عاد آدم أخيراً إلى قصره، إلى حضن أمه وأبيه، جلس بينهم ينعم بالدفء وهو يستمع إليهم وهم ينقلون له أخبار عمه وزوجته التي يعرفها سلفاً، ولكنه استمع حتى انتهوا من أحاديثهم ثم نظر لأبيه الذي كان يحارب دمعة على طرف عينه كي لا تنزل، فليس هذا المصير الذي تمناه لأخيه أبداً حتى بعد أن فعل به الأفاعيل. فقال له آدم مراعياً لحالته:
-إذا تريد تشوف خوك أنا بوصلك يا أبو آدم، أعرف قلبك رجيج وأيش ما يسوي فيك عمي ما تفرط به، غدوه آخذك له شوفه وإذا قدرت عالسماح سامح. هو على فراش الموت وعرفت أن نبضه توقف ورجع مرة ثانية، يعني الموت يحوم حوله، أدري إنك عامل لي خاطر بس أنا اللي أقول لك روح له. لم يصدق محمود أن آدم سمح له أن يذهب لأخيه بهذه البساطة ولم يمنعه، وحمد الله أنه يدرك بأن للموت رهبة تُنسي كل شيء، وأن الواقف على أعتابه مُسامح.
فأخذه آدم وذهب به في اليوم التالي للمشفى وقد اطمئن قلبه قليلاً؛ فعمه الآن في حالة لا تسمح له بالتفكير في المزيد من الأذى، وزوجته الرأس المدبر لم يعد لها عليهم سلطة. دلف الاثنان لغرفة يحيى بعد أن استأذنوا الطبيب، فوجدوه في حالة يرثى لها، نعم يتنفس ولكن عيناه شاخصتان وكأنه في عالم آخر. فتحدث معه محمود بصوت مختنق وهو يمسك بيده:
-كان جرى إيه يا يحيى لو كنا عشنا حبايب وكنت سبت لي مروان ابني وسبت آدم يتربى في حضني وأنت كان زمان مدحت ابنك عايش ومراتك جنبك وفحضنك وكلنا فرحانين بولادنا وحصاد عمرنا.. أخذت إيه يا ابن والدي قولي.. الفلوس نفعتك انت ومراتك بأيه يا يحيى.. كان هيحصل إيه لو كنا عشنا زي الناس ومخسرناش أي حاجة؟ اضطربت أنفاس يحيى وشدد مسكة يده على يد محمود ونزلت دمعة من إحدى عينيه وبدا من حركة عينيه كأنه يجاهد كي يتحدث.
لف رقبته بصعوبة نحو أخيه، ارتجفت شفتاه وكاد أن ينطق، ولكن قاطعه ابنه ياسين الذي دلف من باب الغرفة كالإعصار وأمسك آدم من تلابيبه وبدأ في دفعه للخارج وهو يقول: -أنتو إيه اللي جايبكم هنا، جايين تتشمتوا صح.. جايين تملوا عيونكم وتفرحوا قلوبكم مش كده، فاكرين إنكم انتصرتوا وجايين تحتفلوا بالنصر فوق جثث ضحاياكم! هدر به عمه محمود قائلاً:
-نصر إيه واحتفال إيه اللي بتتكلم عنه يا حيوان أنت، خلاص دماغك مبقاش فيها غير المؤامرات، كل تفكيرك عن الأذى والشماتة، مفيش حاجة في قاموسك اسمها إننا جايين نطمن عليه مثلاً؟ وبعدين نصر إيه اللي بتتكلم عنه هو إحنا حاربنا من الأساس ولا عملنا حاجة، دا إحنا طول الوقت كنا بنهرب من هجومكم وضرباتكم المتواصلة!
آدم كان يتحرك مع ياسين نحوا الخارج دون أية مقاومة ولم ينطق، حتى أصبح خارج الغرفة، فهو يعلم أنه ليس في كامل وعيه بسبب كل ما حدث لعائلته. ولا يريد أن يحدث شجار أمام عمه فتسوء حالته أكثر وربما يتوقف قلبه ويموت أمام عينيه أبيه ويعلم بأنه لن يتحمل.
ولكن آدم هو الذي لم يتحمل حين عاد ياسين للغرفة وهم أن يفعل بأبيه نفس ما فعله به، فتحرك وأصبح أمام أبيه في ثانية يحجبه عن ياسين وينظر له بنظرة نارية تخبره بأن الأمر لن يمر مرور الكرام عند أبيه. فأمسك بأبيه وأخذه وخرج به، أما ياسين فوقف يراقبهم وأردف متوعداً: -طيب حلو يا آدم وكويس إنك جيت في التوقيت ده بالذات عشان أخلص منك أنت كمان بالمرة وأفوق لشغلي ونفسي وأخلص من كل الوش دفعة واحدة.
أخرج جواله وهم أن يهاتف أحداً، ولكن يد أبيه المرتعشة التي قبضت على يده منعته لثوانٍ، فنظر له متعجباً وإذ بأبيه يهز له رأسه برفض، فسحب منه يده بعنف وأكمل محادثته دون أن يأبه لذلك الذي بدأ يزوم ويتخبط. -أيوه يا برنس، المهمة اللي كانت متأجلة استأنفها ونفذ في أقرب وقت، مش عايز تأجيل أو تأخير، مش عايز فزلكة المرادي من أي نوع. أنهى مكالمته ونظر لأبيه وأردف: -إيه مالك، قلبك لما وقف ورجع اشتغل تاني رجع رهيف ولا إيه؟
اهدى كدا وركز في اللي انت فيه ولو هتموت موت قوام قوام مبقاش فاضل غيرك حجر فوق قلبي. أنهى كلماته القاتلة لأبيه الذي تصنم وكأنه تلقى للتو ضربة أفقدته الوعي، وأغمض عينيه وهو يفكر في كلام أخيه محمود (كان هيحصل إيه لو كنا عشنا زي الناس ومخسرناش أي حاجة) توجه آدم مع أبيه لشركته وانهوا بعض الأعمال وعادا للقصر لتناول الطعام. الطعام الذي تصر عايدة ألا يتناولانه إلا في القصر ومن يدها هي فقط منذ موت مدحت. أما عند حياة وإخوتها:
-يا حياة دا قرار مش سهل علينا ومش هينفع انتي تنفذيه لوحدك. -لا سهل يا كاظم، إحنا مش هينفع نعيش هنا، إحنا مستقبلنا اتدمر وحياتنا في المجتمع دا أصبحت مستحيلة، وأنا أخذت قراري سواء وافقتوني وجيتوا معايا أو لأ، وبكرة نازلة أقدم طلب هجرة لأستراليا أو كندا. -بس هنا أصحابنا وذكرياتنا وحياتنا كلها.. وحبايبنا يا حياة.
-حبايبك اللي بتتكلم عنهم دول أنا متأكدة إنهم لو عرفوا إن أمك اتعدمت بسبب إنها قتلت أبوك مش هيبصوا في وشك حتى لو كانت محبتهم ليك عدت كل الحدود. ، مش كل الأمور بتم بالمحبة بس يا كاظم، فيه اعتبارات تانية أقوى وأهم.. ودلوقتي أنا نازلة أكمل الأوراق المطلوبة مني عشان الهجرة.
تحركت من أمامهم وهي عازمة على الرحيل بالفعل، فلا البلد أصبحت تشعر بأنها منها ولا مستقبل فيها يستحق الصبر، فقررت الذهاب لبلد أخرى حيث لا يعرفها فيها أحد ولا يهتم أحد لماضيها أو أهلها، ستبدأ من الصفر، بدون أم وبدون أقارب، والأهم بدون آدم حتى تستطيع التنفس والعيش وهي تعلم أن الأمل انعدم تماماً. أما في القبيلة: -خلاص نويت يارابح؟
-أي يا معزوزتي دعواتك لي، أنا الحين ماشي أجدد باسبوري، هي أهم خطوة بحياتنا، رايح وحاطط كل أملي بتجارة السيارات وربي يوفقني للخير. -الله معك يحرسك ويصونك يا نور عيوني، دير بالك على حالك وأوعك تهمل بروحك ووكلك وشربك، أدري بك ماتتذكر الوكل طول ما في شي شاغلك، بغلاي عندك يا رابح ماتسوي هيك.
-يا نبضي هدي شوي أنا رايح أجدد الباسبور بس الحين ماني مسافر، لسه أيام على هالخطوة.. بس وغلات عيونك بأكل وأشرب وأدير بالي ع حالي وأرد لك ثمين وكرشي هيك كبره.. وأنت ديري بالك على روحك وعلى صقر، ما أريد تجيبي لي وليد ضعيف. -بعيوني صقر يا أبو صقر.
غادر رابح القبيلة متوجهاً للمدينة ليجدد جواز سفره كي يسافر ليبيا للاتفاق على السيارات التي يريدها وشرائها مع عمه قياتي وجلبها لمصر، وترك معزوزة تشعر بالخوف، فها هو يسعى للابتعاد عنها في هذا الوقت القاتل، إنه شهرها الثامن وما هي إلا أيام وستدخل في شهر ولادتها وكانت تريده بجانبها بشدة، ولكن هذا مستقبلهم ولن تقف أمام أول خطوة لرابح فيه، فتحاملت على الشوق والألم والخوف ودعت له وودعته بقلب يعيذه من كل شر.
أما ياسين فبعد أن غادر المشفى توجه لمسكن حياة وحين توقف بسيارته وهم بالنزول وجدها عند مدخل العمارة تخرج، فصبر حتى اقتربت من السيارة ونزل منها سريعاً وبحركة خاطفة أدخلها السيارة ودخل خلفها وأغلقها بإحكام وانطلق غير آبه لرفضها وصرخاتها وتوبيخها له.
عرفت من عينيه أنه في أوج شره الآن وأن أمر عظيم على وشك الحدوث، فأخرجت هاتفها من حقيبتها وفتحته وسط محاولاته بمنعها وأخذ الهاتف منها، ولم تجد في هذه اللحظة أقرب لها منه، فضغطت على رقمه واتصلت، وكعادته رد من أول لحظة، فصرخت قائلة: -الحقني يا آدم الحقني ياسين خطفني. -إيش تقولين، حطي الجوال عالاسبيكر الحين يلااا. فتحت حياة السماعة الخارجية وهي تتألم من قبضة يد ياسين الممسكة بشعرها، فجاء صوت آدم صارخاً ومحذراً:
-ياسين إذا مسيت حياة بسوء اعلم أنك حفرت قبرك بيدك، سامحت بكل شي بس عند حياة مافي سماح، فيه موت.. موت وبس تفهم علي. -رد عليه ياسين قائلاً: -أنت تخرس خالص ومتنطقش اسمها على لسانك الزفر، ولو عالموت فالموت جاي جاي، بس مش ليا أنا ليك أنت. فأستعد يا روح أمك. وهنا صرخت به حياة:
-موته لما تاخدك يا حيوان، روح ربنا ياخدك يا شيخ ويريح الدنيا منك ومن شرك.. أنا بكرهك بكرهك، أنت اصلا تتكره، أنا بحب آدم وعمري ما أحب غيره، واللي تحب واحد زي آدم عمرها ما تبص بعده لحشرة زيك.
فكان رد ياسين على كلماتها ضربة قوية بقبضة يده فوق رأسها أفقدتها الوعي، وأفقدت آدم العقل حين وجدها صمتت مرة واحدة، فتحرك على الفور وهو يجرى اتصالاته، وأعطى رقم هاتفها لأحدهم وهو يعلم أن العثور عليها سهل للغاية، فقد كان دائماً يشدد عليها ألا تغلق خاصية تفعيل الموقع على هاتفها، وكأنه كان يعلم أن شيء كهذا سيحدث ويعلم أنها لن تنسى وصية له أو تهملها، وبالفعل بعد دقائق بدأت تأتيه الإحداثيات ومن تتبع الهاتف استطاعوا تحديد مكانها.
فذهب آدم حيث المكان الذي توقفت فيه سيارة ياسين، وكان إحدى مخازن شركتهم القديمة. اقتحم آدم المكان بسلاحه ووجد حياة ملقاة على الأرض فاقدة للوعي ولا وجود لياسين، يعلم أنه موجود ولكنه مختبئ وينوي غدره، فاحتمى آدم بإحدى آلات الرفع وبدأ يمسح المكان بعينيه، وسرعان ما أتته رصاصة تخبره بمكان ياسين بالتحديد، فتفاداها وبدأ التراشق بالطلقات، وما هي إلا دقائق أخرى وكانت الشرطة تقتحم المكان.
أخذوا ياسين بتهمة الاختطاف وقام آدم بحمل حياة وأخذها بسيارته لأقرب مشفى. اطمأن عليها وجلس معها بعض الوقت قبل أن يأخذها للقسم لتدلي بأقوالها ومكالمة الهاتف المسجلة لديه دليل على صحة الكلام. وبعد الانتهاء من المحضر أخبرته بقرار هجرتها، حزن قلبه ولكنه لم يستطع منعها، فهو أيضاً من رأيها ويرى أن سفرها أفضل شيء لها، على الأقل ستعيش بلا خوف أو ندم ولن تواجه المزيد من نظرات اللوم والاتهام.
والأهم من هذا ستبتعد عنه المسافة التي ستجعل قلبه يفكر جدياً بأن يتخطاها. أخذها للبنك، وهناك فاجأها حين فتح لها حساباً ووضع فيه مبلغ كبير يعينها على أن تبدأ به حياتها وتستقر أينما ذهبت. وما زادها تصرفه هذا سوى حسرة عليه، فها هو للمرة المليون يثبت لها بأنه أفضل رجل على وجه الأرض وأنها تعيسة الحظ حيث وضعت الظروف كل تلك العقبات حائلاً بينها وبينه.
عاد آدم لقصره وقد قُطع آخر خيط من أمل كان قلبه ينسجه خفية ويتأمل بأنه سيطالها من خلاله. عاد لشركته وحاول أن ينهي أعماله العالقة، ولكن ذهنه المشتت لم يساعده على التركيز.
فغادر الشركة وأخذ سيارته وذهب لشاطئ النيل، توقف ونزل منها وجلس مواجهاً للنيل يحاول ترتيب أفكاره، فهو لا يفكر جيداً إلا وهو جالس في الأماكن المفتوحة، يشعر بأن هذه المساحة داخل عقله وتمنحه المزيد من الأفكار، إنما الأماكن المغلقة تجعل أفكاره تختنق تماماً كما تختنق أنفاسه ويضيق صدره. عاد للقصر وقضى بقية اليوم، وفي اليوم التالي ذهب لشركته وأصر على أبيه أن يبقى في القصر هذا اليوم، فاليوم العمل كثير ولا يريد أن يجهده معه.
أمضى يومه بين الأوراق والملفات ولم ينتبه للوقت إلا حين هاتفته أمه تحثه على العودة للقصر لتناول غدائه معهم، ورفضت رفضاً قاطعاً أن يتناولا الطعام هي وأبيه بدونه، فاضطر إلى مغادرة الشركة والذهاب إليهم.
وهو في الطريق انحرفت السيارة قليلاً عن مسارها فوق الجسر بفضل صدمة قوية من شاحنة عملاقة، فتوقف على جانب الجسر فوق الرصيف الذي صعدته السيارة بفضل الصدمة، وترجل من السيارة ليرى ماذا حدث لها، فهي ما زالت جديدة وباهظة الثمن، ولاحظ أن الشاحنة توقفت على مسافة منه، ظن أن صاحبها توقف كي يعتذر منه وحين فُتحت أبوابها ونزل منها رجلان توقع أنهم آتون للاطمئنان عليه، ولكن ظنونه كلها خُلفت حين اقترب منه الاثنان وكانت ملامحهما لا تبشر بخير.
تلفت آدم حوله ووجد أن الجسر خالي من المارة تماماً، لا ناس ولا سيارات، وكأن الوقت تم اختياره وترتيب اختفاء كل شيء. دق قلبه بخوف لم يختبره منذ كان طفل صغير وتركه أبواه في الصحراء يواجه مصير مجهول، وها هو الآن لا يعلم ما المصير الذي ينتظره. خوفه لم يكن من قوتهم البدنية؛ فلو تصارعت الأبدان لفاز هو في النزال دون شك، ولكن الأسلحة هي التي تتصارع في مثل هذه المواقف.
وعلى الفور تأكدت شكوكه وهو يرى واحداً منهم يزيح كنزته ويلتقط سلاحه المزود بكاتم صوت، فغاص قلب آدم بين ضلوعه وعلم أنها النهاية، وأن نظرات ياسين اليوم لم تكن عبثاً كما ظن، فقد علم منذ البداية أن ما سمعه من حياة وإهانتها له وما حدث له بسببها كان الضربة القاضية له والتي لن يغفر عليها أبداً. كان يعلم أنها مسألة وقت ليس إلا وسينتقم ياسين، ولكنه لم يتوقع أن يأتي الانتقام بهذه السرعة.
درس الموقف سريعاً وقرر القفز من فوق الجسر، وبحركة خاطفة كان يعتلي سور الجسر ويقفز، ولكن رصاصة الغدر كانت أسرع إليه من الجاذبية فاخترقت جسده ليسقط في الماء على الفور، وما هي إلا دقائق طفاها فوق سطح الماء في محاولة من جسده لاستيعاب ماذا حدث له ثم غاص للأسفل مستسلماً للظلام، باسطاً ذراعيه وكأنه يخبر العالم بأنه تركه فارغ اليدين كما أتى إليه فارغ اليدين. أما في القصر:
-ابني، ابني فين، ابني جرى له إيه يا محمود، رن عليه تاني وتالت اتصرف، أنا حاسة آدم جرى له حاجة، هو أنا وجع قلبي دا مش هينتهي، إشمعنا أنا، ليه أختبر إحساس الفقد والفراق ألف مرة ليه، ابني يا محمود أخوك موته حتى وهو بيموت، كل السنين اللي فاتت واللي بعدته عني فيها واتحرمت من إنه يكبر قدام عيني راحت هدر، ابني راح مني يا ناس، راجل ملو هدومه ملحقتش أفرح بيه.
-اهدي يا عايدة آدم بخير أكيد، آدم بخير وهيرجع، ربنا مش هيوجع قلوبنا عليه أكيد، ربنا رؤوف رحيم، ربنا عالم باللي شوفناه واللي قاسيناه ومش هيضيعه. كان يواسيها وهناك غصات تتوالى على قلبه غير المصدق لكلماته المواسية، فكيف له أن يكون بخير وهاتفه مغلق وغادر الشركة منذ أكثر من أربع ساعات، كيف له أن يكون بخير وهو الذي يرد عليهم من أول رنة.
وكيف له ولعايدة أن ينجوا من الحزن هذه المرة إن حدث لآدم مكروه، فوالله إنها لكبيرة وعظيمة على قلوبهم. أخذها بين ذراعيه ودفن رأسها في صدره وهو يتمنى أن يخفيها بين ضلوعه عل الحزن لا يعرف لها طريقاً، ولكن للأسف الشديد يبدو أن لا سبيل لذلك. أبعدها وأخذ يهاتف قصير للمرة التي لا يعرف عددها وكالعادة هاتفه مشغول، فهاتف سالم مجدداً فأجابه سالم على الفور وبلهفة: -أبشر يا عمي، وجدتوه، عاد عقاب، رد للبيت؟
-أنا مكلمك أسألك يا ابني لو عرفت حاجة عنه. ليجيب الآخر بغضب مخلوط بحزن:
-كييف نعرف شي عنه ونقاله خارج التغطية ومافي حدا عارف يوصله، حتى الموظفين اللي معاه بالشركة من القبيلة ما قادرين يوصلوا له، أنا بالطريق أنا ورابح وبس نوصل لعندك راح نغربل القاهرة غربلة ما نسيب فيها جحر إلا ندوره فيها حتى نعثر عليه، ولو ما لقيت خوي والله لنحرق الأرض حرق ونحرق خوك وعيلته وهم أحياء قدام عيونك حتى لو هنحرقك معاهم، والله أنت ما يحق لك تكون أبو عقاب، عقاب ولدنا نحنا وأخونا نحنا وعندنا وبحمايتنا ما مسه شر ولا قدر يتربص له عدو، الله لا يوفقك أنت وهلك.
أنهى مكالمته ولكم السيارة أمامه بيده قبل أن يصرخ بصوت رج السيارة: -راااح خوووي رااااح، اااخ يا عقاااااب يا حرقة قلبي عليك يا شقيق روحيييي، والله لنحرق الدنيا لأجلك والله. نظر إليه رابح متعجباً على هذا الحب الكبير الذي لازال سالم يكنه لعقاب برغم كل شيء وبعد كل ما حدث، وها هو سالم يثبت مجدداً بأن إخوته لآدم فوق كل شيء. فلا حبيبة فرقتهم ولا غيرة شتتت قلوبهم.
فأردف له محاولاً تمثيل الهدوء والثبات برغم أنه يحترق هو الآخر على رفيقه، وقد بلغت من عقله الظنون السيئة مبلغها، ويكاد يجزم أن آدم قد غُدر، وهو يعلم جيداً أن كل تعاليم البقاء في حياة البرية لا تجدي نفعاً أمام رصاصة تخترق القلب أو الرأس، فالأسلحة لها سطوتها التي تتغلب على سائر الأشياء. -اطمن يا سالم عقاب ما يجرؤ السوء يقرب منه، ما يكون عقاب إذا سمح لهولاء الفيران يغلبونه.
صدح بعدها جرس هاتف رابح معلناً عن اتصال وقد كان عمه قصير هو المتصل، فأجابه سريعاً وأتاه صوت قصير الغاضب: -هاه لوين وصلتو يا رابح؟ -تو دخلنا الجيزة يا عمي يعني كلها ساعتين ثلاث وبنكونو بالقصر. -وييش راح تسوون بالقصر؟
اطلعوا ع الشركة استجوبوا الجميع امسكوا الخيوط واتبعوها، راجعوا الكاميرات، كونوا مع الشرطة وانبشوا على عقابي نبش، ما تردون إلا وهو وسط أهله.. أو.. تجدون جثمانه وتواروا عليه التراب لنعرف له طريق.. ولك اااااخ يا عقاب يا وليدي ورباية يدي وذراعي وظهري وعيني لو جرى لك شي لندعس الكل تحت أقدامي ونسويها مجزرة ما تمت من قبل. كاد أن يغلق رابح المكالمة وأبعد الهاتف عن أذنه فاتاه صوت هلال الذي اختطف الهاتف من أبيه وصرخ برابح:
-الله لا يوفقك يا رابح انت وسالم، ليش تركتوني وما أخذتوني معكم، ليش ما نكون معاكم وأنتم تبحثون عن عقاب، مو هو رفيقي متلكم، ما تترأفون بحال أحد أنتم، بس يلا بسيطة أنا بروحي بجى ولا الحوجة ليكم، بس خليها بروسكم وتذكروها زين.
أنهى كلماته وأغلق الهاتف، ونظر لرجوه التي كانت تجلس دون حراك منذ سمعت الخبر، وكأنها تصنمت وتجردت من الحياة، وتحجر الدمع في عينيها فلا هو المنساب ولا العائد لمجراه، وكان حالها يغني الناظر عن سؤالها، فكيف لها أن تخسره وهي للتو فازت به بعد معارك ضارية خاضتها بمفردها، كيف لعقابها أن ينتهي بهذه الطريقة بمجرد أن حلق في سماها وأصبح لها وكانت تضرب الهواء بأجنحتها طوال الوقت كي تتعلم الطيران وتحلق معه بعيداً حيث لا قبيلة ولا عادات وتقاليد ولا سالم وغيره يستطيعون الوقوف أمام أحلامها معه.
أيعقل أن ينتهي كل شيء قبل البداية وتعود ريما لمأساتها القديمة؟ هزت رأسها رفضاً ودفنت وجهها بين يديها وشهقت بالبكاء وهي تتخيل القبيلة والصحاري وحياتها من غيره. غادر هلال إلى القاهرة متجاهلاً لمحاولات أبيه بإقناعه بالبقاء وبأن سفره لا فائدة منه، ولكنه كحال كل محب لا يستطيع البقاء بعيداً وهو يعلم أن رفيق دربه في خطر ولا أحد يعلم عنه شيء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!