غادرت خولة كلماتها وغادرت الخيمة، وذهبت حيث مرابض الأغنام وحررت أغنامها وسوقتهم نحو خيمة تاجر الأغنام وباعتهم له وقبضت نقودهم، وذهبت رأساً بالنقود لخيمة عوالي وأخبرتها بما تنوي فعله. شجعتها عوالي وقالت لها: -أشوفه تفكير زين طالع منك يالمهبولة، ومن الحين أنا مانشتري شي من هذي الأغراض لحتى تسترزقي انت. -بس يا خولة أنا أعرف الأسعار، ولو طمعتي ماتشوفيني إلا أهد خيمتك فوق راسك وأحرقك انت والأغراض سوا.
-لا ماتخافي، كل شي وله ثمن وأنا ما أفتري، عالقليلة مو بأول مشواري. أنا الحين أجمع ثقة الناس، بس أجمعها وأطمنهم وقتها يحق لي أطمع. ضحكت عوالي وتغيرت ملامحها وسألتها بجدية: -بس من وين جبتي القروش يا خولة؟ -بعت أغنامي. -الله ياخذك، من وين لك أغنام، مو على أساس عطيناهم لسعود لحتى يتزوجك؟
-أي والأغنام صاروا لزوجي، وأغنام زوجي أغنامي، إيش بيها يعني. وبعدين انت تميتي مهمتك وزوجتينا ماتشغلي بالك بشي. والحين أنا ماشية أشوف حد غير القرد سعود يوديني الحضر هو حرن متل الحمار. -أنا أندز معك واحد من الشباب بسيارة يوديك ويردك، ويكون شاطر بالشرا والبيع لجل ما يضحكون عليك. بس قبل أي شي دزيلي سعود قوليله الشيخة تريدك، لزوم يوافق على روحتك، هذا زوجك ورجلك إذا خطت بدون رضاه أنا بقطعها لك، فهمتي علي؟
-إي فهمت، أنا الحين أندزه لك، وماتعطيه فرصة إنه يشاور عقله، انت تامرينه أمر، تقوليله خولة تعمل التريده وماتقف بطريقها والا تذبحك وانت نايم وماتسمي عليك، خوفيه هو خواف واجد. -روحي يا خولة، روحي الله يهديك وابعثيلي سعود المبلي بيك. أتى سعود للشيخة عوالي، وأقنعته بما تريده خولة، وهذا لأن الفكرة أعجبتها هي شخصياً، وترى أنه باب رزق عظيم لخولة ومسعود، وقفل يعد قطعاً لهذا الرزق.
فذهبت خولة للحضر، وذهب سعود معها بأمر من الشيخة في إحدى السيارات مع واحد من شباب القبيلة، وبدأت خولة أولى خطواتها نحو حلم حلمته وقررت تحقيقه. وفي سوق المدينة كانت الصدمة لخولة؛ فقد وجدت أشياء فائقة الجمال، ولم تجلب منها الشيخة عوالي حتى لزوجات الشيخ! نعم ثمنها مرتفع، ولكن نظير جمالها خولة متأكدة أن نساء القبيلة سيشترينها بلا تردد. تسوقت من كل شيء وعادت للقبيلة، ووقفت وسط الخيام ونادت بأعلى صوتها:
-يابنيات ياحريمات يانساء القبيلة أقبلن، اليوم مشيت للحضر وجبتلكن كل شي تتمناه نفسكم، معي أشيا راح تخطف أنفاسكم من جمالها، تعي ياحلوة، تعي يازينة وشوفي إيش مع خولة. وبدأت تفرش الأغراض أمام النساء، وفور أن تضع الغرض على الأرض يُخطف، وكادت النساء يتقاتلن على الأغراض وخاصة الحلي والزينة، وكل ما أحضرته خولة لم يتبقى منه شيء، ووعدت من لم تتحصل على شيء بأن تحضر لها ما تريده غداً.
وعادت لخيمتها مع مسعود بنقود تكاد تكون ضعف المبلغ الذي اشترت به، ولما رأى مسعود ما جَنته خولة في ساعات قليلة وقارنه بما يجنيه هو ووجد أنه عمل شهرين في رعي الأغنام وبيع ألبانهم، قرر بيع أغنامه ومشاركة خولة بثمنهم، فهي على هذا الحال ستغتني في وقت قصير وهو سيظل راعي لكم غنمه تضربه شمس النهار وتهترئ أقدامه من الرمال الساخنة!
أما آدم فعزم على العودة إلى القبيلة أخيراً، ولكن قبل عودته قرر أن يودعها للمرة الأخيرة ويطمئن إنها بخير، فهاتفها وذهب إليها في المكان الذي حددته، كان مقهى على النيل. وصل قبلها بدقائق وجلس ينتظرها، اقتربت منه وقد رأى منها ما أحزنه، ضعفت كثيراً وشحب وجهها ومن الواضح من الهالات تحت عينيها أنها لا تنام بشكل كافٍ. جلست بعد أن صافحته، نظر إليها وتنهد فتبسمت وسألته: -ليه التنهيدة دي؟
-والله تخرج بدون إرادتي بس عيني تشوفك. هي نفسها من القلب يزفرها وما أقدر أكتمه. صمتت ونظرت بعيداً، نظرت لصفحة الماء وعقدت يديها أسفل ذقنها، فأمسك هو بقائمة الطلبات وأردف: -إيش تشربين؟ -مليش نفس. -تمام.. آيس كريم بالفراولة. تبسمت فهذه نكهتها المفضلة، وشهقت حين رفع ذراعه يلوح للنادل، فوجدت ذراعه الآخر مضموم لصدره برباط! فسألته بخوف: -مال دراعك يا آدم، إنت متعور؟ إيه عمل فيك كده؟
-هبااا هباااا هدي شوي مافي شي، هذا شي بسيط، رجلي زلقت وطحت على الأرض وذراعي به كدمات، بس هذا كل شي. نظرت إليه وركزت على عينيه وقالت له بإصرار: -لأ.. مش دا اللي حصل وانت بتكدب عليا يا آدم.. قولي إيه بالظبط اللي حصلك وإلا هقوم وأمشي دلوقتي. -يبه ما فيه شي… نظرت لعينيه مرة أخرى فأجاب على الفور: -زين انضربت بارودة بصدري، ارتحتي؟ -يا خبر أسود، مين اللي عمل كده؟ -مافي غيره بلوتي العظيمة، ياسين ولد خالتك.
-أنا لا لي خالة ولا ابن خالة ولا حتى أم، ربنا ينتقم منهم كلهم. -حياة، أريد أقولك شي ما أدري تعرفينه لو لا. -ايه تاني؟ -كارمن وجدوها مقتولة والطب الشرعي ثبت إن ياسين السواها. كانت حبلى. شهقت حياة ووضعت يدها على فمها من الصدمة وهزت رأسها بنفي، فاومأ لها مؤكداً، فدفنت وجهها وسط كفيها، وبدأت في البكاء وهي تتساءل، ما كل هذا الذي يحدث، أأصبح الموت سهلاً لهذه الدرجة؟
كيف تُحصد الأرواح بهذه السهولة دون أي خوف من رب ولا عمل حساب لعبد، ما هذه العائلة وأي لعنة هذه التي أصابتها؟ حاول آدم تهدئتها وفي محاولة منه لإلهائها عن كل ما يحدث أخذها لمكان مخصص للألعاب يسمى دريم بارك، وحجز لها في جميع الألعاب وشاركها، رآها تبتسم فتبسم هو أيضاً؛ لقد اشتاق جداً لهذه الابتسامة، وشعر وكأن نسمات الهواء عادت تداعب قلبه والفراشات عادت تطير أمام عينيه من جديد.
فما ألعن الظروف وما ألعن الحب الذي لا ينتهي بالفوز بالحبيب، إنه نار لا تنطفئ أبداً، وكأن الروح أطنان حطب لا ينضب. انتهى اليوم وحان وقت عودتها للمنزل، فأوصلها ووقف على أعتابها وأخبرته بما ختم هذا اليوم الجميل بعصرة قوية لقلبه: -أنا خلاص سفري اتحدد بعد أسبوعين يا آدم. -إيش هذا، معقولة بهي السرعة؟
-كل شيء بالفلوس بيمشي بسرعة، وأنا محتاجة أبعد، محتاجة أسافر قبل إعدام أمي، مش عايزة أشوفها ميتة قدامي، أنا بلغت قرايبنا في البلد وأديتهم في إدارة السجن رقم واحد منهم؛ عشان لما يتنفذ الحكم يتصلوا بيهم يجوا يستلموها، عايزة أفضل طول الوقت فاكرة إنها عايشة ما تموت.
تفهم آدم وأومأ لها موافقاً على رأيها، ومد يده لها مصافحاً للمرة الأخيرة، ثم أخذ يراقبها وهي تدخل وتغلق أبوابها، وكأنها أغلقت معه كل أبواب الرحمة لقلبه، فغادر بخطوات مترنحة وقلب يئن.
عاد في اليوم التالي للقبيلة، وكم كان خائفاً من لقائه لرجوه وإلتصاقها به ومطالبته بحقوق أعطتها لنفسها دون وجه حق، ولكن الغريب أنها كانت هادئة جداً هذه المرة، لم تفاجأه عودته ولم تتلقاه بلهفة كل مرة، بل كان استقبالها له فاتراً وسلامها عليه عابراً، وأخذت الأغنام وغادرت دون أن تلتفت إليه. ولم يكن الوحيد الذي شعر بالغرابة لتصرفها، بل سالم أيضاً، ورابح والجميع، كانت حزينة بطريقة لا تتناسب مع رجوع حبيبها من براثن الموت!
أما هي فلأول مرة تشعر بأنها لم تعد لديها طاقة للمعافرة والمحاولات الفاشلة للفت انتباهه لها، فالاهتمام لا يطلب طوال الوقت. مروا عدة أيام، آدم بدأ يخرج مع سالم لمتابعة آخر المستجدات والإشراف على ما فعله سالم، بدأ في تجهيز دور في البناية التي اشتراها من قياتي له ولوالديه كي ينتقلوا للسكن فيه.
أما رجوه فكانت بعيدة تماماً، صامتة وحالها لا يعجب سالم، يحوم حولها ويحضر لها الحلويات كي يتغير حالها، ولكن مع كل شيء كان يقدمه لها كانت تزداد حزنًا، فاحار في أمرها ولجأ لمعزوزه كي تعرف له ما بها ولكنه لم تفلح هي الأخرى. لم يخف شروده وتوهته بسببها على مزيونه، فكانت تراقبه في صمت وهو يراقب رجوه في صمت ورجوه تراقب آدم من بعيد في صمت وكل واحد منهم لا يفهم ماذا حل بالآخر؟! في صباح اليوم التالي.. مزيونه:
-اليوم كمان تروح للحضر يا سالم وماترد إلا عشيه وتكون مهدود من التعب وماتصدق توصل الفراش؟ سالم: -أدري إنك اشتقتي يامزيونة وأنا بعد اشتقتلك واجد، بس مانقدر نعوف خوي بروحه وهو مازال يتوجع وصدره ما طاب، وحمله كبير ومحتاج لي، وإنت تعرفي كله ولا عقاب يحتاجني وما يلاقيني. مزيونه: -أي أدري.. قالتها وعقبتها بتنهيدة، فشعر سالم بأنها تحتاجه، ولا يريدها أن تستاء وهي في شهور حملها الأولى ويتأثر طفله، فنظر لها وأردف:
-خلص يامزيونة، هذا اليوم كله أنا معك بالخيمة، ماراح أمشي لمكان وعقاب يشقى بأشغاله بروحه.. أنا اليوم عندي أشغال أهم.. قالها وغمز لمزيونة فتبسمت ورفعت طرف وشاحها لتخبئ وجهها من خجلها، ثم قامت لتجلب له الفطور، وهو أخبرها بأنه ذاهب ليخبر آدم بأنه لن يذهب معه اليوم وسيعود لها سريعاً، وأمرها بأن تجهز له الأجواء التي يحب. غادر الخيمة يبحث عن آدم فوجده يقف مع رابح وعمه قصير وهلال، فذهب إليهم: -صبحكم الله بالخير. قصير:
-الله يصبحك بالخير. الخير اللي يصيبك. قصير: -أقول ليش هالجمعة، خير إن شاء الله. قصير: -كل الخير، أنت طبعاً ماشي مع عقاب وما عاد منكم نفع للقبيلة. يا رابح خذ هلال وانزل الحضر جيب النفط ومونة الشهر من أغراض الطبخ. هلال: -أنا مو فاضي يابوي اليوم فيه سباق هجين وأني مشارك به، وعدت الشباب وما أقدر أخلف. قصير: -زين يروح سالم قبل لا يروح مع عقاب وبعد ماتشترون كل شي وتحملونه بالسيارة تروح لعقاب. سالم:
-اعتذر ياشيخي ما أقدر أروح اليوم لا معه ولا مع عقاب؛ أنا عندي شغلة ضرورية ماتتأجل، خذ أي شب من شباب القبيلة يارابح يعينك. رابح: -لا ما أريد حد، أنا أروح بروحي، إذا الكل صار مشغول اليوم وأشغاله ماتتأجل.. حد منكم يريد شي معين أجيبه له معي؟ أخرج قصير رزمة من الأموال وأعطاها لرابح وقال له قبل أن يغادر:
-هاك القروش وشوف ايش راح تسوي، أنا رايح الوادي بالوليدات الصغار اليوم أريد أعلمهم صيد الأفاعي ومعرفة جحورها، ودير بالك ياسالم من بعد هي المرة وليدات القبيلة وعلامهم صارت مهمتك وأريدك ماتتكاسل فيها. سالم: -أبشر ياشيخي من هالعين قبل هالعين، أستأذنكم أنا رايح أجيب غرض من خيمتي. فهمه رابح؛ فتعجله ولهفته يكشفانه، فقال له ممازحاً: -يابه لاحق عالأغراض إيش بيك شوي ثقل الأغراض ظاله بالخيمة ماراح تطير هههه.
لكزه سالم بكوعه في جنبه كي يصمت فقد أخجله بوجود عمه قصير الذي فطن للأمر من كلام رابح وتبسم ثم غادر، وبعد أن ابتعد قصير قليلاً هجم سالم على رابح وأوسعه ضرباً وهو يقول: -ولك الله ياخذك خزيتني قدام الشيخ. رابح: -لا ماتتخزى الشيخ يعرف الموضوع وعنده خيمتين بيهم أغراض وأنا عندي أغراض وكل واحد يتلهف على أغراضه وعاذرينك. فهم هلال حديثهم وما يرمي إليه فغادرهم وهو يشعر بالخجل، وكذلك آدم الذي أعطى سالم نظرة ثم قال له:
-تبيعني لجل غرض يا سويلم؟ والله إنك طلعت واطي، ما قادر يعني تصبر عالغرض للمسا؟ .. روح يبه روح الله يساعدك. غادر كل لوجهته وبعد حوالي ساعتين تلقت معزوزة اتصال من هاتف زوجها، فصرخت باسمه وقد فهمت الآن سر انقباضة قلبها منذ الصباح، وأنها كانت محقة حين حاولت منع رابح من الذهاب للحضر، فها هو شخص غريب يخبرها بأن صاحب هذا الهاتف أصيب في حادث وتم أخذه بعربة الإسعاف، وهو وجد هاتفه مكان الحادث.
فخرجت من خيمتها تصرخ وذهبت لتجمع الشباب وصاحت بهلال الذي كان يستعد معهم للسباق: -ياهلال رابح مسوي حادث وما يدري وين خذوه، غريب كلمني وقال لي إنه سوى حادث وما ضل منه غير نقاله، هيا تحرك ايش منتظر اركب سيارتك وروح دور لي على رابح وجيبه لي سليم وما به شكة شوكة، والله إذا رابح جراله شي لأحرق القبيلة بالفيها، تركتوه يروح لحاله يجيبيلكم السم وانتوا جالسين تتسامرون؟ والله والله لو ما رد لي رابح صاحي لأبيدكم إبادة.
تحرك هلال وكل الشباب معه، وكل واحد منهم رفع هاتفه يتصل على هاتف رابح ليعرف مكانه، وهلال هاتف سالم فلم يجبه. فتمتم بضيق: -هذا وقت ماترد به يا سالم؟ خرت معزوزة على الأرض تبكي وتضرب الأرض بكفيها، فجاءت رجوه على صوت نواحها ولما وصلت عندها وعلمت الأمر انتفضت والتفتت حولها على سالم أو آدم؛ فلا يوجد سواهم يجيد التصرف في مثل هذه الحالة، فسألت هلال: -وين عقاب وسالم، كلمهم يسبقونكم لرابح؛ هم بالحضر وأقرب له.
فرد عليها هلال وهو يغادر: -عقاب أي بس سالم مدفوس بخيمته ما يرد، هيا يا شباب جيبوا السيارات خلونا نغادر هياااا. ركضت رجوه نحو خيمة سالم، فكيف يغادرون من غيره، وكيف لا يكون أول الراكضين على رابح، فوصلت خيمته وباندفاع وبدون استئذان ازاحت الباب ودخلت وهي تقول: -ياسالم فز ياسالم رابح مسوي… توقفت عن الحديث وذهلت مما رأته، فقد كان سالم مع مزيونه في وضع حميمي وفور دخولها قام بتخبئة مزيونه في صدره وجذب عليها الغطاء
وصرخ في رجوه بغضب عارم: -إيش هذا السويتيه يابهيمة، أمشي غادري الخيمة هالحين وأنا بس أطلع لي معك كلام ثاني، اغربي. ظلت على وقفتها وكأنه لم يقل شيء، تصنمت كما لو أنها فقدت جميع حواسها وأصبحت جماد بلا حواس، فنهض سالم ولبس جلبابه وقام إليها جذبها من ذراعها وأخرجها من الخيمة بعنف، وعاد للداخل وهو لا يستطيع استيعاب ما فعلت، ولا مزيونه قادرة على الاستيعاب، ولا حتى رجوه نفسها استوعبت للآن ما فعلت. تتبع….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!