غادر سالم وهو يشعر بأن رجوة دست يدها في جرحه مرة أخرى دون شفقة أو رحمة، واعتصر قلبه مجدداً. وقف أمام عمه قصير الذي وصل أخيراً للقبيلة ونزل من فوق حصانه وقد بلغ به الغضب مبلغه، فسأله سالم: -ليش مشيت لرجوة؟ ويش كان ودك منها ياعمي؟ -كان ودي أنهي عمرها وأرتاح منها وترتاح أنت وترتاح هي بعد، وتتنسي رجوة وينمحي اسمها من القبيلة وينقطع ذكرها من الأفواه. سمع سالم كلمات عمه وجحظت عيناه من هول ما سمع، فرد على الفور:
-والله بسماه ياعمي إذا رجوة يمسها ضُر لأحرق القبيلة كلها، بخيامها بحلالها وهوايشها بناسها صغير وكبير، شباب وشياب، ومثل ما ينتهي ذكر رجوة ينتهي معها ذكر قبيلة المنصور من الوجود. رد عليه قصير: -برّد قلبك ياسالم، أنت الحين تحكي من ورا محبتك لها اللي ما زالت بقلبك ما جفت، بس بعد زواجك راح تنسى رجوة ومارح تعنيلك أي شي.
-ولحين يصير هالحكي وأنساه وماتعنيلي، ما حد يقرب منها ولا يحكيلها كلمة توجعها.. رجوة مو بس حبيبة ورهينة ياعمي.. رجوة بنتي وأختي ورفيقتي وبنت عمي، وإذا انقطع رابط يضل ألف رابط غيره، وطول ما تربطني بيها صلة.. رجوة بحمايتي وما حدا يقربها.. ولا حتى أنت ياعمي ومنك السماح. تنهد قصير وقام بسحب لجام حصانه وتحرك من أمامه خطوة، ولكن يد سالم أمسكت منه اللجام وهو يقول له:
-والله عار علي إذا أنا واقف وعمي وشيخي بروحه يعاود حصانه ويربطه. تحرك سالم بالحصان وترك عمه قصير يراقبه بحسرة وهو يتمتم في نفسه: -الله يلعنك يارجوة ويلعن البطن اللي شالتك يا أم الفوانص يا عار. خيم الليل واصطف رجال القبيلة وشبابها حول الشيخ قصير، وبعد الخوض في عدة موضوعات، تنحنح قصير واعتدل في جلسته وتحدث بكل جدية:
-يا ولاد خوي اليوم نويت نعطي بناتي ونزوجهم بأقرب وقت، فمن بخاطره وحدة من بنيات عمه يحكي الحين ويحجزها، ومن بعد إذنكم سويلم أول واحد بيختار من بنياتي، بخلاف رجوة لأنه ما عاد يريدها وحل نهوته عليها، بس إني نريد نسبه وقربه وما أريده يصير صهر لغيري. فزع سالم من حديث عمه قصير ونظر لرابح باستنجاد؛ لأن ما يطلبه منه عمه هو الجنون بعينه، فرد عنه رابح على الفور:
-من رخصتك ياعمي تعفي سويلم من الاختيار، لأن عمتي عوالي شافت له عروس وبالفعل تكلمت مع البنية وعشمتها، وما يصير نقطع العشم ونبدله خذلان، كلهن بنات عمومتنا والكل بغلا بعضه. نظر قصير لسالم وتنهد حسرة ثم قال: -والله إذا هيك الحكي مرخوص يا ولد خوي وربي يجعلك فيها الصلاح والفلاح وتملالك القبيلة ولاد ملاح. والحين اللي بده بنية يذكر اسمها قدام الجميع ويربطها باسمه. فسارعت الأفواه بنطق الأسماء ومن كان الأسرع حظي.
أما سالم فقد استشاط غيظاً حين ذكر أحدهم رجوة وطلبها زوجة له، ولكن رد هلال عليه هو ما أثلج قلب سالم حين قال: -رجوة مو من ضمن الاختيارات، رجوة ما راح تتزوج، لساتها ما عقلت بعد ولا تعرف تعمر خيام، بعدها صغيرة.
صدق قصير على كلام هلال ابنه، أما جميع الحضور فنظروا للخاطب بلوم وعتب؛ فهو يعلم جيداً رجوة بقلب من، والكل يعلم لماذا تم إنهاء رهنها، فلا أمر يخفى على سائر القبيلة مهما كان صغيراً، ولكن هذا بالتأكيد كان عاشقاً خفياً يتربص الفرصة وأراد اغتنامها، ولكنه لم ينالها. انفض المجلس ونهض الجميع، وبمجرد انتشار خبر خطبة بنات قصير في القبيلة تعالت أصوات الهلاهل وانبعثت من داخل الخيام ترد على بعضها.
أما في خيمة معزوزة فكان الأمر أشبه بالعزاء. فقد اجتمع سالم ورابح وهلال يحاولون التخفيف عن سالم ومواساته، أما هو فكان يبتسم ويحاول مجاراتهم في الحديث والإدعاء بأن كل شيء على ما يرام، ولكن بمجرد أن سمع صوتها خارج الخيمة اختفت جميع الادعاءات وتهدلت أكتافه بضعف، فها هي التي وعدته ألا تجعله يراها أو يسمع صوتها تدور في سمائه وتغرد، فبئساً للنسيان والتخطي إن كانت ستظل قريبة منه هكذا.
دخلت رجوة الخيمة دون أن يجيبها أحد، ولما رأتهم تراجعت للخلف وهي تعتذر منهم، وخاصة وهي ترى حالهم هذا وكأن على رؤوسهم الطير! ولكن ما أحزنها حقاً هو حال سالم، نعم تعلم أنه حزين ولا يستحق هذا الشعور، ولكنها لن تهتم بحزن غير حزنها، ولن تضحي بسعادتها من أجل أن يسعد هو، هذا قرارها وهذا ما أقسمت عليه ولن تأخذها بغير قلبها شفقة ولا رحمة. غادرت الخيمة وبعد فترة صمت تمتم هلال: -روحي الله لا يردك.
نظر إليه سالم بغضب، ودون أن يتفوه هب واقفاً وغادرهم، وتركهم حائرين في أمره، يعرفون علته ولا يملكون لها دواء. أما في خيمة الشيخة عوالي: -يا مايزة روحي جيبي لي نقال قصير قول له عمتك ودها تحكي مع الشيخ منصور وتتفقد أحواله، وبطريقك شيعي الخبر بأني غدوه بدي أختار من بين بنيات القبيلة عروس لسويلم ودي كل بنية طيبة وبلغت سن الزواج تجيني لأفحصها من ساسها لراسها وأقيم جمالها واللي راح تدخل عقل الشيخة عوالي راح تكون هي العروس.
نفذت مايزة ونشرت الخبر بكل القبيلة، والأمر كان أشبه بقصة حفل الأمير الذي سيختار منه عروسه، ولكن الوضع هنا مختلف، فسندريلا قد تخلت عنه ولن تأتي من ضمنهم. عادت مايزة وتركت الفتيات في حالة سباق، يتهافتون على البئر ويفاضلن بين ثيابهن، يتسابقون على جندية القابلة حتى تنظف وجوههن وتصفف شعورهن بطريقتها المميزة. أما قبل قليل في إحدى الخيام... -ويش فيك يامزيونة كل ما فتحتي فمك سالم وسالم، ويش قصتك أنتِ مع سالم؟
-أختي أسرّك ولا تفشين السر؟ -اعتبريه بالبير القديم المهجور سرك يامزيونة.
-أنا أحب سالم.. أحبه من زمان كثير من وقت كنا ولاد صغار، بس هو ما يوم نظر ولا شاف غير رجوة، كنت أظنه مستحيل وياما دعيت ربي بجوف الليل إنه يبدل المستحيل ويجعله بالإمكان. وقت كنت أنفيق الصبح أضحك على حالي وأقول ويش هادا اللي قضيت ليلي أدعي به، وكيف أدعي بشيء ماراح يصير، ونرجع ونقول الله يهنيه يارب مع رجوة ويهنيها معه. بس توا كأن ربي يقولي مافي شيء مستحيل على ربك، مو أنت طلبتي مني سالم، هاك هو سالم.. بعدت لك رجوة عنه وصار طريقك خالي.
-يعني إيش راح تسوين توا؟ -أول شيء هنعدي للكبيرة، الشيخة عوالي نشكيلها المحبة والشوق وهي تشور عليا ويش نسوي. أنهت كلماتها وإذ بصوت مايزة يصدح من خارج الخيمة وكأنها رسول الأمير تعلن عن ميعاد الحفل، فتصنمت مزيونة وأختها أيضاً من هول الصدمة، فكأن السماء سمعت وهيأت كل شيء لصالح تلك المسكينة وها هي تبعث لها الفرصة التي كانت بانتظارها. وبعد أن انتبهت مزيونة على نفسها همست:
-أختي زينة سمعتي اللي سمعته توا ولا إني عقلي بدأ يصور لي أوهام؟ -سمعت يامزيونة سمعت، هيا انهضي وشوفي إيش راح تسوين بروحك وإيش راح تلبسين بكرة. -بكرة.. أي بكرة؟
الحين ودي أمشي للشيخة، الحين بروح وأحكيلها كل اللي بقلبي وروحي، مافي صبر لبكرة يازينة، هاد سويلم وهي فرصتي، هي دعواتي ومناجاتي لربي، سعادتي وفرحة عمري هدول كلهن بخيمة الشيخة عوالي بانتظاري وما راح أتركهن لبكرة ووحدة غيري تمد يدها وتخطفهن مني.. قومي.. قومي ساعديني أتحمم وهاتي المكحلة والحمرة وساعديني وأسنديني لحد خيمة الشيخة أحس رجولي ما عاد يحملنني. أما في خيمة عوالي:
-كيفك يا نبض القلب ونور العين، كيف صرت يا حبيبة عوالي. -إني بخير يا خيتي بس طمنيني عن القبيلة وأحوالها وأهلها، وعنك وعن كل شيء، كلل شيء. -كل شيء على حطة إيدك يا خوي، أهل القبيلة ما شيبن على تعاليمك ونهجك وما في حد خالف قوانين شيختك ولا حدا يجرؤ، وكله يدعيلك تطيب وترجع تنور مجلسك وتلم حولك الكبير والصغير وتعود مع رجوعك ليالي الفرح والسرور.
-لااااه يا عوالي ما في رجعة.. خلاص العمر ولى واقترب وقت الرحيل، بس هي أيام باقيالي عم أقضيها متل ما تكون. -الله يطول بعمرك ويعطيك الصحة يا خوي، ما تيأس من رحمة اللي يحيي العظام وهي رميم ومو كثير عليه يبري جسد من المرض، بس أنت قول يا الله. -يا الله رحمتك ورضاك وعفوك.. طمنيني على وليدي آدم يا عوالي إيش أحواله، حاسه ما عاجبني وقت حاكاني، أحسه شايل هموم الكون حتى وهو يقول لي إنه تخلص من عمه ورجع كل حقوقه.
-يعني ما تعرف يامنصور إيش اللي يقهر الرجال ويشيلهم الهم حتى ولو كانوا سلاطين يحكمون بلدان.. العشق يا خوي مرمر رجالك ولعب بحالهم، إذا سالم ولا عقاب تنينهم عقلهم سلبنه الفوانص. -الوليدات لابد يتزوجون يا عوالي، اتنينهم زوجيهم، سالم بالاول حتى يخف وجعه ومن بعده عقاب، أو لو تعرفين تزوجيهم بيوم واحد ما تتأخري.
-سالم أي هو هاد طلبه واني بدأت أشوف له عروس، أما عقاب فما أظن يوافق يتزوج الحين، وأنا ما أعرف من بنات الحضر لادور له منهم عروس يا خوي. -كلمي أمه تدور له وقولي لها الأمر عاااجل وفهميها ماتتوانى عن البحث،، قولي لها وليدك روحه عم تحترق. -تم يا شيخي تم. كانت ستواصل الحديث مع أخيها ولكن قاطعها صوت إحداهن تستأذن بالدخول، فأذنت لها عوالي وعادت للتحدث مع منصور، ولكن قاطعتها التي ارتمت أسفل قدميها وأمسكتهم
بكلتا يديها وقالت بتوسل: -يا عمتي وشيختي وشيخة قلبي، أنا بعرضك وطولك واستحلفك بكل عزيز وغالي تنظرين لقلبي بعين الرأفة. صاحت بها عوالي وهي لا تفهم ماذا بها: -إيش فيك يا مزيونة وليش خريتي حدر قدامي، قومي وفهميني؟
-سالم يا عمتي، سالم اللي تدوريله عروس ما تلوق له غيري، أنا يا عمتي أنا الأولى بابن عمي، أنا اللي أحبه من صغري ومضيت سنين وأنا أطلبه من ربي، أنا اللي انتظرته وأدري ما في أمل بس كان أملي بربي كبير وما خذلني.. استحلفك بكل عزيز وغالي ما تدخلي حياة سالم وحدة غيري.. أنا راح أصير له خدامة وأتمنى له الرضى وما راح أقصر بشيء حتى يرضى.. أنا راح أديه برموش عيوني وأفرش له قلبي بساط يخطي فوقه.. زوجيني سالم يا عمتي وراح تشوفين إني أحكي الصدق.. أعرفك تحبين سالم أكثر من أمه اللي ولدته، وإذا تحبينه وتريدين له الخير زوجيني له.
صمتت عوالي وهي تراقب حال هذه المجنونة بتعجب، وانتبهت على صوت منصور الذي كان لا يزال على الهاتف وهو يقول: -عوالي،، هي اللي تزوجينها لسويلم.. لبنية عاشقة والعاشق يعطي بلا ثمن.. خلي تعوض سالم عن كل اللي خسره وتداوي جروح قلبه.. بس ماتكون قليلة حلا عن قليلة الحيا الفانص بت مكاسب. أجابته عوالي بعيون تدقق في ملامح مزيونة بتفحص: -لا والله يا شيخ مانها قليلة حلا، هي مثلها مثل الفانص وتزيد بعد.
-زين قوليلها يقول لك عمك منصور سويلم جاك بهدومه... قالها وضحك وضحكت عوالي وارتخت أيدي مزيونة غير مصدقة لما تهادى إلى سمعها عبر سماعة الهاتف. فأنهت عوالي المكالمة مع أخيها وأخذت تنظر لمزيونة بتركيز أكثر، ثم نظرت لمايزة وأعطتها أمراً بعينيها، فقامت مايزة بقفل ستار الخيمة، ونظرت عوالي لمزيونة وقالت:
-تعالي يا مايزة نزعيها ملابسها حتى أشوف إذا داخلها زين مثل خارجها وما بيها عيوب مخفية، هاد سويلم واللي تاخده لازم تكون كاملة مكملة من كل شيء. همت مايزة بالاقتراب ومساعدة مزيونة ولكن فاجأتهم مزيونة حينما وقفت وقامت بنزع ملابسها دفعة واحدة وهي تقول: -لا ما أريد حدا يساعدني، أنا أمامك يا عمتي افحصي متل ما تريدين. ضحكت عوالي من جرأتها وقالت بعد أن نظرت إليها جيداً:
-زين رجعي ملابسك وتحشمي وخليكي ثقيلة، ودي أشوف خجل العذارى اللي ما لمحتها على وجهك من لحظة دخولك الخيمة.. وين حيا الصبايا منك وين؟ يا عيني على حظك يا سويلم يا وليدي اللي ما يسوق عليك إلا الفوانص! أردفت مزيونة وهي ترتدي ملابسها مرة أخرى: -والله يا عمتي إني أستحي بس هي فرصتي الوحيدة وأنا حلفت ما أضيعها إلا وأنا مخلصة جميع المحاولات.
تبسمت عوالي وهي تنظر لمايزة التي أشارت لها بيدها بمعنى أن الفتاة ممتازة، ثم سرعان ما اختفت ابتسامتها ودعت مزيونة للجلوس بجانبها وتحدثت بجدية:
-مزيونة اسمعيني زين.. أنتِ تعرفين حب سالم لرجوة أكيد لأن ما في حدا بالقبيلة ما يعلم، وتعرفين أن رجوة هي اللي تخلت مو سالم، يعني لساها بقلبه وراح تضل، إذا عطيتك الفرصة اللي تتمنين وصرتي حلال سالم وسمعت لسانك بيوم ذكر رجوة بغيره، راح أطلعه من خشمك وأقصه. واسم رجوة بيكون آخر شيء نطقه مفهوم؟ -تم يا عمه أبشري.
-وشيء ثاني، إذا عينك نظرت لرجوة نظرة كره بصفي ميها وأخليكي بلا شوف.. سالم ورجوة تنينهم أولادي، وراح يضلون قراب حتى لو سالم تزوج أربع حريمات.. يعني ما فيوم تقارني روحك بها ولا تقولي لسالم ليش هي وأنا لا.. فهمتي علي؟
-تم والله تم، وربي ما راح أحكي حتى إذا تزوجها بعدي، ولا أتكلم إذا جالسها ليل نهار.. أنا كل اللي أبغيه من سالم بس نظرة ودقايق قرب.. أريد أجيب له أول وليد والناس تناديه بأبو فلان وأكون أنا أم فلان، أنا ماني طماعة يا عمتي.. أنا عاشقة عاااشقة.
-والعاشق طماع يا مزيونة وبيني وبينك الأيام، بس أنا حذرت وأنتِ بكيفك.. والآن يلا على خيمتك وما حدا من القبيلة يدري باللي صار بيناتنا، وراح أشوف كل بنيات القبيلة بكرة لجل ما يقولون عوالي تلاوع وما عاد لها كلمة.. وأنتِ جهزي حالك وشوفي ايش ناقصك لحتى ننزل أنا ومايزة الحضر ونجيبه لك، واستعدي لتكوني عروس سالم.
مرت الليلة بساعات أطول من الدهر على كل منتظر، سالم الذي يحارب النوم لكي يأسر منه القليل لعيونه المتعبة وعقله المجهد من شدة التفكير، ومزيونة التي لم تجلس ولو للحظة واحدة وهي تدور في الخيمة كمن ضيع عقله، غير مصدقة حتى الآن بما دار بينها وبين الشيخة عوالي، وكأنها داخل إحدى أحلامها الوردية المتكررة وتخاف أن يختفي مع حلول الصباح.
أما آدم فقضى ليلته بأكملها في مكتب القصر مع أبيه وهم يتشاوران في أمور الشركة الجديدة أو الشركات، يستمع أبيه إليه أكثر مما يتحدث، غير مصدق لأي مدى صغيره أصبح بارع، يشكر منصور وقصير في نفسه كلما رف قلبه ونبض بفرحة، يشكر القبيلة أجمع على احتضانها لطفله وحنوها عليه أكثر من حنو من هم من دمه.
أما عايدة فكانت تشاطرهم السهر، فرحة بوليدها الذي يناطح أبيه ويجادله في أمور العمل ويثبت له في كل مرة أنه هو الأصح والأدرى، كانت تطوف عليهم متحججة بالعصائر والمشروبات، وهي في الحقيقة تحب رؤيتهم معاً هكذا. جلست أخيراً بالقرب منهم وأخذت تراقبهم وتبتسم فكم أصبح كبيراً ووسيماً يخطف الأنظار وتنخلع لطلته القلوب.
كم تعشق جمعتهم وكم تعشق رؤيتهم سوياً وفرحة زوجها بابنه الذي أنساهم كل ما مروا به، وفي كل مرة يحتضنه أحدهم يدرك أن الفراق أتى بثماره حقاً ولم تذهب السنوات هباءً. أما فتيات القبيلة فقد كانت ليلتهم حافلة وهن يتبادلن الثياب فيما بينهن وأدوات الزينة، وكأن سالم آخر رجال القبيلة.. هو ليس بالفعل آخرهم ولكنه من صفوتهم، والفوز به بمثابة الفوز في أضخم السباقات، ولا يعلمون بأن نتيجة المسابقة حسمت سلفاً.
انقضى الليل وأعلنت خيوط الضوء عن يوم جديد، خرجت فتيات القبيلة يسعين في القبيلة وكل تبذل قصارى جهدها اليوم، وتحاول لفت الأنظار قدر المستطاع، وخاصة عند رؤية سالم في مكان ما. اقتربت ساعة الصفر، وقامت مايزة بالمناداة على جميع الفتيات لخيمة الشيخة، فسارعن الفتيات وكأن التي ستصل أولاً هي من ستفوز بسالم!
وحتى مزيونة كانت من ضمنهم كما طلبت منها عوالي؛ كي لا يشك أحد بشيء، ولكنها كانت تمشي بثقة كما لو كانت الملكة وكل هؤلاء جواري يتسابقن لنيل رضى سلطانها. وكان سالم وما يحدث لأجله في القبيلة اليوم مادة للضحك والهزو، وأطلقت عليه عشرات الأسماء نظراً للحدث، مثل، الملك سالم، السلطان سالم، صاحب الفتح، شيخ شيوخ القبائل وووو......
أما هو فكان عقله في مكان آخر، حيث النخلة البعيدة التي تجلس تحتها جنيته غير آبهة بما يدور في القبيلة، وكأن من تتسابق الفتيات لأجله لم يعني لها يوماً شيء! رابح: -خوي.. ياسويلم، إيش رأيك نمشي للحضر ونتفرج على الأغراض وأدلك على مكان كل شيء اشتريته لخيمتي ونشتري لك أخوه. رد عليه سالم بشرود: -أنا ما أريد أمشي لمكان يا رابح أو أشتري شيء، وقت الشرا أي حدا يجيب واتركوني بحالي. فأجابه رابح:
-إيش هاد الكلام يا سالم، والله خيمة أخوي وفرشها ما يجي إلا نقاوة عيني أنا، والخيمة هادول السواعد اللي راح ينصبونها، أنا فديت الساعة اللي خوي يتزوج فيها وأنا اللي راح أجهز له كل شيء بروحي. ليكمل هلال من بعده: -والله ما تمشي خطوة لحالك، ومتل ما سالم أخوك أخوي متلك، وأي شيء ينجاب راح يشيله هاد الكتف، وأكبر وأحلى خيمة بالقبيلة راح تتنصب لجل عيون سويلم، خيمة أكبر وأوسع من خيمة الشيخ بذاته.
تبسم سالم لعبارات الفرح والمحبة التي يسمعها، وكم تمنى هذا اليوم وحلم به، ولكن للأسف بعض الأحلام تأتي غير مكتملة. انتهى اليوم وعوالي أخبرت الجميع بأن عروس سالم سيتم الإعلان عنها في المساء. وها قد أتى المساء والقبيلة بأسرها تنتظر معرفة من هي العروس التي وقع عليها اختيار عوالي، حتى سالم نفسه ينتظر معهم أن يرى من التي سيأتي بها نصيبه.
ولما وقفت الشيخة ونادت على اسم مزيونة، ظهرت من بين الجموع فتاة غاية في الجمال، نعم هو يعرف هذا الاسم ويعرف صاحبته وابنة من، لكن هذه المرة الأولى التي ينظر لها فيها عن قرب وبتمعن. نظرة عريس لعروسه، فسابقا لم يكن يرى من الفتيات ولا يسمع إلا لواحدة، وكأن باقي فتيات القبيلة أشباح سوداء تمر من حوله. تقدمت مزيونة وهي تحاول أن تكتم ضحكتها بيدها وخجلها واضح للأعمى، أما باقي الفتيات فأصبن بالخيبة وجلسن كمن خاب مسعاه.
أشارت الشيخة عوالي لسالم فاقترب منها، وسألت مزيونة أمامه وأمام الجميع: -مزيونة يا بنت حسين، وقع اختياري عليكي زوجة لوليدي سالم وتوا راح ينهي عليكي، عندك شيء تقوليه؟ هزت مزيونة رأسها سريعاً بالنفي، فشعر سالم بأن هذه اللحظات هي نهاية كل شيء.. فابتلع غصته وهو يبحث عنها بين الحضور كي تنقذه وتصرخ بهم جميعاً وتعترض، تخبرهم بأن سالم لها هي فقط ولن تتركه لغيرها، تهتف بأنه ملكية خاصة وتمنع الجميع عن الاقتراب منه.
ولكنه لم يجدها، أصبحت المجالس خالية من وجودها ومكانها فارغ، نعم هو طلب منها الابتعاد عنه، ولكن منذ متى وهي تطيع ولا تخالف له أمراً لتمتثل لذلك الأمر وتنفذه بطاعة عمياء؟ أشارت عوالي لسالم نحو والد مزيونة وهي تذكره ليعود من شروده، فأبتلع غصته وتقدم من والد مزيونة ووقف أمامه وأردف: -يا عمي.. إني أريد بتك زوجة لي على سنة الله ورسوله، أريدها أم وليداتي وعمار دياري. فأجابه والد مزيونة على الفور:
-أبشر يا ولد أخوي عطيتك.. من الحين مزيونة رهينة سويلم. هلل الجميع وقامت النساء بالاحتفال على طريقتهن بإطلاق أغاني الأفراح والمناسبات، والجميع بدأ بالاحتفال بخبر نهوة سالم. ولكن هناك من لم تدخل الفرحة قلبه وكانت الحسرة ربيعه.. ألا وهو قصير ومن بعده هلال وحتى سالم نفسه. تم تحديد موعد الزواج بعد سبعة أيام من قِبل الشيخة عوالي، مما جعل سالم يشعر بالزعر!
فهي مدة قصيرة جداً ليستوعب حتى الأمر، كان يريد وقتاً أطول للتأقلم مع الوضع الجديد، ولكن قرار عمته عوالي كان بمثابة إصدار الحكم قبل المحاكمة. فتفرق الجميع وبعد أن نامت أغلب العيون ركب سالم حصانه وانطلق به هرباً، وكم تمنى مع كل خطوة أن يغادر للأبد ولا يعود إلى هنا مجدداً، فهو يشعر بأن القبيلة أصبحت خاوية لا أهل فيها ولا حياة.
أما رجوة فكم تمنت لو أن الأمر طبيعي، وتستطيع الاحتفال مع سالم بزواجه كاحتفال أخت بأخيها، تساعده في كل شيء وتجلب له ما يحتاج دون أن يطلب، وتلبي قبل أن ينادي، فمن أعلم به منها، كم أرادت أن تمارس على زوجته دور الحماة فهي أكثر من كانت ستتقنه على زوجة سالم.. كانت ستستمتع كثيراً، ولكن لو كانت الظروف مختلفة.
غادرت خيمتها وجلست على أول الطريق فقد عرفت من معزوزة بأنه أخذ حصانه وغادر، أصرت على انتظاره ومحاولة إمضاء معاهدة سلام معه، فها هو سيتزوج وسيتحول قلبه وكل مشاعره لأخرى، وستتحرر هي ويجب أن تتشكل العلاقات من أول وجديد.
انتظرت وانتظرت حتى عاد أخيراً، عاد يترنح فوق حصانه ولولا معرفتها به ل قالت بأنه منتشٍ من شربه للخمر، ولكنها تعرف حق المعرفة أن هذا مستحيل، وعند اقترابه منها أكثر رأت منه ما جعل قلبها ينتفض خوفاً عليه، فقد كانت عيناه حمراء وشفتاه صبغتا باللون الأزرق، كانت حالة تسمم واضحة، ولكن كيف وهو الذي لا يؤثر في جسده سم؟ اقتربت منه وساعدته على النزول من فوق حصانه واحتضنته بخوف، فنظر إليها وهمس بوجع:
-ليش تقتربين، مو قلت لك ما أريد أشوفك، ما أريد أشمك، اخرجي من حياتي يا رجوة واطلعي مني، اخرجي مني تعبتي هالقلب وهلكتيه هلاك، ولك ولييي. أنهى كلماته بلسان ثقيل وازاحها بعيداً عنه ومشى مبتعداً، وبعد خطوات قليلة تعثر. وكاد يسقط فكانت يداها أقرب له من الأرض، فسندته وساعدته على الوقوف مجدداً، أزاحها هذه المرة في صمت وأكمل طريقه وهو يتمتم بوجع:
-اغربي عني ما عاد قربك مشروع ولا عاد لي حق فيكي.. فارقتيني كما تفارق الروح حتى وإن كنتِ تعرفين إن في فراقك موتي.. بس ودي أسألك ليش اللي يموت شخص بيده يفوت على جثمانه ويبكي فوقه ليش ليييش. وصل أمام خيمة رابح ومعزوزة ونادى بصوت عالٍ: -ياااا رابح انجدني واني أخوووك.. تعال يا رابح سويلم يموووت. خرج رابح مسرعاً من خيمته فور سماعه لاستنجاد سالم، واقترب منه بفزع واختطفه لأحضانه وهو يسأله:
-إيش فيك يا قليب أخوك، إيش اللي صابك وليش هيك حالك؟ -ما أدري ما أدري، فيه شيء لدغني وما شفته وما أعرفه ولا أعرف إيش هو وغلبني وأنا اللي ما تغلبني سموم. كاد رابح أن يدخله خيمته ولكنه تذكر أن معزوزة نائمة، فحمله وأسرع به نحو خيمة الشيخة عوالي فقد كانت هي الأقرب، وأدخله بعد أن ناداها بصوت واحد طالباً نجدتها فأذنت له بالدخول على الفور، وشهقت بخوف وهي ترى سالم بهذا الحال.
أنزله رابح فوق الفراش وقامت عوالي بفحصه سريعاً، ولما سألها سر حالته أجابته بحسرة: -سم دفين مع سخونة كانت بالأصل بجوفه، وكل هاد اختلط بالقهر فضعف جسده وجعل السم يأثر فيه. -والحل يا شيخة؟ -بسيطة ماتخاف عليه، سويلم قوي، الحين بسويله أعشاب يشربها وأعشاب أحطها فوق بطنه وأسويله كمادات مي بارد وغدوه يصير مثل الحصان يرمح بالقبيلة.
ابتعد رابح عن طريقها وأفسح لها المجال كي تبدأ في مداواة سالم، أما رجوة فكانت تقف على باب الخيمة وهي تشعر بأنها أصبحت غريبة لا يحق لها الاقتراب، وخاصة بعد نظرات عمتها عوالي الساخطة، فلا هي التي تقوى على الانصراف وترك سالم بهذه الحالة، ولا هي التي تستطيع الدخول، فوقفت حيث هي.. تراقب الوضع وتدعو له، وهذا كل ما بيدها عليه الآن.
مر بعض الوقت وهدأت ارتجافة جسد سالم وتبدل لونه الأزرق وعاد طبيعياً إلى حد ما، واستكانت حركته اللا إرادية، فاطمأنت الشيخة عوالي وطمأنت رابح وطلبت منه العودة لخيمته فقد زال الخطر. أما رجوة فظلت جالسة على باب الخيمة وأبت المغادرة حتى مع رابح والعودة لخيمتها، وعند طلوع الفجر أمرت عوالي مايزة بالذهاب إلى خيمة مزيونة وإحضارها، ولما سألتها مايزة عن السبب أجابتها عوالي:
-أريد سالم أول ما يفتح عيونه يشوف مزيونة فوق راسه، أريده بس يفيق من أحلامه يشوف واقعه وينفض الأحلام وينساها، ماشوفتيه كيف يهزي باسم الفانص طول الليل؟ أريد مزيونة تأخذ دورها بحياة سالم من الحين وتشغل الأماكن الفارغة.
نفذت مايزة الأمر وأحضرت مزيونة التي أتت معها وهي غير مصدقة، ولما مرت بجانب رجوة تجاهلتها تماماً، فأجلستها عوالي بجانب سالم بعد أن أملت عليها ما تقوله له عندما يستيقظ، وتركت الخيمة مع مايزة وذهبتا للوضوء والاستعداد لصلاة الفجر.
أما مزيونة فجلست بجوار حلمها الذي تحقق، وأخذت تنظر إليه وهي تحمد الله وتسأله أن يثبت قلبها الذي يتخبط داخلها من شدة الفرحة.. بينما الأخرى لا تزال جالسة بالخارج تشعر بأنها خسرت مكانتها لدى الجميع، وهذه عدالة السماء فخسارة البعض هي مكاسب لدى البعض الآخر. فتح سالم عيناه ببطء أخيراً، فاعتدلت مزيونة في جلستها وتبسمت بسعادة، أما هو فبمجرد رؤيتها سألها قبل أن يدرك من هي حتى:
-وينها، وين راحت الندلة وتركتني، وأنتِ من وليش تجلسين بجواري؟ أجابته مزيونة وهي تدعي الغباء، فهي تعلم جيداً على من يسأل: -إذا تسأل عن عمتي الشيخة أخذت مايزة وراحوا يصلوا، وإذا تسأل عني فأنا يا ابن عمي رهينتك مزيونة وست بيتك وأم وليداتك بإذن الله، وأنا هون من لما جيت عشية، عرفت أن الأذى صابك اسم الله حولك وجيتك وقضيت الليل بجوارك.
أغمض سالم عيناه بضعف، فها هي تثبت له مجدداً حين تركته في هذا الحال بأنها أندل مما توقع وأحط مما اعتقد، فلو كانت هي لكان خبأها بين ضلوعه حتى طابت. اعتدل في جلسته فهبت مزيونة واقفة وأحضرت له نعليه ومدت له يدها تساعده، فنظر ليدها ثم زفر ووقف دون الاستعانة بها وهو يقول: -بعدك ما صرتي حلالي، لا تمدين يدك صوبي ولا تقربين، بس تكونين بخيمتي يصير القرب مسموح لا تبدأيها معي بالحرام.
كادت أن تفلت من فمها الكلمات وتذكره بأنه اقترب من رجوة آلاف المرات، بل وحملها على قلبه وأجلسها في حجره وليس مجرد لمسة يد، ولكنها تذكرت وعدها للشيخة عوالي، فصمتت، ولكن سالم فهم ما كانت تنوي قوله دون أن تنطق، فعينها قالت ما بداخلها، فأكمل وهو يلبس نعليه استعداداً للمغادرة: -مو حلو الاستعجال، واللي يتعجل شي قبل أوانه يتعاقب بحرمانه، فهمتي علي ياااا؟
-مزيونة يا ابن عمي، وأي فهمت عليك وأنا ما مستعجلة ولا شيء، أنا بس رديت أعينك توقف على رجليك، ومادام ما بيك إلا العافية مالها لزوم يدي ولا مساعدتي. -بشكرك يا مزيونة ما قصرتي. -اسمح لي أسويلك فطورك اليوم يا سالم، هاد أول طلب أطلبه منك وأتمنى ما تردني. صمت قليلاً وأجابها بقلة حيلة:
-ما راح أردك هالمرة، بس يا مزيونة من بعدها أريدك تحطين بمخك إن فيه أشياء الموافقة عليها أو رفضها شيء راجع لي.. وما يصير ندخل فيها غلاتنا عند بعضنا ولا مكانتنا، بمعنى أنا الحين ما أقدر أحط شيء بخشمي وبطني ما طابت زين، وإذا أكلت راح أنضر، وأنت بس حكيتي أول طلب وما تردني ومدري شو أنا ما أقدر أردك بعدها وراح أؤذي حالي لاجل ما تزعلين، فيا بنت الحلال إذا الطلب ما يخصك ما تتوسلين ولا تتدللين. -أمرك ما راح أعيدها وعد.
-بالمرة الجاية اسأليني بس إذا كنت أريد طعام أو لاً، ولا تتعجلي راح تملين من تجهيز الطعام وتتعبين من كثر طلباتي. -والله ما أمل ولا أتعب إذا أضل واقفة فوق راسك ليل نهار. تبسم وهو يعود للجلوس ورد عليها: -ديري بالك هاد الحكي راح تتحاسبي بيه بعدين، والحين هيا جيبي طعامك وما تنسين عمتي عوالي ومايزة سويلهم معي.. وأنتِ معنا.
ضحكت مزيونة وغادرت على الفور وهي تشعر بأن اليوم هو يوم حظها الأوفر حتى الآن، فقد جلست بجواره وحادثته وستحضر له طعام إفطاره وستشارك الطعام أيضاً، فماذا تريد أكثر؟ خرجت من الخيمة وتخطت رجوة التي لا تزال جالسة وبالتأكيد سمعت كل شيء، وذهبت أمامها وكأن ليس لها وجود، أو أنها شيء خفي بالنسبة لها! فنهضت رجوة ونفضت عنها التراب ودخلت الخيمة بخطوات مترنحة ودون استئذان، فرفع رأسه ولما رآها هي هتف بها بغضب:
-اخرجي وما تعاودين، ما أريد أشوف وجهك يا رجوة.. أنتِ ما تعرفين سالم إلا وهو طيب، ما تعرفيه وقت التعب والعوزة، ما تبقين بجواره إذا روحه عم تطلع، تروحي وتردي بس لتشوفي لوين وصل حاله، هي قيمة سالم عندك، سالم ما طلع يعني لرجوة أي شيء، بس فترة وانتهت.
أرادت أن تنفي، أن تدافع عن نفسها، عن مكانته وغلاوته بداخلها، تخبره بأنها كانت تتألم معه طوال الوقت، ولكنها صمتت، صمتت ليصدق بأنها بالفعل قاسية ولا تحمل له بداخلها أية شعور، لعل ذلك يساعده في التخطي أسرع والمضي قدماً في حياته، فغادرت الخيمة دون أن تدافع عن نفسها بكلمة، غادرت وتركته يسبها ويلعن قلبه وغباءه حتى اختفى صوته حين ابتعدت المسافة الكافية.. وجلست تحت جزع نخلتها البعيدة وهي تشعر بأنها باتت منبوذة من الجميع.. فلا أهل، ولا صديق، ولا حبيب، وكأنها نبتة سامة إذا اقترب منها أحد فر هارباً، ومن يقترب منها يموت وهو على قيد الحياة.
في غرفة الفندق: -خلاص يا بابا أنا اتفقت مع اللي هينفذ وآدم هنخلص منه في خلال اليومين الجايين، الناس مراقبينه وهيستنوا بس الفرصة المناسبة. -تمام على بركة الله، وأنا هشوف لمحمود ومراته داهية تاخدهم هما كمان عشان مش ناقصين وجع دماغ بعد موت ابنهم. -وإن ماماتوش نموتهم.. قالتها فريال وهي ترفع زجاجة السم أمام عينيها، الزجاجة التي أصبحت لا تفارقها ليل نهار، وكأنها باتت تستمد قوتها منها. أما بالقرب من مقر شركة آدم:
-خلي بالك صاحب المهمة مستعجل قوي. -إحنا شغلنا مينفعش فيه استعجال، مستعجل يخلص بنفسه، لكن طالما جالي نسيبنا نخلص بمعرفتنا، لو استعجلك مرة ثانية فهمه كده. -تمام.. بص الزبون اللي عليه العين خارج من بوابة الشركة اهو. -وراهيتتتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!