الفصل 39 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
18
كلمة
4,230
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

في خيمة عوالي.. -ياشيخة طلع الضي وما سمعنا ضرب بارود ولا زغاريد السعد! ليكون سالم عايف البنت وسود رايتنا. -لااا ماتخافي، سويلم شب والشباب ضعاف عزم، ومزيونة فانص كبيرة وعاشقة وعيونها ناعسات، واللي عيونها ناعسات اعرفي انها ماتحط راسها وتنام إلا وهي واخده حقها. -وليش تعممين ياشيخة، مو كل اللي عيونها ناعسات فانص. -لا كلهن فنص ياكبيرة الفوانص انت. ردت عليها مايزه بضحكة:

-توا كنت راح نقول أنا قدامك مثال، عيوني ناعسات وماني فانص، طلعتي حاطتني كبيرتهن؟ -أي والله، ما أنا من هيك نقول فوانص. هيا أمشي لخيمة العرسان وقولي لمزيونة الشيخة تريد تطمن، وشوفي بعينك وردي طمنيني، وإذا كل شي تمام قولي لسويلم عدي لعمتك عوالي تريدك. -تم ياشيختي. في خيمة سالم..

تململ سالم على صوت رنات هادئة ناعمة، ففتح عينيه ببطء وكانت هي تحاول لملمة خصلات شعرها ولا تستطيع السيطرة عليهم من طولهم. اعتعدل ومد يده يساعدها. فاجأته حركته فاستدارت لتنظر إليه، ولما رأته يفعل هذا عادت لوضعها السابق ووالته ظهرها بخجل وهي غير مصدقة! سالم بذاته يساعدها في ربط شعرها؟ أغمضت عينيها واستسلمت للمساته الحنونة وحركته الخفيفة. ثوانٍ واردف لها بصوت ناعس:

-هكي لملمنا اللي بسببه انقطع نومنا وانزعجنا برنات الأساور. استدارت نحوه وكأنها لم تنتبه لنفسها، ولكنها كانت منتبهة ومثلت العفوية، فهمست له بصوت ناعم: -حقك علي ياسالم من الحين إذا انت بالخيمة هنقلع الأساور وما عاد تسمع لهن صوت.

نظر إليها وجفت الكلمات في حلقه، فرؤيتها بالنهار مختلفة تماماً عن الليل، وكأنها أخرى، ازدادت جمالاً، وما ترتديه أذهب عقله، لم يعرف ماذا يقول في هذا الموقف، أيتغزل بها أم يشكرها، أم يخفي إعجابه بما ترى عيناه؟ وكيف إذا ألجم لسانه ألجمت عيناه من البوح، لا يعلم للآن كيف واتته كل هذه الجرأة ليفعل ما فعله بالأمس، كيف اختفت رجوه من ذهنه واحتلت مكانها غريزته وسيطرت على كل حواسه؟ وكيف له أن يستمتع إلى هذا الحد مع غيرها؟!

وكيف لشيء أن يكون غريباً وجميلاً وصعباً على القلب في نفس الوقت، ما كل هذه الأحاسيس المتضاربة؟! نعم في كل لحظة تمناها هي بدلاً عن مزيونة، ولكنه أكمل الأمر على كل حال دون ذرة تأنيب واحدة من ضميره! وبرر هذا لنفسه بأنه شاب وأمامه حلاله وقد ضعف، والإنسان ضعيف أمام شهواته. تنحت وهي تحاول التقاط ملابسها لترتديها، فساعدها وقربهم منها!

كان حنوناً معها كثيراً، لم تشعر ولو للحظة بنفوره منها، وهذا كان سبب استغرابها وسعادتها في نفس الوقت! ولكن سعادتها كلها تبخرت حين سألته بخجل: -سالم أقول ليش أبوي ماجانا بالغبشة وليش أمي ماجاتني مثل ما يصير مع كل بنيات القبيلة؟ رد عليها وهو يجذب جلبابه: -أنا اللي نبهت ما يجينا أحد إلا أنا أدز عليه، كل الأمور اللي ما كانت تعجبني ما راح أخلي حد يسويها معي. ما طارت الدنيا ولا بتفنى إذا تأجلت الطقوس كم ساعة.

انتي الحين لملمي حالك وأنا طالع أنطمن أبوك وأبوي وأدز لأمك تجيك. -آااا... طيب أقول... -قولي يارجوه ليش التردد، حكيت لك ما تترددي بشيء أنا صرت زوجك الحين. نطقه للاسم ذبحها، ولكنها تجاهلته كما لو أنه لم ينطقه، فقالت بخجل: -يعني أنت وين رايح الحين، أنا أعرف المعرس ما يبارح خيمته إلا بنهاية اليوم. هذا أقل تقدير يعني.

أما هو فانقبض قلبه حين انساب اسمها على لسانه دون أن ينتبه على نفسه، ولما أكملت حديثها دون تعقيب، افترض أنها لم تنتبه، فتنفس الصعداء، ثم سألها: -أي وايش ثاني تعرفينه يتم بهاليوم غير أن المعرس يضل بخيمته لنهاية اليوم؟ -اقتربت منه وأجابت بخجل: -يعني أسمع أن العروس تحمم العريس والعكس يتم، ياكلوا سوا ويرتاحون من تعب العرس وما يهتموا لأي أحد غير لبعض وبس.

ويحكيلها كل شيء يريده منها ويملي عليها أوامره ونواهيه، يعرفها ايش له وايش عليه. وآخر اليوم وقت الغروب يطلعوا فوق الربوة ويشاهدوا غروب أول يوم زواج، يعني هذا اللي كنت أسمعه، بس إذا أنت تريد تسوي شيء آخر ما عليك قيود ولا تهتم. أنا بس قلت يمكن ما تعرف. -الباين إني جاهل وما نعرف شيء من هذا كله غير شيء يسير، وإذا هذا اللي يجرا بالأعراس يصير علينا مثل اللي يصير على الناس. أهو قعدنا.

تبسمت مزيونة فقد كانت تظن أنه سيترك الخيمة على أي حال ويفر مبتعداً ويخالف العادات ولا يهتم، ولكنه فاجأها. صمت دام لدقائق أخذ سالم يتأملها فيهم من أخمص قدميها حتى شعرها الغجري الملفت. ذبلت عيناها من نظراته لها، وتعالت أنفاسه هو واقترب منها وجذبها من خصرها، ولكن صوت مايزه قاطعهم وهي تقول: -هاااا يالمعرسين وينكم.. هيا فيقوا كافي طلع النهار. ابتعد سالم وزفرت مزيونة بحنق، ورد سالم عليها: -فايقين يا خالة تعي تعي فوتي.

دخلت مايزه وهي تمشي على استحياء وقالت: -انريد نطمن ونطمن الشيخة عوالي. بشروني. أدار سالم وجهه بعد أن أومأ لمزيونة بالموافقة، فطمئنت مايزه وأخبرتها بأن كل شيء على ما يرام، فهلهلت مايزه على الفور، ثم قالت: -مبارك عليك يا وليدي. -منها العيال ومنك المال ياسويلم. تو نمشي أنشعلكم ماء ساخن وفطور العرسان، وبعد تتحمموا وتفطروا الشيخة تريدك ياسويلم. -نظرت مزيونة لمايزه وقالت بغضب طفولي:

-ليش الشيخة تريده الحين يا خالة، يعني ما تعرف أن العريس ما يترك خيمته أول يوم غير في المغارب؟ ليش تريدون تبعدونه عني وتاخدونه مني وأنا ما صدقت. لترد عليها مايزه بغضب: -انكلبتي ولا إيش؟ تحشمي يافانص وين الحيا الهي تلوشك حية بسبع روس. كيف يعني ناخدو منك، راعي ملافظك يابغلة وللا أقول للشيخة أعلقك من لسانك والله.

صمتت مزيونة ونظرت للأرض ولكنها أمسكت بطرف ثوب سالم خفية دون أن تراها مايزه، وأعطته نظرة استعطاف سريعة، فتبسم وفهم أنها تطلب مساعدته، فنظر لمايزه وقال: -يا خالة شوي شوي عليها هي ما تقصد شيء، هي عروس وعم تدلل اتركيها الحين وبعدين أنا بعلقها من لسانها إذا نطق كلمة مو بمحلها، اتركوها علي وسويلم يعرف يأدب. نظرت مايزه لمزيونة التي تبسمت برضى وهي تنظر لسالم بوله وبعيون لا تقاوم، وهمست بصوت مسموع:

-والله الشيخة عوالي ما كذبت وقالت الصدق. أنا رايحة ياسويلم وما تنسى الشيخة تريدك. -بالليل أجيه، قولي لها سالم يقول لك هو ما راح يطلع اليوم كثير تعبان. -صدمت مايزه ورفعت حاجبيها وهي تتمتم: -راح سويلم راااح، والله. مانك هينة يا أم سيقان اطوال. غادرت مايزه وبعد مغادرتها نظر سالم لمزيونة وهمس: -لا تعيدي هي النظرات لي وخاصة إذا حد موجود فهمتي؟ بصوت ناعم سألته: -ليش؟

-هو هيك بدون ليش، وماتتمايعي زايد يامزيونة أنا ما أنحب المايعات. -تؤمر على الروح والقلب يادقة القلب. قالتها بصوت لا يقاوم ونظرة تهدم أقوى الحصون، ففرك سالم وجهه بتوتر ودون مقدمات أكمل ما كان ينوي قبل مجيء مايزه، وانفصل عن العالم أجمع. أما في خيمة رجوه: -رجوه ليش ما طلعتي من الخيمة للحين، ايش هاد الوخم كله؟ قومي قومي جهزت الوكل تعي ناكلوا سوا رابح راح يفطر مع الشباب. ردت عليها رجوه بصوت متعب:

-لا يامعزوزه أنا ما عايزه وكل ولا شيء اتركيني أنام بالله عليكي. -اقتربت منها معزوزه وأزاحت الغطاء عنها فوجدتها كحبة الطماطم، جستها بيدها وانتفضت من شدة حرارتها المرتفعة، جلست بجوارها وأخذت تتفحصها بخوف وهي تقول: -ايش فيك، عشية كنتي زينة وعين الله عليكي وما بيكي شيء، من ايش لهب بجتك الحريق يارجوه وصرتي نار؟ -ما أدري يامعزوزه مانعرف ايش صار لي. -غطيني ودثريني وكتري الغطا حاسة روحي في بركة تلج.

-هااا فقتي وحسيتي بالخسارة وتعبك الندم يارجوه ولا إيش؟ -بالله عليكي حليني وروحي من هنا بلا سالم بلا ندم. -طيب قومي غيري ثيابك هي اللي بقت مي من العرق وأنا ماشية نعملك شي دافي تشربيه وانعدي للشيخة نجيب من حداها أعشاب تطيبك وتهدي النار بجوفك. -اعملي اللي تعمليه بس روحي يامعزوزه واتركيني. غادرت معزوزه الخيمة، وذهبت لخيمة الشيخة عوالي واستأذنت بالدخول. -عمتي عوالي انريد أعشاب للسخونة. -لمين تريدينهم يامعزوزه؟

-رجوه ياشيخة غادية نااار وحرارتها ما تحملتها يدي. -الفانص مرضت.. هاكي الأعشاب جيبيلها منها يامايزه. -أحضرت مايزه الأعشاب وأعطتهم لمعزوزه، وتحركت معزوزه خطوتان بعد أن شكرت الشيخة، ولكنها توقفت واستدارت وسألت عوالي بقلق: -عمتي أنا ايش نسوي مع رجوه وهي من الحين نار الغيرة نومتها؟

-لا هي مو نار غيرة، هي نار قهر وحسرة. الفانص مرضت من حكي عقاب اللي صدها ورجعها خايبة الرجا وقالها إنه خطب غيرها وما يريدها وما راح ياخذها لو آخر بنت بالدنيا. -وهو صدق خطب ياعمتي؟ -خطب ولا ما خطب بيش تفرق يامعزوزه، عقاب مو من مجاويزنا ولا يصير ياخذ من بنات قبيلتنا حتى لو متربي على يدنا، وأنتي تعلمين أعراف القبايل والفانص تعرفها زين.

والحين خدي الأعشاب وامشي سويهن وخليها تتزهمر منهم وقوليلها لسا ماشفتي شيء من الوجع تحملي. غادرت معزوزه دون أن ترد، فكل ما قالته الشيخة هو الحقيقة الكاملة، ولا تعلم لم اختها ترفض الاعتراف بها. وصلت عند باب الخيمة وتوقفت وكأنها نسيت شيئ ما، فاستدارت سريعاً وسألت مايزه: -أقول ياخالة مايزه، ريتك رادة من خيمة سالم، ايش الأخبار؟ أجابتها الشيخة عوالي: -الأخبار زينة يامعزوزه وسويلم سيد الرجال، ومزيونة مهرة وتعجب أي خيال.

-الله يهنيهم ياعمتي، سويلم خوي وأنا بس خفت يكون مكسور على شويقة. -لا يامعزوزه، مايفل المرة غير المرة، وسالم حب، وإن ما طال ما راح توقف حياته. يلا روحي لأختك وبس تطيب قوليلها امشي لعمتك عوالي تريدك. عادت معزوزه وأعدت لأختها الأعشاب وأجبرتها على شربها، وتركتها تستريح، وذهبت للخلاء حيث رابح كان على مسافة من الخيام يجلس بجوار الأغنام. اقتربت منه وجلست بجواره دون أن تلقي عليه السلام، فقال لها متعجباً:

-ليش الزين ما رمى السلام؟ من اللي زعل مليحة قلبي؟ -رجوه وحالها اللي زعلوني يارابح. حزينة عليها وحزينة على سالم وما أدري ايش آخرة الطريق اللي سلكوها. بنت روحي مرضت وهو الله أعلم بحاله. -شوفي يامعزوزتي، إذا على سالم لا تخافين عليه، احنا الرجال، وخاصة رجال القبايل فينا قوة ما يضعفها غياب ألف حرمة ولا حضورهم. ونعرفوا نعيشو حتى بقلب ميت. وإذا على رجوه الله يعين قلبها ويصبرها عاللي جاي. -اختك مطيورة. نظرت

معزوزه لرابح وأردفت بعتب: -يعني يارابح إذا أنا غبت عنك راح تواصل حياتك وتتزوج وحدها غيري وتخلف منها؟ -أي. جحظت عينا معزوزه واعتدلت في جلستها كنمرة تأهبت للهجوم وسألته مرة أخرى: -وتقول أي يارابح؟ -أي.

-شوفي يامعزوزه بدون زعل ولا هجوم ولا أخذ مواقف. إحنا الرجال نعرفوا نفصلو بين القلب والغريزة. يعني القلب مسكون بشويقة والجسد مافي داعي ينحرم من المتعة. بس هذا إذا الشويقة مو موجود. يعني ما قدر ياخذ الوليف ولفه. مضطر يعيش ويمارس الحياة. يتزوج ويجيب أولاد ويمشي دنياه. هادي سنة الله في خلقه. -مثل البهايم يعني، يعيش بلا إحساس ولا شعور، يعيش يتكاثر وبس. -ليش، مين قال أنه ما راح يكون فيه شعور؟

المشاعر أكيد بتكون موجودة، بس مشاعر غير، مشاعر مختلفة، تشبه لمن تكوني جوعانة ونفسك تأكلي شيء معين، بس ما كان موجود، وانحط لك نوع أكل ثاني، فتاكلي لجل تسدي جوعك وجايز يكون الأكل زين ويعجبك واجد. تلفتت معزوزه حولها، فعرف رابح أنها تبحث عن شيء ما يصلح للضرب، فأنفاسها العالية ووجهها المحتقن يقولان أن كلام رابح لن يمر عليها مرور الكرام. ضحك رابح وأمسك يديها وجذبها عليه وهو يقول:

-افهمي يابهيمة. أنا أقول إذا الوليف ما كان معاه ولفه، لكن أنا معي ولفي وشويقي، أمامي كل الأكل اللي أحبه وماني بحاجة شيء ثاني. أني شبعان شبعااااان. تنهدت معزوزه، وشعرت بأنها بدأت تهدأ قليلاً، فبدأ يترك يديها شيئاً فشيئاً، وما إن تحررت يداها حتى شعر رابح برجة قوية ومؤلمة في رأسه من الخلف. كانت ضربة من معزوزه بحجر، أخبرته بها بأن كلامه السابق لن يمحوه أي تبريرات ولا حتى احتضانه لها، وأن الألم بالألم. ابتعد عنها ونظر لها

وهو يفرك مؤخرة رأسه وقال: -حية على أمك يابقرة. انكلبتي؟ -أي انكلبت، ما كان في داعي تحكي هكي، قال الرجل لزوم يعيش ويخلف ويأكل وخرابيط توجع القلب. أنا بس لولا أني أحبك واجد كنت ذبحتك يارابح ودفنتك بمطرحك. أتموت وما توطا وحدة غيري. -معزوزه لا تكتري كلام مالو داعي، تذبحي من أنتِ؟ -أذبحك أنت يارابح، أذبحك لجل ما تتزوج علي بعد موتي ولا تأكل من الزاد شيء لا الأكل اللي تحبه ولا اللي ما تحبه. -يا مجذوبة افهمي علي.

-لا ما أفهم ولا أفهم، والحين أنا عايفالك المكان كله ورادة خيمتي، وبس ترد ما تحكي معي ولا حرف ولا تيجي يمي. -زين وأنا من الحين أنوازي بين صبايا القبيلة واختاري لي عروس بس أعاود القبيلة أتزوجها، أحكي معاها وأروح يمها، وأنتي خليكي بخيمتك لحالك حلال عليكي وحدتك. لم يكاد ينهي كلامه حتى ارتطم شيء برأسه جعله يتألم أكثر وهو يمسك رأسه بكلتا يديه، وحينما رفع رأسه رآها تجري مبتعدة تغوص قدماها في الرمال من شدة الغضب.

فضحك ونظر في راحة يده ليجدها تلونت بالدماء إثر الضربة، فهمس لنفسه: -والله ما ينمزح معك يا كلبة القبايل انتِ. اتريدي تبقي أرملة من جدك يا بهيمة؟ أما في مسكن آدم: -عايدة: أنا حبيت القعدة هنا أوي خلينا شويه كمان. بصراحة هنا المكان الوحيد اللي بحس فيه بالراحة والأمان، واني مطمنة على آدم من كل حاجة، بحس إنه هنا محمي ومتحاوط بسور عالي محدش يقدر يخطيه. غير هناك خالص. -رد عليها محمود قائلاً:

-فعلاً وهذا إحساسي أنا كمان، وبجد الحياة هنا هادية ومريحة وحلاوتها في بساطتها. ترك آدم اللابتوب الذي كان يعمل عليه واستدار ليرد عليهما: -أقول بما أن العيشة هون عجبتكم واجد، إيش رأيكم إذا بعنا كل شيء وجينا هون، نعيش بالقبيلة وأنا أنقل مقر شغلي قريب عليكم، إحنا مالنا شيء هناك غير القصر ومقر الشركات، القصر ابنيلكم أحسن منه إذا تريدون، ومقر الشركات يتغير. إيش قولكم؟

-لا القصر لا، مقدرش أبيعه، هذا المكان اللي اتربيت فيه من صغري وفيه كل ذكرياتي. وكمان أخوك مدفون فيه، القصر محدش يفكر يبيعه نهائي. -خلاص يا آدم سيب القصر، أما بخصوص نقل مقر الشركات فأشوف المكان اللي هترتاح فيه وإحنا معاك. -الحق يا بوي أنا ما أرتاح غير هون، أحس إني أتنفس وأعيش، أما بالحضر أحس حالي سمكة طلعوها من المي.

-خلاص يا حبيبي إحنا في الأول والآخر كل همنا في الدنيا راحتك وإنك تكون بخير، إحنا عايشين في الدنيا دي عشانك أنت يا آدم. -الفترة الجاية حاول تصفي كل حاجة وتعالا وإحنا معاك، وأنا حاسس إن الجاي هيكون أحلى بفضل الله. تبسم آدم وعاد ليكمل عمله على حاسوبه، فالآن فقط سيعود العقاب لسماءه التي اعتاد التحليق فيها حراً طليقاً، ولن يضطر للتحليق وسط أسراب لا ينتمي إليهم ولا هم يرغبون به معهم.

مرت ساعات النهار وغابت الشمس، وها هو سالم يستعد لمغادرة الخيمة تحت أنظار مزيونه المراقبة. نظر إليها وهو يعدل شماغه، بعد أن ربط حزامه على خصره ووضع خنجره في جرابه وسألها: -إيش فيك تناظريني بعيون فيها واجد كلام؟ -لا يا ولد عمي ولا كلام ولا شيء، أنا بس راح أشتاق لك وأريد أقول لك ماتغيب علي. ولا تنساني. يعني خليني ببالك. وأنا بنتظر رجعتك بكل شوق ولهفة وراح أعد الدقايق والثواني وأنت غايب من شوقي لك، فيا ريت ترفق بحالي.

رد عليها سالم وهو يقترب منها إلى أن وقف أمامها وأخذ يداعب خصلات شعرها: -كيف أنساك يعني، أنتِ صرتي حقيقة وأمر واقع ما يتنسى، بس اللي أريد أنبهك ليه يامزيونة أني ما راح أرد للخيمة رأفة بشوقك وانتظارك. أنا برد وقت اللي أنهي كل مصالحي وأحس إني محتاج للراحة. خليني أعتبرك أنت وخيمتك راحتي مو واجبي؛ لأن الواجبات تنكره والناس تتهرب منها وتملها.

أومأت له بالموافقة، فهو يخبرها الآن وبطريقة غير مباشرة بأنه ليس رهن مشاعرها، وأن تتركه وشأنه، وأن كل شيء سيسير على مزاجه هو وحسب هواه، وسيفعل هذا حتماً وعليها أن تختار، إما أن يتم بالطريقة السهلة وبموافقتها، أو بالطريقة الصعبة وتجلب لنفسها المتاعب وهي لا تزال في البداية. تبسم لها وهو يرى طاعتها له وموافقتها على كل ما يقول، وأردف سائلاً: -زين أنا بمشي للشيخة عوالي الحين، تريدين شي قبل ما أروح؟

-لا ما أريد بس غير أنك تدير بالك على حالك. وترد لي سالم. ياسالم. غادر الخيمة سريعاً قبل أن ينظر لعينيها ويعدل عن قرار المغادرة، فلا يعلم أي سحر تمتلكه تلك الملعونة، وأي تعويذة أُلقيت على عينيها! فتح باب الخيمة وخرج منها، ونظر حوله، فإذا بشعور غريب يضرب قلبه كالبرق! شعر بأنه كان داخل عالم آخر والآن عاد إلى عالمه الطبيعي!

وأن الخيمة التي خلفه وما عاشه فيها هو مجرد حلم واستيقظ منه الآن، ووجد عينيه يبحثان عنها بشوق وقلبه اجتاحه الحنين، والرغبة في قربها عادت تراوده من جديد، وبإلحاح أكبر. تقدم نحو خيمة الشيخة عوالي، وأوشك على الاستئذان ولكنه تراجع وهو يسمع مايزه تقول للشيخة: -ياشيخة رجوه تهزي والسخونة ما عايزه تروح، أنا بروحي مشيت لها أشوفها والبنيه حالها صعب واجد.

-والله يامايزه أنا ما أعرف أحس نحوها بالشفقة ولا بالشماتة. أقول كل هذا من تحت إيدها والله يزيدها، ولا أقول مازالت صغيرة ماتدري ايش سوت بروحها؟ -أنتي إذا شفتي حالها ما راح يكون بقلبك عليها غير الشفقة والخوف، البنية شكلها يقول ما راح تصحى من هذا التعب. -ليش ترجفين قلبي وأنتِ تعرفين قلبي رجيج يامايزه، امشي نروح نشوفها وجيبي معك حقيبة الأعشاب كلها. نزلت هذه الكلمات على قلبه كالسهام، كيف ومتى حدث كل هذا لحبيبته؟

لقد غفل عنها يومان، فقط يومان ووصلت لهذا الحال؟! هرول سريعاً نحو خيمتها، نادى باسمها مرة تلو مرة ولم يتلقى رد، فأزاح باب الخيمة ونظر داخلها وليست عادته، لقد فعل فعلة شنعاء وتعدى على حرمة خيمة، ولكن عقله الآن ليس بحالة تسمح له بالتمييز بين الخطأ والصواب.

رآها ممددة ولا أحد بجوارها، فدخل مسرعاً وركع بجانبها، همس باسمها وكم تمنى لو يستطيع احتضانها وأخذ الداء منها، أدار وجهها نحوه وفتحت عينيها فرأى الجحيم فيهما، أغمضت ولم تفتحهم مرة أخرى حتى مع كل محاولاته ليجعلها تعود لوعيها. جسدها يخبر الناظر بأنها وضعت فوق موقد وأُشعلت تحتها النار، أنفاسها لفحت يد سالم وكأنها نفس تنين! ومع كل هذا جسدها يرتجف كورقة شجر تواجه الريح!

تلفت حوله باحثاً عن أي شيء يفعله لها، فلم يجد سوى لحاف إضافي وضعه عليها، وجلس يتأملها بقلة حيلة. يا إلهي طفلته مريضة إلى هذا الحد وتركها وإلتهى بغيرها! دقائق وسمع أصوات خارج الخيمة ميزهم على الفور، كانوا للشيخة ومايزه ومعزوزه، دلفوا ثلاثتهم وصدموا جميعاً من وجوده، نعم كان أمر طبيعي فيما سبق، وأينما تواجدت رجوه تواجد سالم، ولكن الأن الوضع يختلف، وخاصة اليوم!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...