خيم الحزن على سائر القبيلة، فموت شيخهم كان فاجعة كبرى. لم يقتصر الحزن على القبيلة فقط، بل شمل كل القبائل المجاورة، وكل من يعرف الشيخ منصور أتى للعزاء. تحولت القبيلة لأضخم عزاء رأته العين. حضره القاصي والداني، أكبر رؤوس رجال الشرطة والجيش. وفود تأتي ووفود تغادر، والولائم لم تنقطع. كل من في القبيلة أتى بكبش أو باثنين، ومنهم من أتى بجمال صغيرة السن وذبحها. ومن لديه أكثر جاد.
والشيخة عوالي أمرت بذبح جميع الكباش التي تمتلكها، وكانوا فوق الـ 20 كبش، ولم تترك سوى الإناث من أغنامها. هذا غير الذي أتت به شيوخ القبائل الأخرى ومحبين الشيخ منصور. لم تتوقف النساء عن الطبخ، وانضم إليهن نساء القبائل القريبة يساعدن. وحين الانتهاء من الطبخ وتوزيع وإطعام الطعام على روح الشيخ منصور، تتجمع كل القبيلة ليلاً.
ويشاركوا الدموع على كلمات رثاء الشيخة عوالي لأخيها ومايزه، وكهولة القبيلة من الحافظين لرثاء الموتى والكلمات التي تجعل القلوب تنزف وجعاً. ومر أسبوع على هذا الحال، وبعدها انقطعت الأرجل شيئاً فشيئاً، وبدأت الأمور تعود إلى طبيعتها. أما في خيمة خولة وأخواتها، جالسة في الخيمة ناظرة للسقف، وابتسامتها العريضة لم تفارق وجهها حين تختلي بنفسها. فهدرت بها أمها: -اقول يالمهبولة، متى تصحين على روحك وتبطلين توهة وتبسم؟
اللي يشوفك يقول فرحانة بموت الشيخ وتركبيننا عار ما بعده عار. -اتركيني يا أم خولة أتبسم، انتِ ما تدرين كيف أنتشي وأفرح كل ما يجي على بالي اليوم اللي عفره غالت به رجوه. -أهووو.. ما راح تنسي أنتِ قتلة رجوه؟ -أبدددد، والله بردت ناري بت عمي قياتي الفانص الرفاسة. ثم اعتدلت في جلستها وأكملت بجدية: -أقول يومه.. تشوفين الحين أروح أفاتح الشيخة عوالي بمسألة جوازي ولا أصبر شوي؟
-اتحشمي يا خولة، ما تدور لروحها عريس إلا الفانص البايرة العانس. -زين وأنا ايش؟ ما أنا كل اللي ذكرتيه. -حييييه عليج حييييه، والله لتتركبيننا العار يا عار. -أي يعني الوقت مناسب ولا الشيخة تشوفني قليلة ذوق؟ -يعني بعد ما قريتي إن كل العبر فيكِ يفرق معكِ إذا طلعتي قليلة ذوق؟ -إي صح معكِ حق، والله ما تفرق.. غدوه أمشي لخيمتها وأقولها زوجيني بأقرب وقت. نفضت صالحة يديها بيأس من ابنتها ثم غادرت الخيمة بحثاً عن أحد أبنائها،
وحين وجدت أحدهم صاحت: (يابرق) .. تعال أريدك. -لبيكِ يا أمي، إيش تريدين؟ -خذ هاد الماعون وجيب لي شوي من حليب الماعز أسوي به ثريد وآكل، معدتي ما تتحمل الدسم بالعشا. -وليش أنا اللي أروح أحلب الماعز! وينها بتك الخايسة الهاملة الداشرة؟ -بتي بالخيمة تتطلع للسقف وتتبسم، زايد عليها لهبال، اتركها. -ديري بالك عليها تكون عشقانة ونحن ماندري ويجينا بسببها العار. -روح روح يا برق، خولة وعشق وشويق ما يركبون على بعض، طمن حالك.
غادر برق بعد أن أخذ السطل، وعادت صالحة للخيمة فوجدت خولة تضحك بصوت عالٍ وتضرب على فخذها، ولا تتحكم بضحكاتها حتى سال لعابها من فمها. فجلست أمها بعيداً عنها ووضعت يدها على رأسها بقلة حيلة وهي ترى حالتها المذرية. أما خولة فكل ما يضحكها هو ذاك اليوم الذي وقفت عنده ولا تستطيع تخطيه، وخاصة وهي آتية تزف الخبر لصياح أخيها بمنتهى السعادة. (عودة بالزمن لقبل موت الشيخ بأيام قليلة)
-اصحي اصحي يا صياح، رجوه رجوه يا صياح، خذت كم رفسه يا صياح وطاحت طاحت يا صياح، سفت لرمال يا صياح، وضحكنا عليها يا صياح، وعفره الحلوة يا صياح جابتها الأرض يا صياح.. والحين الحين يا صياح أنا واااجد فرحانة يا صياح. -ولك سدي فمك، إيش هالخبال من على بكرة الصبح، يقصف عمرك بحق جاهه وسلطانه. اقتربت منه وجلست بجواره وهي تحاول السيطرة على ضحكاتها المتواصلة:
-أقول يا خوي رجوه مسكتها عفره بت عمي قياتي، عجنتها وخبزتها وسوتها خبزة تنور وأكلتها. -تكذبين؟ -وربي ما أكذب. -ليش؟ إيش صار لكل هاد؟ -ما أدري، بس أنا كنت ماشية للبير وشفت رجوه رمت الجدح من يدها وهجمت على لبنيه، وبس دنكت تجيب أحجار وعينك ما تشوف إلا الرفس، والله عفره كانت مشغلة رجولها الزوز مثل بغل بوك حين يروحوا صوبه الوليدات الصغار، وخلتها خرت على الأرض تتلوي مثل حنيش انضربت بارودة براسه. -تمزحين!
-أعدمك أنت وياها إذا أكذب أو أمزح.. هيا انهض وتعال ملي عيونك منها وهي مسجية عالرمال وتبكي.. والله شوفتها تبرد القلب يا خوي. نهض صياح ولبس خفيه وهو لا يصدق كل ما تفوهت به خولة، فهذه رجوة نمرة القبيلة كيف لها أن تُغلب؟ أما عند رجوه في هذا الوقت: -والله الحين إذا ما عمي قياتي جاب لي حقي لعشيه لاحرق الخيمة اللي نايمين فيها بناته الثلاثة وما يلاقوا منهم الصبح غير رماد.
سمعت زوجة قياتي كلام رجوه، فوضعت يدها على قلبها خِيفة من أن تنفذ رجوه تهديدها وهرولت إليها وجلست بجوارها وأخذت تهدئ بها وتقول: -حقك على راسي يا بنيه، أنا بعتذر لك نيابة عن عفراء بتي ومنك السماح، هي مهبولة ما تعرف إيش تسوي.. أنا ما أدري شو اللي صار معكم ووصلكم للقتال، بس الأكيد أن عفراء ما تتعصب هيك إلا من شي قوي. -أي شي قوي وأقوى من القوي، بتك كانت مبيته بغرفة رجلي...
آ أقصد رجال غريب، وبس عاتبتها سوت في اللي عينك تشوفه، أريد أعرف باي حق ووين الحيا؟ شهقت زوجة قياتي ووضعت يدها على فمها وهي غير مصدقة للتهمة التي قذفت بها هذه الفتاة ابنتها للتو، ولكن صوت الشيخة عوالي أنقذ الموقف حين قالت لرجوه بغضب: -صكري فمك الله يلعنك ويلعن لسانك اللي ينقط حنظل؟ يا أم حسين أرجو منكِ السماح، هي لبنية فانص مهبولة ومضيعة عقلها ما تعرف وين الله حاططها ولا ايش تقول.
نهضت زوجة قياتي وتلفتت حولها ثم دلفت لغرفة آدم لتكتشف ماحدث، فوجدت ابنتيها نوف والعنود نائمتين بالغرفة، فضربتهم وهي تصيح بهم: -قومن وقولولي إيش جابكم هين، وليش تركتوا خيمتكم، جبتوا لنا وجيج راس ماله أول من آخر. نهضت الفتيات بفزع فسألتها نوف: -إيش فيكِ يا أمي وإيش تقولين؟ -أقول فيه بنية بالخارج غالتها اختكم عفراء والحين البنت تطعن بشرفها وتقول شفتها خارجة من غرفة راجل ومبيته حده، أريد افتهم الحين إيش جابكم لهي الغرفة؟
ردت عليها العنود وهي ترتدي خفيها: -كل القصة يا أمي إن عفراء ما تحملت سخونة الجو بالأمس وعرفت إن هالمبنى به مكيف، فجات وطلبت من راعيه إنه يتركه لنا نبيت فيه؛ لأننا ما واخدين على هي المصامط، وهو ترك الغرفة لنا وراح وقال خذوا راحتكم. -ولك الله ياخذكن انتوا وراحتكم بعد.. الحين بسبب حفنة هوا صرتوا عار وتبيتون بغرف الرجال، قولولي إيش أقول لأبوكم وأهل القبيلة الحين؟ نوف:
-لا تقولين، إحنا نقول، هيا يا عنود نشوف مين هي البنية، وإن لزم الأمر نكمل اللي بدأته عفراء. وخرجتا الفتاتين أمام أمهم ليجدوا رجوة جالسة على الأرض ومعزوزه بجوارها تحاول تهدئتها، أما عوالي فتريد الهجوم عليها ولكن مايزه متشبثة بها منعاً للمزيد من الفضائح، وحتى لا يكبر الموضوع ويصل للرجال. ولكن هيهات، فلا أمر يحدث في القبيلة وخاصة بين النساء إلا وعرف به الصغير والكبير.
غادر قياتي المجلس ومعه قصير وآدم ورابح والجميع فور سماعهم بأن رجوة تقاتلت مع ابنة قياتي. قصير: -يا قياتي ما توجع راسك بأشغال النساء واتركها لـ عمتك عوالي هي تحلها. -لا لا، بناتي طرف فيها وأخاف ما تنحل وتزداد سوء، هم يعرفون أعراف القبيلة، بس ما تعاملون بها من قبل وواثق إنهم الحين يشوفون الأمور غريبة واجد.
وصل قصير وقياتي للمكان، ووصل معه أيضاً رابح وسالم، وآدم الذي بمجرد اقترابه ورؤية رجوه بهذا المنظر علم أن كارثة حدثت، فتقدم على الجميع ووصل لرجوة أولاً وبصوته العالي تحدث قبل أن تفتح هي فمها وتحدث المزيد من الفوضى: -انت! إيش تسوين أمام الغرفة؟ أنا مو مشدد إن ما حدا يقترب من غرفتي وخاصة أنتِ يا مهبولة؟ وهنا ردت عليه رجوه وهي غير مصدقة لما قاله: -إي مشدد ما حد يقترب، بس الفوانص الغرب يبيتون بها ويصير شي عادي معك ومقبول.
-رجوه صكري فمك وقومي غادري الحين وما أشوف رجولك تقترب من غرفتي مرة ثانية. نظرت له بعتب، فها هو يكسرها أمام الجميع وهي من خاضت معركة وهي تظن أنه ملكها ويحق لها الدفاع عنه. وهنا أتى صوت قياتي متسائلاً: -أنا أريد أعرف إيش اللي صار بالضبط؟ رد عليه آدم سريعاً:
-ولا شي يا عمي، بالأمس كريمتكم سألتني المبيت بالغرفة لأن بها مكيف، فتركت الغرفة لها ولأخواتها ومشيت على خيمة الشباب قضيت الليل بها، ولأن غرفتي ممنوع حد يقربها أشوف هي المهبولة ماسكتت وقادت بها نار الغيرة. قصير: -بارك الله فيك يا آدم، من يومك نشمي يا وليدي وصاحب مروة. صاحت به رجوه:
-نشمي وصاحب مروة إذا الأمر يتعلق ببنيات غيرك، لكن إذا سويتها أنا وبتت بغرفته يوم أصير أفنص من على الأرض، والفنص اللي بي ما شالته بنيه قبلي.. كثرت مكايبلك اللي تكيل بها يا شيخ. قياتي: -مين هي يا قصير؟ نظر قصير للأرض وأجاب قياتي بخجل حقيقي: -هي فانص القبيلة.. بتي رجوه. تبسم قياتي على صراحة قصير وأردف: -مبين عليك دللتها واااجد يا قصير حتى صاير لسانها هيك طوله! ردت عليه رجوة متهكمة:
-دللني حتى طفح الدلال مني وغرق القبيلة بكاملها. قصير: -والله يا خوي أنا لا دللت ولا أعترف إن البنت تدلل، بس هي بالذات الدلال خرب أخلاقها وخلاها شوفة عينك، والله يسامحه اللي دلل.
قالها ونظر لسالم الذي كان ينظر لرجوة غير مهتم لأي شيء أو لأي كلام يقال سوى بضع قطرات الدماء التي على وجهها، وجرح جبهتها الذي يجاهد كي لا يقترب منها ويضع يده عليه ويسألها إن كان يؤلمها كثيراً أم لا، فمنذ نعومة أظافرها وهو لا يتحمل أن يرى بها خدش أو شوكة تخترق أقدامها الترفة. انتبه لنفسه على ضغطة بكفة يده فنظر ليرى رابح ينبهه بأن الجميع ينظر له في هذه اللحظة، فابتلع ريقه وغادر المكان على الفور.
أما قياتى فرأى عفراء ابنته آتية من بعيد بعد أن ربطت الحصان في مكانه، فنظر لقصير وقال له بجدية: -قصير، أريدك تدعى للمجلس شباب القبيلة وتقول إن بنيات قياتي وصلوا لسن الزواج واللي يريد من أولاد عمومتهم ينهي على بنية منهم يتفضل. والجاهز للزواج يشيل. -يصير خير يا خوي.. خلص أعطني فرصة أخبر القبيلة كلها ووليداتنا اللي بالخارج وقت يصير عند الكل علم ينعقد مجلس رهن بنياتك.
سمعت نوف هذا الكلام وترنحت وهي على وشك فقدان الوعي، أما العنود وعفراء فتسمرتا كتمثالين، فهما يعرفان أن زواجهما لابد وأن يكون من شباب القبيلة، ولكن ليس بهذه الطريقة ولا بهذه السرعة! كان صياح حاضراً وسمع كل هذا، وحين وصل الحديث لرهن بنات قياتي انفجر قلبه من الحسرة، فقياتي يمتلك أضعاف ما يمتلكه قصير، وتجارة السيارات مربحة أكثر من تجارة الأسلحة وأقل خطراً وهذا بجانب الميراث الذي تركه له أبيه منصور.
وهذه صفقة عظيمة خسرها صياح وكل الذي كان سيفعله لكسبها هو رهن إحدى بنات قياتي والزواج منها. عاد للخيمة محمل بخيبة كبيرة، وهو من كان ذاهباً يتشمت، فعاد متحسراً وترك رجوة لم يتفوه معها بكلمة أو يسألها عما حدث وسببه، وترك خولة واقفة على مسافة منها تراقب وتكاد تجن من فرط السعادة ولم يريد أن يقطع عليها متعتها. في الخيمة: -إيش فيه يا صياح، أشوف وجهك ما يتفسر، لتكون عفره أذت رجوه واجد؟
-تأذيها، للجهنم رجوه وأذاها، أنا الحين مو ببالي رجوة ولا زفت، أنا اللي ببالي الملايين الطايرة بالهوا وكان بأمكاني أمد يدي وأكبش بس حظي الشين ما خلاني أتروى. -إيش هالأحاجي يا وليدي، أجلس أجلس وأحكي إيش مناسبة هالكلام؟ -اليوم.. اليوم قياتي ود الشيخ منصور عرض بناته للرهن، بنيات مال وجمال وكل وحدة فيهن أضرب من الثانية، وأني من حظي الحنظل رايح أرهن رجوة الفانص. وهنا ردت عليه خوله التي دخلت الخيمة تواً:
-يا صياح ما تطمع، وهو من كل عقلك قياتي يعطيك إذا طلبت؟ إذا رجوة وبألف دعوة أبوها وافق، ولو ما إنها فانص وعايفها سالم ما كنت تحلم تمسك جدايلها، جاي الحين تتحسر؟ أنت ما تسمع بنيات القبيلة إيش يقولون عنك، والله يقولون صياح أبو رجول طوال، ووقت سباقات الهجين يسألوني ليش ما شاركتوا بأخوكم صياح يا خولة بالسباق يجيبلكم المركز الأول. وتريد الصدق يا خوي أنت رجولك طوال واجد وأقدامك كبار وتحس رجولك بادية من عند صدرك.
-الله يلعنك ويصب غضبه عليك يا مكسرة مجاديفي وحابطه عزيمتي يا بهيمة الوديان. -صكري خشمك يا قليلة الحيا ولا تقولي لأخوك كلامك العلقم مرة ثانية وإلا بربي أقص لسانك.. وربي إن عيني ما تشوف أحلى ولا أجمل من صوييح حبيب عين أمي. -أي ومن يشهد له غيرك يعني؟ صالحة: -خوله روحي يم البنات وشوفي إيش يسوون وساعديهم، روحي حركي حالك وخلي العين تشوفك معدلة وتشتغلين مثل البنات.
-زين رايحة.. بس قبل بمشي للشيخة عوالي أجيب من عندها كحل وحُمرة. صاح بها صياح بغضب: -ولك الله ياخذك أخذ عزيز مقتدر، الشيخ يموت وأنت تريدين من أخته تعطيك حمرة وكحل! عرس بوك هو؟ -كنت أتركها ليش تنبهها، لجل كانت الشيخة عوالي كوتها بالنار فخشمها اللي تريد تحط فيه حُمرة وخلت حمرته رباني. حكت خولة في رأسها وقد تداركت أنه بالفعل ليس الوقت المناسب، وغادرت الخيمة تفعل مثلما قالت لها أمها، وتكمل تشمتها في رجوة فهي لم تكتفِ بعد.
مر اليوم وبنات قياتي كانوا في محزنة حقيقية، وبدا الأمر وكأنهم أتوا للقبيلة لقضاء لم يتوقعوا حدوثه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!