عاد قصير إلى القبيلة، وهناك جاءه مرسال بأن شحنة الأسلحة هذه المرة زادت ما يعادل ربع الثمن، وبأن كل شيء ارتفع سعره. فلم يعلم ماذا يفعل. أيتمم الصفقة وحينها يكون قد خسر أموالاً طائلة ويسبب خسارة فادحة لعمه الشيخ منصور؟ أم يرفض الزيادة ويلغي الصفقة، وبهذا يخسر أكبر مورد لهم ومن يعتمدون عليه الاعتماد الكلي في جلب الأسلحة بالجودة التي اعتادوا عليها، والتي لم تتوافر مع أي مورد آخر غيره؟
فكر في اللجوء للشيخ منصور في القرار، ولكنه تراجع وهو يقول لنفسه: "لا مو زينة في حقي أقول للشيخ، يكفي ما هو فيه. هانتصرف بروحي ونعتبر إني صرت شيخ وقابلتني المشكلة وتوجب عليا حلها. وتو يا قصير فكر وأوصل للحل اللي ما يقصر رقبتك قدام عمك وأهل القبيلة. ومن جانب آخر ما نخسر فلوس واجدات. إني بس لو نعرف كيف نوصل للي يورد السلاح بدون وسيط كان كل شيء انحل." ابتعد بسيارته وجلس فيها وحيداً يفكر. وفي النهاية اهتدى إلى باب طرق.
"إن خلفه ما يتوقعه منه، فذلك بمثابة الفوز العظيم." فأدار محرك سيارته، وتوجه للحضر، للمبنى الذي فيه آدم وسالم. وهناك جلس معهم ووجه حديثه لآدم قائلاً: "يا عقاب، اليوم أريد أشوف لوين وصلت باللي تميت أعوام تتعلمه. اليوم ودي منك تتواصل مع الشركة اللي تصنع السلاح بروسيا وتطلب لنا منها طلبية، وتعرف الأسعار، وتقول لها ما تشيل هم النقل، نحن علينا كل شيء، هما بس يطلعوا لنا البضاعة من مخازن مصانعهم والباقي علينا." آدم:
"أي يا عم، بس هالشي فيه مخاطرة لأن طلب شحنات الأسلحة بتوصل بيه تنبيهات فورية لوزارة الحربية بس يتم على أي جهاز. إلا إذا كان تبع الحكومة ومصرح له بالتجارة بالسلاح، غير هيك يروح المستورد بشربة مي. هكي علمني المهندس." آدم:
"لا تخاف، إحنا مشمولين بحماية الحكومة، وبالأصل السلاح للجيش، بس لما يكون التعامل رسمي بين حكومتين القروش حق الشحنة تزيد أضعاف. وغير إن العالم كله يسمع بأن الدولة دخلت سلاح وينقال إنها تستعد لحرب، ومنها الدول تتأهب وأي غلطة حتى لو ما محسوبة تكون بداية عداوة. المهم إحنا ما علينا بوجيج الراس هذا، إحنا يهمنا إن ظهرنا محمي وبس. حتى لو خذناه من العفريت الأحمر." آدم:
"تم، جيب لي أنت اسم الشركة وبريدها الإلكتروني وأنا أتواصلك معاهم وأبلغهم اللي انت عايزه." آدم: "تعرف يعني؟ آدم: "قول غيرها، أنت تحكي مع العقاب، النت الأسود. دخوله عندي أسهل من شربة مي." آدم: "زين، خد اسم الشركة ودور عليهم واحكي معاهم." وبالفعل بدأ آدم يبحث حتى عثر على بريد الشركة الإلكتروني وعنوان التواصل وأرقامهم وبدأ في مراسلتهم. أما عند الشيخ منصور:
أخذ يتنقل ما بين حجرة عايدة وحجرة محمود. فقد فصلهم الطبيب وأخرج عايدة من غرفة العناية المشددة بجانب زوجها لغرفة أخرى، وذلك بسبب أنينها المستمر، والذي يسبب إزعاج لمحمود، وقد يؤثر بالسلب على حالتها. وكان في كل مرة يرى فيها مدى سوء حالتهم التي لا تتحسن يهمس لنفسه بحسرة عليهم وعلى آدم معهم:
"يا رب ما تقبض أرواحهم إلا بعد يردلهم وليدهم ويشبعون بشوفته، ويسقوا زرعة قلبه اللي ماتت من عطش الحن والشوق. يا رب محمود مسكين وعاش كل عمره فكد وشقى وتعب لا تخلي نهايته تصير هيك، والله صعيبة يا ربي." انتبه على يد توضع على كتفه، وكان صاحب المشفى صديقه الشيخ نمر، فجلس بجانبه وقال له: "شايفك شايل هم الزوز هادول كنهم من دمك يا منصور ويش القصة؟
خليت المشفى تنقلب لهم ودخلنا الكل بحالة طوارئ وقلق، فيك تحكي لي مين هدول أو إيش علاقتك فيهم؟ منصور:
"هدول يا نمر أغلى عندي من اللي من دمي. هدول يا نمر أمنوني أمانة وأنا ما ودي يجرى لهم شيء قبل أرد لهم أمانتهم مثل ما وثقوا فيني وأمنوني عليها. هدول اثنين قلوبهم موجوعة بالفراق وخايف يموتون قبل لا ترتوي قلوبهم بجمعتهم مع غايبهم. والحين ودي تصارحني بحالتهم إذا فيه أمل للشفاء أو ما في، لأن إذا ما في أمل أشيع أجيب وليدهم ليشوفهم لآخر مرة." نمر:
"شوف يا شيخ أنا ما راح أكذب عليك. حالة المرة زينة وبتتحسن وراح تطيب بعون الله. لكن الرجال حالته صعيبة كثير، وحتى إذا عاش ما راح يعيش مثل الخلق والناس، راح يعيش مشلول ما راح يمشي على اقدامه." منصور: "يا يابا مشلول مشلول بس يعيش. أنا ودي ياه يصير بس نفسه بالدنيا ما بدي شيء ثاني. طول ما نفسه بالدنيا ابنه بأمان وأنا قليبي مرتاح. والحين له علاج بمصر ولا أبعته للخارج لنختصر وقت وجهد؟ نمر:
"والله يا شيخ إذا بتبعتوه للخارج لإيران يكون أفضل، لن هناك في طبيب مختص بالحالات اللي مثل حالته مشهور كثير وعالج كثير حالات متشابهة أو على القليلة خلاهم بأحسن حال. صحيح في منهم اللي ما تم شفائه بس اللي يتعالج على يده صار حاله أحسن." منصور:
"زين أعطيني اسم الطبيب وعنوان المشفى، وأنا من غدوة بحجز له طيران وباخذه وأسافر بيه. والمرأة عندك أمانة لا حدا يعرف هي مين ولا حدا يوصلها لحين ما أعود. بس قصير تتواصل معه إذا احتجت أي شيء، وتحطها بغرفة لحالها ما حدا يوصلها إلا طبيب ثقة أمين على السر. هاي أمانتي عندك يا نمر لحين عودتي ويا ويلك مني إذا فرطت بالأمانة. وقتها ما راح يكون زعل ولا راح يكون غضب، راح يكون شيء أكبر. هاي المرأة ورجالها يسوون عندي أكثر مما تتصور. والحين ودي حدا من رجالك يعرف طريق خيامنا لأدزه على قصير وأد خوي يبلغه رسالة ويعود."
نمر: "تأمر يا شيخ، اعتبره تم. الحين ببعت لك حدا من رجالي أمين على الروح. تدزه بالمطلوب وما تشيل هم." وبعد قليل أتى رجل لمنصور يسمى شعيب، وقف أمامه وأردف: "حياك الله يا شيخ، أنا شعيب بعثني الشيخ نمر، اؤمرني إني خدام." منصور: "ما يأمر عليك ظالم يا وليدي، أنا ودي تروح البادية لقصير ولد أخوي، تعرفه ولا ما تعرفه؟ حتى لو ما تعرفه اسأل عنه رضيع البادية يدلك عليه." شعيب:
"لا بعرفه يا شيخ، كيف ما بعرفه يعني، ما في حدا ما بيعرف قصير. والنعم من قصير، والله له بقلب كل القبايل بصمة. حملني الرسالة وأنا شيال." منصور: "والنعم منك يا وليدي، قله عمك الشيخ منصور يقول لك فهم الأمانة كل شيء وهاتها لتشوف بعينها كل اللي جرى، وما تخبي شيء ولا تجمل شيء. وقبل غدوة يكونوا عندي، ويجيب لي معاه قروش واجدة وثياب. قله ما تغيب على عمك ما في وقت."
انصرف شعيب فور أن تلقى الأوامر وذهب إلى البادية، وأخبر قصير بكل شيء. وفهم قصير الرسالة وضاف شعيب الضيافة اللائقة. وبعد انصرافه أخذ سيارته وذهب بها إلى آدم وسالم. وهناك بمجرد دخوله سأله آدم بقلق فور أن رآه: "ويش فيك يا عمي، وجهك يقول إنك شايل أخبار مو زينة؟ قصير: "والله إنك لماح يا عقاب. أي يا وليدي أنا عندي أخبار مو زينة ولا راح تعجبك بالكل." آدم:
"طيب يا عمي انتظر لأني أنا عندي أخبار بال أول، أقول لك اللي عندي وبعدها هات اللي عندك. إني قدرت أتواصل مع الشركة الروسية تبع الأسلحة وعرفت منها الأسعار، واتفقت معهم على طريقة التسليم، وهم أعطوني السعر وكنت راح أخبرك بيه."
وقال له آدم السعر الذي أعطته له الشركة والذي جعل قصير يفتح عيناه على وسعهما. فقد كان السعر أقل بكثير أو يعتبر أقل من نصف السعر الذي كان يدفعه في البضاعة سابقاً، أي أن هناك استغلال كان يحدث ولم يكن يعرف بأمره. فقال له: "الحين يا آدم دز للشركة رسالة اطلب فيها طلبية وحدد المكان والزمان اللي يسلمونا فيه السلاح بال أول قبل ما أخبرك بشيء."
فاتجه آدم نحو حاسوبه الذي اشتراه له قصير في المرة الأخيرة، وفتحه وبدأ في مراسلة الشركة. وما أن تمت الصفقة والاتفاق على كل شيء حتى أغلق حاسوبه ونظر إلى قصير: "ها يا عم، الحين انتهينا من الصفقة والسلاح. قولي ويش اللي عندك ومكدر أحوالك؟ فجلس قصير بجانبه وأمسك بيده وقال له: "أوعدني ما تنفعل ولا تثور وتضلك عقاب العاقل مثل عهدي بيك، ما تتهور ولا تعمل شيء يخرب علينا كل اللي عم نعمله من سنين طويلة إني والشيخ منصور." آدم:
"يا عم ويش فيك خليت قلبي رجف رجيف؟ قصير: "يا آدم تتذكر الرجال اللي جانا يسأل عنك؟ هذا يكون عمك وهو نفسه قاتل أخوك والحين قاتل أبوك وأمك وقتالك أنت لو ما أبوك جابك لعندنا وخباك منه ووراك عن عيونه. والحين عرف مطرحك وجاي يدور عليك لا يخلص منك. ولما ما عرف يوصل لك تخلص من بوك وأمك." انتفض آدم وهب واقفاً وسأله وهو لا يستوعب الذي قاله للتو: "ويش تقول أنت يا عمي ويش هالحكي؟ قصير:
"هاي الحقيقة يا وليدي والحين بوك وأمك بالمشفى بتوقع يلفظون أنفاسهم الأخيرة. لهيك الشيخ منصور دز عليا وقال خبر آدم كل شيء وجيبه لعندي. بالامس أنا وهو نقلنا أهلك لمشفى تبع صاحبه وغيرنا المشفى اللي كانوا فيها حتى لا يتعرف عمك عليهم، واليوم أكيد جدت بالامور أمور. وتو هيا بينا نروحوا لتودع أمك وأبوك." جلس آدم وهو لا يستطيع تمالك أعصابه، فبدنه صار يرتجف وكل خلية في جسده سرت فيها قشعريرة، ونظر إلى قصير وقال له بصوت متقطع:
"أمي وبوي هم اللي جوني بحفل نجاحي صح ولا أنا غالط يا عمي؟ هي الحرمة اللي تبهذلت بسببها مو هيك؟ قصير: "آه صح يا وليدي هم." أغمض آدم عيناه وأردف بحسرة: "آخ يا وجع القلب. والله حسيت بالحرمة إنها ودها تقول شيء، حسيت إنها قريبة مني، حسيت عيونها تحكي كثير حكي، حسيت إنها ودها تاخذني بأحضانها وأنا ما بعرف ليش كان ودي أضمها! ليش يا عمي ما خبرتوني هم مين وقتها، ليش ما خليتوني أضمها وتضمني؟
هاي أمي، كيف كانت واقفة قدامي وتمالكت حالها وما أخذتني بحضنها، كيف هان عليها، كيف تحملت؟ قصير: "غصب يا وليدي أنت ما تعرف قديش أبوك جاهد ليمنعها وقديش هي تعبت. ما تتذكر وقت شافتك ارتمت على الأرض، ما تتذكر عيونها طول القاعدة عليك ما فارقوك ولا لحظة، ما تتذكر كيف مسكت يدك تحبها وما كان ودها تتركها. أمك مغلوبة على أمرهم وأبوك كمان اعذرهم. لو كان عليك صعب مرة هو عليهم صعب مرات يا وليدي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!