أنهى آدم محادثته مع المندوب وأغلق اللابتوب ونظر للجميع وتبسم ابتسامة جانبية وهو يرى نظراتهم المفهومة. أما أمه وأبيه فكانت نظراتهم مختلفة كلياً، فخر وتفاخر وسعادة بثمار ما غرسه به الشيخ منصور. اقترب آدم من أمه ومال على رأسها وقبلها، ثم قبل رأس أبيه وقال له: -بوي أنا معدي الشركة من غدوة، انريدك تيجي معي وتفهمني كيف كان يمشي الشغل.
تبسم ياسين وهو ينظر لأبيه، وهما يتخيلان منظر آدم وأبيه حين يذهبون لمقر شركتهم ولا يجدون منها شيئاً، مجرد حوائط وسقف وأرضية، لا شركة ولا عمال وموظفين، فقط الرياح تدور بداخلها وتخرج. وكذلك المصنع الذي أضحى مهجوراً ولا يستحق أن يطلق عليه لقب مصنع، وحتى المخازن مرهونة عرفياً.
أما فريال فكانت تنظر لآدم بغل وهو يقف خلف أمه وأبيه، رجل يحمل من صفات الرجولة ما يجعله محط الأنظار، بل يحمل كل صفات الرجولة إن ذُكر الصدق. فعلى الرغم من أن أولادها لا ينقصهم شيء، ولكنهم رقيقون كالفتيات بجانبه، من حيث بنية الجسم وخشونة الصوت وحتى في نظرة العين والثقة بالنفس التي تقطر منه.
فهمت عايدة نظراتها وأخذت تعيذ آدم في سرها من عينيها، بل ومن عيون الجميع. وطلبت منه المغادرة للحديقة وستتبعه هي وأبوه. ومايزه أخبرتهم بأنها سوف ترفع الطعام وتلحقهم على الحديقة بالشاي، وبدأت في إدخال الطعام لحجرتها التي تحمل مفاتيحها في قلادتها دوماً وتجلس أمامها ليل نهار، فقد أدخلت المجمدة والموقد وكل مواد الطعام داخلها، وأصبحت غرفة ومطبخ في آن واحد.
جلس آدم بجوار أمه وأخذها تحت جناحه، وهي أسندت رأسها على صدره العريض الذي يشبه حائطاً يشعر من يحتمي به بالأمان. ونظر آدم لأبيه الذي لاحظ نظراته القلقة له وأردف: -ماتخاف علي يابوي، وليدك مو هداك الصغير صاحب الخمس سنوات اللي تركته بالقبيلة، وليدك صار عقاب كبير ماينقدر عليه، وما يغلبونه كومة فيران كل سلاحهم حفنة سم. كون هاني وطمن قلبك. -دول تعابين يابني مش فيران.
-إي وأنا أكبر قانص للثعابين، وما يحوق في سمهم. قلتلك سابق ماتخاف علي. عايدة: -هتروح الشركة بكرة فعلاً يا آدم؟ -أي يا أمي أنا مانمزح بأمور الشغل بالذات. عايدة: -طيب ممكن أقول حاجة بس من غير زعل؟ -أوووف تستأذنين لتحكي يا أمي، والله انت تحكي ايش ما تريدين وقت ما تريدين ومانزعل منك لو اللي نطقتيته حكم بموتي. عايدة بفزع:
-بعد الشر عنك يا حبيبي الشر بره وبعيد، أوعا تجيب سيرة الموت يا آدم تاني على لسانك، السيرة دي بتخوفني وتقبض قلبي. -سلامة قلبك يا الغالية.. هااا هيا احكي ويش كان بدك تحكي؟ عايدة:
-كنت حابة أقولك إنك هتروح شركة، والشركة فيها عمال وموظفين، ومينفعش يا حبيبي تروح وسطهم وإنت لابس الزي البدوي والعقال كده.. هو انت قمر في كل حالاتك وبأي لبس، بس ياقلب أمك لكل مكان اللبس اللي ينفع فيه، خليني آخدك وننزل نشتري شوية هدوم على ذوقي وأشوف ذوق أمك، من زمان وأنا نفسي ألبسك على ذوقي. آدم:
-شوفي يا غلا قلبي، تو أنا معك إنه ما يصير نروح الشركة بهالملابس وأنا عارف زين إيش اللي بينلبس بكل مكان، بس معذرة منك أنا معي واجد ملابس تنفع للحضر، ماتنسي أني بجامعة والجامعة ما يتعدالها بالزي البدوي. أما مسألة إنك تلبسيني ع ذوقك فهادي بسيطة. خدي مايزه وانزلوا للسوق واختاريلي ملابس بيتي كيف ما تريدين وأنا ايش ما تختاري هنلبس.. بس ماتختاريلي منامات عليها حيوانات وبدلة حمار وحشي وقرد بذيل قطعة وحدة كيف زمان، أنا كبرت الحين هااا.
ضحكت أمه وضحك أبيه أيضاً، وأخذا يملآن عيونهم وقلوبهم منه. وقطعت تأملهم مايزه التي أتت بالشاي ووزعته على الجميع، فشرب منه محمود أولهم وامتعضت ملامحه ونظر لمايزه وسألها: -الشاي دا عامل كده ليه يا مايزه، طعمه غريب أوي؟ -إشرب يا أبو عقاب هادا شاي وعليه عشب من عشبنا ينضف الجسم ويحميه من السموم وينضف البطن وما يخلي بجوفك وصخ. إرتشفت عايدة من كوبها وكانت ردة فعلها شبيهة لردة فعل محمود، وأعادت الكوب لمكانه وهي تقول:
-لأ أنا مقدرش أشرب الشيئ ده، دا طعمه مر أوي! -ما في مجادلة والله لتشربيه ورغم أنفك تشربيه، أنا تعبت وسويتا وعمايل يدي ماتنكب. هادي وصفة نادرة وغالية. نظرت عايدة لآدم فرد عليها وهو يرفع كوبه ويشرب منه: -أنا مادخلني ولا نقدر نسوي شي، واللي مايزه تقوله الكل ينفذه من فم ساكت، لهيك اشربي شايك واتقي شرها.. أنهى كلماته وقام بشرب كوبه على ثلاث مرات متتالية وكأنه يشرب ماء، لا أعشاب مذاقها يشبه مذاق العلقم!
أما ياسين فبمجرد أن رأى الحزب المعادي كله غادر الحديقة، ذهب لحاسوب آدم المحمول وفتحه، وحاول أن يكتب كلمة السر عشوائياً كي يفتحه، ولكن كانت محاولاته عبثاً. فأغلقه كما كان، وذهب ليرتدي ملابسه، وفور انتهائه غادر القصر متجهاً لقسم الشرطة كى يعجل بالتخلص من ذلك الآدم. في البادية.. رجوة: -مسك.. يامسك تعالي هانا، تعالي جدليلي جدايلي. -أي شوي ونجيك بس إنخلص اللي بيدي. -لا اتركي اللي بيدك وتعالى أنا أبدا وأهم. سدينة:
-خدي عنبر تسويلك جدايلك واتركي مسك وراها شغل، عنبر فانص متلك ماتسويلنا شي ولا منها عازه. -لا أنا قلت مسك يعني مسك، اعملي انتي وبتك شغلكم ولا نحلف أجي أخرب كل شي اتعمل. -اتركي اللي بيدك يا مسك وروحي مع المكلوبة أنا ماناقصة وجيج راس، جدليلها راس الجحشة وردي سريع. -والله إنك لو ما زوجة أبي كنت حاسبتك وصلبتك على نخله، بس راح نسامحك كرمال القرابة. -لا وعلى ايش مشكوره. -يابنت مكاسب. -أي بس لا تعيديها.
ذهبت مسك مع رجوة لخيمة مكاسب وبدأت تمشط لها شعرها وتجدله. وأثناء ذلك سألتها رجوة بفضول: -مسك ودي نسألك عن شي وتجاوبيني وتعدمي سدينة أمك إذا ما حكيت الصدق.. -راح نحكي الصدق أكيد وليش لا أكذب يعني؟ -انتِ ماتحبين، يعني قلبك ما زاره العشق، عينك ماتشوف من شباب القبيلة شب وتتمنى يكون زوجك وتدعي ربك بسرك إنه يكون نصيبك؟ تبسمت مسك بخجل وصمتت لبرهة، فاستدارت عليها رجوة وهي تتبسم أيضاً وضيقت عيناها بخبث وأردفت متسائلة:
-ياااا مبين عليكي عشقانة والعشق مالي القلب، هيا قولي من هو واني ماراح أخبر حد وعد. ترددت مسك لثوانٍ ولكنها نطقت أخيراً:
-ماراح أدس عنك يا رجوه انتي أختي حبيبتي وراح أنفضفض معاك، أنا أي عشقانة وكتير كمان، وعلى قولتك كل ما تنظره عيني أنتمناه وندعي ربي يكون من نصيبي وحقي، هو أحسن واحد بكل القبيلة ومو بس أنا اللي أشوفا هكي وأتمنى زوجي، كل صبايا القبيلة متمنياته، هو مافي متله اثنين، بطل مغوار ما يهاب شي والكل يعمله حساب وصاير وسط مجالس الرجال القُمر والباقي كلا نجوم.
رجوة كانت تسمع بإنصات ومع كل جملة من أختها تظلم ملامحها وتحاول أن تفترض أن أختها لا تعني ما فهمته، ولكن جملة مسك الأخيرة قضت على كل الافتراضات.. -هو عقاب القلوب يا رجوه، حبيب القلب هو عقاب. أنهت جملتها وألقت المشط من يدها وبدأت بالتراجع زحفاً للخلف بخوف من رجوة التي تحولت عيناها للون الأحمر وبرزت عروقهم، واحتقن وجهها وبدأت تزوم وتزمجر وكأنها أسد غاضب، وسألتها بخوف: -ويش فيك يا رجوه ليش صرتي هيك خوفتيني؟
انقضت عليها رجوة بحركة سريعة وأمسكتها من تلابيبها وبدأت تحدثها وهي تصك على أسنانها وتهز فيها بعنف: -حيييه عليكي وعلى أمك يا عشاقة يا قليلة الحيا يا كلبة البوادي، والله إنك طالعة على أمك سدينة خطافة رجال، والله اليوم قتلك على يدي والله.. أنهت جملتها واقتربت من مسك لتغرز أسنانها في كتفها لتصرخ الأخرى بأعلى طبقة صوت وهي تقول:
-بعدي عني يا رجوه ايش أنا ايش سويت، يا يمه تعي انجديني يا عنبر يا خالة مكاسب يا أهل القبيلة وااااك عليا انجدوني رجوه انكلبت يا نااااس. وعلى صراخها أتى الجميع، وصرخت أمها سدينة وهي تراها بين يدي رجوة كالدجاجة المذبوحة تتخبط والأخرى تضرب فيها بلا رحمة وتدخلت سدينة تخلصها من بين أيدي رجوة وهي تتساءل ماذا حدث؟ رجوة:
-اسألي بتك الفانص.. والله يا مسك إذا سمعتك تتفوهي باللي حكيتيه قبل شوي ولا حتى تفكري فيه لأذبحك ونحطك بمي مغلي وأنتفك وأشويكي عالسيخ متل الدجاجة.. مابقى إلا بت سدينة كمان والله هاد الناقص! أنهت جملتها ونفضت ثوبها بغضب وغادرت الخيمة تاركة الجميع يسألن مسك ماذا حدث، ومسك تبكي ولا تقوى على الإجابة، ولا تفهم السبب الذي فعلت لأجله رجوة فيها هكذا، فبرغم كل شيء إلا أن رجوة كانت دائماً حنونة معها تسمعها وتنصحها!
أما رجوة فوقفت عند البير وأخذت تحاول تهدئة نفسها، فهي لم تعد تحتمل فكرة أن تذكر أخرى اسم عقابها، هو لها وستأخذه مهما كلفها الأمر، ومالها لا يحق لأحد غيرها مجرد التفكير به. وفي هذه الأثناء اقتربت منها معزوزة وقالت لها دون مقدمات: -مسك قالتلي ليش سويتي فيها هيك، يوصل بيكي لهبال يا رجوه إنك تضربي أختك لجل شي ماراح تحصليه بعمرك لا انت ولا هي، تضربيها لجل حلم مستحيل، تنتفي أختك هي النتفة لجل شاركاتك بحلم؟
-لا مو حلم وراح يصير حقيقة، وعقاب ماراح نخليه يعبر لخيال فانص من فوانص القبيلة من تو. معزوزة: -يا رجوه تتكلمين وكأنك جاهلة بقوانين القبيلة وقوانين كل القبايل، بناتنا ما يزوجها غريب ولا يوطاها لو على قص الرقاب، ماتحمل بناتنا دم غريب فحشاها ولا تختلط الأنساب. -لكن ليش الرجال تتزوج غريبه وتخلط الانساب؟
-لا الانساب ما تتخلط إذا الراجل دارها، لأن وليده ليه ولأسمه وللقبيلة، أما البنت ابنها يصير لأسم أبوه وقبيلة أبوه ونسب أبوه.. ما صارت قبل يا رجوه وماراح تصير، وفوانص القبيلة اللي تتكلمين عنهم عارفين زين إن عقابهم بالنسبة الهن حلم وبس، والوحدة إذا جاها عريس بتوافق وتتزوج.. لأنها تعرف قوانين القبيلة زين. رجوة:
-شوفي يا معزوزة أنا مالي دخل بكل اللي قلتيه، عقاب لرجوه ورجوه لعقاب، ورجوه من يوم يومها ماتخضع لقوانين والكل يعرفني.. انتي تعرفي أنا فانص كيف ما تقولون والفانص ما يوقفها شي، وراح افرجيكم الفوانص ايش تسوي. -تلعبين بالنار وماراح يتحرق بيها غيرك. -ولللك مرحب بالحرايق إذا لاجل عقابي. معزوزة: -وسالم؟ ما فكرتي فيه؟
ماسألتي حالك ايش راح يسوي بعد الكسرة اللي ناويه تكسريهاله، ما فكرتي ايش بيسوي بعد ما أبوكي يموتك ويقبرك وتبلعك رمال الصحرا.. ما قلتي لحالك كيف بيعيش وهو يحبني وما فيه بلاي؟ -سالم مالي دخل فيه، كلمنه يشقهو بروحا، أنا ما قلتلا يرهني ولا قلتلا يحبني، ومو لأنه اهتم بيا شوي ياخذني، مو كل من اهتم بحد يتزوجه. -صايرة مكارة ونكارة وقليلة أصل. -أي مو فانص.. هيك الفوانص تكون.
صمتت معزوزة فالصمت في حرم العند والغباء راحة.. وتحركت رجوة مبتعدة ما إن رأت سالم آت من بعيد. أما هو فتوقف مكانه حين رآها تفر منه، وعاد أدراجه إلى مجلس الشباب كى يشاركهم الحديث عله يلتفت قليلاً عن التفكير فيها. وعادت معزوزة إلى خيمتهم وهي لا تعرف ماذا تفعل مع أختها التي نوت على خلق حرب ضارية لن يحمد عقباها. أما في القاهرة..
بينما آدم جالس في غرفة مكتبه في القصر، والتي كانت لأبيه واستولى عليها عمه، ولكنه أعادها وتخلص من جميع متعلقات عمه، سمع ضوضاء في الخارج وصافرة سيارات شرطة. وقبل أن يفتح باب المكتب ويخرج فوجئ بالباب يفتح بعنف واثنان بالزي العسكري أمامه وأسلحتهم مصوبة عليه، وصوت أمه يتساءل ماذا هناك. فنظر للضابط من خلف رجال الشرطة وسأله بهدوء وثبات: -ويش فيه يا حضرة الظابط، ليش مقتحمين القصر هكي، وليش أفواه أسلحتكم موجهة نحوي شو فيه؟
-إنت آدم محمود؟ -إي أني خير يا باشا؟ وبدون أن يجيبه أعطى أوامره للعسكر: -أقبضوا عليه. آدم: -بأي تهمة؟ -هتعرف كل حاجة في القسم.. وهاتولي اللاب توب دا كمان.
خرج معهم آدم بكل استسلام ولم ينس طمأنة أمه التي تكاد تموت رعباً، وأبيه الذي شحب لونه في التو. ومن نظرة واحدة لياسين ورؤية السعادة التي على وجهه، والشماتة التي تشع من عينيه فهم أنه فعل ما كان يتوقعه، أو ما دفعه هو ليفعله. فتبسم له وهو يطالعه بنظرة أربكت ياسين ولم يفهم معناها، فقد كانت نظرة قوة وثقة في الوقت الذي يفترض به الموت رعباً!
وغادر آدم مع الشرطة في سيارتهم وتبعه أبوه وأمه، ويحيي وياسين أيضاً لم يريدا تفويت هذه اللحظة الفريدة، لحظة القبض على تاجر الأسلحة الصغير. أما مايزه فكانت تصرخ في جميع أنحاء القصر فور رؤيتها لعقاب قبيلتهم تكبله أيدي رجال الشرطة ويسوقونه للقسم وأخذت تهرول خلف فريال وفاطمة أختها تريد الإمساك بهم، ولأنهم يعملون ما سيحدث إن وقعت إحداهن في يديها كانوا يهربون منها بكل قوتهم. أما كارمن وحياة فكل واحدة منهم احتمت بغرفتها
وأغلقت بابها عليها. وكان لفريال الحظ الأتعس، فقد تمكنت مايزه من الإمساك بها وأعطتها من الضرب ما جعل نيران قلبها تهدأ قليلاً. أما فاطمة فاستغلت انشغال مايزه بضرب أختها وهربت لغرفتها وأغلقت بابها عليها وهي تشعر بالرعب من تلك المتوحشة التي أعدمت أختها العافية للمرة الثانية.
في القسم.. دلف عقاب إلى غرفة الضابط، وظل واقفاً، وأمره الضابط بفتح قفل حاسوبه السري، ونفذ آدم وفتح الحاسوب، وبدأ الضابط في تفتيشه ولم يجد به شيئ! لا رسالة ولا حساب تم التواصل من عليه من الأساس.. فنظر لآدم وسأله: -فين يابني المراسلات اللي بينك وبين العميل الروسي؟ نظر له آدم وأردف بدون ذرة خوف: -حزفتهن. رفع الضابط حاجبيه باستنكار، فكيف له أن يعترف أمامه بهذه البساطة! وقال له بنبرة تهديد:
-إنت يابني عارف نفسك بتقول إيه، طيب انت واعي للي بتقوله؟ أنت بتعترف أنك بتستورد أسلحة من روسيا فعلاً زي ما البلاغ بيقول! -أي بعترف إني بستورد أسلحة من روسيا، وإذا بدك تعرف الراس الجبيره اللي عم تاخد مني الأسلحة اعطيني نقالي وأنا أهاتفه أمامك الحين. نظر له الضابط ولا تزال الحيرة تأكل عقله، فمن أين كل هذه الجراءة آتية، على من يستند هذا الشاب في الدولة ليتحدث هكذا؟
وأتاه الجواب سريعاً حين أنهى آدم مكالمته مع المدعو الشيخ منصور، وبعدها بدقيقة واحدة أعلن هاتف الضابط عن اتصال جعله ينتفض واقفاً ويضرب التحية العسكرية وهو يجيب عليه: -اهلاً وسهلاً معاليك التليفون نور، ياخبر ياباشا بس كده إنت تؤمر، إعتبره تم في الحال، حاضر سعادتك تؤمر، سلام يافندم، أمر جنابك، حاضر، حاضر، سلام، سلام، في رعاية الله وحفظه،، سلام. أغلق هاتفه ونظر لآدم وهو يزدرد لعابه وسأله هامساً: -إنت مين؟ فأجابه آدم:
-حيالله شخص. الضابط: -طيب اقعد اتفضل واقف ليه اقعد. -قبل لا أجلس ولا شيء ودي أطمن بال أهلي اللي نشف قلوبهم القلق.. إذا بتسمحلي يعني هم بالخارج. الضابط: -طبعاً طبعاً، إتفضل أقعد وهجيبهملك هنا، وأهو بالمرة نتعرف على العائلة الكريمة ويحصلنا الشرف. أنهى كلماته ونادى على الشرطي الواقف خلف الباب، ولما أتاه أمر الضابط: -إطلع يابني قول مين تبع آدم بيه ودخلهم هنا.
نفذ الشرطي الأمر وذهب وعاد بعد دقائق بمحمود وعايدة ويحيي وياسين أيضاً، فالموقف لا يُفوت من وجهة نظرهم، والشماتة لا تقدر بثمن، ولكن كل هذه الأماني تبخرت وهم يدلفون خلف محمود وعايدة ويرون استقبال الضابط لهم، ولهم هم أيضاً، ولا سيما حينما أمر الضابط الشرطي بإحضار القهوة للجميع، وأجلسهم بعد ترحيب حار! الضابط:
-أهلاً وسهلاً يابهوات، إهلاً ياهانم شرفتونا ونورتونا، إحنا آسفين على سوء التفاهم اللي حصل ده، وآسفين على إزعاجكم وإزعاج آدم بيه. الظاهر إن البلاغ كان كيدي، وطبعاً زي ما حضراتكم عارفين إننا لازم نتحرى عن كل حاجة دا أمن بلدنا ومينفعش التهاون فيه. محمود: -اه طبعاً طبعاً يا حضرة الظابط فاهمين. عايدة: -يعني ابني هيخرج من هنا؟ الضابط: -ابن حضرتك ضيف عندنا لحد ما تشربوا قهوتكم وهيروح معاكم يافندم.
تبسمت عايدة وتنهدت براحة وهي تنظر لقرة عينها، وآدم نظر بطرف عينه على عمه وابنه ويكاد يقسم أنه يشم رائحة الحريق الذي بداخلهم من مكانه. مد يده للضابط وأشار له على حاسوبه، فأغلقه الضابط وأعطاه له، فاخذه آدم ونظر للضابط وأردف بتعالٍ مقصود: -ياسيادة الضابط أرجوا بالمرة القادمة تتحرون زين قبل لا تتهجمون على بيوت الناس وتاخذوهم هكي. -وعد مش هتتكرر تاني يا آدم بيه.
أحضر الشرطي القهوة وتناولها الجميع، ونهض آدم وأمه وأبيه، وغادروا القسم، ومن بعدهم يحيي وابنه اللذان كانا يمشيان وهم يشعرون بأنهم في حلم غريب، فمن أين لآدم كل هذا.. من أين حصل على كل هذه السلطة في قلب الصحراء الجرداء.. وهذا الدرس الثاني لهم من عقاب، بأن سلطة الحكومة ليس لها أي سطوة عليه، وسلاحها ذو نصل بارد.
عادوا جميعاً إلى البيت، وقص يحيي على فريال ما حدث، وما زاد كلامه إلا البغض داخلها لآدم، وأخذت تفكر ماذا ستفعل من أجل أن تنتهي هذه المهزلة، وتتخلص من محمود وزوجته وتلقي بهم خارج قصرها، ويعود ذلك الهمجي من حيث أتى ويعيش وسط الجمال في الصحراء. في اليوم التالي في القصر..
كان الجميع جالسون حول مائدة الطعام لتناول الإفطار، وفجأة نظر الجميع لباب غرفة آدم الذي فُتح وفاحت رائحة عطر جعلت حواس الجميع تنتبه، وشهقات كُتمت حين وقعت العيون على آدم وهو واقف ببدلته السوداء ورابطة عنقه وساعته التي يرتديها، وشعره الطويل المصفف بطريقة ساحرة. وهمست حياة: -مين ده؟ أما كارمن فهمست هي الأخرى: -What The Hell?
والشباب الأربعة اكتفوا بالتصنم، أما عايدة فكانت تسمي وتصلي عليه في نفسها وتعيذه بكلمات الله التامة، ومايزه كانت تصدح بالصلوات، وفريال شعرت وهي تنظر إليه بأن مثله خُلق للموت لا للحياة وسط البشر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!