الفصل 23 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
20
كلمة
4,662
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

خرجت فريال من غرفتها على صوت نحيب مديحة. فتحت الباب عليها واطلت برأسها لتتقصى ماذا هناك. فاستدارت مديحة نحوها بعيون تزرف دمعاً وبكل قهر قالت لها: -الحريق اللي جوايا دا محدش ولع فتيله غيرك يافريال. كان هيحصل إيه لو كنتي سبتيني مع الإنسان اللي بحبه زي ما انتي قاعدة وسط أولادك وفحضن جوزك. ليه تحبي الدمار يعم عالدنيا من حواليكي وانتي بس اللي تكوني سالمة ومفيش حاجة طايلاكي، ليه تحبي تعيشي لوحدك؟

شريف اتجوز يافريال. عارفة يعني إيه الإنسان الوحيد اللي حبيته واتمنيت أكمل عمري معاه يتجوز ويتبخر أملي في إني أجمع بيه في يوم من الأيام وانتي السبب؟

-لا غلطانة يامديحة، اوعي ترمي السبب عليا وعلى أي حاجة في الدنيا غير على نفسك. افتكري إنه كان واقف وسط اخواتك يدافع عنك زي الأسد الكاسر وكان هياخدك ويبعد بيكي وكان شريكي وبايع الدنيا كلها، بس انتي اللي اتخليتي عنه وكسرتيه قدام الكل. انتي اللي دوستي عليه وعلى كرامته عشان الفلوس، انتي اللي اتخليتي عنه ومحاولتيش حتى تبينيله إنك مغلوبة على أمرك وانتي بتتخلى عنه. دا طمعك ودا اختيارك وانتي اللي لازم تدفعي التمن مش حد تاني، والوجع اللي في قلبك دا انتي السبب فيه.

-بس الموضوع مكنش هيتعرف لولاكي، كان زماني أنا وشريف لسه مع بعض لولا مكرك ولؤمك. -صدقيني مفيش حاجة بتفضل في السر فترة طويلة. أي حاجة لازم بيجي عليها وقت وتتكشف.

نظرت إليها مديحة وأطالت النظر وهي صامتة تماماً، فازدردت فريال لعابها بخوف، فهي أكيدة بأن مديحة تفاضل في مخيلتها الآن بين عدة طرق للانتقام منها وستختار منهم الأقوى. فغادرت الغرفة وهي تدعو أن تصل أختها بالسم سريعاً قبل أن تبدأ مديحة في تنفيذ انتقامها. وأول احتياط أخذته فريال كان بخصوص الأولاد، فجمعتهم وحذرتهم من أن يأكلوا أي شيء من يد عمتهم، وأن لا يقربوا طعاماً أو شراباً إلا وتحضره لهم هي بنفسها، وأن من يخالف تعاليمها سيتعرض لعقاب لم ير له مثيل من قبل.

فسمع الأولاد وتعهدوا بالطاعة وغادروا على غرفتهم. وخرجت فريال أحضرت لهم الكثير من الحلوى غير التي بالمنزل، ووضعتهم في خزانتها وأغلقتها عليهم بالقفل، وقالت للأولاد من يحتاج شيئاً يأتي لها ويخبرها ولا يقربوا الحلويات التي بالمنزل نهائياً.

أما مديحة ففكرت كيف تقهر فريال بقدر ما يشعر به قلبها من قهر، ولم تجد أشد قهراً لها من التخلص من روحها التي تمشي على قدمين، "كارمن" صغيرتها وغالية قلبها، فقررت أنها ستكون الانتقام من فريال.

لملمت شتات قلبها ونهضت وارتدت أفضل ما عندها. وضعت مساحيق التجميل ونظرت لنفسها في المرآة، فوجدت صورتها باهتة وعيونها ذابلة، ولكنها راهنت نفسها على ما كانت عيونه تخبرانها به في كل مرة ينظران إليها فيها "أنها أجمل امرأة في الكون" وأن نساء العالم اختصرت فيها. ثم غادرت المنزل ذاهبة إليه لتتأكد بنفسها مما سمعته، وتمنت في كل خطوة أن يكون كابوساً وتفيق من نومها تجد الحقيقة غير ذلك.

وصلت لمقر عمله القديم. دلفت إلى الداخل تسأل عنه وهي عازمة على ألا تغادر إلا وهي تعرف طريقه. سألت وسألت حتى وجدت من دلها على مكان عمله الجديد ومسكنه الجديد أيضاً. غادرت وذهبت مباشرة إليه في مقر عمله فلا زالت ساعات العمل الرسمية لم تنقض.

وقفت أمام المبنى وهي بالكاد تستطيع الوقوف على قدميها، فرؤيته بعد كل هذا الوقت ليس بالأمر الهين عليها. وقفت لبرهة تلوم نفسها فيبدو أنها هي المقصرة بالفعل، فهي حين عزمت على معرفة مكانه استطاعت ذلك، وكأن رغبتها السابقة في العثور عليه لم تكن حقيقية بالقدر الكافي مثل الآن. أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته واستجمعت ضعفها فلا قوة لديها لتجمعها، وذهبت إليه.

وقفت ووضعت يدها على قلبها الذي صرخ منادياً عليه بمجرد أن رأته يجلس وراء مكتبه منكباً على دفاتره غير منتبه. فهمست لنفسها وهي تراه: -آآآه يا شريف آآآه يا وجع القلب، يا ضعفي اللي محستش بيه غير وأنا معاك.

تقدمت نحوه فانتبه هو وجميع من في المكتب على صوت كعب حذائها. ورفع رأسه وأغمض عينيه فور أن رآها، وكأنه لم يحتمل رؤيتها. ثم ترك القلم من يده وأخذ يمسد على عظمة أنفه، وكانت هذه حركته المعتادة لدفع التوتر الذي يصيبه فجأة. ثم فتح عينيه حين اقتربت منه وهمست له: -ازيك يا شريف. -الحمد لله بخير، نعم يا مديحة جاية ليه؟ كان يتحدث وهو يهرب بعينيه في كل مكان وكأنهما لا يريدان الالتقاء بها. فهمست له مرة أخرى: -بص لي يا شريف.

رفض أن يطيعها وظل على نفس هروبه وقال لها: -لو سمحتي اتفضلي امشي، هنا مكان شغل. وكمان مراتي بتشتغل معايا في نفس الشركة ومينفعش تشوفك هتسببي لي مشاكل كده، وأنا مقدرش أجرح شعورها. كانت كلماته كالسهام التي انطلقت تباعاً وجميعها استقرت في قلب مديحة، وخاصة كلمة زوجتي. تباً إنه ينعت أخرى بزوجتي، يخاف على شعورها، ينهرها من أجلها، كيف يحدث هذا؟ لم تتحمل أكثر فنطقت بصوت مختنق:

-هستناك بره يا شريف، عايزة أتكلم معاك، ضروري أتكلم معاك. -امشي يا مديحة لو سمحتي مفيش كلام بينا. غادرت على الفور بعد أن ردت عليه بكلمة واحدة: -هستناك. تركت المكتب وهو انحنى بتعب يدفن رأسه بين ذراعيه، فهو كان يجاهد في معركة لا يعرف حجمها غيره وهو يحاول قدر استطاعته أن يتجنب النظر إليها، خاصة وهو يشم رائحتها التي جعلت الحنين يدق روحه.

انتظرت مديحة أمام الشركة كثيراً، انتظرت ما يقارب الساعة، كانت تزرع المكان ذهاباً وإياباً. كانت تنظر إلى بوابة الشركة كل ثانية وهي تتوقع خروجه لها في أي لحظة، فهي لم تناديه قبل إلا وأجاب، لم تحتاجه إلا ولبى جميع احتياجاتها.

تفحصت جميع الخارجين حتى خرج الجميع تقريباً، ظنت أنه انتظر للنهاية حتى يتسنى له مقابلتها. ولكنها صُدمت وهي تراه يخرج عليها من البوابة وهناك من تتأبط ذراعه، يمازحها وتضحك له وهي واضعة يدها على بطنها المرتفعة إثر الحمل.

وقفا أمام سيارة حمراء صغيرة وقام بفتحها ومساعدة زوجته في الجلوس داخلها ثم أغلق الباب واستدار وصعد في مقعد السائق وقام بتشغيلها. تحركت السيارة ولم يكلف نفسه عناء الالتفات ليراها إن كانت باقية أم ذهبت. غادرت السيارة وهي لازالت تنتظر منه نظرة واحدة تخبرها بأنها لازالت تشغل جزءً من تفكيره. ولكن خابت جميع آمالها، ارتعدت شفتاها وانسابت عباراتها وهي تراه يختفي من أمامها بسيارته، وكأنه حلم جميل استيقظت من نومها فلم تجد منه شيئاً.

عادت للقصر وبدأت في تكسير كل شيء يقابلها، أحدثت الفوضى وأخذت تصرخ من كل قلبها. ولم تقابل نوبة جنونها إلا بالسكوت من فريال. فهي الآن تشبه أنثى ضبع فقدت زوجها وتريد الانتقام. أما في المشفى: -خلاص يا عقاب أنا مسافر مع بوك. انت رد بالك على أمك وكون هاني من يم بوك. أنا عمري ما هقصر معاه واللي يحتاجه من جنيه لمليار أنا سداد. -الله يحفظك يا شيخ ويديم خيرك، والله جميلك معايا مالها عدد ولا حد. مو عارف كيف أردها.

-ما في جمايل يا عقاب، بوك غالي علي وخيره سابق. وانت بعد غالي علي واااجد وتعرف غلاك عندي. سيب الشكر والمنة للأغراب، إحنا أهل والاهل ما في بينهم شكر.

ولا رد مواجب. ودع آدم أباه وكذلك عايدة، وصعدوا به للطائرة وهو موصل بالأجهزة ولا زال في غيبوبته لا يسمع منه سوى صافرات تعلن عن أنه لازال حياً. وغادرت الطائرة به مصحوبة بدعوات الجميع. أما آدم فتحدث مع الطبيب بشأن أمه وعلم أنه يستطيع من بداية الأسبوع القادم نقلها للبيت تستكمل علاجها هناك. فقرر استئجار شقة لها والمكوث بها في الحضر كي تكون قريبة على الأطباء والمشفى تحسباً لأي شيء طارئ. وساعده قصير في ذلك. أما عن النقود فقد ترك له الشيخ منصور الكثير منها كي يصرف على أمه ولا ينقص عليها شيء لحين عودته.

أما في البادية: -رجوة.. أنا جاية معاك. -عاودي يارجوه ماتيجي اليوم، الحر شديد وصهد والرمل صاير يقلي قلي. -لا ما نريدش نعاود، ما انت ورابح رايحين وهلال بعد. ولا مافي غيري راح يشويها الرمل، أنا ضاق خلقي من الخيام وودي أنشم هوا الخلا. -يارجوه ليش ماتسمعي الكلمة، خايف عليكي أنا. -لا ماتخاف ياسلومتي أنا معاك حتى لو رايح تنشوى بجهنم مو على الحصى والرمل. هيا هيا تأخر الوقت والحلال جياع وأنا نفسي بالتين الشوكي اليوم.

أنهت كلماتها وضحكت ثم وضعت يدها على فمها وكأنها تذكره. فأغمض عينيه وهو يتذكر ذلك اليوم وأردف لها: -إذا تجيبين سيرة التين مرة ثانية قدامي بدفنك بأرضك يارجوه، والله بس أسمع اسمه أحس الشوك لسه باقي ما زال. الله يلعنك. -خلص ياسلومتي ما ودي تين ولا عجين. ودي رفقتك وبس، عم. استاحشك بس تغيب يا تيس. هي ألقت بهذه العبارات وتبسم سالم وهمس رابح وهو يطالعه:

-أي قالت سلومتي واتغنجت واتسهوكت وهداك فشخ ضبه وراح علينا اليوم. يلا يا هلال سوق الحلال سوق وخلي هداك. التيس لاختك تسوقه هي مربيته وتعرف من وين تجره.

تحركوا أربعتهم، وهناك كان رابح مكان آدم في تدريب هلال حتى لا ينسى الولد ما تعلمه. وكانت رجوة تتعلم معه كل شيء يعلمونه له، فكانت تتفوق عليه في التصويب والقنص وركوب الخيل وفي كل شيء يقدم عليه، وكأنها تخبر الجميع بأنها فتاة ولكنها تستطيع القيام بأعمال الذكور ولا يقف أمامها شيء، أو تثبت لنفسها بأن الولد لا يستطيع فعل شيء لا تستطيعه الفتاة. وكان المفاضلة المستمرة بينها وبينه خلقت بداخلها رغبة جامحة في منافسة هلال والتغلب عليه في كل شيء. هي لا تكرهه فهو أخاها، ولكنها تكره كل ما يحيطه من عناية ورعاية واهتمام كان لها هي من الأساس وسُلب منها.

-خلاص يارجوه انزلي من فوق الفرس كفاية عليكي. -بس شوي ياسلومتي الله يخليك. -يارجوه أنا سمعت عوالي واجد مرات تنبه علي البنات ما يركبون خيل وانتِ بروحك تسمعينها ليش ماتسمعين كلمتها حالك حال كل البنات؟ -لأن هي تقول البنت اللي تركب خيول تصير فحجة ورجولها متباعدة. وانت ورابح وآدم وحتى هلال تركبون خيول وأبوي والجميع وما في حدا صار أفحج. من هنا عرفتها تكذب علينا.

-بس لازم تسمعي كلامها وتطيعيها، يمكن عندها أسباب ما تريد تخبرك بيها لأنك صغيرة وبس تكبرين تفهمك كل شيء. -أنا اللي ما يفهموني ويش أسبابه مانسمع كلمته لو على قص رقبتي. أردف رابح ساخراً: -أي لا تكوني رجوه إذا ما عنّدتِ وكبرتي راسك. والله الحمد لله إن أختك معزوزة ماتشبهك بشيء من قريب ولا من بعيد، كان المعارك وصلت للغيوم. -معزوزة نعجة بس حدا يقولها هوووش توقف. هااا تمشي.

-نعجة بعينك يا عنزة يا بهيمة انتي، والله معزوزة ست البنات كلهن وما في منها، وانتِ لو تتحصلي على ربعها يكون الله عطاكي. ولك الروح هي الرووووح. -راح نقول لبوي إنك تتغزل بأختي. -أقطع راسك ونوكلها للضباع. يا كلبة. -معناها صالحني إذا ما تريدني أقول. قوم جيب لي تين شوكي. -والله إذا يطلع لك شوك بعيونك ما نجيب لك تين، يا أم كرش معفن مفكرة تيني سالم. غوري جاك غاير.

طأطأت رأسها للأرض بزعل بعد كلام رابح، فلم يتحمل سالم أن يراها بهذا الحال، فقام على الفور وإنزلها وامتطى الحصان وذهب حيث التين الشوكي، وخلع عقاله عن رأسه وبدأ في جمع التين به. وحين انتهى عاد لها بالتين، فنزل وفتح العقال أمامها لتصرخ بفرحة: -والله إذا يخيروني بيني وبين العالم كله اختارك انت ياسلومة قلبي.

أنهت جملتها واحتضنت سالم وقبلته على خده. كانت تفعل هذا بطفولية، ولكن سالم استبغ وجهه بحمرة الخجل وخاصة بعد أن غمز له رابح بعينه، فصرخ بها: -قلت لك لا تقربين ولا تحضنين جاي تحبحبين الله يلعنك يارجوه. -تستاهل الحبحبه. الفصل الثاني من ٥ مكاسب: معزوزة، يا زوز عيوني انتِ يا غلا روحي. يا بكرية قلبي. عرفت معزوزة بأن أمها سوف تحدثها في أمر زواجها من محراب الآن وتحاول إقناعها به، ولكنها فاجأتها حين قالت لها:

-اسمعيني زين يا معزوزة يا بتي يا حبيبتي. أنا محراب ما ودي تتزوجينه. فرحت معزوزة وقبل أن تكتمل فرحتها أكملت أمها: -ولا رابح ودي تتزوجينه. أنا ودي تتزوجي واحد غيرهم الزوز، حتى لا تحطين أبوك بالحرج. محراب بيعرف إن رابح رايدك وهو طلبك بس ليجاكر رابح ويكيده، لكن إذا تزوجتي غير رابح ما راح تكون فيه عداوة وشغل أبوكي ما يتأثر.

-أنا لا راح أتزوج هاد ولا هاد ولا هداك. أنا ما راح أتزوج من الأساس. أنا قاعدة في عز أبويه أربي أخواتي، أنا ما ودي زواج. -كيف يعني هتوري حالك؟ -لا هنور روحي ولا شيء، بس أنا مو حابة أتزوج تو. فياريت توفري على حالك موال إنك دايرة بالك على حالي. -تخطيط عوالي أنا عارفته زين، وانتِ ماشية على تخطيطها يا سايبة. -وحتى لو هادا تخطيط الشيخة تقدري تكسري كلامها تخالفيها؟

-لا ما فيا أخالف ولا نقدر نعترض ولا نحكي، بس ما ودي تخسري سنينك الحلوة وتخسري أبوكي معاك. -ما تخافي ما فيه خسارة ولا شيء. الخاسر هو اللي ما يعرف ايش يريد، وأنا عارفة اللي نريده زين.

مرت أيام ومن بعدها تواصل آدم مع المشفى التي سافر إليها أبوه مع الشيخ منصور، وعرف حالة أبيه بالتفصيل منهم. واستطاع أن يتواصل من خلالهم مع الشيخ منصور والذي أخبره بأن أباه تتحسن حالته واستجابته للعلاج سريعة، فقد عرف الأطباء علته بالتحديد، ويتوقعون أنه سيستفيق من غيبوبته في غضون أيام قليلة. أما هو فقام بالانتقال مع أمه للشقة التي استأجرها له قصير، وبدأت رحلة علاجها، والشيخة عوالي كانت تزورها بين يوم ويوم، وأرسلت مايزة تقيم معها إقامة كاملة تساعدها وتعتني بها وبالبيت أثناء غياب آدم عنها وعودته للبادية.

أما آدم فهو وقصير ينتظران على صفيح ساخن وصول أول شحنة لهم بدون وسيط. لا يعلمون إن كانت الأسلحة ستتطابق مع ما طلبوا أم سترسل لهم أنواع أخرى غيرها أقل مواصفات وأكثر رداءة. وحتى بعد أن طمأن آدم عمه قصير إلا أنه هو نفسه أصابه القلق وقليل من الخوف كلما اقترب موعد الاستلام.

وها قد حانت اللحظة، واللّيلة هي ليلة الاستلام، فتجمع الكل عند النفق وانتظروا وصول الشحنة. وفور وصولها وإخراجها من النفق اقترب قصير وفتح صندوق عشوائي من الصناديق، وإذا به نفس السلاح الذي يستوردونه بنفس الجودة، بل وهناك أيضاً ستة صناديق إضافية من الذخيرة فوق الشحنة وهذه هدية تصرف لمن تتخطى مشترياتهم مبلغاً معيناً. وكان الوسيط يأخذهم لنفسه في كل مرة كما كان يأخذ أموالاً طائلة. فتهللت أسارير قصير واقترب من آدم وقال له:

-حيا الله عقابنا. حي الله وليدنا وتربية إيدنا. والله فيك وبيك رفعة الراس وعلو المقام. قالها ورفع السلاح في الهواء علامة الفوز فهلل الجميع خلفه والتف الكل حول آدم يصيحون ويهتفون باسمه بفرحة عارمة، ففرق النقود خير سيعم على الجميع. ومن بعدها قاموا بتحميل الأسلحة في شاحنات الجيش التي حضرت، واستلم قصير النقود منهم بنفسه هذه المرة نظراً لغياب عمه، وحسب الفارق بين الصفقات السابقة وهذه الصفقة والمبلغ لم يكن قليلاً أبداً.

أما في القصر: -إيه اللي دشدش القصر كده يافريال؟ -دي مديحة أختك أعصابها تعبانة شوية. -أعصابها تعبانة إيه دي اتجننت. مديحة، انتي يا زفتة يا اللي اسمك مديحة. -لا لا سيبها مش مشكلة كلها حاجات تافهة مقدور عليها، المهم دلوقتي عايزة أكلمك في موضوع مهم. اختي وعيالها جايين يقعدوا في القصر معانا فترة لغاية ما تاخد لها شقة. -تمام مفيش مشاكل، بس أهم حاجة متطولش حاكم أنا مش برتاح لأختك دي خالص ومش ببلعها.

-ما تقلقيش هتمشي قوام، بس أنا خايفة من مديحة وتصرفات مديحة قدامها، وخصوصاً إنها اليومين دول أعصابها دايماً تعبانة وتصرفاتها مش محسوبة. -مديحة أنا هدخل أظبطها دلوقتي متقلقيش. جهزي بس انتي مكان لأختك ويا ريت متخليهاش تطول عشان أخلاق ولادها مش تمام وخصوصاً بنتها وأنا مش بحب أولادي يختلطوا بأولادها. -حاضر هحاول.

وبعد عدة أيام كانت فاطمة أخت فريال تغزو القصر هي وأولادها، تاركة البلدة بمن فيها. فبعد موت زوجها في ظروف غامضة وبسكتة دماغية مفاجئة لم يتبقى لها بالبلدة غير أولادها، فحملتهم وقررت الانتقال لحياة جديدة، فهي طموحة وطموحها ليس له حدود. وبعد أن انتهت من توضيب أغراضها وأغراض أولادها في غرفهم، ذهبت إلى غرفة أختها وأعطتها تركيبة السم وقالت لها: -أعتقد دي لمديحة مش كده؟ -أومأت لها فريال برأسها، فتبسمت فاطمة وهي تقول لها:

-كده يبقى القصر نضف من الكل ومفيش غيرك انتي وولادك وجوزك. مبروك عليكي الأملاك. صمتت فريال ولم تتحدث، فهي ترى في عيني أختها طمعاً لا تقوى على تخبئته، وهذا ما تعلمه فريال جيداً. فنظرت إلى زجاجة السم وهي ترى فيها الخلاص الوحيد من كل شيء، وحمدت الله على نعمة الموت التي لولاها لبقي البشر ينغصون الحياة دوماً.

أما يحيى فسافر إلى العزبة وهناك قام بالتحدث مع أحد وجهاء البلدة وقال له أن أخيه قد سافر للعلاج والشركة تحتاج للسيولة، وهو اليوم أتى ليرهنه له الأرض. فرفض الرجل أن يرهن منه الأرض دون ضمانات، فأخذ منه وصل أمانة بالمبلغ مقابل النقود وأخذ الأرض يذرعها، وبهذا ضمن حقه، ولم يبالِ يحيى بالوصل، فهو سيحصل على الأرض ويبيعها عاجلاً أم آجلاً. وأخذ المال وعاد به للقاهرة ليتمم ما بدأه في مصنعه الخاص.

أما عن طاقم العمل فقد قرر أن يخفض لهم مرتباتهم للنصف، وزود ساعات العمل وأوقف نظام الساعات الإضافية. وفعل كل شيء يجعل العامل يشعر بالظلم ويغادر الشركة من تلقاء نفسه، وهذا ما حدث، فقد بدأت الناس بالمغادرة والانسحاب من الشركة بداية من أعلى الكوادر لصغار العاملين، إلا من لا حول لهم ولا قوة ولا يجدون مصدراً للرزق غير المصنع والشركة. أما في القصر:

بدأت فاطمة تباشر عملها في إحدى الصيدليات الكبيرة كي تأخذ فكرة عن الأمر كيف يسير في القاهرة، وهل مثل البلدة أم لا، حتى إذا افتتحت صيدليتها الخاصة تكون على دراية بكل شيء. كانت تعود إلى القصر بعد عملها فتتجول به وتتفقده وكأنها تبحث عن شيء ما أو تعاين شيئاً ما وهذا الأمر أزعج فريال كثيراً، فلم تخطط هي وتتخلص كي تأتي أختها وتتملك كل شيء دون عناء، وكيف لها أن تتطلع لشيء لا ناقة لها فيه ولا جمل هذا الأمر الذي يكاد يقتل فريال غيظاً!

في هذه الفترة حاولت فريال وضع السم مرات عديدة في طعام أو شراب مديحة، ولكن كل مرة كان يحدث شيء يجعلها لا تتناوله، فقد سيطرت حالة من الاكتئاب عليها جعلتها شبه فاقدة للحياة، جثة هائمة في أرجاء المنزل، لا كلام ولا نشاط والقليل القليل من الطعام، والكثير من القهوة، وحتى التدخين الذي أصبحت تدخنه عياناً بياناً أمام الأولاد وحتى أمام أخيها يحيى، الذي كلما قرر أخذ موقف حاسم معها تمنعه فريال بحجة أنها مريضة ولا على المريض حرج. فيبتعد عنها ويتلاشاها مؤقتاً حتى تطيب أو حتى يصل لنهاية صبره ويكون العقاب مضاعف. وكل هذا كي لا يحدث تصادم بين يحيى ومديحة يصل لمسامع أحد ويرتاب في أمر موتها فيما بعد ويُشار ليحيى بأصابع الاتهام.

إلى أن أتى اليوم الموعود. اليوم الذي وضعت فيه فريال السم لمديحة في كوب قهوتها وهي شاردة، فأمسكته مديحة وقربته من فمها وارتشفت منه ثم نظرت لفريال التي كانت تمثل عدم الانتباه وقالت لها بهدوء: -عارفة يافريال. الموت دا حاجة جميلة أوي ومش دايماً وحش. هو وحش بس لما بياخد حد عزيز علينا ويسيبنا نتعذب بعده. انما لما ياخدنا إحنا بنكون ارتحنا.

شعرت فريال أنها علمت بأمر السم، على الرغم من أن أختها أكدت لها مراراً بأن لا طعم له ولا يغير مذاق شيء. فازدردت لعابها بخوف، ولكن الطمأنينة عادت إليها وهي ترى مديحة تكمل قهوتها بتلذذ شديد، ترتشف وتبتسم، وعينها تلف المكان وكأنها تودعه. وفور أن انتهت من تناول قهوتها قامت للأولاد، احتضنتهم جميعاً وخصت كارمن بقبلات زائدة وهمست لها في أذنها شيئاً ثم غادرت نحو غرفتها. اقتربت فريال من كارمن وسألتها بفضول:

-هي عمتك قالت لك إيه يا كوكي؟ -قالت لي سامحيني بس وهي أصلاً مش عملت لي حاجة. انقبض قلب فريال وتعالت أنفاسها وفهمت الآن كلمات مديحة، فأسرعت نحو الهاتف واتصلت على أختها: -الحقيني الظاهر إن مديحة سممت كارمن، تعالي بسرعة بسرررعة.

وما إن أنهت مكالمتها حتى نظرت إلى تلك التي هوت على الأرض وبدأت في التشنج. فصرخت وجرت عليها وكذلك صرخ الأولاد من حالة أختهم، والجميع اقترب منها وكانت أسرعهم فريال التي اختطفت ابنتها في أحضانها وهي تشعر أنها تختنق معها، وهتفت بحسرة: -عملتيها يا مديحة الكلب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...