غادرت العنود الخيمة باحثة عن رسالتها التي تطوف بين الخيام، وهي التي كانت تبحث عنها في المدينة في وسط الزحام وتظن أنها ستجدها هناك، حيث الضجيج وتحجر المشاعر وتغير العادات والتقاليد، وممارسة البشر لألاعيب البقاء، أما هنا أرض الفطرة والنقاء فوجود حالة كحالة رجوه لم تتخيله أبداً.
وجدتها جالسة بجوار الموقد تعد الأعشاب لأختها، اقتربت منها فوجدتها سابحة في تأمل ألسنة اللهب وهي تتمايل أمامها يميناً ويساراً، ومن الواضح من ملامحها أنها ليست على استعداد لأي حديث الآن، ولكن العنود وضعت كفها على كتف رجوه بهدوء متجاهلة حالتها وردة فعلها، ولم تراها في هذه اللحظة إلا فرصتها الذهبية ولن تضيعها بأي ثمن. التفتت رجوه وقطبت حاجبيها باستهجان حين وجدتها العنود! وسألتها بحده وهي تزيح يدها من فوق كتفها:
-إيش تريدين مني، إيش جابك هين، ردي، ردي لهلك ولخيمتك. -رجوه اسمعيني زين، أنا ماني عدوتك ولا بيني وبينك شين، أنا صديقة وجيتلك مدالك يدي، اعطيني فرصة وصدقيني ماراح تندمي. -إيد ايش ورجل ايش اللي تمدينها علي؟ ديري بالك تفكري ترفسي متل اختك، والله أحط راسك تحت القوري وأولع فيك وما يطفونك إلا بالرمال. واغوربي عن وجهي الحين أنا ما طايقه الملابس اللي علي، وأريد أشقهم وأقول وااااك بآخذك ذريعة وأتحجج بيك.
-يابنت الحلال هدي حالك شوي، أنا أريد أحكي معك كلمتين وإذا ما عجبوك سوي اللي تريديه، أنا صديقة يارجوه مو عدوة.. أنا أريد أخدمك وبالمقابل أريد منك معروف. -معروف ايش ومطشوش ايش.. أي أي الحين فهمت عليكِ.. أعرف رجوه ما يقرب لها إلا العدو، رجوه ما بحياتها غير الكارهين، وإذا كنت راسمًة على شي ملكي أحذرك من الحين، إلا هو يابت قياتي، إلا اللي شفت الويل لجل أطوله ويبقى لي. -هو من يارجوه تقصدينه؟ تقصدين آدم؟ -اسمه عقاب.
-مو مهم الأسماء، المهم الحين أني ما أفكر باللي ببالك ولا خطر لي، أنا يارجوه عشرة طالبين رهني وعقابك مو منهم، واللي يفصلني عن الارتباط إني أوازي بينهم وأشوف الأنسب وبس أقول تم تصير خطبتي، غير هيك أوهام بعقلك.. أنا جيت أريد أسمع منك وتفتحيلي قلبك ونصير خية وأختها، ولا ما تريديني اخت لك؟
-لا ما أريد خوة ولا أريد حد بحياتي، روحي وازي وانخطبي وبعدها نحكي كيف ما تريدين، أما الحين ما عندي أي حكي، ومن رخصتك لعشاب فارت وأريد أمشي بيها لخيتي.. خيتي اللي ما لي غيرها ولا راح يكون لي، ومو كل وحدة تجي تقول أنا أختك تصير أختي وأفتح لها قلبي. غادرت رجوه ووقفت العنود تتأملها بعيون تلمع، عنيدة هي وثائرة وصعبة المراس، وهذا بالضبط ما تريده، فالأشياء السهلة لا تستهويها أبداً وكم تعشق التحديات.
دَلفت رجوه لخيمة أختها وأعطتها الأعشاب وجلست بجوارها مهمومة، ولما سألتها معزوزه عما عكر صفوها أخبرتها بما سمعته وفتت نابضها، فصمتت معزوزه وأخذت تشرب الأعشاب بهدوء، فقد سئمت من أحوال أختها وحظها العاثر، فهي الوحيدة دوناً عن فتيات القبيلة التي تواجه كل تلك الصعوبات.
جلست رجوه قليلاً بجوار معزوزه إلى أن أنهت شرابها، ثم أخذت الكوب الفارغ وخرجت به من الخيمة وأخذت تطوف حول الخيام بغير هدى.. كتائهة لا تعلم وجهتها ولا يعرف قلبها لأي بيت ينتمي. جلست على مسافة من الخيام وأخذت تتأمل السماء وصفائها والطيور التي تحوم فيها، وتمنت لو أنها طير يحلق في الفضاء بحرية ولا يستطيع أحد الإمساك به أو تقييده بعادات أو تقاليد. تبسمت حالمة وإذ بها تعود من عالم الأحلام على صوت بغيض يقول:
-أقول ليش الحلو جالس لحاله مساك الله بالخير يا وجه الخير. كان صياح، وظنت أنه أتى بمفرده متطفلاً، فردت عليه: -الله لا يمسيك.. ولما أدارت رأسها وجدته هو وأبوها وعمها قياتي معهم أكملت سريعاً.. إلا بالخير. تحدث أبوها إليها متسائلاً: -إيش تسوين هين وإيش مبعدك عن الخيام؟ -شردت وما عرفت أرد. زفر بضيق فتبسم قياتي وهو يهدئه: -والله يا قصير بنيتك خفيفة الظل واجد وتنحب، وأنا أقول صياح ليش طاح على بوزه. فردت عليه رجوه:
-طيحة بلا قومة إن شاء الله. نظر إليها صياح وهو يجز على أنيابه فأمسكت بيدها حجراً دون أن يراها أبوها وكأنها تهدده إن تكلم سيلقي حتفه، فتنهد ونظر لقياتي وأردف: -أقول يا عمي أنا واقف على بابك طالب منك شي وأتمنى ما تردني خايب. -تمون على الرقبة إذا الطلب باليد ما تلاقي إلا الجود. -أنا أريد أرهن بتك عفرا ياعمي، أدري ما حد جا صوبها والكل يخاف منها، بس أنا ما أخاف. -الله يطيح حظك ياصياح.. ترهن على بتي؟
-مثني وثلاث ورباع ياعمي وهاد شرع الله. -أي بس تزوج بتي وبعدها شوف روحك إذا بتقدر على مثني وثلاث ورباع، مو تثني وتثلث بالرهن؟ وهنا ثارت رجوه وكأنها تغرق، أحدهم رمى لها طوق النجاة: -والله يا زين ما اخترت ياصوييح، عفرا بت عمك والنعم منها، بس أنا أعتذر من الكل ماراح أتزوج على ضرة، أنا عالبر ما تزوجت وإذا حابب ترهن حل رهنك علي. أنهت كلماتها ليرد عليها قصير: -إنت تسكرين فمك وحرف ما تنطقين. وهنا رد قياتي:
-ليش ياقصير ليش، هاد زواج وإذا البنية ما تريده ما يجوز تجبرها، حقها تعترض.. هو حل نهوته عليها يروح يشوف حاله وهي تتزوج اللي يعبي عيونها. -قياتي اسكت إنت ما تفهم شي، هي ما تعبي عيونها رمال الصحاري كلها.. هي فانص والفوانص ماليهم حقوق. وهنا هدرت به رجوه: -لا يابوي.. أنا بس اللي دون عن كل البشر المالي حقوق، سقطت كل حقوقي وقت ربي أراد أني أكون بتك وبت مكاسب وحرموني الحِن ورموني متل كلب أجرب يشحذ الحنان.
تحدث صياح غير آبه بها: -هااا ياعمي إيش قولت بشرني. رد عليه قياتي بعد أن نظر لعينا رجوه: -أقول ياصياح أنا بنيتي ما تقبل تنرهن فوق رهن بنيه غيرها، ومو لجل أنها ما انرهنت راح ترضى بحيالله شخص، عفراء ما ترضى إلا باللي يدخل راسها ويعبي عيونها.
-وأنا مو قليل ياعمي، اعرض عليها الأمر وشاورلها علي وهي بتوافق أنا واثق.. وإذا نهوتي على رجوه سبب.. أنا الحين ياعمي قصير أريد أفك نهوتي على بتك، أنا ما أتزوج اللي تدجني بالأحجار.. أنا ما عايز بتك أنا بأخذ بت عمي قياتي العفرا. رد عليه قصير: -لا مافي فك رهن وبتتزوجها من ورا خشمك ياصياح. -وأنا ما عايز بتك ياعمي خلاص أنا خذت العفرا. -الله ياخذك أخذ عزيز مقتدر، ليش نهيت إذا ما رايد.
-لقيت الأفضل، والحق أقول، بتك مافي حد يريد يتزوجها بس أنا حبيت أسوي معك جميل وأخدمك، وأدري تصون الجميل وتكافئ أصحابه. -ولد ياصياح إنت ماتخجل أو تستحي؟ إيش هاد اللي تقوله لشيخك، إيش الخرابيط اللي تطلع من فمك؟ -أنا أقول الحق ياعم قياتي، أنا رجوه مارايدها والشغلة مو بالغصب. ليرد عليه قصير بغضب:
-وإنت من غصبك ولا جبرك يا كلب البوادي يا فار الجحور، الله بسماه من اليوم مالك عندي رهينة وتحلم تدخل بتي خيمتك عروس، أغرب عن وجهي يا غراب البين. -لا مارايح مكان، أنا واقف مع عمي قياتي لحين آخذ موافقته. -أوافق على ايش ياصياح؟ -أني آخذ بتك عفرا. -والله ياصياح اعذرني عفرا ماراح أرهنها الحين، وهي بعد ما تريد أي ارتباطات، تقول بس أخلص دراسة ارتبط. -متى تريد يعني؟ -والله بس تنهي دراستها.
-بس إنت عرضتها للرهن مع خواتها ولا ما كنت متذكر وقتها إنها تدرس والحين انتبهت! -يا صياح أشوف إنك سليط اللسان وما تحترم الكبير وهاد عيب، ولا ما حد علمك العيب إنت؟ وهنا ردت عليه رجوه: -ياعم قياتي هو ما حد علمه أي شي، وهاد لا تخاف على زعله، دجها بنص وجهه وقوله أنا ما أعطيك، قوله بتي غالية وما ينبح اللي يأخذها من بين كل الناس.
-وليش صياح ما يأخذها، وإيش تشوف صياح إنت، والله اللي أعرفه إننا كلنا من فخذ واحد ومافي حد أعلى من حد يا بت عمي. -إي فخذ واحد بس فيه قطعة لحم من الفخذ تطيح عالأرض وتشرب من الرمال، وقتها ما تنحط بجوار باقي اللحم، صح هي مازالت من الفخذ بس ما عادت تساويه ولا تصلح للأكل إلا بعد نظافة ومجهود كبير، وما يقربها غير المالاقي. -كلامك يهد الجبال يارجوه راعى إني وليد عمك مهما جرى. والحين يا عم قياتي أريد كلمة تعطيني لو لا؟
-آسف ياصياح بتي ما توالمك. -زين أنا رجعت نهوتي على رجوه ياعم قصير. وهنا هجم عليه قصير بعصاه، وقامت رجوه وهي تلتقط حجراً كبيراً، فهرول صياح من أمامهم ولحقته رجوه، وهذه هي المرة الأولى التي لم يعترض أبوها على همجيتها ووقف يشجعها قائلاً: -بنص راسه دجيه بالحجر يارجوه وسيحي دمه ماترحميه. -غريب هالولد والله! -هاد طامع، يلهث ورا القروش، واللي ما يشوف غير القروش ينسى حتى الأصول والأخلاق.
-لكن كيف كنت راهن بتك له ياقصير وانت تدري هاد طبعه؟ تنهد قصير وهو يرد عليه: -هييه وإيش أقول ياقياتي، هي البنت حانية ظهري وواجع قلبي، كانت مالكة الكون وقت كان راهنها سالم، كان يراعيها بمي عينه بس هي تبطرت عليه وقلبها رف للغريب اللي مو من مجاويزنا. -عقاب تقصد؟ بس إنت تحب عقاب والشيخ منصور رحمة الله عليه ما كان يحب حد مثله، أقول ليش ما... وقبل أن يكمل قاطعه قصير بإشارة من يده وهدرة قوية:
-إذا تميتها ما أقول إلا عليه العوض فيك.. يعني إنت جاي وجايب بناتك لجل لا يختلط دمنا بالغريب وتريدني أسويها أنا؟ أهون علي أطمها تحت الرمال ولا أسويها وأكون الشيخ اللي خالف الأعراف وطغى على العادات. -هدي حالك ياقصير الكلام أخذ وعطا وأنا بس كنت أريد ألقى لك حل، تريد الصدق أنا البنية مأثرة بي، لأني أعرف العشق مو باليد ياخوي.
-قياتي أقول إنت لزوم تترك القبيلة وترد ليبيا بأقرب وقت، إنت خطر على القبيلة وصرت عار يمشي على رجول، هيا اغرب عن وجهي الحضر قلب موازين مخك وسواك مايع وتحكي بالعشق والشويق! ضحك قياتي ووقف ينظر لقصير الذي تحرك مبتعداً عنه، ثم عاد لخيمته يجلس مع زوجته قليلاً قبل أن يرتب لسفره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!