سلك آدم طريقه المعتاد للعودة إلى القصر. في هذه الأثناء، لاحظ سيارة تتبعه. كان مجرد شك، فحب أن يتأكد. تعلم ألا يتجاهل الشكوك. وبالفعل، أخذ طريقاً مختصراً وضيقاً بالكاد تمر به سيارة، وأي سائق غير مضطر أن يعبره إلا لضرورة قصوى. وتأكد من شكوكه حين وجد السيارة أتت خلفه من نفس الطريق. تأهب ورسم خطته سريعاً، وراوغ السيارة ونجح في الهروب منها بسرعة ومهارة فائقتين.
وقف سائق السيارة في منتصف الطريق هو وزميله يتلفتان حولهما بحيرة، فقال أحدهم: -عرف إننا بنراقبه على فكرة. الواد ده طلع فعلاً مش سهل زي ما سمعنا عنه، وأكيد هياخد احتياطه ويخلي باله. إحنا لازم نختفي يومين تلاتة لحد ما يرجع يطمن. -خلاص كده إحنا عرفنا تحركاته وكل طريق ممكن يعدي فيه. وساعة التنفيذ هنعمله الكمين اللي ميخرش المية ولا يعدي منه حي.
وصل آدم لقصره أخيراً، ولم يخبر أباه أو أمه بما اكتشفه اليوم، فهو لا يريد إزعاجهم وهم للتو بدأوا يشعرون بالراحة والأمان. ولكنه هاتف عمه قصير، فلابد وأن يشرك أحد معه في قلقه. -هلا عمي، كيفك؟ إيش أخبارك وأخبار الكل حداك؟ -هلا وغلا وليدي، الكل بخير وما ينقصنا غير وجودك معنا. كيفك أنت طمني عنك؟ -أنا زين ياشيخي، زين.
-عقاب احكي شو فيك وبدون لف ودوران. أنا نعرفك زين ونعرف وقت يكون الحكي ملجوم جواك. حرر عباراتك وتعرف زين ما في بينك وبين عمك قصير حدود ولا خطوط حُمر. -مو مسألة حدود وخطوط ياعمي، بس ما أدري إذا اللي راح أقوله شي ذات أهمية ولا راح أبث القلق بقلبك على شي فاضي. -أحكي والحكم لي. -اليوم حسيت حدا يتبعني بسيارته. -حسيت ولا تأكدت؟ -تأكدت.
-زين ياعقاب، من الحين تدير بالك على روحك. جيب اللي يحرس قصرك وأهلك، وجيب اللي يحرسك أنت كمان، من هدول اللي يقولولهم رجال الحراسة. اعرفك عقاب ماينخاف عليه، بس هالشي إذا كنت تسبح بالفضا الخالي، فضا صحارينا اللي تعرفها متل كف يدك وتعرف الحشرة إذا هربت وين تتخبى. أما عندك في الحضر فالأمر يشبه بيوت النحل، ماتعرف مين يطلع من وين. وحتى إذا حطيت عيونك بنص راسك ما تغلب القاصد. -يعني هيك رأيك ياشيخ؟
-ولزوم يكون رأيك من قبلي ياعقاب. دير بالك أنت اليوم مسؤول عن روحين معلقين برقبتك، إذا مسك شي ينتهون. دير بالك ع حالك لجلهم ياعقاب. -الله كريم عمي، الله كريم. -من غدوه تمشي لشركة حراسة وتأجرلك كم رجال، وإذا ماراح تعمل هيك احكيلي وأنا أبعثلك رجال من القبيلة يديرون بالهم عليك لحين تدبر حالك. -لا لا، أنا اليوم بمشي لهم وأخلص كل شي. اتركك مني وطمني على سويلم ورابح والشباب.
-سالم نهى على بت حسين بالأمس والعرس بنهاية الأسبوع. ورابح ما في شي جديد معه لا هو ولا باقي الشباب. لا لا تذكرت.. بناتي كلهن نهوا عليهن ولاد عمومتهم والاعراس حسب التجهيزات. -والله؟ سالم نهى! بس ما قال الخسيس ولا حتى رابح حكى!! -مسكين، إيش يقول وهو المغلوب على أمره. ماينشر الفرحة إلا الفرحان يا ولدي، وسالم فرحته مكسورة. كسرتها الفانص بت مكاسب اللي لو تتركني عليها سالم بس أكسرها نصين وأحط كل نص على جبل تاكل منه الجوارح.
-اتركها ياعمي، ماتدري لعل سالم الله كتب له الخير وقت بعده عن رجوه. ربي له بكل أمر حكمة. -يعني ياعقاب أنت سامع حالك إيش تقول؟ -سامع وفاهم ياعمي، وأنا اللي أخدت القرار وبعدت. وأول درس علمتهوني الدنيا إن مو كل اللي نتمناه ندركه، وإن الحرمان أضعاف العطى. صمت قصير قليلاً، فآدم دوماً يفاجئه بنضجه وفهمه للحياة، حتى في الأمور الخارجة عن إرادة القلب يغلبها عقابه.
-عمي.. من رخصتك أنا راح أرسل أبوي وأمي لعندكم عالقبيلة يحضرون تجهيزات العرس، ومنها أدبر أنا حالي وأوفر الحماية اللازمة. -زين ما فكرت يا ولدي، وأنت إذا ما كان وراك شي مهم تعال معهم. -يوم بس ولا يومين والحقهم. ما أنا لازم أكون مع الخسيس وأحضر عرسه وأشوف إذا ناقصه شي. -الله يديم محبتكم يا ولدي ويبعد عنكم كل شر. يلا أنا بمشي للشيخة عوالي وأعرفها إن أهلك جايين لجل تستعد وتستقبلهم.
أغلق آدم المكالمة مع عمه قصير وهاتف سالم. وبمجرد أن رد عليه سالم، قال له بغضب: -إذا الواطي حطوه فوق أعلى جبل يضل واطي. وأنا حاطك بقلبي وما ظنيت فيك تنسى خوك وقت فرحتك. بس أنت طلعت ماتنحط بالقلب، تنحط تحت النعال ياسويلم. ضحك سالم ضحكة خفيفة قبل أن يرد عليه: -ينحط فوق الروس سويلم وغصب عنك وعن الأقوى منك.
-تنحط والله، ومين يليق به العلا غير خوي. مبروك عليك العروس والعرس، ربي يجعلها قدم الخير والسعد، وعلى وجهها تشوف أيام زينة. -الله يبارك فيك يا عقابي وعقبال عرسك. ماتزعل مني والله قلت لرابح يخبرك، بس الظاهر رابح معزوزة ضيعت له عقله. -واضح إن عقولنا كلها ضاعت يارفيقي ولزوم ندورو عليها ونعيدوها. هاه طمني عليك شديد وقلبك بعده صامد وبعدك قوي ولا؟ -ماتخاف على أخوك، سويلم واقف متل الأسد بقلب القبيلة وعنده إرادة من جليد.
-تقصد من حديد؟ -لا والله يا خوي حكيتها وأعنيها. من جليد. للحين صلب ومتماسك، بس ماندري يمكن بلحظة تطلع عليه شمس الشوق والحنين وتذوب الإرادة. -تحمل ياسالم بعرفك قوي، وكل شي بأوله صعب. أنا حاسس باللي أنت تعانيه. -إييي نتحمل يبه، نتحمل. -سالم ودي نفهمك شي. اللي راح تتزوجها ما أذنبت معك، فاهم علي.
-سبق وحكيت لك إن سالم ماهو ظالم، لا تعيد اللي انحكى. عندك جديد هات، ما عندك يلا روح شوف إيش وراك، ولا تتأخر على جنازة أخوك بنهاية الأسبوع. -فال الله ولا فالك يانذير الشوم يا أبو خشم ينقط علقم. أغرب غربت عيونك.
أغلق سالم جواله وهو يتبسم، ونظر للفراغ وهو يحاول التخطيط لعرسه مثل أي عريس، ولكنه لم يشعر بأنه يريد فعل شيء، أو حتى يريد التخطيط لشيء. فأغمض عينيه ومال بجزعه للخلف مستنداً على كوعيه، واستسلم لنسمات الهواء الرقيقة. وإذ بلمسة حنونة على وجهه تعيده من ثباته، ففتح عينيه على الفور، فهذه حركتها، دائماً تستغل لحظات شروده وتفكيره وتقاطعه بتمرير ريشة على وجهه.
نظر إليها وكاد قلبه يخرج من صدره من شدة حنينه، ولكن للأسف لم تكن هي. كانت مزيونة. قطب حاجبيه ونظر للريشة في يدها وسألها بغضب مكتوم: -مزيونة إيش تريدين؟ وإيش اللي سويتيه توا؟ -ماسويت شي ياسالم، بس حبيت نجلس معك شوي، إذا مابيها مضايقة ليك يعني. -لا مابيها مضايقة. أنا أسأل عن الريشة. -ما أدري شفت رفاقك دوم يمزحون معك بهالطريقة حبيت نجربها. افترضت إنك تحبها. اعتدل سالم في جلسته ونفض يداه وتحدث دون النظر لمزيونة:
-شوفي يابت عمي. اللي أوله شرط آخره؟ -نور. -النور اللي يملا دروبك إن شاء الله. ولجل تكون حياتنا على نور وكلها نور اسمعي مني ونفذي. -أؤمر يا ابن عمي وعلي الطاعة. -ما يؤمر عليكي غير مُحب إن شاء الله.
اسمعيني يامزيونة. أنا فاهم إنك تحاولين تسوين أشياء كان غيرك يسويها، ويمكن عقلك يصور لك إني أحبها وإني راح أحبك إذا تسوينها. لكن الحقيقة إذا ضليتي تقلدي أفعال غيرك انتي ماراح تساعديني أنساهم. ما أريدك تقلدين وتبذلين مجهود بالنسخ. أريدك تكوني انتِ، على طبيعتج، بأفعالك بشخصيتك. أريد أشوف طبعك انتي، وكيف تتعاملين مع كل شي. ماتعرفي يمكن أحب طبعك أكثر وأحبك من محبتي لطبعك. كوني مختلفة بكل شي يامزيونة. لأني إذا شفت تقليد غصب عني راح أحن للأصل. فهمتيني؟
أومأت براسها ونظرت للريشة في يدها وبحركة سريعة رمتها بعيداً وهمست له: -أي فهمت. والحين بدك شي أسويه لك؟ قهوة شاي، جوعان أجيب لك طعام؟ ضحك سالم قبل أن يرد عليها: -لا مابدي قهوة ولا شاي ولا حتى جوعان. ومن رخصتك ماتشغلي بالك بي، روحي خيمتك وشوفي إيش ناقصك واستعدي لعرسك وافرحي. وإذا نفسك بأي شي شيعيلي مع أي حدا ويحضر لك اللي تريديه. والحين أنا نازل الحضر، قوليلي إيش تريدين أجيبه لك معي؟ صمتت قليلاً ثم أجابته:
-تسلم يابن عمي ويسلم عمرك. أنا ما أريد شي. شعر آدم بأنها تريد شيئاً ولكنها تخجل أن تخبره، فقال لها بتشجيع: -هيا يامزيونة اطلبي مني أي شي. أريد أحس إني مسؤول عنك وإنتي مسؤولة مني. أنا مانعرف إيش تحبين وإيش ماتحبين، عرفيني. رفعت رأسها وخرج الكلام منها دفعة واحدة وكأنها استجمعت كل شجاعتها لتقوله: -طيب إذا مصمم، أنا أريدَك تجيب لي معك شي حلو، يعني مثلاً حلا أسود أو أي شي من اللي تطيب عليه النفس.
تبسم سالم وقد فهم ما تريده. هي تطلب منه أن يحضر لها مثلما كان يحضر لرجوة. فبالتأكيد هي رأت مرة أو عشرات المرات يعطي لها الحلوى، كحال كل أهل القبيلة، فقد كانت الملعونة تتباهى بما يحضره لها أمام الجميع. فأومأ لها بموافقة وقال وهو يشير بأصبعه لكلتا عينيه واحدة تلو الأخرى: -من هاي قبل هي، أحلى شي اليوم يكون بخيمتك ياست البنات. هاا في شي ثاني نفسج فيه؟ -لا لا. ما أريد شي ثاني، بس هدول. -غالية يارهينة سالم وطلبك هين.
غادرت مزيونة وهي تشعر بسعادة غامرة، فها هي تحصل على كل ما كانت تحسد عليه رجوة. سالم ودلاله وقربه، وقريباً محبته التي ستفعل أي شيء من أجل أن تحصل عليها. غادر سالم القبيلة مع رابح وهلال وذهبوا للمدينة. أحضروا الأغراض الشهرية المعتادة للقبيلة، ثم عادوا.
وصلت سيارتهم ورأتها رجوة من بعيد. كان وصولها قبل سابق بمثابة حلول العيد، أو رجوع أب لإبنته من السفر وهو محمل بكل ما هو شهي ولذيذ. والآن لم يعد لها أب يعود من سفر أو عيد تنتظره بلهفة.
والمفاجأة حينما رأت سالم يعطي الكيس البلاستيكي المعتاد الذي يحضره لها لطفل ويهمس له، فإنطلق الطفل به. ظنت بأنه قادم لها، ولكنه تخطاها، وعند البئر من بين كل الفتيات أعطى الحقيبة لمزيونة، والتي ضحكت واحتضنت الحقيبة أمام الجميع بتباهي وفرحة لا تضاهيها فرحة. أما رجوة فتبسمت وهي تدرك أن هذه أول التنازلات. ولكن بينما هي جالسة تراقب وتتدبر سقط شيء في حجرها!
فنظرت إليه وإذ به كيس بلاستيكي آخر. نظرت للأعلى وإذ بسالم يتخطاها ويواصل السير مبتعداً. نظرت للكيس ولا تعلم سبب هذا الشعور الذي انتابها! فللمرة الأولى تشعر بأن هذا الشيء ليس من حقها، وأن سالم أحضر لها هذه الأشياء من باب الشفقة أو التصدق، فأمسكت بالكيس ورمته بعيداً وقامت وتركت المكان وعادت للخيمة.
أما سالم فوقف على مسافة منها وقد أوقفه أحد الشباب يسأله عن شيء، فتحدث معه ولكن عينه كانت تراقبها وتراقب ردة فعلها. ولما رمت الكيس شعر بأنها ألقت قلبه معه مجدداً، وها هي غصة جديدة تتكون في جوفه. فيبدو أن رجوة زهدته هو وكل شيء منه، ولا يعلم سر هذا التحول الكبير. لقد فهم أنها لا تريد محبته أو ترغب به زوجاً. فماذا عن الصداقة؟ أيعقل أن تتخلى عنه وتخرجه من حياتها نهائياً وتهدم جميع الجسور دفعة واحدة هكذا؟
صدمة تلو صدمة ولا يعلم إلى متى سيتحمل قلبه منها صدمات، فغادر بعد أن رأى الصغار يلتقطون الكيس ويفترسون ما فيه، وقرر أن هذه المرة الأخيرة التي سيجلب لرجوة شيئاً. (إلا لو طلبته بنفسها)
أخبر آدم أباه وأمه بخبر زواج سالم، وأرسلهم للقبيلة وقرر اللحاق بهم قريباً جداً. أما هو فبقى في القصر، فتح اللابتوب وبدأ في مراسلة بعض الشركات الأوروبية والاستفسار عن بعض الأشياء، وذلك لأنه يفكر في افتتاح مشروع جديد بعيد جداً عن مجال شركاته الحالي. إلا وهو مصنع عملاق لتصنيع الأسلحة، حيث إنه يرى تكلفة الاستيراد والشحن ومخاطرة التهريب تجعل ثمن الأسلحة باهظ جداً، وهو أولى وأحق بالفارق. سيكون مشروعه قانوني، وتأكد أن هذه
هي التجارة الوحيدة الرابحة بنسبة مليون بالمائة. ولكن هناك بعض العقبات ستواجهه، مثل استيراد قطع معينة من الخارج، لأن هذه القطع تحتاج لآلات خاصة باهظة الثمن ودقيقة لتصنيعها، وهو إن بدأ في هذا المشروع سيدفع كل قرش يمتلكه في تأسيسه فقط.
وبعد الكثير من الاستفسارات وجد أنه لن يستطيع في الوقت الحالي بدأ التصنيع لأنه سيتكلف مبالغ طائلة لا يمتلكها. ولكن بعض الأراء أقنعته بأن يستورد قطع الغيار والأجزاء منفردة ويقوم بتجميعها في بلده، وهذا سيوفر عليه الكثير من الأموال. وإن كان يبحث عن التجارة بشكل قانوني فهذا قانوني ولا خوف منه. فقرر أن ينتهي من عرس سالم ويدرس الفكرة بشكل أعمق ويبدأ في تنفيذها. وسيأتي من القبيلة بمن سيساعده، فلا أمان إلا لمن تربى معهم ويعرفهم مثل خطوط يده، فهناك لا يعرفون الخيانة ولا تعرف الخيانة لنفوسهم سبيل.
وبينما هو جالس سمع جرس الباب، فقام إليه، ولما فتحه كان مدحت ابن عمه هو من يقف خلف الباب. دعاه للدخول بابتسامته المعتادة، فدخل مدحت وتلفت حوله وقال: -أمال فين عمي ومرات عمي؟ -سافروا البادية يحضرون عرس سالم خوي، وأنا بلحقهم غدوه. -خسارة دانا جعان وجاي مخصوص عشان آكل من إيد مرات عمي، وحشني أكلها. -غالي والطلب هين، أمي معبية المجمدة وكل، وقالت بس تجوع سخن وكل. تعال نشوف إيش مسوية ونسخن وناكل سوا، حتى أنا جوعان. -يلا.
ودخل الاثنان المطبخ وبدأوا في استكشاف أنواع الطعام، وكل منهم أخرج ما دنت عليه نفسه وقام آدم بتسخينه، وجلس الاثنان على الطاولة في المطبخ يأكلون بإستمتاع وشهية مفتوحة، حتى آدم الذي لم يكن يعلم أنه جائع إلى هذا الحد، أو ربما طريقة تناول مدحت للطعام أمامه بهذه الطريقة أشعرته بالجوع؟!
وبعد إنهائهم للطعام قام آدم بصنع القهوة بطريقة أهل البوادي المميزة، ولكن الاختلاف أن القهوة هناك تصنع على الجمر، أما هنا فالموقد الغازي هو الراعي الرسمي لكل شيء.
شربا القهوة وهم يتجاذبون أطراف الحديث، وكم ود آدم أن يطلب من مدحت أن يشاركه في عمله، فهو حتى هذه اللحظة يثق به كثيراً ويشعر تجاهه بالارتياح. ولكن نفض الفكرة من رأسه سريعاً، فالأيام علمته أن يتأنى كثيراً قبل أن يضع ثقته في شخص ما، مهما كان الشخص، وخاصة ابن عمه يحيي وفريال، سيكون التأني أطول والحرص أكثر. ولكن لا مانع في تجربة خفيفة تساعد في الاكتشاف سريعاً. فقال له:
-يا مدحت أريدك معي يا ابن العم، أريد أكلفك بمهمات استلام البضايع وتوزيعها بالمواعيد المضبوطة طول فترة غيابي. فتهلل وجه مدحت وهو يجيبه دون تردد: -أنا معاك يا ابن عمي، معاك وتحت أمرك وأمر عمي فأي حاجة تطلبوها، وهتلاقوني سداد بأمر الله. -كفووو والله والنعم منك يا ابن العم. خلص من غدوه نبدأ على بركة الله. الموضوع ما يتطلب التعيين بشكل رسمي، والراتب راح أحدده لك بس أرجع. تجهم وجه مدحت ورد عليه:
-أنا مش عايز رواتب يا آدم. أنا كل الحكاية إني حابب أساعدك انت وعمي لمجرد المساعدة وبدافع المحبة. أنا نفسي أقدم لكم أي حاجة، نفسي أعتذر لكم كلكم عن كل حاجة وحشة شفتوها بسبب أهلي. أنا أه مليش ذنب بس كمان عارف إن السيئة تعم ولازم حد يدفع ثمن أخطاء أقرب الناس ليه، أو يتحملها. -ماتحكي هيك يا مدحت، أنا مو من اللي ياخذون ناس بذنب غيرهم ولا أحب أحمل حد أغلاط حد تاني. الكل عندي مسؤول عن تصرفاته وبس.
-بصراحة لو دي تعاليم القبايل يا آدم ياريت التعاليم دي تنتشر في الدنيا كلها. أنا حاسس إنك واخد مبادئك من أعدل ناس على وجه الأرض. ياريتني كنت رحت معاك وكبرت واتربيت على إيديهم. حقيقي أنت حببتني في حياة القبايل وأهلها وكل حاجة فيها. تنهد آدم ونظر أمامه ورد عليه:
-أيش شفت أنت من حياة القبايل يا ابن عمي. هناااك تحت السما والأرض الواسعة حرية مالها نهاية وراحة مالها حدود. تحس بينهم الحياة أبسط من البساطة وأن المال هو آخر شي يفكرون فيه، ومع هيك القروش تحت رجولهم مالها عدد. الأب يعطي حرية بس يعطي معاها مبادئ وقيم، ويطلق أولاده متل الطير يتعلمون التحليق ويغدون نسور ماعليهم خوف. بالليل الكل ينام جوار بعضه سواسيه، لا حد يحمل لحد كره ولا ضغينة، الكل خوات وتهون الروح لجل الروح، وما ينعز عن الأخ عزيز ولا غالي. وقت يمرض فرد تحس المرض تفشى بكل القبيلة وتداعت له أفرادها بالسهر والخوف والقلق، والكل يشاركه أوجاعه. أنا شفت هناك الحب الغير مشروط، ريت العطاء بدون مقابل، تعلمت واااجد أشياء جيت هون مالقيت منها شي!
صدق أنا أتمنى لو إني أقدر أرجع أعيش هناك لآخر عمري، بس اااخ. أبوي ومصالحه وانتظاره لي وهو متأمل أعود أرجع له كل حقوقه المسلوبة. ما أريد أخذه وأنقله من جذوره لمجتمع غريب ما اعتاد عليه ولا بعد هالعمر يقدر يتأقلم. لا هو ولا أمي.
-حقيقي أنا فاهمك وعاذرك وحاسس بيك. بس على فكرة إنت تقدر تكون نقطة البداية عشان تنشئ محيط خاص بيك أنت، وتعمل حواليك دايرة ميدخلهاش إلا شخص بنفس قناعاتك ويتعامل معاك بنفس أسلوبك ويكتسب منك مش انت تكتسب منه. -ما أظن. الأمر أشبه بإختلاط قطرة ببحر، ماراح تأثر فيه ولا حد بيلحظ وجودها. بس راح أحاول إن القطرة تكون قطرة زيت، تضل محافظة على نفسها متل ماهي لا تختلط بالماء ولا الماء يختلط بيها.
-حتى تشبيهاتك جميلة يا آدم زي أخلاقك بالظبط. -الله يعزك يا طيب القلب. هاا هيا علي المكتب لاعرفك كيف يمشي الشغل. -يلا. *** أما عند يحيي في الشركة: -يعني إيه أنا قلت خلاص؟ أنا مش قادر أستحمل وجود البني آدم ده في الدنيا أكتر من كده. أنا حاسس إنه طابق على أنفاسي. -اهدى ياياسين واصبر معلش، كل تأخيره وفيها خير. وبعدين كام يوم مش هيفرقوا كتير يعني. -يابابا أنت مش فاهمني.
-فاهمك وحاسس بيك والله بس هنعمل إيه يعني. ادي الله وادي حكمته. صمت الاثنان قليلاً، ثم اردف ياسين متسائلاً: -متعرفش حاجة عن خالتي فاطمة وولادها راحوا فين ولا عملوا إيه؟ -وليه بتسأل عنهم؟ مالنا بيهم. خليهم يبعدوا عنا ويخرجوا من حياتنا بقى هما كمان، كفاية بقالهم سنين قاعدين على قلوبنا.
-أنا مليش دعوة بخالتي وأولادها يغوروا فستين داهية. أنا بسأل عشان حياة اللي اختفت مرة واحدة ومحدش راضي يقولي مكانها فين. البت دي هجيبها يعني هجيبها وهتجوزها غصب عنها وعن عين أمها. -ماتبعدنا عن السلسال المنيل ده يبني وتاخد أي وحدة غيرها. دي لو زعلتها في يوم ممكن تسممك. -ليه ماهي أمي معاك مسممكش لحد النهارده ليه؟ -وهو أنا أقدر أزعل أمك ولا أكسرلها كلمة وأقولها تلت التلاتة كام؟
مانتاش شايفني ماشي جنب الحيط وكل كلامي معاها نعم وحاضر وأحايل وأدادي. دانا يابني بخاف أكح جنبها بصوت عالي. وبالليل لو رجلي ولا إيدي خبطتها بالغلط بفضل أعتذر وأتأسف لحد ما تقول لي خلاص اتخمد. وخصوصاً وأنا شايفها اليومين دول ماشية بقزازة السم في إيدها زي ما تكون مقريفة ونفسها تموت أي حد وخلاص! -لأ حياة غير أمها وأمي خالص. -متراهنش على كده عشان العرق دساس ياحبيبي. -بابا لو سمحت خليك أنت بعيد عن الموضوع ده.
-حاضر. أمرك يا ابن فريال. أما في القبيلة: -هااا يافانص فرحانة ومرتاحة توا بعد ماضيعتي من يدك بلح الشام وماطولتي ولا راح تطولين عنب اليمن؟ -مكاسب حلي عني وانتي بالذات ماتحكي بالموضوع. -وليش ما أحكي وأنا الضرر طايلني وأكثر منك. أبوكي من ساعة ما هرب عقلك وهو مايطايقني ولا يطايق خيمتي، وكن يم سدينة. ضيعتي تعب السنين وعكرتي صفونا الله لا يوفقك.
-أي هو هاد كل اللي يهمك، أبوي ودخلته خيمتك. أبوي وبس. ما يوم حسيتي بي، ما يوم كنت أنا جزء من تفكيرك ولا حالي صعب عليكي. انظري لقلبي بقلب أم يامكاسب مرة، بس مرة. -ولا أنظر لقلبك ولا أريد حتى أنظر لوجهك. قبح الله وجهك متل أخلاقك القبيحة. يمكن إذا قبيحة الوجه ما عشقك سالم ولا ابتلى قلبه فيك. روحي الله ياخذك أخذ عزيز مقتدر ويريح كل القبيلة منك يالفانص. ردت عليها وقد تجمعت الدموع بعينيها:
-الله يسمع منك. والله الموت راحة والله. -الله ينولك هي الراحة يارب. أنا ما عارفه ليش قصير صابر عليكي للحين؟ ليش ما دق عنقك ودفنك وريحنا؟ -والله اللي يجي يم بتي لاحرق القبيلة كلها برجالها وصباياها وكل ما فيها نخليه أحطام. أمي اطلعي من الخيمة واتركيها بحالها. يعني ماشايفه عيونها تنزف دمع؟ خلاص وصلتيها للمرحلة اللي يرتاح لها خاطرك. حرام عليك فارقيها. -معزوزة انتي لا تتدخلين. اشقي بروحك وبراجلك وبس.
-ومين اللي يتدخل غيري؟ رجوة غلطت وغلطها كبير، بس ما حد راح يدفع عنها ثمن غلطها. انتي اصبري وابوي هيرد لك بس تهدأ الأمور ويتقبل الوضع. ومن الحين إذا كل اللي يشوف رجوة يدعيلها بالموت اعتبروها ماتت وما تحكوا معها حرف. الأموات إذا ما ينذكر طاريهم بالرحمة ماينذكروا بالسوء، يتركوهم بحالهم وبس. -أي وأنا يعني راح آخذ منكم حق ولا باطل؟ أنا بطني ما يجيب إلا الفوانص. اللي يواطن الراس.
-هيا يا أمي عدي ساعدي صبايا القبيلة في تجهيز شي. عدي خلي عين أبوي تشوفك ويغلبه الحنين ليكي يا أم هلال. بس غيري ملابسك قبل وجري عيونك كحل وحطي شوي حمرة. كانت هذه الكلمات تخرج من فم رجوة بسخرية، وتهكم، وكأنها تخبر أمها بطريقة غير مباشرة بأنها خُلقت وتعيش من أجل هذا الأمر فقط، من أجل إرضاء أبيها على حساب أي شيء، حتى فلذات أكبادها، وأنها خالفت الطبيعة وشككت رجوة في كل الغرائز، حتى التي يجزم الجميع أن لا شك فيها.
تركت مكاسب الخيمة بدون أن ترد عليها، فلا الحديث معها يجدي ولا توبيخها يأتي بفائدة، وكأن عقلها وقلبها خُتم عليهم بالغباء. وكما عهدتها ستظل. سبباً مستمراً لتنغيص حياتها وإفسادها.
غادرت مكاسب الخيمة، وبمجرد أن فعلت دفنت رجوة رأسها بين ذراعيها بعد أن لمت أرجلها. وأبت معزوزة أن تتحدث معها فتزيد عليها الوجع، فالكل يعلم أن العتب واللوم يهلكان، ولا أحد يتحمل منهم فوق طاقته، فرأفت بها وتركتها وهي تعلم أن القادم سيكون وجعاً لرجوة لن تتحمله.
أما في القبيلة، فبدأت ليالي العرس، وكان اليوم هو أول يوم للذبح وإعداد الولائم لأهل القبيلة وزوارها. إنه عرس سالم ويجب أن يكون من أفخمهم. وأشرف قصير بنفسه مع أبو سالم على تقديم الولائم. أما الليل فكان تنظيم الاحتفال فيه للشباب والنساء، وكانت الأجواء جميلة أعجبت محمود وعايدة كثيراً. وكم تمنت عايدة أن تعيش فرحة كهذه ولكن العريس يكون ابنها آدم، ففرحة زواج الابن فرحة لا تضاهيها فرحة. واندماج الاثنان في الأجواء ولأول مرة فرحتهما لا تكون ناقصة.
وصل آدم القبيلة أخيراً بعد انهائه لجميع الأمور العالقة، وبمجرد أن سمعت رجوة بقدومه جن جنونها. غادرت خيمتها بحثاً عنه ولم تهدأ حتى رأته أمامها. أصبحت تتواجد على مقربة منه دائماً، تراقبه أينما ذهب، وقررت أن تحدثه هذه المرة في أمرها، فلا عيب في ذلك إن كان سيأتي بثماره التي تتمناها. كل هذا تحت أنظار سالم المراقبة، فهي تراقب وهو يراقب، وكل مراقب لا يهتم سوى بمن يراقب.
وفي اليوم الذي يسبق يوم الزفاف، ترقبت رجوة لآدم في الصباح الباكر، فهي تعلم أنه في هذا الوقت يمتطي حصانه وينطلق في الوديان يسابق الريح ويستمتع بالنسيم العليل. وفي مثل هذا الوقت كان خمسهم يفعلون ذلك. ولكن الآن تفرق الجمع وانشغل من انشغل، ولكنها تعلم أنها عادة لن يفوتها آدم لأي سبب مادام بالقبيلة، فهو لم يتكاسل عنها يوماً حتى وإن تكاسل الجميع. ركبت حصانها وتبعته حيث ذهب.
أما هو فقد علم بانه مراقب منذ الوهلة الأولى، وعرف أنها هي من يتبعه، فاخذها إلى أبعد نقطة ممكنة، وتوقف واستدار بحصانه مرة واحدة وانتظرها. وصلت إليه وأوقفت الحصان وترجلت من فوقه، ونظرت لآدم وقالت: -انزل ياعقاب من فوق ضهر حصانك ودي أحكي معاك. -ما يلزم ننزل، قولي إيش تريدين يارجوة. ويا ريت تحفظي مي وجهك. -أريدك ياعقاب، أريدك وأنت تعلم، أريد قربك ومحبتك. -وإذا قلت لك ماعندي؟ -إيش هو اللي ماعندك؟
-ماعندي لك لا محبة ولا قرب. ولو أنتِ آخر نساء الكون ماتهنيني ولا تكوني حِل لي يارجوة. -ليش ياعقاب، إذا على سالم بيتزوج غدوه، يعني مافي عقبات ولا موانع. -ومن اللي فهمك إن سالم هو العقبة والمانع؟ أنا من حالي مانريدك، مانريدك، ماشايفك أكثر من أخت. افهمي يابهيمة الوادي. -بس أنا مو أختك، وانحل لك ياعقاب. -يابنت الحلال افهمي، أنا ما أريدك، ماتطيب نفسي عليكي. -جربني وراح تشوف مني كل اللي يسر عينك وينسيك نفسك ياعقاب.
تعصب كثيراً من كلماتها ورد عليها بغضب: -يا رجوة مانريد نتذوقي كرباج لساني كيف يقتل مو بس يوجع بالحكي، فبالله ماتخليني نسويها معاكِ. -يا آدم لا تكون قاسي بهالشكل. -رجوة هي مو قسوة، انتي عرضتي علي محبتك وسألتيني المحبة وأنا ما أريد الأولى ولا عندي الثانية، وازيدك من الشعر بيت، أنا رايد حياة بت فاطمة، اظنك شفتيها وتعرفيها، واتفقنا على الزواج، وقريب بتم خطوبتنا، بس مسألة وقت مو أكثر. يعني موضوعنا منتهي.
ترنح جسدها فور سماعها لكلماته الصادمة، واستندت على حصانها واردفت وقد اختنقت عبارتها بالدمع: -وأنا يا آدم، إيش نسوي بحالي، ماسألت حالك رجوة إيش تسوي؟ -وأنا إيش أسوي لك، أنا يابنت الحلال ما وعدتك بشيء. وكيف ما أنت تدورين راحة قلبك أنا كيفك انريد شويقي وراحة قلبي، الحب أناني ومافي تضحيات. ولو الواحد ملزوم يضحي لجل واحد يحبه، كانت التضحية أولى بك أنت لسالم، اللي مافي حبيب قدم ولا راح يقدم لحبيبه أكثر من اللي قدمه لك.
-أووووف سالم سالم. -يا آدم بس افهمني، أنا إذا تركتني أنموت، والله أنموووت. -ليش يارجوة تحكين بكل هاد العشم، من وين جبتيه انتي؟ -ما أدري، ما أدري. أنا كل اللي أعرفه إن إني نحبك ياعقاب نحبك. -ولك حبتك الضباع الجياع والتفوا حولك واكلوك بعظامك. رجوة ردي للديار والا وربي أدفنك اهنا حية وماحد يعرف لك طريق. نظرت إليه وبتوسل أكبر همست له: -عقاب. فصرخ بها بكل قوته:
-اغربي عن وجهي بلا عقاب بلا هباب. قلت لك خطبت، رهنت، حبييت، ما لكي مكان بقلبي ولا حياتي. أنهى كلماته وانطلق بحصانه مبتعداً وتركها تواجه الخيبة التي ألقاها على مسامعها تواً. فكيف يخطب أخرى وهي التي تحارب من أجله. كيف يستطيع أن يكسر قلبها بهذه القسوة؟
عادت أدراجها للقبيلة، وهناك تركت الحصان دون حتى أن تربطه، تحركت نحو خيمة معزوزة التي كانت تقف أمام خيمتها. اقتربت منها بأقدام تغوص في الرمال من ثقلها، ولما اقتربت منها خارت كل قواها، كادت تسقط ولكنها استعانت بقائمة الخيمة. ولما رأت معزوزة حالها سارعت إليها وأمسكتها وهي تسألها بخوف: -رجوة إيش فيك، ووين كنتي؟
لم تجبها رجوة واكتفت بالسكوت، أخذتها معزوزة للخيمة وأوصلتها للفراش. أجلستها وتركتها وهي تعلم أنها ما هي إلا بداية المعاناة. أما سالم فكان يقف بعيداً، رأى المشهد كاملاً وعرف سر حالتها وهو يرى آدم عائد للقبيلة من بعيد على حصانه. علم أنها حاولت التقرب فصدها العقاب بكل قوته، بل وغرز مخالبه في قلبها. وعلى قدر حزنه منها كان حزنه عليها. فلا هو الشامت ولا هو الراضي.
استقبل آدم بابتسامة بشوشة وأخذه وتناولاً طعام الإفطار سوياً مع رابح وهلال، وأخبر الجميع بما قاله لرجوة ليقطع عليها الطريق، وأوصاهم إن سأل أحدهم يخبرها بنفس الشيء، وهو سيوصي أبويه والشيخة عوالي أيضاً بأن يكون الكلام موحد. كان سالم صامتاً طوال الوقت لم يتفوه بكلمة وكأن الأمر لم يعد يعنيه، ولكنه كان الأكثر اهتماماً من بينهم وأكثرهم إنصاتاً.
انتهى اليوم بكل ما حمله من أوجاع للجميع، واليوم هو عرس سالم. القبيلة كلها على قدم وساق. الكل يجري ولكل فرد مهمة ينجزها. أما في خيمة مزيونة فكانت أصوات الضحكات الصاخبة والأغنيات تعبر عن سعادة من بالخيمة. مزيونة حتى هذه اللحظة لا تصدق بأنها أصبحت عروس سالم واليوم انعقد اسمها باسمه. لا تصدق بأن سويعات قليلة تفصلها عن الذهاب لخيمته ومقاسمته كل شيء حتى أنفاسه.
أما في خيمة معزوزة فكانت رجوة جالسة بمفردها، تتعالى حولها أصوات الفرح ولا تقوى على الخروج والمشاركة أو المشاهدة. فلا أحد في كامل القبيلة يريدها، لا أهل ولا رفاق، ولا حتى أقارب. ولكن كل هذا لم تكن ستلقي له بالاً لو أن شخصاً واحداً من بينهم قرر البقاء معها. كانت ستبدل العالم كله به، ولكنه خذلها.
أما سالم فكان يشارك الشباب في الصياح والفرحة والرقص، ولكن كل هذا من وراء قلبه، وكأنه يرقص فوق رفات قلبه. رقصته كانت تشبه رقصة الموت التي يظن الناظر أن صاحبها يتخبط فرحاً وليس ألماً. هو يرقص وهذا كل ما يهم. انتهى كل شيء وحان الوقت. وقف سالم وسط الشباب وحمله آدم على كتفيه وسار به والكل خلفه، تتعالى أصواتهم بالهتافات المعروفة بـ (أغاني الزفة الفلكولورية)
حتى أوصلوه لخيمته، خيمته التي جهزها له رابح وهلال معه بما يليق بصديقهم، وأحضر له نفس الأغراض التي أحضرها لنفسه، بل وأفضل.
أنزل آدم سالم والتفوا حوله، وهي دقائق من التصفيق والتهليل قاطعها سالم بتحية من يده أخبرت الجميع بأن هذا القدر كافٍ، فانفض الجميع من حوله، واستدار هو للخيمة وهو يستجمع كل قوى قلبه، فشعوره الآن يشبه شعور شخص على وشك الخيانة. لا يعلم سر هذا الشعور، ولكن ربما عقله الذي نسج أحلاماً غير هذا الواقع تماماً هو ما يرفض التخلي عما نسجه وتعب فيه ويبث له هذا الشعور!
ولكن بالنهاية هذه الخيمة وما بداخلها هي الحقيقة الوحيدة، ووداعاً للأحلام والأوهام. دخل الخيمة وكانت مزيونة في انتظاره. تشهد عيناه أنه ما رأى مثل هذا الجمال الهادئ المريح من قبل، فاقترب منها وجلس بجانبها. صمت وطال الصمت، فأردفت مزيونة: -جوعان ياسالم؟ -لا مو جوعان إذا جوعانة أنتِ هيا قومي ناكل. -لا لا، أنا أسألك بس، أنا مو جوعانة. -طيب. -احممم سالم. إذا ماتقدر اليوم أ.... قاطعه بغضب عارم: -على إيش ما أقدر!
عليكي لعنة الله يامزيونة، صكري خشمك وقومي طفى الضوء وتعالي، وكلمة إذا ماتقدر هي إذا زارت لسانك مرة ثانية راح أخليكي تمسكين لسانك بيدك بعد ما أقطعه. فهمتي؟ -أي فهمت فهمت. وقامت سريعاً تطفئ الضوء، وما إن فعلت وأقتربت من سالم حتى التهمها كأسد جائع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!