خرج سالم من الخيمة فوجد رجوه مازالت واقفة أمامها، وكأن برقًا ضربها فأحترقت في مكانها. فأمسكها من ذراعها ولفها عليه وسألها بغضب عارم: -وش سويتي الحين؟ انهبلتي يارجوه ولا إيش؟ أسمعي، إذا تقصدي شي بالسويته قوليه الحين. ارتجفت شفتاها وهي تحاول أن تجمع الكلمات لترد عليه، وبالكاد نطقت: -رابح سسسوى.. وقبل أن تُكمل سبقها أحد شباب القبيلة حين صرخ بسالم وهو قادم نحوه يجري: -أيش واقف تسوي عندك وتارك رابح؟
مانعلم عنه شي ولا ندري إذا حي ولا مات؟ تحرك ياسالم، ماحد يعرف دروب رابح غيرك. نقل سالم أنظاره بين الشاب ورجوه وسأل بعدم فهم: -إيش تقول إنت؟ إيش به رابح؟ -ياخوي سوا حادث وماحد يدري عنه شي، وجواله مع واحد غريب وهو اللي يرد عليه.
أمسك سالم رأسه بكلتا يديه وهو يتلفت حوله، لا يعلم ماذا يفعل أو من أين يبدأ. فأخذ يجري هنا وهناك كمن أصابه مس. تحرك نحو السيارة ولكنه تذكر شيئًا. هرول ناحية الشاب وجذبه من ذراعه ناحية البئر وخلع جلبابه وبقي بالسروال فقط، وأمره أن يصب الماء عليه بالدلو مباشرة من البئر.
فنُفذ الشاب وبدأ يصب فوقه الماء، وكان هذا على مرأى من الجميع. أما مزيونه فكانت واقفة على باب خيمتها تنظر إليه تارة وتخبئ وجهها من الخجل تارة أخرى، وشعرت بأنهم فُضحوا أمام القبيلة بأسرها. ونظرت لرجوه بغضب وصاحت بها: -أنت يافانص، ياعديمة الحيا، يا اللي ما تجيبين إلا الأخبار الشينة، يابومة البوادي! إيش سويتي؟ والله الحين لأمشي للشيخة عوالي وأشكيك لها وأشوفها ترضى لك بالسويته ولا لأ.
أدارت رجوه رأسها نحوها ونظرت لها دون أن تتفوه بحرف، ولازالت تحت الصدمة. وتفحصتها من رأسها لأخمص قدميها. يا إلهي، كم هي جميلة! ثم أخفضت عينيها لبطنها واشتعل قلبها وهي ترى بطنها المنتفخة قليلاً وبدت بارزة. كانت تراها وكأنها تكتشف وجودها للمرة الأولى. وعادت لرشدها وكأنها كانت في غيبوبة والآن استيقظت منها. إنه طفل سالم الذي تحمله في أحشائها. كيف ذلك؟ كيف لطفل سالم أن يأتي من غيرها؟ كيف لا تكون هي أمه؟
وكيف تراهما معًا في هذا الوضع؟ كيف يقترب سالم من غيرها بهذه الطريقة؟ كيف فرطت في كل هذا وتنازلت عنه وتركته لغيرها بمنتهى البساطة والسهولة؟ جرت من أمام مزيونه حتى لا تفرغ فيها كل الغضب الذي اجتاحها الآن. وصلت عند خيمة معزوزه وجلست بجوارها منهارة، تبكي وتصرخ مع الصارخين. الكل كان يظن بأن صراخها خوفًا على رابح، ولكن صراخها كان لسبب آخر لا تستطيع كتمانه، وكأن الله هيأ لها حادث رابح لتصرخ بحريتها دون أن تخشى لومة لائم.
غادر سالم مع الشباب وهاتف آدم ونقل إليه الفاجعة، فتحرك الآخر بسيارته فورًا وهاتف رجاله يبحثون في جميع المشافي الموجودة في نطاق الحادث. وأخيرًا عثر أحدهم عليه وأبلغ آدم. فذهب للمشفى وهو يسابق بسيارته الريح ونزل منها مسرعًا نحو المبنى وأخذ يسأل ويتقصى عن رابح وعلم أنه في غرفة الطوارئ. فاقتحمها وفتش بين المصابين، وإذا به يجده فوق أحد الأسرة والطبيب يفحصه. اقترب منه بلهفة وأخذ يقلبه وهو يسأل الطبيب بخوف:
-إيش فيه رابح يادكتور؟ هو عايش مو هيك؟ بعده حي يادكتور؟ نهره الطبيب وهو يحاول إبعاد يديه عن رابح: -يافندم مش كده، الحركة والهزة دي غلط على المريض. هو عنده اشتباه في كسور ونزيف داخلي، بس لسه هندخله على أشعات عشان نحددها. لكن في المجمل هو حالته مستقرة وعايش ياسيدي. يلا ابعد شويه بقى خلينا نشوف شغلنا. الحالات كتير زي ما انت شايف وعندنا عجز في الدكاترة.
ابتعد آدم وخرج من الغرفة وهاتف سالم، وعرف أنهم وصلوا المشفى. فوقف في الممر كي يستقبلهم ويطمئنهم على رابح. وبعد أن هاجم الجميع المشفى مما تسبب بحالة ذعر للعاملين، وصل قصير آخرهم وعلى الفور أمر إدارة المشفى بإخراج رابح بعربة إسعاف مجهزة حتى ينقله لمشفى خاص. وبالفعل تم نقله وعمل اللازم وتم الاطمئنان عليه، ولم يكن يعاني سوى من كسر في أحد أضلاعه وتهتك في الطحال تم استئصاله. وخرج لغرفة الإفاقة وبدأ يستعيد وعيه.
في هذه الأثناء هاتف سالم مزيونه، وهلال هاتف معزوزه وطمأنوهم. ولكن معزوزه أصرت على هلال أن يعود للقبيلة ويأخذها هي وابنها لزوجها. فهي لن تطمئن عليه إلا إن رأته بأم عينها وسمعت صوته وقال لها بلسانه إنه بخير. وأمام إصرارها ذهب هلال ليحضرها.
ساعة كانت كفيلة بأن يجلبها ويعود. وفي هذا الوقت بدأ رابح يستعيد وعيه، وأول ما نطقه لسانه هو اسم معزوزه. فأسرعت بإمساك يده وإخباره بأنها بجانبه لم تتركه. فتبسم وأغمض عينيه بعد أن اطمأن لوجودها ووجود ابنه بجواره. وبدأت رحلته في اكتشاف مواضع آلامه وأيهما الأقوى.
أما سالم وآدم والجميع فغادروا الغرفة بعد الاطمئنان عليه، وطلب قصير من الجميع العودة للقبيلة فرابح بخير الآن. وحتى سالم وآدم أمرهم بالعودة، ولم يترك بجوار رابح سوى معزوزه وهلال أخيها. وقال إنهم كافيين والطبيب أخبره بأن حالة رابح مستقرة ولا يوجد خطر من أي نوع. فامتثل الجميع، وعاد آدم لعمله، وعاد الباقون للقبيلة.
وبمجرد رجوع سالم كانت رجوه متوجهة نحو خيمة عوالي، فعرف أنها ذاهبة لتلقى العقاب على فعلتها إن كانت الشيخة علمت بها. فذهب خلفها يتحرى. ولما اقترب وسمع صوت مزيونه قادمًا من خيمة عوالي تأكد بأن رجوه على شفا جحيم عوالي. فهذه المرة العقاب أشد من جميع المرات السابقة، لأن هذه الغلطة هي الأعظم في تاريخ غلطاتها. فأستأذنت رجوه ودخلت وتلقتها عوالي صارخة: -أشوفك تعرفين الاستئذان يافانص!
لكان ليش ما تتذكرينه وقت تقتحمي الخلوات وتهجمين على الناس الغافلة بخيامها؟ من سواها أمامك من أهل القبيلة من وقت الرب خلقك لليوم يارجوه؟ من تجرأ وسواها لجل تسوينها أنت؟ تلعثمت رجوه في الكلام ولم تعرف بما تجيب، فردت عليها مزيونه: -والله ياشيخة أنا للحين ماقادرة أستوعب أنها دخلت علي أنا وراجلي وقت الكنا.. ياناس ماقادرة أنطقها ولا أتقبلها ياعالم.
-أعرفها ماتتنطق أو تنعقل والعقاب عليها ماراح يكون شي عادي، إلا ما أخليك عبرة لكل القبيلة يارجوه وتمشي وسط الكل بسواد الوجه. غدوة أنا بجمع كل أهل القبيلة وأخلي كل وليدات القبيلة يرجموك، كل وليد بثلاث أحجار. وشوفي أنت قديش وليدات القبيلة وقديش راح تدجك أحجار. ظلت رجوه على صمتها ولم تنطق، فهي في حال يجعل هذا العقاب هينًا أمام ما تشعر به. وهنا استأذن سالم ودلف من باب الخيمة وقال:
-عمتي، مافي داعي لحساب أو عقاب. هي غلطة مو مقصودة وأنا متأكد إن خوف رجوه على رابح هو اللي دار عقلها وخلاها تسوي هيك، وإنا مسامحها وهي ماراح تعيدها، أنا أضمن لك هالشي. صاحت به مزيونه لأول مرة: -بس أنا مامسامحة ياسالم، وهذا الأمر ما يخصك لحالك.
-وأنا سامحت يامزيونة وأنت تسامحي، ما تسامحي شي يخصك. بس أنا ماراح أسمح بالعقاب اللي حكمت به عمتي ولا راح يصير هاد الشي، ولا أي عقاب غيره يقع على رجوه. أنا أقول التصرف مو بإرادتها وما راح تكرره. إي هو تصرف ما يطلع غير من بهيمة، لكن فيه مواقف عقل الإنسان يوقف بها ويصير عقل البهيمة أفهم عنه. عوالي: -يعني هاد رأيك ياسالم؟
-أي ياعمتي هاد رأيي. والحين بعد إذنك أصرفي رجوه وكتمي عالخبر. وأنت يامزيونة هيا على خيمتنا، أريد أكل شي، جوعان وحاسس حلقي مر حنظل. غادرت مزيونه مع سالم وبعدها انصرفت رجوه بأمر من الشيخة عوالي بعد أن أسمعتها سم الكلام، وجلست مع مايزه يتباحثان في أمرها. فذهبت رجوه رأساً للعنود، وهناك ارتمت في حضنها وشهقت وهي تقول:
-ريتهم سوا يالعنود. شفته بأحضانها وهي بين يديه ووقت شفتهم لمها بحضنه ودثرها كيف ماتكون بنتي وخايف عليها. سبني ورماني خارج الخيمة لأجلها. وقصت عليها كل شيء. فهمست العنود لها: -وهي هي الصفعة اللي ما كنت أعرف من وين بتجيك. جاتك أسرع مما تخيلت وبالقوة المطلوبة. والحين يارجوه راحت السكرة وجات الفكرة. والله يقوي قلبك وعقلك عاللي جاي.
أدخلتها وأخذت تتحدث معها في موضوعات عدة كي تجعل عقلها يفصل قليلاً. وأشركت معها نوف وعفراء التي رقت لحال رجوه بعد أن رأت انتفاخ عينيها وشهقاتها المتواصلة. وظلوا على هذا الحال حتى نامت رجوه في مكانها، فتركوه تنال قسطًا من الراحة وغادروا جميعًا للخارج. أما في خيمة سالم: -مزيونه لا تقلبي خلقتك علي، أنا أدري بها ما قصدت. حتى أنا نفسي انخبصت وما عرفت إيش أسوي وقت سمعت الخبر. خلص انسي الموضوع وما تحطين ببالك.
-أنسى إيش ياسالم؟ أنسى إيش؟ أنسى إنها شافتك بلا ملابس؟ شافت اللي مو من حق أحد غيري يشوفه. أنسى إنها فاتت على خيمتي وهي مفكرة إن لها الحق تسوي هيك وما راح تتعاقب؟ وبالفعل هذا اللي تم. -يامزيونة افصلي لأني مو ناقص كلام. وإذا عالشوف وربي إذا ماسكتين لاخلع كل ثيابي وأمشي بنص القبيلة متل ما ولدتني أمي وأخلي الما شاف يشوف، مو بس رجوه. صغيرة يابت الحلال لا تكبريها. -إي تسويها، ما أنت فنص وما تستحي.
ضحك سالم بخفوت وجذبها من يدها وأجلسها في حجره وأردف لها مهدئًا: -وقت كنا صغار أنا ورجوه كنا نستحم سوا عند العين وأنا ما كنت ألبس أي شي وهي كانت تشوفني. يعني هي مو أول مرة واللي شافته عادي، ماشي جديد عليها. هبت مزيونه واقفة وصرخت به: -حنظل عليك وعليها وعلى وقت اللي كنتوا صغار! ياسالم لا تجنني، يعني أنت الحين تشبه روحك بوقت اللي كنت فيه صغير؟ تعرف.. أنا ما ظل عندي كلام، أنا بروح أجيب لك الأكل أحسن شي، تاكل وتسكر فمك.
ضحك سالم عليها وهو يراها تغادر الخيمة وتتمتم بغضب. وأردف لنفسه بعد مغادرتها: -إي صح والله معها حق. إيش هاد القولته ياسالم؟ كيف يعني شافت كل شي؟ الله ياخذك يارجوه خليتيني أخربط ما أدري إيش أقول. غابت مزيونه قليلًا واتت لسالم بالطعام وجلست بجواره تراقبه وهو يأكل. وبين الفينة والفينة تتسلل لشفتيه ابتسامة سرعان ما يخفيها بتناوله الطعام. فصاحت به مزيونه بعد أن فاض بها:
-أشوف التباسيم ماتفارق فمك ياسويلم، أشوفك فرحان كيف ما يكون العملته رجوه جاي على هواك! -مزيونه خيمتك بدأ يجيني منها وجع الراس وما عاد بها راحة. أنا بأكل وماشي أجلس مع الشباب. وما راح أرد إلا وانت نايمة. وهذا اللي راح يصير إذا ضليتي على هالنغمة وتعيدين وتزيدين بشي انقفل. يا إما تنسيه يا إما تنسي وجودي بخيمتك.
صمتت مزيونه وهو أنهى طعامه وخرج بالفعل، وظلت تلوم نفسها على أعصابها التي فلتت منها رغماً عنها، وهي المعهودة بالثبات. أما سالم فلم يكن يعلم أن هناك حفلًا بانتظاره من شباب القبيلة على استحمامه من البئر. وكل بكلمته والضحك والقهقهات وصلت عنان السماء. وهو ما كان منه إلا الصمت والصبر ولعن رابح ورجوه وحتى مزيونه على ما صار به، وكأن الجميع تكاتف لخزيه اليوم.
عاد آدم من المدينة وفي المساء الكل مجتمع في مجلس الشباب. فذهبت رجوه ونادت على آدم أمام الجميع وأخذته بعيدًا. وبعد تردد دام دقائق أفرغت ما بداخلها مرة واحدة وقالت له: -عقاب، أنا ما عدت أريدك. فك رهنك لي وقول إنك ما تريدني. صدم آدم مما سمعه ونظر إليها متفحصًا فوجد آثار البكاء على وجهها. وبما أن سالم أخبره بما حدث منها صباحًا ربط الأحداث ووجد أن قلبها أخيرًا عاد إلى قواعده، وأن عقلها عاد لرأسها بعد هجرة طويلة.
فتبسم وقال لها: -لكِ تريديه يارجوه.. اعتبري رهني عليكِ انفكِ وصرتي حرة. -زين.. من بكرة استلم أغنامك وشوف لك أحد يرعاهم. أنا ما عدت الغنامة حقك. ضحك آدم وقال لها: -لا يبه أنت زينة الصبايا، وهذول الأغنام مني لك، هدية. حلا فك الرهن وثمن حريتي منك. إيش رأيك بحياتك؟ شفتي هيك شي؟ تبسمت رجوه وهي ترد عليه: -تدفع ١٠٠ راس حلا لجل إنك ما تزوجتني؟
-وأدفع ألف راس. يبه أنت ما تدري إنك بس تمشي على رجول واللي بجوارك مبتلى فيك ومبتلى بأفعالك. هذول اعتبريهم عتق رقبة لآني وربي من يوم الرهنتيني وأنا أحس إني خسرت حريتي وراحة بالي والحين ردوا لي. روحي يارجوه الـ ١٠٠ راس غنم لك والله لا يحطك بطريقي وسلام الله عليك ليوم الدين.
تحرك من أمامها مغادرًا ووقفت هي تراقبه مبتسمة وهو يبتعد. وفي هذه اللحظة لم تراه سوى عقاب الصغير صديق الطفولة وأخوها الذي كان يحملها على ظهره أحيانًا كي يعين سالم عليها شفقة على سالم وليس عليها. فكيف اختلطت مشاعرها واعتبرته حبيبًا؟ وماذا كانت ستفعل إن فاقت بعد فوات الأوان وهي في بيته زوجة؟ من التي كانت تتصرف طوال الفترة السابقة وما الخراب الذي كانت تحدثه في حياة رجوه وحياة الجميع؟ بالتأكيد ليست هي من كانت تفعل كل ذلك.
أذاع آدم الخبر وسط الشباب بأنه فك رهن رجوه وأصبحت حرة منه. وصمت سالم ولم يعقب أو يظهر أية ردة فعل، ولكنه كان مستغربًا. وأخذ يسأل نفسه عن السبب فالتوقيت غريب لحدوث هذا. وكيف وافقت على التخلي بهذه البساطة وهي بالكاد حصلت على آدم بعد حرب طويلة؟ أجنّت بالفعل هذه الفتاة كما يقول الجميع أم ماذا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!