الفصل 24 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
20
كلمة
2,668
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

دخلت مديحة الغرفة وأغلقت الباب خلفها. كانت تعلم أنها تموت، علمت بأمر السم من أول رشفة ولكنها أكملت. فهي لم تجد في الدنيا ما تحاول البقاء من أجله. اكتشفت أن عالمها كله يدور حول شريف، والآن مع خسارتها له خسرت كل شيء. لم تعد الأموال ولا الأملاك تعنيها. ففي اللحظة التي رأته يتأبط غيرها وفي أحشائها قطعة منه، في اللحظة التي انتظرت منه التفاتة ولم تحصل عليها، تأكدت أن عالمها كله انهار ولم يبق منه سوى ركام.

فذهبت لخزانتها وأخرجت صندوقها الأزرق المخملي وفتحته وأخرجت منه أجمل ما عاشته مع شريف ووثقته بالصور. افترشتهم على تختها وبدأت تتأملهم واحدة واحدة وهي تبتسم. وأمسكت الأحب لقلبها من بينهم وقربتها من فمها وقبلتها مرة بعد مرة حتى ابتلت الصورة بالدموع. واستلقت في النهاية فوقهم واحتضنت منهم ما طالته يدها وهي تشعر بأن شيئاً بدأ يعتصر قلبها ويكتم أنفاسها، فعلمت أنها النهاية. فأغمضت عينيها بإستسلام للموت لم يسبق له مثيل.

أما فريال فكانت تواجه موتاً من نوع آخر. كانت تختنق وهي ترى ابنتها تصارع الموت. تحاول الصراخ ولكن صوتها حُبس داخل أحبالها الصوتية ولم يجد سبيلاً للتحرر. ضمتها إلى صدرها وأخذت الصغيرة تدفع الهواء بقدميها وهي تحاول التمسك بالحياة. وفي النهاية سكنت حركتها وتراخت أطرافها. وهنا تحررت صرخة فريال. وقبل أن تنتهي كانت فاطمة أختها تقف فوق رأسها شاهرة إبرة كبيرة ذات رأس طويل لم يحدث أن رأت فريال مثله من قبل. بداخله سائل أصفر

وقامت بغرزها بكامل قوتها في قلب الصغيرة ودفعت ما بداخلها مرة واحدة. ثم اخذت بعدها تنعش كارمن لفترة من الوقت إلى أن شهقت كارمن وبدأت الرغاوى الصفراء تخرج من فمها وأنها. وهنا كفت فاطمة عن الضغط على قلبها وقامت بقلبها على بطنها ووضعت إصبعها داخل فمها وأجبرتها على التقيؤ. ثم بدأت في تركيب كانيولا في يدها لتعطيها المحلول الملحي المضاف إليه باقي الترياق.

ونجت كارمن من براثن الموت، ولكن فريال هي من أخذت مكانها. فقد بدأت تختنق هي الأخرى، وقلبها أوشك على التوقف لولا تدخل أختها في الوقت المناسب وإعطائها الدواء المناسب. وخرج الموت من القصر بروح مديحة فقط. ونجت كارمن وأمها منه.

أما عند آدم وأمه. اليوم تلقيا المكالمة التي ردت بهما الروح، والتي كان مفادها أن محمود قد استيقظ من ثباته واستفاق من غيبوبته. وأخيراً عاد الضوء لعينيه وأبصر العالم. وكأن مديحة بموتها أفسحت له مجالاً للحياة. بكت عايدة كثيراً، وحمدت الله كثيراً وحاولت السجود رغم كل ما فيها. فلم تستطع السجود إلا بعينيها. ولكن قلبها سجد لله آلاف السجدات. أما آدم ففرحته بعودة أبيه للحياة ورجوع العافية إليه كانت تعادل العالم.

وخاصة حين تحدث معهم محمود في الهاتف وأخبرهم بأنه بخير الآن. وكان البكاء سيد الموقف. وأخبرهم الشيخ منصور بأن محمود قد تحددت له عملية جراحية بعد شهر، بعد أن يطيب كلياً من كسوره وجروحه ويصبح جسده قادر على تحمل المزيد من الألم. فقررت عايدة اللحاق به فور أن تستطيع المشي لتكون بجانبه. وآدم أيضاً قرر الذهاب معها وعدم تركهم يغيبان عن عينيه مرة أخرى.

أما بخصوص محمود وعايدة من الناحية القانونية فقد أبلغ يحيي الشرطة عن غيابهم وفقدانهم في نفس اليوم الذي دفن فيه أخته مديحة. والتي حين علم ما فعلته بابنته لم يذرف عليها دمعة واحدة ولم يشعر تجاهها بذرة ندم أو شفقة. بل أخبر زوجته بأنها لو لم تفعل هي ذلك وسممتها لفعله هو بنفسه وسممها بيده نظير ما فعلته بابنته.

أما فاطمة فكانت جالسة تراقب الأوضاع وترى الساحة تخلوا من اللاعبين واحداً تلو الآخر. وتنتظر اللحظة المناسبة لنزول الساحة وإقصاء من تبقى.

نظرت لأولادها "كاظم، وقاسم، وحياة". وهم يلعبون. ورأت الاختلاف بينهم وبين أولاد أختها فريال. فقد كانوا أولاد أختها مثالاً للطبقة المخملية في كل شيء. مظهرهم وتصرفاتهم وحتى طريقة حديثهم. وأولادها كانوا متأثرين بالبيئة الريفية التي تربوا فيها والتي كانت تحاول جاهدة ألا تتركهم ينخرطون فيها. ولكن بحكم عملها وساعات الغياب، وبحكم أنهم محاطون بعائلة أبيهم المتخلفة من وجهة نظرها لم تستطع.

فقررت أن تقتلعهم من وسط هذه البيئة وتنقذ ما تبقى منهم وتحولهم للشاكلة التي طالما تمنت أن يكونوا عليها. ولم يكن هذا ليحدث لو بقيت هناك في البلدة. أما في البادية. محراب: ياعمي قصير مارديت علي بخبر ولا قلتلي ويش رأيك؟ وافقت على مطلبي ولا ما وافقت؟

قصير: والله يامحراب مانعرف ويش نقولك. انت صح رهنت معزوزة مني بس رابح بنفس الوقت رهنها من الشيخ منصور. وأنا عطيتك كلمة وهو عطى كلمة وما نعرف كلمة من فينا تنزل الأرض. وتوا الشيخ منصور قال الأمر أصبح بيد معزوزة وهي تختار بين ولاد عمها واللي ترتاح له وتقول ودي هذي تصير من نصيبه. محراب: ويش هذي ياعمي ومن متى البنات ليها شور وقول؟ صرنا حضر احنا ولا إيش؟

أنا اللي أعرفها إن الراي والكلمة بيد الرجال واللي ينقال بمجالس الرجال يكون سيف على رقاب الحريم. قصير: لو رهنتها وما في حدا سبقك لها كنت عطيتك من غير الرجوع لأي حدا، لكن هيك الأمور صارت. ووجعت روسنا. بسببك أنا أول مرة نصبي اقبال عمي وشيخي. محراب: يعني اللي نفهمها توا إن ماعاد لك كلمة بالموضوع ياعمي؟ قصير: والله ياوليدي خرجت كل الأمور من يدي وصارت بيد الشيخ منصور. محراب: أي بس أنت تقدر تميل الدفة صوبي صح ولا لا؟

قصير: يصير خير يامحراب، بس يعاود الشيخ وكل شي يصير سهل. وعند رجوة وسالم ورابح: رجوة: ياسالم ودي نطلب منك شي بس نخاف تخجلني. وتردني خايبة. سالم: ومن متى أنا نخجلك وقت تطلبي أو أناخر عنك شي يا رجوتي؟ رجوة: طيب أنا ودي تاخذني معك المرة الجاية للحضر بس تروح لآدم وأمه. انريد أنشوف الشوارع والناس وودي أشتري واجد حاجات. أنا معاي قروش محوشتهن. وانريد نصرفهن كلهن.

سالم: أول شي أبشري هناخذك معاي من عيوني. وتاني شي ليش تشتري من قروشك؟ عزيت عنك شي أنا ولا منعت عنك شي طابت عليه نفسك بيوم؟ رجوة: لا والله ويشهد ربي إنك أحلى سالم بكل الدنيا وأطيب حد بالقبايل كلها. بس أنا انريد نجيب شي لأختي معزوزة ويكون من قروشي. ودي أفرحها بشي من عندي كيف ماهي دوم تفرحني. سالم: وباقي أخواتك يا رجوة؟

رجوة: جاهن خوت يخوتهن مانجيب لحد شي. أنا أختي بس معزوزة والباقيين مالي علاقة فيهن. البنات بعيدات عني وما يحبوني وهلال أنت تعرف اللي بينا كيف اللي بين الحرامي وصاحب الديار المسروقة وشايف سريقته مع الحرامي وما قادر يتكلم. سالم: خلي بقلبك حِن يا رجوة علي خواتك هم مالهم ذنب. رجوة: أي وأنا مالي ذنب. وياسالم إذا ما قفلت ع هالحكي أنا هنمشي ولا انريد أنعدي للحضر ولا نشتري شي ولا نجلس معاك من الأصل. وهاه يلا سلام.

سالم: ارجي هنا يا مهبولة وين رايحة؟ أنا بس نحكي معاك لا تتعفرتي ولا تتركيني وتمشي مهما جرا فهمتي ولا لا. ولو اتكررت الفعله راح تشوفي من سالم وجه تاني ماتحبيه يا رجوة سمعتي؟ رجوة: والله سالم ما عنده وجه تاني ولا تالت. سالم ما عنده غير وجهه السمح هاد اللي بعمره ما يقسى ولا يعرف الجفا. فلا تمثل القسوة ياسلومتي. هي نطقت "سلومتي" وانهارت حصون سالم. ونظر إليها بوله وأومأ لها وهو يتبسم. فضربه رابح بالعصا التي

بيده على رأسه وهو يقول: أي قالت سلومتي وانتهي كل شي. اقفل ضبك. ضيعت الهيبة. وجع بطنك. رجوة: جاك ضربة تفلقك يا غضيب. لا تضرب سلومتي. وإلا وربي اندقلك راس معزوزة وتصير راس براس. إلا سلومتي ما حدا يزعله ولا يمد يده عليه. رابح: ماتعصبي يا نبض سلومتك وروحه. الكل فدا نظرة عالعيون. هلال: الله ياخذك وياخذ سلومتك. والله لنقول لبوكي أنك تتسهوكي وتتمايصي ياسايبة وتحكي سلومتي وسلومتي.

سمعت رجوة ما تفوه به هلال. ونظرت إليه نظرة أسد مفترس. وتحركت نحوه ببطء. فهب سالم يمسكها قبل أن تصل إليه. ولكنها كانت كالسهم الذي انطلق. فقفزت على هلال وأبرحته ضرباً. ومهما حاولا رابح وسالم أن يخلصاه منها لم يستطيعا إلا عندما تركته هي بكامل إرادتها. وقالت له

وهي تتطلع عليه وهو يبكي: أي إبكي كيف البنات يا ابن أمك يا ولد مكاسب. والله والله إذا بيوم عملت شي وقلت عليه لأمك أو لبوك لننتفك نتف. ونجرجرك على شوك الوادي. وقتها مارح يحلك مني لابوك ولا أمك ولا القبيلة كلها. أخذ رابح هلال وابتعد. بعد أن نظر إلى سالم وقال له: وربي راح تاخذ مكلوبة. وراح نصحى بيوم نلاقيها أكلة لحمك وقرقة عظمتك. ووقتها لا عزاء عليك ولا زعل. لأنك أنت اللي جبته لروحك.

وحين ابتعد رابح بهلال، أخذ يفهمه بأن رجوة أصبحت في حكم زوجة سالم وهو المسؤول عنها. ولا دخل لأبيها أو لأي شخص آخر بينهم. وطلب منه ألا يخبر رجوة بذلك. وليتأكد من أبيه إن أراد. ولا يتعرض لرجوة مرة أخرى. وإلا سيلاقي نفس المصير في كل مرة إن لم يتجنبها. ومنها لم يعاود هلال الاحتكاك برجوة أو محاولة الاعتراض على شيء تفعله. فقد أخبرته بطريقتها ما الذي تستطيع فعله به.

مرت الأيام. واستطاعت عايدة أن تتحرك بمفردها. كل هذا وآدم نصب عينيها لا يغيب إلا قليلاً ويعود لها سريعاً يقوده شوقه. فتأخذه بين أحضانها وينهل مما حُرم منه سنوات حتى يرتوي. وهي أيضاً تشبع من قربه حتى ترتوي صحراء روحها التي تشققت عطشاً لسنوات عديدة. وها هي عادت تنبت من جديد مع عودته لها.

قررت السفر لمحمود. وأنهى لها قصير كافة الأوراق المطلوبة. أما بخصوص البلاغ الذي قدمه يحيي عن اختفاء أخيه وزوجته. فتم البحث والتحقيق فيه. واعتبر محمود وعايدة من المفقودين. وسيتم إعلانهم أموات بعد المدة التي تحددها المحكمة. نظراً لأنهم اعتبروا مفقودين في ظروف غامضة.

ورفض الجميع رفضاً تاماً سفر آدم مع أمه. فلم يأمن منصور انتقاله وسفره وبقاءه في إيران بمفرده دون حماية قصير. فحتى لو كان عقاب الآن، فهو عقاب صغير ولم يكتمل نموه ليحلق مجتازاً للبلدان وحيداً دون أن يكون وسط سرب يحميه.

وبعد وصول عايدة لإيران وإطمئنان آدم عليها وإطمئنانهم الاثنين على محمود. تحدد موعد العملية. وقبلها قام آدم بمهاتفة أمه وأخبرها بأن هناك جهاز طرح منذ فترة في الأسواق اسمه الهاتف المحمول. طلب منها شراء واحد وشريحة. وهو سيفعل بالمثل ويشتري واحداً. وبهذا سيسهل التواصل بينهم في أي وقت. وفور أن أخبر عايدة بذلك أرسلت في طلب الهاتف على الفور. وأخذت ثمنه من الشيخ منصور. وطلبت منه إحصاء جميع ما صرفه لترده له فور عودتهم للقاهرة. وهو قال لها إن هذا بينه وبين محمود ولا دخل لها به.

وتمت العملية أخيراً. وكان آدم مع أمه لحظة بلحظة على الهاتف. وسأل منصور الأطباء عن العملية. وقالوا له أن العملية ليست كل شيء. وهناك علاج فيزيائي لا يعلمون مدته. ولكن نجاح العملية لن تنجح من دونه. ومنها تقرر بقائهم في إيران. وعودة منصور للبادية. وترك عايدة مع محمود لحين إكمال علاجه. وبقي الوضع كما هو عليه لحين عودة محمود سليم معافى. وحتى يتم آدم جميع علومه ويعود معهم ليحيي. وتبدأ المواجهة ويبدأ استرداد الحقوق.

وبعد مرور ثلاثة أعوام. عايدة بفرحة: خلاص يا آدم، خلاص يا حبيبي راجعين أنا وأبوك. خلاص هرجع آخدك فحضني تاني. إختطف محمود الهاتف منها وأردف بصوت باكي: لا مش هسيبه لحد غيري. أنتِ حضنتيه وشبعتي منه. أنا محضنتهوش ولا شميت ريحته زيك. أنا اللي هاخدك في حضني يا آدم ومش هسيبك مرة ثانية. أنا راجع يا آدم، راجعين يا ابني وهنتجمع مرة ثانية.

وهنا انتفض قلب آدم ودقت بداخله طبول الفرح. فها قد حانت اللحظة التي طالما انتظرها. وهذا هو الخبر الثاني المفرح في هذا العام بعد دخوله كلية التكنولوجيا والحاسبات. التخصص الذي كان يحلم به وهو الشيء البارع به أيضاً. وانتقل آدم في الفترة الأخيرة من البادية للحضر. وأقام هناك بالقرب من جامعته. وأصبحت عودته للبادية في الإجازات وعطل نهاية الأسبوع. وفي هذه الفترة تغيرت أشياء عديدة. فلا عادت الأطفال أطفالاً، ولا عادت القلوب على ما شبت عليه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...