نظر آدم لفريال وبدون مقدمات اختصر المسافة بينهم في خطوة، وهم أن يقبض على رقبتها ويعتصر أحبالها الصوتية التي تحدثت مع أمه وابيه بهذه النبرة، ولكن رجولته وماتربى عليه منعاه من أن يمد يده على امرأة، فبحركة واحدة قبض على رقبة عمه بيد وعلى رقبة مدحت ابن عمه القريب منه باليد الأخرى، وكانت قبضته كالفولاذ الذي انصب على رقابهم. وجه نظراته وحديثه لفريال زوجة عمه قائلاً:
-الباين هادي عادتك مو أول مرة تتكلمي مع أمي بهالنبرة، بس هادي آخر مرة نسمحلك تتعدي حدودك وتتكلمي بيها معاها. كلامي للكل مو انتي بس، أي حدا يتكلم مع أم عقاب بطريقة ماتليق ويقلل من قدرها، والله نقطع لسانه ونوكله له. وتو غير مرحب بيكم في، هيا كيف الخلق المحترمين لملموا عيالكم وكرامتكم، لو كان تعرفوا إيش يعني كرامة وتغادروا القصر، وما تاخذوا ولا شي معاكم إلا الملابس اللي عليكم، خلوها تصير باليسر بدل ما تصير بالعسر.
أنهى آخر كلماته وكان عمه وابن عمه يختنقان من قبضته وتحول لون وجهيهم للأحمر وهم يحاولان التملص من قبضته الفولاذية ولا يستطيعان، فتقدم نحوه أبيه وأمسك ذراعه القابض على رقبة عمه ونظر إليه وهمس: -مش عايز ابني يكون مجرم يا آدم، سيبهم يا ابني متضيعش نفسك. فأرخى آدم قبضتيه على الفور، ونظر لعمه وأكمل أوامره: -لو ما تريدوني أنصير مجرم وأنسوي أول جريمة لي، توا غادروا حالا.
نظر يحيي الذي كان يفرك في رقبته متأملاً إلى زوجته يرجوها حلاً، وأردفت هي بنفس الإصرار: -مش هنمشي وهنبلغ البوليس يجي يثبت حاله، واللي معاه الأوراق اللي تثبت ملكيته للقصر يطلعها. ولأن أوراق القصر كلها عرفية ولم تُسجل أدركت عايدة أن فريال استولت عليهم، وتتحدث بكل هذا الثبات وهذه القوة من هذا المنطلق، فنظرت لآدم وقالت له: -استنى يا آدم عشان الظاهر إن فريال عملت حاجات كثيرة أوي في الـ 3 سنين اللي فاتوا دول. آدم:
-كل شي انعمل راح تتحاسب عليه، هي دارت طريق ومشت فيه وأنا هنحاسبها على كل خطوة خطتها في هالطريق اللي آخره جحيم يسعرها. أنا هنا تو، وهنخلي كل واحد في مكانه اللي يحقله. ردت عليه فريال بقوة لا تتناسب مع الموقف نهائياً: -اعمل اللي تعمله، القصر دا قصري وقصر ولادي ومش هنمشي منه، واللي تقدر تاخده يا آدم خده، الساحة قدامك ووريني شطارتك، مبقاش إلا انت يا ابن إمبارح. ودلوقتي... كارمن... مدحت على أوضكم...
وانتي يا فاطمة خذي أولادك ويلا على أوضكم، وأظن انتي كمان حان الوقت إنك تشوفيلك سكن بعيد عن قصري. أردفت فاطمة وهي غير مصدقة لما تسمعه من أختها: -سكن بعيد عن قصرك؟ هي بقت كده يا فريال؟ فريال: -أيوه بقت كده يا فاطمة، واديكي شايفة إنها حرب وبدأت ومش هينفع تكون فيها أطراف كثيرة. نظرت إليها فاطمة نظرة أخيرة قبل أن تأخذ أولادها وتذهب بهم تجاه غرفة مديحة، والتي أصبحت غرفة فاطمة، فزمجر آدم معترضاً:
-مافي حد هيبقى في القصر وقلتها كلمة انقلعوا بالذوق. ليتحرك بعدها ويبدأ في جذب مدحت من ذراعه للخارج ومعه عمه، ولحقتهم فريال وهي تجذب يحيي باعتراض، وحينما لم تستطع منع آدم من سحبه هرولت على الهاتف وقامت بإبلاغ النجدة عن محاولة تهجم على بيتها من أخيه وابنه، وانتظرت قدوم المساعدة إليهم.
وبعد قليل من الشد والجذب، ومحاولات كثيرة من يحيي لاستعطاف محمود، وصلت عربة الشرطة، وقامت بأخذ الجميع، آدم وأبيه ورابح وسالم ويحيي ومدحت ابنه لقسم الشرطة.
وهناك تم تحرير محضر بالواقعة، وكاد الأمر ينتهي لصالح يحيي لولا أن عرف آدم عن نفسه وأظهر للضابط بطاقة بلون أسود لا تُعطى إلا لأشخاص يعدون على الأصابع في البلد، وتعني أنهم محصنون من قوات عليا، فانقلب الوضع رأسًا على عقب على الفور، وتفاجأ الجميع بمعاملة الضابط لآدم بمنتهى الاحترام والتقدير. وهذه كانت الضربة الأولى ليحيي وابنه، فقد علما جيدًا لأي مكانة قد وصل آدم، وأخذ السؤال يتخبط في عقولهم.. كيف ولماذا؟
وانتهى الأمر لأن المحضر يفض على الفور ويغلق، ولكن آدم قدم محضراً آخر مفاده أن عمه استولى على قصره بالقوة ووضع اليد. وانتهى الأمر على يبقى الحال على ماهو عليه ويتقاسم الجميع القصر لحين عرض المحضر على النيابة، وعاد الجميع للقصر. آدم: -والله برفه من إصبعي الخنصر نقدر نوديك انت وأولادك ورا الشمس، وأظن إنك ريت العينة، ها تمشي ولا تجرب ويش نقدر أنسوي؟ وهنا كان يجب على يحيى استخدام ذكائه، فهو بالفعل رأى ما يمكن لآدم فعله،
فأردف على الفور: -هنمشي يا آدم بس ادينا فرصة يا ابن أخويا نرتب أمورنا، ادينا فرصة يا محمود نشوفلنا مكان وهنمشي. نظر محمود لآدم بعد أن نظر لكارمن ومدحت ووجدهم مطأطئي الرأس بحزن وخزي فقال: -خلاص يا آدم اديهم فرصة يدبروا نفسهم، حتى كرمال صلة الدم اللي عمرهم ما عملوها حساب. آدم: -يبقى كام يوم بس، وجيب مفاتيح الشركة وما عاد تخطيها. فأخرج يحيي من جيبه المفاتيح وأعطاهم له وقال: -تمام المفاتيح اهي. أخذهم آدم
منه ونظر حوله وقال لأمه: -وين غرفتك يا غالية؟ عايدة: -كانت فوق من 3 سنين معرفش دلوقتي لها وجود ولا فريال احتلتها. يحيي: -لأ موجودة زي ماهي محدش احتلها، مفيش بس غير أوضة مديحة أخدتها فاطمة. تذكر هنا محمود أن أخته مديحة غائبة منذ وصولهم ولم تظهر، فسأل بغرابة: -إلا صحيح فين مديحة مش ظاهرة؟ هي اتجوزت وسابت القصر ولا إيه؟ فريال: -مديحة ماتت. ضحك محمود وبعدها أردف ساخراً:
-طبعاً والسبب مجهول والأعراض سكتة قلبية والوفاة طبيعية، نفس الطريقة بنفس التكتيك، بنفس السم. لم يتفوه أحد منهم بحرف، وانفض الجميع لغرفهم، ونظر محمود إلى غرفة أخته مديحة التي برغم كل شيء فعلته معه إلا إنه شعر بالحزن عليها، ولم يستغرب موتها أو الطريقة، فالأفاعي إن لم تجد ما تأكله تأكل ذيولها ولن تقف منظومتهم على صلة قرابة.
صعدت عايدة ومحمود لغرفتهم، وبدأت في تفقد أشياءها، وتأكدت من وجود كل شيء إلا العقود والأوراق الخاصة بالأملاك كما توقعت. أما آدم فجلس في الحديقة مع رابح وسالم وأخذ يتفقد المكان من حوله، نعم هو يتذكره، ولكن المواقف التي عاشها هنا بهتت وأوشكت على أن تتلاشى، والباقي منها لا يكون ذكرى كاملة، فكل ذكرياته الآن هناك، في الصحراء وسط الصخور والرمال. أما في القبيلة: منصور:
-أنا خايف على عقاب والشباب واجد يا قصير، صوتهم بالنقال ما طمني، الوليد نبرته مقهورة. وعم ثعلب خبيث ما يأتمن. قصير: -لا تخاف يا شيخ، أولادنا رجال لا خوف عليهم، من ايش خايف عليهم، العمر في يد الله إذا ما انتهى وسقطت ورقته من الشجرة ماراح يضرهم شيء. وبعدين عقاب يخوف ماينخاف عليه. وعمه صحيح تعلب لكن جاله السبع اللي هياكل مصارينه. منصور: -وكل... دق لي عليهم وطمني ويش الأوضاع تو عندهم. قصير:
-لسا من شوي دقوا علي وقالوا لي كل شيء زين والأمور طيبة، وطلب مني أقول لعمتي عوالي إنه وده حرمة تروح القصر تساعد أمو وتدير بالها عليهم بغيابه وتراقب كلهم وشربهم لحين يغادر عمه القصر. منصور: -قول للشيخة تشيعلهم مايزة، ماراح يسد غيرها، مايزة نويصحة وتعرف أمور الحناش وتعرف تتعامل معاهم. قصير:
-هنعدي عليها ونعرفها حتى توي حالها وارد. أي صحيح يا شيخ وأنا بالوادي دق لي ولدك قياتي وقالي إنه ماراح يقدر يجي هالعام كمان، عنده شغل واااجد والأولاد مدارسهم بيها نشاطات بالصيفية. منصور: -أي يا قصير، بدأ الغياب يصير بالسنين من بعد الشهور، وشوي شوي بينقطع، بس لو دق لك مرة ثانية قوله بوك يقولك الله معاك ودير بالك ع الصغار وسلم لي على خيتك وصغارها. الله يساعده يارب.
غادر قصير الخيمة متوجهاً لخيمة عمته عوالي ليخبرها بطلب آدم وترك الشيخ منصور غارقًا في أفكاره وحساباته، فقد حان وقت تسليم راية المشيخة لغيره، وبدأ حنينه لأحفاده يتعب قلبه، نعم جميع أولاد القبيلة أحفاده، ولكن أولاد قياتي وأخته عريفة هم الأصل، هم الأقرب والأحب. قصير: -هاه ويش قولك يا عمتي هتبعتي منْ من الصبايا لعقاب عشان هناخدها وانتوكل نوصلها ونرد بيه، عندنا شغل ماينفع يتم من دونه؟ عوالي:
-والله احترت ومانعرف يا قصير، مايزة ما نستغني عنها، وبذات الوقت ما نأمن حدا غيرها على أم آدم وبوه، ويش هالحيرة يا ربي؟ قصير: -اندزلهم مكاسب؟ عوالي: -لا ما تنفع. خلص ودى اندزلهم مايزة وأنا اندبر حالي بهاليومين والله كريم. وتقرر ذهاب مايزة للقصر، ولكن بعد أن تلقت جميع التوجيهات من الشيخة عوالي وأعطتها بعض الأشياء اللازمة. وبعض الأعشاب البدوية التي يعرفون بها هل الماكل أو المشرب به سم أم لا. أما في خيمة مكاسب: رجوه:
-امتى راجعين عالديرة الشباب والله ما يصير يطولوا ويغيبوا كل هالوقت، طيب ليش ما أخذوني معاهم؟ والله ودي أنعديلهم بروح. معزوزة: -اعقلي وصكري فمك ولا تخلي بوكي يختلي بيك ويكسر أعضامك وانت لحالك لا فيه سالم يحوش ولا يدافع. رجوه: -اااخ الشوق صعيب يا معزوزة وانت مجربته أكيد. تنهدت الأخرى وأردفت:
-إلا مجربته يا خيتي، لكن مين اللي يحرقُه الشوق إذا ما كون أنا. الله يردك يا رابح يا نبض القلب ونضر العين، ويردك يا سالم لرهينتك ومرتك وأم وليداتك. قالت كلماتها لتذكر أختها بأن سالم هو من يجب عليها الاشتياق له لا لغيره، فهي تعرف حق المعرفة أن سالم لم يعد يعني لرجوه أي شيء، والشوق والتفكير كله لعقاب، وهذا ما سيدمرها ويدمر سالم معها، وبالتأكيد سيدمر العلاقة الجميلة التي تربطهم إذ لم تتراجع شقيقتها في الوقت المناسب.
ولهذا ستظل تحاول لعلها تستطيع إعادة عقل رجوه إلى رشده.
غادر قصير بمايزة متوجهاً إلى قصر آدم، وهناك أخبره بأن هناك أمرًا طارئًا ولا يحتمل تأجيل ولا بديل لوجوده هو بنفسه، فالأمر يتعلق بالأسلحة، وهذا هو اختصاص آدم، فترك آدم أبواه على مضض وهو خائف عليهما، بل قلبه يرتعد خوفًا، ففكرة أن يخسرهم بعد أن اجتمعا أخيراً لا يستطيع حتى مجرد التفكير فيها، ولكن قصير طمأنه بأن عمه ليس بهذا الغباء الذي يجعله يؤذي أخاه وهو يعلم أن خلفه الآن ابنًا قادرًا على الانتقام بأبشع الطرق، وأيضًا
وجود سالم ومايزة معهما ساهم في طمأنته عليهما أكثر. أما رابح ففر معهم فور أن سمع من قصير خبر خطبة محراب، لم يصدق في البداية وأخذ قلبه يتخبط في صدره وعقله يخبره بأنها قد تكون مزحة، ولكن ملامح عمه قصير الغاضبة أكدت له الخبر، فتمنى لو أن معزوزة أمامه الآن لأختطفها وهرب بها من بعد أن زالت القيود وتلاشت الأسباب التي تحول بينهم، وقرر ألا يضيع المزيد من الوقت ويطلب من الشيخ والشيخة الرحمة وتعجيل زواجهم.
وطوال الطريق كان قصير يشتعل غضبًا من رابح، فقد كان بين الفينة والأخرى ينظر إليه ويمسكه من تلابيبه ويسأله بعدم تصديق: -قول والله يا عمي محراب الكلب خطب. احلف بربك الغمة انزاحت، وغلاة هلال يا عمي تحكي الصدق أنت ولا تمزح معي؟ ظل يكررها وقصير يجيبه بأن هذا هو الصدق إلى أن فاض به فصرخ به:
-الله يخبلك أكثر ما أنت مخبول يا رابح وجيت راسي، ويش فيك كل هادا الجنان لأن محراب خطب. أنا طول عمري أسمع عن الفرحة اللي تطير العقل بس أول مرة أشوفها بعيني. ياهبل العشق يقل قيمة الرجل ويضيع هيبته ويخلي المرأة تستصغره، وتو ياريت تعقل وتحط عقلك براسك ولا أحلف لا فيه زواج ولا يحزنون. رابح: -لا بالله عليك يا عمي أنا بعرضك وطولك لا تحلف ولا تحكي شي، سكتنا سكتنا، وعقلنا. ثم صمت قليلاً ووجه كلامه لآدم:
-يا عقاب أنا سمعت صح إن محراب خطب ولا عقلي خرف؟ طيب عمي قصير يحكي الصدق ولا يمزح معي؟ انفجر آدم ضاحكًا وضرب قصير كفًا بكف وهو ينظر لرابح ويردف: -والله إنهبل الوليد. الحمد لله يا ربي ما حبينا ولا إنهبلنا وإلا كنا صرنا مضحكة القبايل.
وصلوا جميعًا وترجل رابح من السيارة أولهم وأخذ يجري نحو خيمة معزوزة ووجدها تخرج من الخيمة فوقف أمامها يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو ينظر إليها وكأنه يقف على مشارف بلدته التي تحررت أخيرًا بعد سنوات من الاحتلال، وأصبح يحق له سكنتها واللجوء إليها. معزوزة: -دريت يا نضر عيني؟ رابح: -لكن إيش اللي جابني أنساب الريح لنشوفك ونشاركك الفرحة يا نبض قلبي. معزوزة: -فرحان؟ رابح:
-والله الكلمة أحسها قليلة وما توصف الفرحة اللي بقلبي يا حبيبة قلبي. وهنا سمعا صوت هلال آتٍ من خلف معزوزة: -والله لا أقول لأبويا إنك تتغزل في أختي. أمسكته رجوه من الخلف كاللص المقبوض عليه وأخذت تهمس له وهي تهزه: -قول لأبوك حرف وأنا أعرف ويش أسوي فيك يا هلال أمك. هلال: -اتركيني يا بلوة وإلا بخبر أبويا عنك وأقوله كل شوي تمسكني وتضربني. رجوه:
-أي قول ويش ماسكك أنا مانخاف من حدا، ومادامك كل شيء تسمعه تروح تحكيه لأبوك راح أنسميك خباص القبيلة، مو عندنا الفهد والنمر والأسد والعقاب، ويصير الخباص بعد. والله والله لنفضحك بين القبايل يا شيخ خباص. هلال: -بقطع راسك وأرميها للذياب. رجوه: -تعال لنشوف مين بيقطع راس الثاني قبل.
أنهت كلماتها وقامت بسحبه للخيمة وبدأ القتال بينهم وأخذت مكاسب تصرخ على رجوه وهي تحاول إبعادها عن هلالها، ورجوة متمسكة بكل قوتها، وأما رابح فاستغل المعركة وانشغال الجميع وأخذ معزوزة وابتعدا عن الخيمة وجلسا بعيدًا عن منطقة الخيام وجلسا يخططان لعرسهم ولحياتهم القادمة، وحتى بدأوا في اختيار أسماء الأولاد. وكل هذا على مرأى من محراب الذي تأججت النيران فيه أكثر وأكثر وهو يرى فرحة رابح التي لا تخفى على الأعمى.
عند الشيخ منصور في خيمته: قصير: -ويش قلت يا شيخ منصور نعطي للرجل بضاعة ولا مانعطي؟ منصور:
-اسمعني يا قصير وإنت يا عقاب. أنا بالفترة الجاية مسافر عند ولدي قياتي، راح نقضي مع صغاره شهر وبعدها راح نطلع على الحج. القبيلة وأمورها والأسلحة وكل شيء متعلق بها صار بيدك انت وآدم يا قصير. الحين يا آدم للقروش اللي بحسابي اللي درته لي تحولهن لقياتي ولدي على حسابا بالبنك، والقروش اللي هانا هي اللي راح أحج منها وأصرف منها طول قعدتي بليبيا. حلالي وجمالي والخيول كلها برعايتك يا قصير وإذا ما رديت يصيرن صدقة جارية تصرف منها على فقرا القبيلة وتتصدق منهم على روحي. وعوالي راح أضيف لها كام شاة على حلالها من خوها، وملابسي وخيمتي وكل شيء فيها ملكك يا قصير من بعدي، وهاد الشيء راح أقوله لكل أهل القبيلة.
رد عليه قصير سريعًا: -ويش كل هادا يا شيخي، وليش تحكي هكي متل ما تكون مودع؟ الله يعطيك العمر الطويل والصحة وما يغيبك عنا، القبيلة والدنيا كلها بلاك ماتسوى يا شيخنا وتاج راسنا. منصور: -مهما طالت اللمة لابد من الفراق يا وليدي، خلينا بس نرتب أمورنا وبعدها اللي كاتبه الله بيصير. والحين عدي اجمع لي عمامك واكبار القبيلة انريد نحكيلهم هالقرارات. أومأ قصير له برأسه وخرج ينفذ أوامر شيخه.
أما آدم فاقترب حتى وقف أمام الشيخ منصور ونظر له وهو يشعر بقبضة في قلبه وخوف تسلل إليه وهو يتخيل القبيلة بدون الشيخ منصور وأردف له: -يا شيخي وبوي وخلي وخليلي. تعرف أني ما فيا أتخيل الدنيا من دونك. تعرف أنك قوتي وسندي ودعمي. تعرف أنك الجناحات اللي يطير بيهم العقاب ويحلق بالسما. بالله عليك ما تتركني ولا حتى بالموت. تبسم منصور ومد يده المتجعدة لآدم وهمس له: -اقترب مني يا وليدي واجلس جواري.
اقترب منه آدم وجلس بجواره فحاوط منصور كتفيه بذراعه وقال له بحنو بالغ:
-تعرف أنك أكثر حدا حبيته متل عيالي. مفتاح رحمة الله عليه وقياتي ربي يحفظه. تعرف إن الضنا ماحد يوصل لغلاه بس انت وصلت لغلاهم. وسبحان من يوزع الغلا بالقلوب. عمري ما افتخرت بأحد متل فخري بيك، وعمر ما حدا ضاف لي متل ما انت ضفت لي وللقبيلتي وأهلها. طول عمر الشيخ منصور هو اللي يضيف ويعلي، بس أنت يا عقاب طرت فوق الكللل. منيتك على راسي وعلى قدر التعب اللي تعبناه عليك ومداراتنا ليك عطيتنا وزدت واااجد. وتو اسمعني زين يا وليدي.
انت داخل حرب كبيييرة، ودي كل تعاليمنا تكون حاضرة بين عيونك، ماتخلي الشر اللي يباغتك يشل فكرك. راوغ ولائم واتعشى بعدوك قبل لا يتغدا بيك. أموالك كلها أصبحت بيد عمك. هاد الشي نعرفه من زمان بس مارضيت نقهرك وانزيد همك. كل قرش مع عمك هو ملكك رجع أملاكك واقطع روس الأفاعي. بس بعد ماتعلمهم درس ماينسوه. إذا حيين ويسوقهم بقهرهم على قبورهم إذا أموات.
إذا دارت الأيام وما اتكتب لنا اللقا كون بخير لأجلي ولا تنسى علومي، وتذكرني بدعوة زينة وفاتحة ترطب القلب من حمو الذنوب. وما تهجر القبيلة يا وليدي، لا تهجر سماك يا عقاب. انت تميت ركن من أركان وطننا ولك خوت وأهل هنا ماتنساهم. تأكد آدم أن الشيخ منصور يودعه بالفعل، فتجمعت دمعة على أهدابه ورد على منصور قائلاً:
-ماتخاف يا شيخ، العقاب انولد بسما القبيلة وما راح يعرف يطير بعيد عنها. أما أنت يا أحن وأطيب القلوب لا تخاف، والله تنتسى الروح ولا انت تنتسى، الله يردك لينا بألف خير وسلامة يا شيخ القلوب. منصور: -المكتوب راح يتم يا وليدي، بس أمانة إذا نمت وغابت النون الدعاء وصية بينا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!