلا حزن ولا ألم يمنع المرء عن تأدية مهامه مهما كان يعاني. هذة قوانينهم وهذا سعيهم الذي لا يتوقف منذ نعومة أظافرهم وحتى يُفنى الحيل وتخون الصحة.
جالسة أمام الموقد فـإقتربت منها سدينة وبنبرة تحمل في طياتها خبث النساء قالت لها: "مكاسب يابنت العم، اليوم مشتهية عصيدة من يدك، انت أحسن من تعمل عصيدة في كل البادية، وبعد عصيدتك ماتنوكل عصيدة، ودي أتريق بيها تسويلي؟ ردت عليها مكاسب دون أن تنظر إليها: "نسويلك يا أم الوليد ليش مانسويلك، وبعدين نخاف تطلع بعين الصبي العصيدة." سدينه بغرابة: "ويش هاد من وين عرفتي!
أنا اليوم بس اللي تأكدت من الخبر، وانتي تحكينها بثقة كنك تعرفي من يوم لا أول اللي حملت فيه؟ مكاسب: "لا تنسين يابنت العم أنا أكبر منك وجايبة ٤ بطون وأعرف بأمور الحبل زين. إمبارك وبالذكور إن شاء الله، وقولي لقصير مادام تم المراد عاود لاعقابك القديمة." فهمت سدينة ماترمي إليه مكاسب وأردفت متغنجة:
"أنا ما أقدر أقول لزوجي روح وتركني، هو إذا راحتلك نفسه بيجيك لحاله، وبعدين اتركيه معي أشبع منه ويشبع مني، ما زال معرسين جدد ماتهنينا ببعضنا لاتصيري خبيثة يامكاسب." نهضت مكاسب ووقفت أمامها معترضة وحدّثتها بغضب: "أني خبيثة ياسدينة؟ -"أي دامك تريدي تاخدي عريس من جوار عروسته وهما بأول أيامهم معناها انتي وحدة خبيثة يامكاسب." -"زين.. وأنا الحين بوريك الخبث كيف يكون." ونادت بأعلى صوتها:
"قصييير ياااقصيرر تعال، تعال شوف مكاسب بنت عمك ومرتك وأم بنياتك ويش عم يصير فيها." خرج قصير من الخيمة على صوت مكاسب، وانتبه لها الجميع واقتربت النساء على صوتها. وبدأت مكاسب في النحيب بصوتها العالي فور أن رأت قصير الذي اقترب منها وسألها في حيرة: "ويش فيك يامكاسب ليش تعيطي من الصبح؟ مكاسب:
"تعال شوف مرتك سدينة ويش جايه تقولي وكيف تحاكيني وتكايد فيا. جايه تقولي إنها صارت حبلى وغدوه بتجيب الوليد وبيه راح تصير ستي وتاج راسي وراس بنياتي وتاج راسك أنت بعد." جحظت عينا قصير ونظر لسدينة وسألها والشرار يتطاير من عينيه: "صدق حكيتي هالحكي ياسدينة؟ -"لا ورب العرش ياقصير مانطقت بحرف من هالحكي." مكاسب: "إذا تعرف مكاسب كذابة ياقصير معناها لا تصدق." نقل قصير نظراته بينهم ثم ثبت أنظاره على سدينة وسألها:
"مكاسب من وين دريت إنك حبلى ياسدينة وماليكي غير دقايق دريتي بروحك حبلى؟ سدينه: "عرفت لحالها والله." مكاسب: "أي صرت من ضرابين الودع وأشم على ضهر إيدي. ياقصير مرتك غايتها تكيدني وتفهمني إني خلاص مالي حق فيك وكل الحق أصبح ليها هي." قصير:
"زين.. معناها من اليوم مجلسي ومبيتي في خيمة مكاسب لحتى تجيب ياسدينة، وودي أشوف كيف قصير يصير طوع يدك لأجل إنك هتجيبي وليد. مبين نسيتي إن قصير يقدر يجيب مرة واتنين أعليكم ويخلف بدل الوليد عشرة، وراح أسويها وغلاة أبوكي عمران. بس بدها صبر." "مكاسب... روحي خدي قواعي من خيمة سدينة وعاوديهم لخيمتك، من اليوم المبيت عندك."
أنهى حديثه وترك المكان لمكاسب التي تبسمت نصراً، ولسدينة التي تساقطت عبراتها ندماً. فبدلاً من أنها أتت تحرق مكاسب بنار الغيرة احترقت هي. وتأكدت أن خصمها ليس بهذا الضعف الذي تصورته، وأن مكاسب تخفي خلف قناع المسكنة خبثاً ومكراً لن تستطيع مجاراتها فيه، ومن الأفضل لها إجتنابها لكي لا تتفاقم الأمور أكثر من ذلك أو أن تجتهد في منافستها. وها هي تعود لخيمتها من معركتها الأولى وهي خاسرة خسارة فادحة.
حل الليل وعاد قصير لخيمة مكاسب كما وعد، وعادت الطيور المهاجرة لأعشاشها. فأقتربت منه مكاسب تبث له شوقها إليه، ولكنه أخبرها بأن تؤجل كل شيء حتى يعود. وذهب إلى خيمة سدينة كي يأخذ منها عقرب، فاليوم موعد الحوي لآدم. وما أن دخل الخيمة حتى نظرت إليه سدينة بعتب ولم تتفوه، بل بكت وهي تستجديه الرحمة بصوت نحيبها. فتجاهلها وخرج يكمل مهمته.
وهذه المرة لم يستيقظ آدم، فقد كانت اللدغة أخف وأسرع من لدغات الثعابين، وتركه يشعر بالسم رويداً رويداً. وذهب ليعيد العقرب مكانها، ولكنه وجد سدينة وقد لجأت للسلاح الذي لا يقاومه أي رجل. فأرتدت أجمل ما لديها وكفكفت دموعها وانتظرته وقد استدعت كامل أنوثتها. فهي اليوم قد أُهينت على يد مكاسب وستحاول استرداد بعضاً من كرامتها المهدورة مهما كلفها الأمر.
وما كان من قصير إلا التسليم لها، فهي باتت تعرف مواطن ضعفه وتجيد اللعب عليها. أما مكاسب فحين تأخر قصير عنها خرجت تتقصى سبب غيابه، فسمعت ما كانت تخشاه. صوت ضحكات سدينة وغنجها، ومداعبة قصير لها جعلت البراكين تثور بداخلها، وأقسمت على الانتقام. أما سدينة فرأت خيال مكاسب خارج الخيمة وازدادت ضحكاتها وعبارات الدلال حتى تحرق قلب مكاسب، ولا تعلم بذلك أنها تضرم النار في نفسها ولا تدري.
عادت مكاسب إلى خيمتها وقد أقسمت أن القادم سيكون دماراً على سدينة وحرباً لن تنتهي إلا باستسلامها التام وتركها لقصير وعدم العودة إلى الأساليب الملتوية. فإن كانت هي سدينة ابنة عمران فـالأخرى مكاسب ابنة مهدي، ولو على كيد النساء فهذا عندها أسهل من شربة ماء. نظرت إلى صغيرتها التي استيقظت تبكي من جوعها، وهمت أن ترضعها ولكنها تراجعت وهي تنظر إليها وهمست لها ولنفسها:
"سامحيني يارجوه من اليوم مافي حليب من صدري، صار لابد من فطامك حتى يجف الحليب ونحبل يمكن الله ينصفني ونجيب الوليد اللي يرجعلي قدري بقلب أبوكي، ويرجعلي هيبتي اللي بدت تروح على يد سدينة."
أنهت جملتها وغادرت الخيمة وذهبت عند المكان الذي فيه الماعز وبدأت في حلب أحداهن، وعادت بالحليب للصغيرة وبدأت في محاولة إطعامها منه، فوجدت نفوراً من الصغيرة وبكاء مرير وهي ترفض هذا الحليب ولا تستسيغ طعمه، ومع ذلك لم يرق قلب مكاسب عليها وأخذت تحاول مراراً وتكراراً. استيقظت معزوزة وشقيقاتها فيحاء ودرة على صوت بكاء رجوة أختهم. ولما رأت معزوزة ما تقوم به أمها اخذت الصغيرة منها وهي تهتف لها بلوم:
"والله مسكينة هالصغيرة من توها بدت تعاني وتشيل شيلة أكبر منها، بدتها بالضرب والهنوبة بالجوع والحرمان، مظلومات بنات البوادي إذا كانو والديهم كيف قصير ومكاسب." مكاسب بغضب:
"صكري خاربك ولا انسكتك بطريقتي يامعزوزة، افطني. من اليوم ما تحاسبيني ولا تعترضيلي على شي، أنا أعرف ويش أسوي ماناقصني غير ضنوتي يقفن لي ويعلمني الصواب من الخطأ. وشوفي يامعزوزة رجوة من اليوم اعليكي تربايتها، هي من توها ترضع حليب ماعز يعني ما عادت بحاجتي، نومتها وهدمتها وكلها وشرابها رعايتها كلها تخصك انتِ متكفلة بها، وبعديها عني إن كنتي تخافين عليها وتحبينها."
نظرت معزوزة لشقيقتها وأردفت وهي تراها تتلوى جوعاً وتضع يدها في فمها وتقوم بمصها عسى أن تأتي لها بحليب: "زين يامي إني من توي متكفلة بشقيقتي، انتي بعد ما عاد لك شان بيها." مكاسب: "أي زين." نهضت مكاسب وغادرت الخيمة وخرجت تزرع رمال الصحراء ذهاباً وإياباً وهي تفكر من أين ستكون بداية تأديب سدينة على يديها، غير آبهة ببكاء الصغيرة التي تطالب بالرحمة وتصرخ من جوعها.
أما قصير فـانتبه على بكاء الصغيرة بهذه الطريقة العجيبة وهم أن ينهض ليرى ماذا هناك، ولكن سدينة تعلقت بذراعه وهمست له متسائلة: "وين رايح وتاركني بروحي قصير؟ قصير: "بس أروح أشوف الصغيرة من ايش تصرخ وراجعلك، ماهي عوايدها تبكي بهي الطريقة." سدينه: "يانبض قلبي ونظر عيني انت حكيتها من حالك، إن الصغيرة أول مرة تبكي هالقد؛ معناها مكاسب مبكيتها بس لتخليك تتركني وتروحلها لأنها عشمانة اليوم انت عندها." قصير:
"مكاسب مافيها الخبث ياسدينة." -"ياروح الروح الحين كل شي تغير واختلف، هي اليوم عندها ضرة وإذا ما كان عندها خبث قبل اليوم أكيد صار عندها، وبعدين خلينا لا نقول خبث خلينا نسميها غيرة وجكر." نظر إليها قصير لبرهة ثم أزاح يدها بحركة بطيئة ونهض غير آبه بكل ما قالته، وارتدى ملابسه وخرج متوجهاً لخيمة مكاسب، فدلف ليجد معزوزة تحمل الصغيرة التي تصرخ وتحاول إطعامها، وبجانبها أختيها.
وبحث عن مكاسب في الخيمة فلم يجدها فتوجه بالحديث لمعزوزة متسائلاً: "يش بيها خيتك تعوي هيك، ووين أمك لوين راحت بهالوقت وسيبت الخيمة؟ معزوزة: "أمي تركت الصغيرة وقالت من اليوم صار فطامها و تركت الخيمة وطلعت." رفع قصير حاجباه وهو يشعر بالغرابة وأردف: "صار فطامها؟ كيف هالشي والبنيه ما صار عمرها غير شهرين؟ معزوزة:
"فطمتها ورمتها لأجل تحبل مرة ثانية وتجيبلك الولد. رمت هالمسكينة لتجيب اللي راح يحرر البلاد ويفتح بلاد العربان ويعاودلها محمل بالـغـنايم. وكأن اللي كان عندها وليد ما تسوى شيء لا هي ولا بنياتها." قصير: "صرتي تحكي حكي أكبر من عمرك يامعزوزة. اسكتي ولا تحكي هيك مرة ثانية، وأعطيني الصغيرة ونامي انتي وخياتك." معزوزة: "لوين بدك تاخد الصغيرة؟ قصير:
"هندور على أمها ونعطيها لها ونخليها تعقل شوي وترضع البنت من حليبها ونفكنا من عمايل الصغار والمكاليب." أخذ الصغيرة من معزوزة، وقبل أن يغادر الخيمة ويخرج في الظلام نظر لابنته النظرة الأولى، فتبسم وهو يراها وأردف: "ويش هـالسماحة كلها يابنت مكاسب من وين جبتيها، والله مامرت عليا متل عيونك الوساع اللي كيف عيون الريم ولا هالملامح السمحة!
تحرك بها للخارج، واقترب من مكاسب التي انتبهت لقدومه على صوت الصغيرة وتوقفت عن المشي والتفكير. وحين اقترب منها ووقف أمامها نظرت إليه وإلى الصغيرة في يده ثم ربعت يديها أمام صدرها وحدثته بغضب: "ويش جابك وطلعك من خيمة عروسك ياعريس، ماخايف تغضب عليك سدينة؟ قصير: "هندور روحي ماسمعت كلامك اللي ماله عازه بس لاجل الغيظ اللي ناضر بعيونك، غير هيك كنتي بقاع البير من بدري عم تلفظي آخر أنفاسك. لتتحاكي مع لموات بدل ما تحاكيني."
شاحت مكاسب بنظرها بعيداً فهتف بها قصير: "مدي يدك أحملي الصغيرة ورضعيها وبلا تفكيرك الخايب، اصبري لتكمل البنت سنة وأفطمي وأحبلي ما حدا راح يعترض، بس الحين ما يصير." مكاسب:
"لا بيصير وبيصير واللي بدي ياه بيصير ياقصير، ولا لأن سدينة راح تجيبلك الوليد ما عاد تريده من مكاسب، بس أنا راح أجيب ولد لبنياتي يشدون ضهرهن بيه ويصير سندهن بس يكبرون، لأن أولاد سدينة عرفنا ماراح يكونوا حزام ضهر، اللي أمهم حرباية من الحرابي مابينشد بيهم ضهر." قصير:
"غلطتك الثانية وما عدى على الأولى ديقايق يامكاسب، اللي تغلطين فيهم قبل لا يجوا ع الدنيا ولادي، ضنوتي من صلبي، واللي ينقص من قدر ضنوتي كنه نقص من قدري. وأنا ما تعودت عليكي ما تراعي الأصول بقول أو فعل يامكاسب، ولا الظاهر إنك عن جد بديتي تتغيرين وتتبدل طباعك وماعدتي سدينة البنت اللي نعرفها." مكاسب بغضب:
"اسمي مكاسب ياقصير، سدينة هنااااااك بخيمتها تستناك، عديلها وماعليك بمكاسب كيف كانت وكيف صارتك لأنك نسيت طبعي أكيد متل ما نسيت اسمي." قصير: "ذلة لسان يامكاسب وقصير حتى إذا لسانه ذل ماتحاسبه حرمة، خدي بتك وعاودي خيمتك وأنا بس يطلع الضي راح أجيك ونحكي بكل شي." مكاسب:
"مافي حكي ياقصير، عاود بالبنية واعطيها لأختها معزوزة، وأنا شوي ونرجع الخيمة، وأعمل حسابك من غدوه المبيت راح يتقسم مابيني وبين سدينة بحق الله، ياهيك ياما بشكيك لعمي الشيخ منصور." قصير: "تسويها يامكاسب؟ -"أسويها ياقصير." نظر إليها بسخط ثم عاد أدراجه وأعطى الصغيرة لشقيقتها وعاد لخيمة سدينة وهو يفكر في عقاب لمكاسب على كل ما تفوهت به وطريقتها في الحديث معه.
وحين دخوله للخيمة وجد سدينة هي الأخرى قد تبدلت ملامحها للغضب، وبدأ يدرك أنه بصدد مواجهة صراعات النساء التي لا يكره في الحياة أكثر منها. ولكنه تذكر أن هناك من سيجنبه كل هذا الهراء. عمته "عوالي" شيخة القبيلة واخت الشيخ منصور التي ستعود من الحج قريباً مع أخيها نصير. وهي الوحيدة التي تمسك زمام نساء البادية بيد من حديد ولا تجعل مثل هذه النزاعات بين الضراير أو السلايف ولا تجعلها تصل للرجال نهائياً.
تجاهل سدينة وتجاهل كل شيء وارتمى على الفراش وغط في النوم فغداً يحمل له الكثير من الجهد ولا ينقصه مثل هذه الخلافات. أما سدينة فظلت مستيقظة تنظر إليه وتغلي من قهر تجاهله لها. ونظرت للسلة فوجدت ثعباناً يخرج منها فنهضت وقامت بالقبض عليه وإرجاعه لمكانه وإغلاق السلة جيداً، فثعابين قصير أصبحت هي المسئولة عنهم وعن ضياعهم الآن، ولن تعطيه سبباً لتوبيخها وجعل مكاسب تتشمت بها.
في اليوم التالي خرج قصير للخلاء مع بعض الأطفال وآدم معهم بالطبع. واليوم كان درس التصويب بالأسلحة والرصاص الحي، ومحاولة اصطياد الطيور المحلقة. واحرز آدم المركز الأول في هذا التدريب أيضاً مقارنة بأقرانه من حديثي التعلم، وها هو نجاح جديد يضاف إلى نجاحاته.
وعاد بهم في نهاية اليوم وهو يتطلع لبعض الراحة بعد يوم عصيب، فصدم بخبر جعل الدماء تغلي في عرقه. فقد حدثت معركة بين زوجاته على أعين جميع النساء وأطفال البادية، وعلى إثرها فقدت سدينة حملها وكسرت ذراعها وأصيبت مكاسب في عينها إصابة قد تكلفها عينها وتنطفئ نهائياً. فوقف وعلي مرأى ومسمع من الجميع هتف: "سدينة تعود لخيمة أبوها عمران وما تعود إلا ابت في أمرها."
أما مكاسب فـ"من اليوم للعام القادم متل هاليوم تحرم أعليا خيمتك ومجلسك وقربك وحديثك." "والحين أنا راح أختار عروس ثالثة لأن الاثنين اللي تزوجتهم مابيهم خير." أنهى حديثه وترك المكان لمكاسب وسدينة تتعالى أصواتهم بالنحيب وكل منهما تشعر بالندم يأكلها على تصرفها الأهوج. جلس قصير بجانب الشيخ منصور وبدون مقدمات قال: "شيخي أنا راح أتزوج الثالثة." منصور: "هدي ياقصير ماتاخد قرارات بلحظة غضب." قصير:
"لا ياشيخ قراري مدروس زين، أنا ودي مرة عاقلة وراسية ماراعية مشاكل." عمران: "أفهم الغلط من مين بدأ ياقصير وماتظلم." قصير: "مابدها فهم ياعمي، المرة اللي ماتنتظر راجلها لياخذ لها حقها وتاخذه بدراعها مالها أعذار، وذنبها ما يقل عن اللي بدت المشاكل لأنها كانت تقدر تمنعها من عندها وتصير صاحبة حق لكنها ضيعته وعم عليها الذنب." صمت الجميع وتركوا لقصير المجال حتى ينفث عن غضبه في هيئة زفرات متتالية. فنظر منصور لمهدي وسأله:
"متى تعود الشيخة عوالي يامهدي؟ مهدي: "أيام ياشيخ وتعود." منصور: "الله يردها بالسلامة، البادية صارت هوسة من بعدها والصبايا بدن يتفرعنن." قصير: "حتى لو عادت وأدبت الحريم راح أتزوج." منصور: "وأنا راح أشوف مين اللي بيعطيك مرة بعد ما الشيخ منصور يصدر أمره إن ما حدا يعطيك وأعمم الخبر بكل القبائل." قصير: "ليش هيك ياشيخ؟ منصور: "لا تتهبل قصير، زوجناك لتجيب أولاد موش لجل كل شوي ترمي مرة وتتزوج الثانية." قصير: "ياشيخ هاد حقي."
منصور: "لا هاد طيحان حظ. وعقل خارف مو حقوق." أما في قصر محمود.. -"أيه يا يحيى مالك فيك إيه متوتر كده ليه؟ يحيى: "مش عارف يا فريال حاسس إن قلبي مقبوض وحاسس إن أمرنا هيتضح ومش هيحصل لنا طيب." فريال:
"لا انت بس قلبك بقى خفيف ما تخبيش ولا تنكر وبعدين أنا قلت لك ما تخافش مش هيموت محمود هيفضل عايش كل الحكاية إنه هيتعب شوية بس وصحته هتتدهور وده علشان يكون قدامك فرصة إنك تحط إيدك على الشركة والفلوس والأملاك وبس تاخذ كل حاجة وتحولها باسمك ومن بعدها تحولها باسمي، وأنا بعدين أحولها باسم ولادنا. هبطل أدي له التركيبة وهيخف ويبقى زي الفل ويرجع أحسن من الأول كمان بس وقت ما يرجع مش هيكون حيلته حاجة ومش هيكون له لازمة معانا
وناخذ بعضنا أنا وانت والأولاد ونسافر بلد تانية، ونعيش حياتنا بفلوسنا حقنا اللي بينقطنا بيه تنقيط وفاكر نفسه إنه بيجبي علينا. وانت وأختك لكم حق في كل قرش محمود عمله، وسبق وقلت لك الكلام ده وهفضل أقوله لكم طول الوقت أنتم أصحاب الخير اللي فيه محمود أنتم اللي اتحرمتوا وأنتم صغيرين، عشان هو يوصل للمستوى ده وتتجوزوه بنت الباشا وتدي له كل اللي معاها، ويبقى صاحب أملاك وصاحب شركة ويتحكم في الناس بالطريقة دي."
صمت يحيى ولم يرد على كلامها فهو لا يملك إلا الاستسلام ككل مرة. فقد استسلم لخطتها الأولى في التخلص من ابن أخي وها هو يستسلم لخطتها في إضعاف أخيه حتى يتمكنه من كل شيء. هو لا ينكر أن طريقتها مؤلمة جداً وقاسية، ولكن هي الطريقة الوحيدة التي أمامهم ولا يوجد حل آخر. فـأما هذه الأفعال أو سيمضي الوقت ذليلاً لأخيه يستجدي منه قوته وقوت أولاده ومتطلباتهم. ولا يعلم ربما الأيام تخبئ له ذلاً من نوع آخر على يد ابن أخيه. فالتخلص هو أسلم حل.
غادرت فريال الغرفة ونزلت ودلفت إلى المطبخ فوجدت عايدة تعد الطعام للغداء. هي تعلم أنها دائماً تعد طعاماً مخصوصاً لزوجها محمود قليل الملح وقليل الدسم. فعرفت مكانه وقامت بوضع التركيبة في الطعام في غفلة من عايدة وأعادت الزجاجة إلى جيبها. ثم أخذت تساعد في إتمام الطعام على غير عادتها.
وبعد الانتهاء خرجت فريال من المطبخ وكأنها لم تفعل شيئاً، وجلست بجانب مديحة التي كانت منغمسة في قراءة الصحيفة غير آبهة بما يحدث من حولها، غير مبالية للجهود التي تبذلها فريال. هي فقط تريد أن تحصل على المال ببساطة لا تشارك أو تتعب حتى بالسؤال. ولذلك قررت فريال أن تحرمها هي الأخرى من كل شيء فهي لن تجازف وتتعب وتخطط وتنفذ، ويأتي من يأخذ الغنيمة بكل سهولة دون أدنى جهد.
حان وقت الغداء، وخرجت عايدة بالطعام وضعته على الطاولة، وبدأ الجميع في تناول الطعام. محمود يأكل من طعامه والجميع يراقبون. ويحيى يصارع شعورين قاتلين، شعور بالخوف ممزوج بالشفقة. وشعور بالحماس لأن هذه لا تعد مجرد وجبة يأكلها أخيه. بل هي أول خطوة في طريق سعادته.
انتهى الجميع من تناول الطعام، وقامت عايدة بلم السفرة، وأعدت الشاي للجميع. ثم تركتهم وصعدت إلى غرفتها لتستريح قليلاً. وأيضاً لتختلس لحظات من السعادة في غفلة من زوجها. فهي لديها سر صغير أقسمت على ألا تتشاركه مع أي أحد في العالم، حتى زوجها.
فرفعت الفراش وأخرجت صورة لابنها آدم، قد سرقتها من محمود دون أن ينتبه، قبل أن يضرم النار في بقية الصور، واحتفظت بها لنفسها. تنظر إليها بين الحين والآخر، فيطمئن قلبها حين ترى طفلها وهو جالس مع بقية الأطفال بابتسامته وملامحه التي اشتاقت إليها حد الجنون.
وأثناء اندماجها ومناجاتها لصغيرها في الصورة ومناداته بكل عبارات الدلال التي كانت تمطر آدم بها في الحقيقة. سمعت صوت خطوات محمود يقترب من الغرفة، فقامت بتخبئة الصورة سريعاً واستوت على الفراش وكأنها نائمة. فاقترب منها محمود وجلس بجانبها وأخذ يمسد على شعرها بحنو وهو يهمس لها: "بحبك يا أجمل وأحن وأحسن وأطيب ست في الدنيا كلها. بحبك يا رزقي اللي ربنا رزقني بيه وعوضني عن كل حاجة وحشة شفتها طول عمري."
فتبسمت عايدة واقتربت منه وقامت باحتضان خصره. وهذا أقل رد على كلماته الجميلة التي تعينها على كل ما تعيشه من فقدان وحرمان ووجع واشتياق. ولولا مساندته لها لانهارت منذ مدة طويلة. مرت عدة أيام. عايدة بنحيب: "يامحمود يلا بينا نسافر نروح أي مكان نشوف إيه اللي جالك. انت خسيت في كام يوم بطريقة بشعة والاسهال مش طبيعي، مش معقول مفيش دكتور عارف إيه اللي عندك، مش معقول مفيش حد عارف يشخص حالتك!
أجابها محمود وهو يتسند بجسده على الأريكة ووجهه يبدو عليه الإعياء: "ياعايدة هتعمل إيه دكاترة بره وأنا عملت هنا كل الأشعات والتحاليل والفحوصات والكل أجمع على إني ما عندي حاجة وأغلبهم قال ممكن تكون حالة نفسية." عايدة:
"طيب تمام مادام السبب نفسي أنا وانت عارفين كويس إيه اللي تاعب نفسيتك. خلينا نجيبه وأوعدك مش هغفل عنه لحظة، أكله أنا اللي أعمله هكون معاه منين ما يروح. هحرسه في البيت وبره نجيب له بودي جارد يرافقه، نجيب اتنين تلاتة نجيب عشرة. إحنا هنموت من غير أبنا يامحمود. أنا كنت خايفة عليه هو لكن الولد طلع أقوى مننا واتحمل وعاش واتأقلم واحنا اللي بنتعذب."
-"أبداً ياعايدة، والله آدم ما يرجع هنا حتى لو مت. وبعدين حراسة إيه اللي هنحرسهالها ما كان تحت عنينا أخوه ومات بطريقة احتاروا فيها الحكما. مات بسم محدش قدر يحدد نوعه، مفيش غير في النهاية بس اللي قدرنا نعرف إنه نوع سم مركب وأهم مكون فيه سم العنكبوت البرازيلي اللي اختلط بكذا حاجة تانيين خلوه فتاك بمجرد ما دخل جسم الولد موته. عايزانا نعيده من تاني ياعايدة؟
اقشعر جسد عايدة وأغمضت عينيها بألم وهي تتذكر كل ما حدث لابنها، وهزت رأسها رفضاً وأردفت: "لا مش هنعيد حاجة، خليه بعيد خليه. خلاص يامحمود طاوعني طيب ونسافر للدكتور اللي اكتشف نوع السم اللي في جسم مروان الله يرحمه." محمود: "دا مش دكتور ياعايدة دا مركز البحوث الأمريكي." عايدة: "خلاص نسافر ونروح المركز ونشوف، مش يمكن يامحمود؟
تنهد محمود وهو يفكر في الاحتمال بجدية، فهو بالفعل يشعر بالغرابة حيال ما يحدث له. وكيف تحول جسده من كامل القوة لقمة الضعف في بضعة أيام، ولماذا بدأ يشعر بأن الموت أصبح يحيطه ويشم رائحته من حوله بوضوح. عاد يحيى من الخارج والقى التحية على محمود وعايدة وسأل عن فريال والأولاد وأخبروه بأنها أخذتهم وذهبت للنادي. فجلس يمثل الإجهاد من إدارة الشركة. وخرجت مديحة من غرفتها على صوته وجلست معهم. فبدأ يحيى حديثه الذي حان وقته:
"يامحمود أنا بصراحة مش عارف أمشي الشغل وأنا كل شوية بلجألك ولازم آخذ موافقتك وامضتك على حاجات أنا ممكن أخلصها في دقايق بتخلص في أيام، والتعطيل بيكلف الشركة كتير. أنا رأيي تعملي توكيل بالإدارة مؤقت لغاية ما تخف وتقدر ترجع للشركة، خليني أمشي الدنيا." نظر إليه محمود وأخذ نفساً أخره على فترات وأجابه بحزم وقوة لا يتناسبان مع حالته الصحية:
"مستحيل يايحيى، التوكيل دا في أحلامك. أنا لو جرتلي حاجة عايدة من بعدي ومن بعدها ابني ومن بعدهم فلوسي للغلابة والمساكين، إنما انت لا يمكن هتاخد مني مليم أحمر طول ما أنا عايش، لا بالرضى ولا بالحيلة. فاهم يايحيى." أنهى حديثه وتبسم وهو ينظر في عيني يحيى ليخبره بأنه يعلم كل ما يجول بعقله ويعرف بكل مخططاته، وبأنها لن تنجح معه. وأكمل وهو ينظر له بنفس النظرات:
"أنا هسافر بعد يومين أمريكا عشان أخلص الطلبية بتاعة شركة قطع الغيار. هروح أنا بنفسي لأن وجودي ضروري عشان أمضي العقود. عايز أرجع ألاقي كل حاجة تمام في الشركة. ياكده يا أما هستغنى عنك وأجيب للشركة مدير غيرك يفهم في الإدارة."
أنهى حديثه وطلب من عايدة مساعدته حتى يذهب لغرفته يستريح قليلاً. وأثناء صعوده للدرج كانت عينا يحيى ومديحة يراقبانه دون أدنى ذرة شفقة على حاله، خاصة بعد أن تأكدوا من عناده وبأنه سيحاول إفساد مخططاتهم لآخر لحظة. فقرر يحيى أن تزيد فريال عليه الجرعة اليوم، فهو يستحق هذا بعد حديثه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!